الاربعاء 8 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > إصدارات وقراءات > المعجزة والإيمان في الإسلام

المعجزة والإيمان في الإسلام

الثلثاء 29 تموز (يوليو) 2008
بقلم: لؤي حسين  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك


يأخذنا جورج طرابيشي في جولة مزعجة يطلعنا فيها على حكايات معجزات متنوعة في كتابه "المعجزة أو سبات العقل في الإسلام" الصادر مؤخرا عن رابطة العقلانيين العرب بالتعاون مع دار الساقي. الإزعاج الذي يصيبنا جراء قراءة هذا الكتاب لا يأتي من طريقة عرض الكاتب للموضوع ولا من طريقة تحليله لظاهرة المعجزة في الإسلام، بل على العكس فقد يبدو أن الشيء الممتع في الكتاب هو جدية الكاتب بتقصي أطراف مسألته وبإيلائه، كعادته، موضوع بحثه كل اهتمام، ممارسا موهبته النقدية. فنراه في هذا الكتاب لا يفوّت آية قرآنية أو حكاية ذات صلة بالموضوع إلا ويعرضها ويوردها، وربما سيرى البعض أنه أثقل على كتابه بعض الشيء بكثرة ما يورده من روايات مع تفاصيلها. وقد يكون هذا الإسهاب في عرض الحكايات جاء ليخدم مشروعه النقد – نقدي، الذي يخبرنا في المقدمة بأنه في صدد إنجاز الجزء الخامس والأخير منه، أكثر مما يخدم معالجة موضوع "المعجزة ومنطق المعجزة في الموروث العربي الإسلامي". لدرجة يبدو معها هذا الكتاب بمثابة هامش طويل ملحق بمشروعه "نقد نقد العقل العربي".

الكتاب مزعج بمقدار ما يواجهنا بضخامة حجم الخرافة واللامعقول في موروثنا الثقافي المكتوب والمعتدّ به، ولا يقتصر وجوده فقط على صعيد الموروث الشفويّ. وهذا الإحساس ربما يكون متأتيا من شعورنا أننا ما زلنا ننتمي إلى هذا الإرث ولم نحقق أي قطيعة معه على أيّ مستوى. فالحديث عن تاريخنا الإسلاميّ يختلف عن الحديث عن تاريخـ"نا" الجاهلي. فبأحسن الأحوال يمكن أن نعتبر الجاهليين أسلافا لنا لا أكثر، بعد أن تبرأنا منهم أو من تبعاتهم منذ جاء الإسلام وأقام قطيعة معهم ومع ثقافتهم وموروثهم. نتعاطى معهم بطريقة موضوعية محايدة فلا نحمل وزرهم إن وأدوا بناتـ"هم" أو استباحوا نساء"هم"، فتاريخهم ليس تاريخنا، بخلاف موقفنا تجاه تاريخنا الإسلامي في قتل بناتـ"نا" واستباحة نسائـ"نا". وهذا يتطلب منا عدم الاستخفاف بما نراه من خرافة معاصرة تشغل أذهان ناسنا الراهنين وعدم اعتبارها مجرد نتاج عامّة جهّل (ليس آخرها رؤية انعكاس صورة صدام حسين يوم إعدامه على سطح القمر)، فالأمر أعمق من ذلك وأخطر، وهذا ما يحاول أن يشير إليه طرابيشي في كتابه الجديد.

وإن كان العرب المعاصرون ما زالوا عاجزين عن إقامة القطيعة مع هذا الموروث الخرافي، فإنّ الإسلام القرآني أيضا أخفق، رغم تمكّنه من إقامة قطيعة باتة مع الجاهلية، بإلغاء المعجزة رغم كل الموقف الحاسم للنص القرآني بحجب المعجزة عن الرسول وحصرها فقط بالله، ورغم كل التعفف الإلهي عن الإتيان بمعجزات جديدة. ويعرض لنا طرابيشي في كتابه هذا عشرات الآيات التي تصرّح بامتناع الله عن القبول باعتماد المعجزة لإثبات حقيقته وصدق رسوله، رافضا الخضوع لمطالب اللامؤمنين أو المؤمنين أو حتى الرسول بتقديم أية معجزة جديدة، مكتفيا لإثبات ألوهته بقرآنه الذي يرى أنّ أيّ بشريّ عاجز عن الإتيان بمثله، ومحاججا بمقدرته على خلق هذا الكون بضخامته وما يتصف به من تعقيد ودقة في نظامه ونواميسه، معتبرا أن في ذلك أكبر دليل على صدق قوله وقول رسوله.

إلا أنّ الدين الإسلامي، بعد موت رسوله، ما كان يمكنه الاستمرار في نشر دعوته وترسيخها بالاعتماد فقط على معجزته العقلية والقرآنية، بل احتاج إلى الاستعانة بآلاف المعجزات ونسبها إلى رسوله. فما الذي جعل المسلمين يصدقون ويقبلون ويعتمدون روايات تؤكد قيام الرسول بمعجزات حسية ولفظية، تفوق معجزات سابقيه من الأنبياء، مرتكبين بذلك مخالفة خطيرة للنص القرآني؟

هذا ما يحاول جورج طرابيشي الإجابة عنه، فيعتبر أنّ السبب الرئيسيّ (وتقريبا الأوحد حسب الكتاب) يعود إلى الفتوحات الإسلامية لبلدان أعجمية لا تعرف العربية ولا يمكنها استكناه المعجزة العقلية الكامنة والظاهرة في النصوص القرآنية. هذا الواقع، حسب طرابيشي، تطلّب من المسلمين الفاتحين، بهدف جذب شعوب البلدان المفتوحة إلى الإسلام، مجاراة ثقافة هذه الشعوب التي تدين في أغلبها بالمسيحية واليهودية (كالعراق والشام)، والتي تبني اعتقادها وإيمانها الديني على مقدرة أنبيائها الإتيان بمعجزات تكتسب مصداقيتها من ورود حكاياتها في كتبهم المنزلة.

ويستنتج المؤلف هذه الفكرة من خلال تتبعه تاريخ ورود روايات معجزات الرسول في الأدبيات الإسلامية، مبتدءا بسيرة ابن هشام التي تعود إلى مطلع القرن الثالث الهجري، مارا بكتاب "أعلام النبوة" لأبي حسن الماوردي، في النصف الأول من القرن الخامس، وبعده كتاب "دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة" لأبي بكر البيهقي المعاصر للماوردي، وبعده كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض في النصف الأول من القرن السادس، وكتاب "البداية والنهاية" لابن كثير في القرن الثامن، وبعده كتاب "السيرة الحلبية" المصنفة في القرن الحادي عشر الهجري، وفي هذا الكتاب يلحظ طرابيشي أن عدد معجزات الرسول بات يربو على ثلاثة آلاف معجزة. وإضافة إلى كتب السيرة النبوية المعتمدة عند السنة فإن الكاتب يتقصى مسار المعجزة في كتب الشيعة، ويبدأها في كتاب الخصيبي مصنف "الهداية الكبرى" في بداية القرن الرابع، الذي يذكر معجزات علي بن أبي طالب إضافة لمعجزات الرسول من زاوية النظر الشيعية، وكتاب "دلائل الإمامة" لمحمد بن جرير الطبري الشيعي الصغير، ولسميّه الكبير كتاب "نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة" الذي يستتبع فيه كاتبه معجزات النبي بمعجزات الأئمة، ولا يفوت طرابيشي ذكر كتب شيعية أخرى كـ"عيون المعجزات" لحسين بن عبد الوهاب و"مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر ودلائل الحجج على البشر" للبحراني، الذي توفي عام 1107 للهجرة، الذي بلغت عنده معجزات الأئمة أكثر من ألفي معجزة. كما لا يفوت طرابيشي تبيان الفارق النوعيّ بين المعجزات السنية والمعجزات الشيعية التي فاقت الأولى غرائبية بدرجة كبيرة. لكنه في سياق قراءته لم ينوّه إلى مكانة كتب السيرة عند المسلمين، فإن كان القارئ لا يعرف هذه المكانة فقد يخال أن موضوع الكتاب مسألة هامشية في الإيمان الإسلامي.

إن البداية المتأخرة لرواية المعجزة الإسلامية هي ما دفع بالكاتب إلى البحث عن أسباب ولّدتها عوامل تزامنت مع هذا النشوء المتأخر، مفترِضا سلفا وجود أسباب خارجة عن طبيعة الاعتقاد الديني. فكان عامل الفتوحات في بلدان أعجمية ومسيحية هو السبب الرئيسي لظهور روايات المعجزة الإسلامية. إلا أنّ هذا السبب لا يفسر المسار التضخمي التصاعدي لروايات المعجزة بين بدايات ظهورها في الأدبيات وبين أواخرها. هذا المسار الذي يوليه الكاتب اهتماما كبيرا من خلال عرضه وتقصيه وتعداده، لا يبيّن لنا أسبابه، اللهم إلا إذا استنتجنا ذلك من العنوان الفرعي للكتاب: "سبات العقل في الإسلام"، أي أن المعجزة لعبت دورا رئيسا في هذا السبات للعقل، الذي بدوره حماها وضخمها وألغى إمكانية محاكمة منطوقها ودلالاتها ومعارضتها القرآن. فعجمة اللسان كان من المفترض أنها فكت بعد مضيّ عقود على الفتح الإسلامي، وانضمام أغلب شعوب المنطقة إلى الدين الجديد والانضواء تحت راية دولته.

بناء التفسير على تأخر ورود روايات المعجزات إلى أدبيات القرن الثالث يفترض، ولو ضمنا، أن هذه الروايات ما كان لها حضور أو انتشار بين المسمين قبل ذلك التدوين. وعلى هذا الظهور المتأخر يبني الكاتب رأيه بأن دور المعجزة في الإسلام جاء معاكسا لما كانت عليه المعجزة المسيحية التي جاءت لتخلق الإيمان، أما في الإسلام فإن "الإيمان هو الذي خلق المعجزة". معتمدا بذلك على أن "أدبيات المعجزات لم تنشأ وتتطور إلا بعد أن أسلم ليس فقط مسلمو الصدر الأول، بل كذلك أجيال متتالية من مسلمي البلدان المفتوحة".

إن ورود "عشرات من الآيات التي تعلّل، على لسان اللّه نفسه، امتناعه عن إتيان المعجزات التي يطالبه بها رسوله أو المؤمنون به، وعلى الأخص اللامؤمنون"، إضافة إلى تنوعها والتباين في تواريخ تنزيلها، يشي بالحضور الطاغي للمعجزة عند المؤمنين واللامؤمنين، حتى خلال حياة الرسول ومرحلة الوحي. وليس خافيا أنه لم يكن جميع من أسلم يمتثل امتثالا تاما لعقيدة الإسلام وأخلاقه، لهذا يقول فيهم القرآن: "قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" (الحجرات: 14). وهناك العديد من الآيات التي تتحدث عن ضعف العقيدة عند المسلمين الأوّل، وبالتالي سيكون من المرجّح أنهم خالفوا القول القرآني بموضوع المعجزة كما خالفوه بأمور أخرى، من بينها صدق الإيمان، واجترحوا معجزات نسبوها إلى الرسول منذ ذلك الحين.

فإن كان هذا حال أصحاب الرسول ومعاصريه والقريبين من دياره، فكيف ستكون طبيعة انتماء وانصياع القبائل والأعراب الأبعد سكنا ومسافة، بل والمختلفين في العربية عن لغة قريش التي استعان بها القرآن لتحمل بلاغته وإعجازه. هذا الإعجاز الذي لم يكتمل إلا مع اكتمال النص القرآني، الذي من المتوقع أنه ما كان يصل للقبائل البعيدة إلا بشكل متقطع وغير دقيق، وربما غير صحيح. وربما تكون بعض الروايات الإعجازية قد تم تناقلها ذلك الحين على أنها آيات قرآنية، ما ساهم، في وقت لاحق، في تصعيب جمع مصحف عثمان لتنقيته من مثل هذه الحكايات.

هذا الجانب لا يوليه طرابيشي اهتماما، بل يمكننا أن نفترض العكس حين يفترض، ضمنا، أن جميع سكان الجزيرة العربية تخلوا عن فكرة المعجزة استجابة للقول الإلهي. ولو كان الأمر كذلك، أو لو كان الأمر بهذه البساطة لما احتاج الله تكرار موقفه من المعجزة في عشرات الآيات، وجاءت جميع هذه الآيات ردا على وقائع تطالب بها. هذا إضافة إلى أن طرابيشي يعتبر أن طلائع المسلمين الأول لم يكونوا مضطرين إلى التنازل أمام ثقافة ومعتقدات شعوب الجزيرة، خلافا لموقف أخلافهم من ثقافة اليهود والمسيحيين في الشام والعراق، ولم يعتمدوا في نشر دينهم والدعوة إليه إلا على النص القرآني وإعجازه اللغوي والبياني. بل يمكن أن نلحظ أن اقتناع الكاتب التام بأن السبب الوحيد لتمخض المعجزة الإسلامية هو تأثير شعوب البلدان المفتوحة، حيث يعتبر أن مسلمي الجزيرة، وبالأخص مكة والمدينة، بقوا نظيفي الاعتقاد الديني الخالي من المعجزة ردحا طويلا من الزمن، إلى أن تغزى هذه المناطق ثقافيا بتأثير من "عشرات الألوف من الأرقاء والسبايا" الذين جُلبوا إلى المدينة لتصير "نقطة اتصال كبرى بالبلدان المفتوحة".

ومع التفات طرابيشي إلى النبوءات الرسولية والإمامية يحصي نحوا من مئة نبوءة عند ابن كثير، ويرى أن تسعة أعشارها "تنحصر في مجال واحد: الحياة السياسية للأمة في عهود الخلافات الراشدية والأموية والعباسية"، وجميعها "تتغيا الرفع أو الحطّ من شأن شخصية سياسية بعينها، أو التكريس الإيجابي أو السلبي لحدث سياسي بعينه". إلا أنه يعتبر أن هذا الصراع السياسي بين الفرق الإسلامية لم يكن له دور بتوليد المعجزة، بل استفاد من وجود منطق المعجزة وقام بتوظيفه. أي أن المعجزة لم تكن حاضرة كأداة في بداية هذا الصراع لكونه كان سابقا على اتساع الفتوحات التي تسببت بنشوء المعجزة الإسلامية. غير أن هذا ليس مقنعا كفاية لكون طبيعة هذا الصراع السياسي أحوجت جميع الفرقاء منذ بداياته المبكَرة إلى تجييش موالين ومقاتلين في غير رقعة جغرافية، وبالتالي فمن المفترض أنها تطلّبت لتأمين هذا العديد من المقاتلين إلى أكثر من الإعجاز القرآني.

إلا أن العامل السياسي في اعتماد منطق المعجزة لم يقتصر على تبرير مواقف الأطراف المتنازعة تجاه بعضها، بل جميع هذه الفرق كانت بحاجة لتثبيت شرعيتها في السيطرة السياسية على أهالي الجزيرة وأراضيها وجميع البقاع المفتوحة، بمن فيهم المسلمين والرعايا. وجميعها كانت تتنطح للحكم باسم الإسلام ورسوله، فكان لا بد لها من اعتماد أيديولوجيا لا يكفي النص القرآني لملء جميع مستويات خطابها، ولا تكفي قوة السيف لتثبيت شرعية وأحقية الإسلام ورسوله في السيادة على الناس أجمعين، التي يحتاجها خلفاؤه ليستمدوا منها شرعية التسلط على البلاد والعباد: فكلما زادت مقدرات الرسول الإعجازية زادت شرعية خلفائه.

لم يفت طرابيشي هذا الجانب الأيديولوجي، لكنه يرى أن حضوره جاء متأخرا وتاليا ومستفيدا من منطق المعجزة وليس عاملا رئيسا في تولدها: "فلنا أن نلاحظ أن مؤسسة الخلافة ـ التي باتت مؤسسة تمثيلية لأهل السنّة في عهد المتوكل الذي نفّذ انقلاباً ثقافياً حقيقياً برده الاعتبار إلى أحمد بن حنبل وبإحلاله أهل الحديث محل المعتزلة كطبقة مثقفة سائدة ـ وجدت نفسها أمام طلب إيديولوجي ملحّ لا بدّ من تلبيته: إعادة تأسيس الإسلام كديانة معجزات ونبوءات مثله مثل اليهودية والمسيحية من قبله".

سيكون من الصعب التفكير بأنّ العقل المعجزيّ الذي كان أهل الحجاز مسكونين به ـ استنادا للنص القرآني ـ قد غاب لبضعة عقود ليتم استيلاده مجددا بضغط الضرورة الثقافية، وليبقى إلى يومنا هذا مسيطرا على العقل الإسلاميّ وركنا أساسيا في الإيمان، إن كان عند السنة أو عند الشيعة. فأغلب الإيمان السنّيّ اليوم يقوم على السيرة والسنة النبويتين المليئتين بروايات المعجزات، والإيمان الشيعيّ يقوم في أغلبه على المقدرات الإعجازية ليس لأئمتهم السابقين فقط بل لأوليائهم المعاصرين أيضا.

فعلى الأرجح أنه كان يوجد منذ البداية إسلام قرآني وإسلام شفوي يمكن توصيفه بالشعبي. إذ يلاحظ طرابيشي: "تتعدد الإشارات لدى الشافعي وغيره إلى أنه قد وجد، في الصدر الأول، قرآنيون خلّص لم يقيَّض لمذهبهم البقاء"، وهؤلاء ما كانوا ليوجَدوا إلا في مواجهة طرف آخر شفوي أو سني صاحب الحضور الأقوى عند عامة المسلمين، ما جعله ينتصر عليهم ويقوّض مذهبهم ويسيطر منذ ذلك الحين إلى الآن، بعد أن شرعن وجوده، ولو بشكل متأخر، في كتب السيرة والسنة النبويتين.

واستناد إلى هذا يمكننا الاستنتاج أن المعجزة التي غابت عن الإسلام القرآني لم تغب عن إسلام السيرة والسنة النبويتين منذ كان هذا الإسلام شفويا غير مدوَّن، وكان لها دوما دور كبير في التدين الإسلامي، أسوة بذات الدور في المسيحية. ولقد أصاب طرابيشي بقوله إن "الحضور المركزي للمعجزة في الأناجيل وأعمال الرسل قد حال دون انفلات الخيال من عقاله ودون اختلاق معجزات لم يَرد لها ذكر في هذه النصوص التأسيسية [ما يخص المسيح وحوارييه فحسب]. وبالمقابل، إن الغياب التام للمعجزات النبوية في النص القرآني ـ وللمعجزات الإمامية في النصوص التأسيسية الأولى ـ قد أطلق العنان للأدبيات المعجزية اللاحقة لتتخيل ولتفرط في التخيل. وهكذا لا تكون المعجزة في الإسلام قد انعتقت ـ مثلها مثل المعجزة في أية ديانة أخرى ـ من أسر الواقع وحده، بل كذلك من أسر النص. وهذا ما أطلق في الإسلام المتأخر ظاهرة تضخمية لم تعرف المسيحية نظيرها مع أنها في الأساس ـ وبعكس حال الإسلام ـ ديانة معجزات".

في الختام يمكن أن نتساءل: ماذا لو اقتصرت الفتوحات الإسلامية على المناطق الناطقة بالعربية، أو على الشعوب التي لا تدين بديانات كتابية تقوم ـ في جانب رئيسي منها ـ على المعجزات، أو لو أن الفتوحات لم تكن سريعة وتعتمد الحرب واكتفت بالطريقة التبشيرية، فهل كان الإسلام يبقى خاليا أو نقيا من المعجزة؟ وهل يمكن لأي دين أن يتخلى عن المعجزة؟ بل وهل يمكن لعقيدة أن تقوم على العقلانية فقط؟ على هذا يجيب طرابيشي بالإيجاب من خلال خاتمة قصيرة يدعو فيها إلى ثورة كوبرنيكية على صعيد العقل، "ثورة عقلية أكثر مما هي محض ثورة علمية". إن "الانقلاب الكوبرنيكي المنشود في الثقافة العربية الإسلامية يمكن أن يأخذ ـ ضمن جملة أشكال أخرى ـ شكل عودة إلى الإسلام القرآني دون ما عداه. واليوم، كما بالأمس البعيد، فإن القرآنيين الخلَّص يمكن أن يضطلعوا بدور ريادي في هذا الانقلاب".

وكأنّ جورج طرابيشي في هذا الاقتراح يسلّم نهائيا بعجز تيارات الحداثة العربية عن إقامة الفصل مع الدين الإسلاميّ وتحييده عن المجال العام إلى داخل الصدور ودور العبادة، فيقترح طريقا آخر يعتمد التحالف مع المسلمين القرآنيين الذي في أغلبهم يعتبرون أنه لا دخل للإسلام في السياسة ونظم الحكم.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- جورج طرابيشي
29 تموز (يوليو) 2008 02:03

مع تقديري لتقييم الزميل لؤي حسين لدراستي عن ادبيات المعجزة في الاسلام فإن لي ملاحظتين آمل ان يأخذهما -ومعه القارئ- بعين الاعتبار: 1-ان يكن منطق المعجزة قد فرض نفسه مع التحول من الاسلام القرآني الذي كان العرب هم المخاطبين فيه حصراًالى اسلام الفتوحات غير الناطق اهلها بالعربية ،فإن ذلك يصدق على الاسلام "السني"في المقام الاول.اما تطور منطق المعجزة في الادبيات الشيعيةالى حد تضخمي فمرده على العكس الى الاضطهاد والعجز عن الفعل في الواقع وفي التاريخ. 2-اني لست يائسا من "ثورة" اوقطيعة الحداثة، ولكني اعتقد ان من شروطها حدوث ثورة لاهوتية لا يزال الاسلام المعاصر بأمسّ الحاجة اليها.والحال ان "القرآنيين"هم المرشحون-ان وجدوا-لإنجاز ثورة الاسلام اللاهوتية التي هي من المقدمات الضرورية لإنجاز قطيعة الحداثة.وهذه العودة الى القرآن هي التي ستمثل تورة الاسلام الكوبرنيكية.


الرد على التعليق

- دارين أحمد
29 تموز (يوليو) 2008 04:22

اعتقد أن فكرة الثورة "اللاهوتية" الممكنة مقابل الثورة الفلسفية غير الممكنة حاليًا، وهذا ما ذكره طرابيشي في ختام كتابه مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، والتي هي أحد أساسيات مشروعه الفكري، فكرة مقبولة على اعتبار أنها تفتح المجال لمشاركين من الجهة الأخرى موضع الجدل وتستبعد الفصل الأبيض الأسود بين الساعين إلى بيئة إنسانية أفضل في عالمنا العربي. الهدف ليس القضاء على الإسلام بل على مظاهره التي تلغي الحاضر لصالح الغائب، الحي لصالح الميت الخ. الفكرة الجديدة التي قرأتها الآن هي في تعليق طرابيشي على قراءة حسين بأن العودة إلى القرآن هي التي ستمثل هذه الثورة الكوبرنيكية، في الوقت نفسه الذي كان فيه، ومن خلال المقطع المذكور في القراءة، قد قال أن العودة القرآنية –ضمن جملة أشكال أخرى- ستلعب دورًا في هذه الثورة المنشودة؛ خاصة أنه قد وضع في التعليق وبين معترضتين جملة "إن وجدوا"، فهل هي إحالة يائسة من إمكانية إصلاح الأوضاع الإسلامية؟ لإنه إن كانت الثورة اللاهوتية من شروط ثورة الحداثة، وهذه الثورة اللاهوتية غير ممكنة بحد ذاتها فإن الأستاذ طرابيشي يعود ويؤكد في رفضه اليأس أنه يائس. شكرًا بالطبع للأستاذ طرابيشي الذي كان مدخلي إلى الفكر الفلسفي العربي على علاته.


الرد على التعليق

- صالح الحديدي
4 آب (أغسطس) 2008 06:53

اخي ابوحسن ،هذه الآية ليست مطلقة بل نزلت حصرا في قسمة الغنائم، ونصها الكامل:(ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله ورسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما اتاكم من الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).


الرد على التعليق

- أبو حسن
4 آب (أغسطس) 2008 07:07

ما هي مقومات الثورة اللاهوتية المطلوبة في الإسلام ؟

ألا تعتقد أن من رفعوا شعار (القرآن وحده) سيقعون في أزمة إشكالية حين يقول لهم القرآن (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ؟

هل مرّ على المسلمين عصر، منذ وفاة نبيهم، نحوا فيه سنة رسولهم كاملة واعتمدوا القرآن والقرآن فقط مصدرا لتشكيل عقليتهم ؟

فإن كنت تطلب هكذا ثورة، أي ثورة مرتكزة على القرآن (التراث)، فما هي المرتكزات التراثية التي ستقوم عليها هذه الثورة؟


الرد على التعليق

- صالح الحديدي
5 آب (أغسطس) 2008 07:40

اخي ابو حسن،انت تفترض ان كل ما قيل ان الرسول قاله قد قاله فعلا مع انه ما قيل ان الرسول قد قال الا في القرن الثاني فصاعدا،والدليل أنه ما من "حديث" وردناالا كان عدد رواته حسب سلسلةاسناده المفترضة ثلاثة اواكثر، مما يعني ان وضعه على لسان الرسول كان في الجيل الثالث فصاعدا، وهذا ما نبه اليه في حينه بعص المعتزلةالذين يصح القول فيهم انهم كانوا "قرآنيين" لا "حديثيين".


الرد على التعليق

- أبو حسن
5 آب (أغسطس) 2008 11:35

أخي صالح،

إن كون طرف هذه الآية جاء بعد خبر قسمة الفيء، لا يجعل منه خاصا في هذه الحادثة، بل اللفظ على عمومه…

وها هنا إشكالية…

فمن يدعو للثورة القرآنية، إما أن يكون مؤمنا بأن القرآن من عند الله، وهنا يقع في إشكال إيحاء القرآن عبر الرسول المكلف بتبليغه وبيانه …

أو أن يكون مؤمنا بأن القرآن هو كلام محمد، وهنا إشكال أيضا، كيف يأخذ منه القرآن فقط ويذر باقي كلامه …

فتأمل …


الرد على التعليق

- أبو حسن
6 آب (أغسطس) 2008 08:05

عزيزي صالح،

دعنا نحاول مناقشة أسس الثورة القرآنية المطلوبة… والسؤالين الذين طرحتهما آنفا هما سؤالين محوريين للثورة المطلوبة… فكيف ندعو لتأسيس ثورة قائمة على القرآن إن لم نكن متفقين على ماهية القرآن؟ دعنا نتفق على المحور الأول ثم ننتقل للمحور الثاني…


الرد على التعليق

- صالح الحديدي
7 آب (أغسطس) 2008 02:41

اخي ابو حسن ،قطيعة الحداثة تقوم على عكازين :ثورة لاهوتية تعني المؤمنين وثورة فلسفية تعني اللامؤمنين.ومن منظور الثورة الفلسفية نستطيع ان نطرح سؤال ماهية القرآن من خارجه.ولكن من منظور التورة اللاهوتية ليس لنا ان نطرح سؤال هذه الماهية الا من داخل القرآن نفسه باعتباره في نظر المؤمنين كلام الله.وانت لا تستطيع استبعاد المؤمنين من ثورة الحداثة،ولذا لا مدخل لك اليهم الا من خلال رفع شعار العودة الى القرآن في حركة انقلابية تكاد تمثل بالنسبة الى الاسلام كما قال الطرابيشي ثورة كوبرنيكية.


الرد على التعليق

- دارين أحمد
7 آب (أغسطس) 2008 06:19

اتفق مع فكرة الثورة اللاهوتية والتي يمكن تسميتها إسلاميًا مثلاً ثورة تأويلية، مقابل تخوفي من اختيار الثورة القرآنية فحسب. فكما يشرح أبو حسن اعتقد أنه حتى من منظور المؤمنين لا ينفصل القرآن عن باقي أسس الإسلام وإن كان أكثرها قداسة. قد تعمل الثورة القرآنية على خلق انقسام اساسي ليس بين المجددين والتقليديين بل بين القرآنيين و"المسلمين". بالإضافة إلى ذلك توجد مساحات واسعة في السيرة النبوية هي أماكن مفتوحة لخلق حراك جديد في الإسلام. لا نعرف كثيرًا عن سيرة محمد قبل الأربعين مثلاً. ومؤخرًا حاول محمد العمار، وهو من جماعة جودت سعيد في سوريا، اكتشاف لاعنفية قيام دولة محمد مستندًا بالطبع على القرآن وعلى السيرة - يمكننا أن نناقش مدى اتفاقنا مع لاعنفية دولة محمد سابقًا ولاحقًا- ولكن أهمية هذه المداخلة ليست في اتكائها على القرآن فقط بل في محاولة فتح أبواب رؤية تاريخية جديدة للإسلام.


الرد على التعليق

- دارين أحمد
7 آب (أغسطس) 2008 07:02

تذكرت الآن أن مقالة جورج طرابيشي المنشورة في الأوان بعنوان بني بلامعجزة هي مقالة قرآنية بمعنى أنها تستمد أفكارها التجديدية من القرآن نفسه وتمرر ما تمرره بذكاء ذكرني بأسلوبية سبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة. وهذا اتجاه جد هام في هذه الثورة ولكن يبقى أنه لا يمكن حصرها به. فالاختلاف بين طبيعة المسيحية والإسلام يتمثل في أحد مظاهره في تعدد مصادر الإسلام "الحق" التي تمثل السيرة فيهم الجانب الحكائي والذي هو اقرب إلى أفهام الجمهور.


الرد على التعليق

- أبو حسن
7 آب (أغسطس) 2008 07:41

أخي صالح، ردك الأخير جعلني أتشبث أكثر بسؤالي الآنفين، فهل بمقدور الحدااثيين مهادنة المؤمنين ؟ وهل الثورة الفلسفية قادرة على التعايش والسير جنبا لجنب مع ثورة قائمة على نص مقدس ؟ أكتفي بهذا الإستدراك وإن كان في كلامك الكثير مما يمكن استدراكه. الست دارين، أعدتينا إلى نفس الإشكالية، فما الفرق بين العودة إلى سيرة النبي أو العودة إلى كلامه أو اصطلاحا حديثه ؟ ومما لا خلاف فيه أن نقل حديثه تم بموثوقية أكبر من نقل سيرته… وهذا الإمام أحمد نفسه يقول (ثلاثة كتب ليس لها أصل، التفسير والسير والمغازي)…


الرد على التعليق

- دارين أحمد
7 آب (أغسطس) 2008 11:04

لم أتحدث من منطلق الموثوقية لأني، وهذا منطلق للحديث طلبته أنت، أرى القرآن كتابًا بشريًا اجتمع على كتابته نفرٌ قليل أو كثير، تُضاف إليه كتب السيرة والحديث. أنت ترى أنه لا يمكن أن تكون هناك مصالحة بين الحداثيين والمؤمنين وأنا أرى بإمكانية ذلك، على اعتبار أن ثورة تشبه الخط المستقيم "الغير موجود واقعيًا" غير ممكنة. بالمقابل لا أقول أن هذا سهل للغاية ولا أني ضليعة في أمور التراث، ولكن الفكرة التي تقول باستحالة دفع كل هذا التخلف الذي يسكن الإسلام غير صحيحة بالكامل فوضع المسيحية في العصور الوسطى لم يكن مختلفًا كثيرًا، وإذا كنتُ –من منطلق حداثتي إذا جاز التعبير- سأواجه الإسلام على اعتبار أنه كتلة واحدة لا تمايز فيها فإني ومنذ البداية أحكم على نفسي بالفشل خاصة إذا كنت أطالب الجميع بذلك. على فكرة، طرابيشي، كما فهمته، يرجئ الثورة الفلسفية ويفترض أن البداية لابد أن تكون الثورة اللاهوتية، وهذا، إذا افترضنا أن يتحدث عن ثورة فلسفية حقيقية، واقعي جدًا لفعالية العقل التي تتطلبها الفلسفة. وختامًا أود أن أقول أن مفهوم الثورة لدي لا يعني الإيقاع السريع بقدر ما هو تفاصيل تتضافر لتشكل يومًا ما انقلابًا واضح الأثر.


الرد على التعليق

- أبو حسن
8 آب (أغسطس) 2008 09:44

سبق وقرأت فكرة قريبة من ذلك لطرابيشي في مقابلة صحفية حيث قال ما معناه (أن ولادة فولتير عربي لا تتم إلا بعد ولادة لوثر عربي) وهذه الفكرة التي تعجبك ست دارين تظهر مدى عقم الفلسفة العربية وعقم الفلاسفة والحداثيين والمفكرين العرب عن انتاج فكر فلسفي حداثي قائم بذاته دون الإتكاء على "الدينيين" وهذا ما لم يقل به أي من الفلاسفة العرب المتقدمين كابن سينا والفارابي وغيرهما من ألف سنة خلت … فتأملي ما وصل إلى أين أوصلنا حداثيو القرن الواحد والعشرين !


الرد على التعليق

- دارين أحمد
8 آب (أغسطس) 2008 12:54

هذه الفكرة التي تعجبني سيد أبو حسن لا تعني اني سعيدة بها بل تعني الواقعية وتطلبت وقتًا طويلاً لتقبلها لأني كنت أحلم، وهذا حق، بإنسان قادر على تخطي مأساوية تعلقه الطفلي بفكرة الله. كنت أقول لأصدقائي أننا نحن الشباب في مجتمعاتنا بدل أن نكمل بناء شخصايتنا بدءًا من العشرين مثلاً فإننا نحتاج إلى هدم وترميم ما بُني منها قبل العشرين وهذه الحاجة قد تتطلب عند البعض عمرًا بأكمله. نهضة الفلسفة تحتاج إلى فرد تعلم النقد والمحاكمة العقلية بدل التهذيب والطاعة وهذا لا يمكن أن يحدث في جيل واحد. هناك تداخلات أخرى كثيرة للفكرة التي تقولها منها مثلاً هل تنفصل الفلسفة عن "التدين" بمعناه الواسع بما هي عليه من معرفة الكائن؟ هل كان الفارابي وابن سينا خارج المنظومة الدينية أما أنهما نهضا بالفلسفة الدينية إلى مستوى أعلى؟ وأخيرًا لم أفهم هذه الفكرة على أنها اتكاء على "الدينيين" بقدر ما هي محاولة فتح سياق متنوع يشارك فيه أكبر عدد من الراغبين بتغيير الوضع الحالي، وهي فكرة مستمدة من التجربة الغربية وتشابه الأوضاع بين وضعنا في الحاضر ووضع الغرب في الماضي. قل لي ما هو البديل الذي تراه في الأفق، أرجوك؟


الرد على التعليق

- جورج طرابيشي
9 آب (أغسطس) 2008 12:42

أجدني مطالبا بالتدخل مرة ثانية في هذا الحوار المتعددالحلقات الذي قدحت شرارته قراءة لؤي حسين النقدية لكتابي "المعجزة او سبات العقل في الاسلام".فالسيد ابو حسن عقد مقارنة على سبيل السلب والتنديد بين فلاسفة الاسلام "اللادينيين" وبين حداثيي القرن الحادي والعشرين-وأنا في عدادهم-الذين يريدون الاتكاء على "الدينيين".ولن انكر وجود مثل هذه الانتهازية عندالعديد من المثقفين العرب الذين كنت انا نفسي انتقدت انتماءهم الى ما اسميته ب"الانتلجنيا الرثة". ولكن السؤال هنا:هل كان فلاسفة الاسلام "لادينيين"؟فابن سينا كان مؤمنا،ولكن إلهه لم يكن إله النص بل اقرب الى إله المتصوفة.أماابن رشدفلم يكن متدينا فحسب بل كان ايضا فقيها. وكان جوهر مشروعه التوفيق بين الدين والفلسفة،وكان يسمي ارسطو ب"الإلهي" لأنه عرف عقلا ما يعرفه النبي وحيا.وفي رده على الغزالي في "تهافت التهافت"اطلق "اسم الكفر"على كل فيلسوف "صرح بشك في المبادئ الشرعية او بتأويل منا قض للأنبياء" وأوجب عليه "عقوبة الكفر" اي القتل.أقول كل ذلك حتى لا نقرأ فلاسفة التراث-كما جرت العادة في هذا الزمن الانتهازي والشعبوي-بالفصل عن عصرهم وعن النظام المعرفي لعصرهم.


الرد على التعليق

- نديم عبد الهادي
10 آب (أغسطس) 2008 09:41

تحياتي للجميع، إن أول سؤال سوف يسأله المسلمون عندما يتعرض أحدهم لمجهر مفكر من خارج إطار العلماء الدينين التقليدين هو " هل تؤمن بأن القرآن من عند الله أم لا؟" ثم " هل تؤمن بأن الرسول موحى إليه؟" وهكذ وهكذا.. لذلك فإن التعويل على تحالف ما بين طرفي النزاع ليس إلا تمنّي. قد يحدث تحالف عابر لغايات سياسية سريعة التحقق تظل بعيدة عن مبحث الأخوة هنا. لكن ثمة مشاكل حقيقية تهم وتغم كل من يعيش على هذه الأرض العربية، مشاكل نابعة من أصول تاريخية واجتماعية، امتدت حتى عصرنا هذا، وقد دعمت بالنصوص الدينية الملفقة أوالمأولة حسب المصلحة، كالطائفية البغيضة.. ومثل هذه المشاكل يمكن حلهامن داخل النص، وهكذا أفهم إمكانية تحقيقي ثورة فعلية على السائد الديني من خلال القرآن. لقد قرأت مقالة الأستاذ طرابيشي المعنونة بـ " نبي بلا معجزة"، لم تجب المقالة على سؤال المتعلق بعجز العرب عن الاتيان بمثل هذا القرآن، فبقي القرآن معجزة الرسول، لكنها نصبت "فلترا" قرآنيا يصعب للخرافات تجاوزه. وفي استعراض الأخ لؤي يظهر أن الأستاذ جورج وسع دراسته عن المعجزة في الإسلام مخضعا السنة والشيعة لدراسته. هكذا يمكن أن يكشف التفكير العلمي الضعف البارز في التقسيم السني الشيعي من ناحية دينية، الذي يخفيه الإيمان بل التعصب، ويبقى التقسيم الطائفي حقيقة تاريخية اجتماعية يجب تجاوزها. وكان الاستاذ جورج قد طرح العلمانية كحل اسلامي اسلامي لمشكلة الطائفية، ولكن حتى يقبل بها المسلمون يجب العبور من خلال توهين حقيقة الطائفية بالاستعانة بالنصوص القرآنية. لا أرى القضية قضية قرآنيين أو غير قر’نيين، فالحديث والسيرة مصادر لا يمكن تجاوزها، إلا إذا عارضت القرآن، وما أكثر ما عارضت، وما أكثر ما يعرف المشائخ أنها تعارض، فيغضون الطرف مهادنة أو خوفا، وليس ببعيد ما حاق بالغزالي المعاصر من اتهامات في دينه ونزاهته، لأنه حاول غربلة بعض الأحاديث بالقرآن.


الرد على التعليق

- دارين أحمد
10 آب (أغسطس) 2008 11:34

بالإضافة إلى الفلترة القرآنية للمعجزات تُطرح فكرة مهمة جدًا، متوازية مع هذه الفلترة، في مقالة نبي بلا معجزة، وهي حول إعجاز القرآن ذاته. القرآن كتاب عظيم بلاشك ولكن هل هو معجزة حقًا؟ لا أظن أن السؤال عن عجز العرب على الإتيان بمثله سؤال صحيح لأن لكل كتاب فرادته ومثلما لا يمكن لأحد أن يأتي بكتاب مثل الشعر والحقيقة لغوته –مع وضع كل كتاب في سياقه- فلا يمكن أن يأتي لأحد قرآن آخر. مشكلة القرآن، وقد تكون هذه المشكلة أحد نوافذ الخروج من أزمة الصمم والبكم الإسلامية الحالية، هي أنه يبدأ بقال الله تعالى، أي أن الله المتعال عن البشر أجمعين يستخدم في هذا الكتاب لغتهم بكل علاتها، كلغة نسبية للبشر، ليقول حكاياته وتشريعاته كلها. هذا الالتقاء بين اللامنتهي الذي يمثله الله والمنتهي الذي يمثله الإنسان عبر اللغة يمكن أن يكون شرارة رقي على اعتبار أن الله هو فكرة الإنسان الكاملة عن نفسه ومتى سمح الإنسان لنفسه أن يحاور هذا الكمال المفترض فمن المفروض أن يتلحلح هذا الوضع الشاذ الآن الذي يحكم العلاقة بين عبد ضعيف منفعل وإله جبار مصنم في أقوال الفقهاء. طبعًا أنا أتحدث هنا عن نقلة على مستوى الوعي وهذا غير منظور بل حتى صعب التخيل إلا أن الثورة القرآنية هي فتح باب هذا الحوار مجددًا خارج أطر الاجتهاد إن أمكن لاختلاف الواقع والغاية، ودون أن يستبعد ذلك "فتح ملفات" السيرة والحديث. لا يستدعي ذلك التحالف أو الأخوة بين "اللادينيين" و"الدينيين" بل فقط فهم أن الإقصاء يولد إقصاء مقابلاً، وأن عليَّ إذا كنت أطالب الآخر باحترام رأيي أن احترم رأيه طبعًا شريطة أن يكون لدى كل منا رأي. اعتذر على الإطالة.


الرد على التعليق

- جورج طرابيشي
11 آب (أغسطس) 2008 04:47

الاخت دارين ،بديهي ان المعجزة من منظار العقل المحض، وعلى الاخص من منظار العقل العلمي الحديث، لا وجود لها ولا يمكن ان يكون لها وجود.ولكن عندما نقرأ القرآن من منظاره الداخلي فليس لنا ان نماري في ان تحدي الاعجاز هو دليله الذاتي على مصدره الالهي.ولا اعتقد اننا مختلفان بصددهذه النقطة.وإنما هو محض توضيح رأيته ضروريا حتى لا يلوح للقارئ اننا مختلفان وحتى يكون مفهوما لديه بشكل اوضح لماذا قام كل استدلالي على ان إثبات القرآن الاعجاز لنفسه هو بمثابة مرادف ومبرر معا لنفي المعجزة عن الرسول.


الرد على التعليق

- نديم عبد الهادي
12 آب (أغسطس) 2008 02:20

الأخت دارين، مجرد فهم التبادلية الطبيعية للإقصاء قد يفيد بين المنكر والمثبت، على أن يقتنع المُثبت بأن أكثريته لا تهبه الحق الأخلاقي بالإستغناء عن الآخر تماما! وأنا أستطيع أن أصرخ مع كمال عبد الجواد في الثلاثية: " إما أن يكون القرآن صحيحا كله أو لا يكون"، متمنيا طبعا أن لا يسمعني السيد! لكني سأنفرد بعد ذلك بنفسي، وسأضرب أسداس التأويل بأخماس التوفيق، لأني سأعجز عن الارتياح لتصنيف القرآن ضمن الكتب العظيمة فقط، فليست كل الكتب العظيمة سماوية. وتريني عندئذ أوافقك على ضرورة تطوير مفهومنا عن النبوة، ولكن ليس إلغاؤه، فليس كل الكتاب أنبياء. هل تطل الإنسانية على الألوهة عبر أنبيائها، أم يتصل الله بخلقه عبر الوحي إلى أنبيائه؟ وأيضا ثمة ضرورة لتطوير مفهومنا عن الكتب السماوية. وكنت ضربت مثالا على الفوائد المرجوة من ثورة قرآنية بتذويب الحدود الطائفية. الثورة الفلسفية قادرة على فتح أبواب الديانات بعضها على بعض، دون إلغاء خصوصيتها الجغرافية والتاريخية. وكل ذلك يفيدنا نحن العرب خصوصا! القطيعة التامة (من خلال إنكار وجود الله مثلا) تحتاج إلى أدب تقبل الآخر، ولكن تلك مشكلة في شقها الأكبر أخلاقية، ودرب التربية طويل! يصيبني الرعب كلما خطرت لي ردود أفعالنا تجاه الآخر!


الرد على التعليق

- دارين أحمد
12 آب (أغسطس) 2008 02:20

أستاذي، لقد قصدت بالمعجزة المعجزة البلاغية أي أني أقف في صف مذهب الصُرفة كما ذكرته في المقال. اتفق معك حول تأكيد القرآن لمصدره الإلهي عبر تحدي الإعجاز، إلا أني أضطر إلى وضع هذا التحدي في سياق هو: إستثنائية الكتاب ولكن ضمن مقولة بورخيس "كل الكتب مقدسة". فالمضارعة ممكنة والإحلال غير ممكن ولكن هذا محكوم بالزمن أيضًا فلغة الآن غير لغة الأمس. ما أقصده أن هناك إشكالية في قبول هذا التحدي كدليل على الإعجاز اللغوي لأنه قائم على لعبة فكرية كما في لعبةٍ أقل تعقيدًا وأوسع صدىً هي لعبة "إنا له لحافظون" فهي جملة تؤكد على عدم إمكانية المساس بهذا الكتاب رغم أنها هي ذاتها يمكن أن تكون مساسًا. تحدي الإعجاز فكرة صحيحة عندما، وهي كذلك، تقوم على استثنائية هذا الكتاب، ولكنها غير صحيحة عندما تعتبر هذا الاستثناء استثناءًا خاصًا بالقرآن وحده. هذا لا يتعارض مع استدلال اثبات القرآن الإعجاز لنفسه كمرادف ومبرر لنفي المعجزة عن الرسول. تحياتي.


الرد على التعليق

- دارين أحمد
12 آب (أغسطس) 2008 11:51

الأخ نديم، ربما يتعلق هذا بمفهوم كل منا عن العظمة وعن السماء، فأنا أرى كل كتاب عظيم سماوي. مقولة بورخيس "كل الكتب مقدسة" -من كتاب صنعة الشعر- تتبعها جملة بما معناه أن ليست كل الكتب كتبًا. وفي منظوري فأنا لا أفُقد القرآن شيئًا من قيمته عندما أضعه في عداد الكتب العظيمة "فقط". ألا يشكل هذا ارتقاء أو تطويرًا لمفهوم النبوة؟ أم أن التطوير يجب أن يكون تحت سقف محدد ووفق منهج محدد مسبقًا؟ هل تعرف أني لم استطع حتى الآن فهم مغزى عبارة "كل شيء أو لاشيء" الشهيرة. لماذا يجب أن يكون القرآن صحيحًا كله أو لا يكون؟ تحياتي


الرد على التعليق


الحياة، Picasso

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter