الاثنين 21 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > المقدَّس كملاذٍ نفعيّ

المقدَّس كملاذٍ نفعيّ

السبت 1 آب (أغسطس) 2009
بقلم: علي جازو  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

إنّ المقدّس ( الله)، كفكرة مثالية ومغلقة عن الكمال، وكملاذ نفعيّ رديء وباهظ، هو الإفقار المستمرّ والإنهاك الدائم لقدرات العقل البشريّ. إنّه بالأحرى انحطاطه المزري. كذلك يفعل المدنّس (الشيطان) من الجهة المقابلة؛ جهة الخمول والبلادة المفرطتين. المقدّس والمدنّس، الخير المطلق والشرّ المطلق، كلاهما، آفة مزمنة. يبدو أنّ البشرية لا ترغب حقّاً في التخلّص منها- من وبائها المزدوج المعتوه! من هذا الحيوان القذر النهم الذي يتلوّى مثل دودة داخل كلّ نفس مؤمنة متقدّسة مقابل كلّ نفس مدنّسة ترى في المقدّس عدوّها الأوحد؟! وما التناقض البهلول سوى هدر الجهد النفسيّ والعلميّ والوجدانيّ في محصلة تناقصية عقيمة. إنّ المقدّس – مطلقاً – أي بلا حدّ ولا نقد ولا تحيين ولا إعادة قراءة، يعتبر من أسوء كوابيس البشر عن أنفسهم الدنيوية المحطّمة، وطموحاتهم الميتافيزيقية المتطرّفة. المقدّس ربّ المرضى والعاجزين. يشكّل العجز تربة خصبة لكلّ كابوس متعالٍ وكلّ أمل مسحوق. العجز كمستوى أقصى للضعف وغياب القدرة الخلاقة على نحت الأجوبة في وجه الحياة الغامضة لكن المتحوّلة والمتجدّدة على كلّ حال. يغدو الأمل بحياة أفضل ضرباً من الخجل المنهك. ولدرء خجل البشر من أنفسهم يوكلون إلى المقدّس المطلق كلّ فعل وكلّ شأن. تشكل البداية أساس كلّ خرافة. نحن ، أي البشر، خطّاءون وعلينا طلب المغفرة.

لم يعد المقدّس، حيث الألوهة الكاملة، محفزاً ومنبع طاقة ومحرّض خيال مبدع. يفقد المقدّس قدرته على إلهام البشر حين يحوّل البشر قداستهم المستأجرة إلى تعالٍ عن الطبيعة؛ الطبيعة التي هي عناصر الحياة الأرحب والأقوى، الطبيعة الكلية التي هي (المقدّس الوحيد) في تجلّيات لا تحصى. إنّه الفكر المقعد - ملجأ خائري النفوس وضعيفي العزيمة. بدل أن يكون العالم – كمظهر من مظاهر الألوهة المطلقة - سرّاً يدفع العقل إلى البحث والتساؤل والخلق، يتحوّل الكائن في العالم متقلّصاً – كوجود تعدّدي لا يعرف غير التبدّل والتجدّد - إلى جواب نهائيّ أخرس. إنه الإيمان المنغلق الذي يربّي الضعف ويحوّل الضعف إلى منظومة أخلاقية أساسها العفّة وتجنّب الخطيئة. مع الضعف يحلّ الخوف كحمّى مرافقة، ليكملا معاً القانون الأخلاقيّ لكلّ مؤمن مريض بإيمانه. يخسر الإيمان قوّته الرحبة حينما يؤسّسها على الضعف إزاء الخالق الأوحد، ويحطّم الخوف رغبة المغامرة حينما يصم الإنسان كآلة تصنع الشرور. الأديان فكرة صالحة للكسل والتطفّل، فكرة طفيليّة لا تصل النضج ولا تولد نفسها إلا في استمرار الطفولة – كنقص جسديّ وفكريّ يوجبان الحماية والرعاية الدائمة - باستيرادها من العدم الإلهيّ كاستنفاع سقيم من تأليه ما ورائيّ جامد.

يتحوّل الكسل إلى اطمئنان متعال؛ إنّه عدم الحاجة إلى ناقص (الإنسان كائن ناقص إزاء الله) طالما أنّ الكمال كلّه هناك فيما لا يُطال ولا يُحدّ ولا يُمسّ. الطمأنينة مريحة لأنّ ما يمنحها الطاقة سحرٌ لامرئيّ، سحرٌ بلا جهد، وإن بنيت الطمأنينة هذه على النسيان، على غياب الحياة الفعلية لصالح حياة متخيّلة. الإنسان المدنّس خطأ، الربّ المقدّس جواب على الخطأ، والجواب يتركّز على الأخلاق، أي على طلب المغفرة والعون. إنّ نسبة الضعف إلى الإنسان هي كنسبة الخطأ إلى الجسد. ما يقمع الإنسان هو الضعف وما يشوّه الجسد هو العار. يشفى الإنسان من الضعف بالعبادة ويتطهّر الجسد من العار والخطيئة عبر المغفرة. لكنّ المغفرة مستحيلة. فمن يطلبها حدٌّ مطعون بالضعف ومن يفترض أن يلبّيها كيان بلا حدّ. كيف يعقل أن تكتمل مغفرة حدّاها لا يلتقيان. إنّهما يقيمان على الضدّ. وفي عالم تحرّكه أضداد سالبة يغدو طلب المغفرة عنواناً لطلب ما هو مستحيل. ثمّ إنّ المغفرة لا تخلق الصواب من الخطأ. المغفرة لا تصحّح الخطأ ولا تمحو الألم والضرر الناتجين عن الخطأ. فإمكانية التصحيح تنعدم عند لحظة اللجوء إلى طلب المغفرة. تشكّل المغفرة طريقة للنسيان لكن باسم آخر. البشر يأنفون من النسيان. النسيان مخجل. لذا تغدو المغفرة طريقة مجدية ومغرية للتغلّب على النسيان في حين أنّها ليست سوى قناع كامل لنسيان كامل. إنّه سردٌ طويل لتطفّل مقيت، وانفصام للعقل بين حدّ الحياة التي هي العمل والمواظبة الشكّاكة والمسعى المستمرّ نحو شروط حياة أفضل من جهة، وحدّ التقديس الذي يحوّل العمل إلى قربان متناسل وأحلام البشر إلى هالات وأطياف بلا جسد حقيقيّ حيث لا يتحوّل الغد إلى اليوم ويبقى الحاضر مؤجّلاً ومحبوساً في أبنية معرفة أبديّة لا نفاد لها.

الديكتاتوريون المخلّدون، إضافة إلى الآلهة الأبدية، وحدها تشكّل منعرج البؤس إلى الكمال. لذا تراهم واثقين ومؤمنين. الإيمان أيضاً معادل أخلاقيّ ودنيويّ للثقة الدينية المقدّسة هذه. إنّ من أخطر مشاكل البشر ثقتهم بأنفسهم وبعقائدهم المتحجّرة. يغدو الأمل الحياتيّ البسيط والضروريّ حقيقة مخجلة. ولدرء الخجل- رغم كونه سمة طفولة مدهشة - يطرح الكمال كعوزٍ فكريّ ضرير، ويحلّ الربّ المقدّس كملاذ نفعيّ باهت يصلح لكلّ زمان وكلّ مكان. إنّه الانشغال الأكثر ضرراً كطموح يشغل الجميع، في حين أنّه لا يعني أحداً قطّ. إنّ الخنوع السعيد غير الواعي وغير المختار لأيّ إله – رغم تغطّيه بإله مطلق- يحوّل الخانعين إلى وحوش نهمة ضدّ الإله نفسه وباسمه يتمّ تبرير أشدّ التصرفات سوءاً وأكثر الجرائم بشاعة.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

السعودية - الساري
1 آب (أغسطس) 2009 02:31

رائع جدا كلمات مؤلمة مجهدة تحاول رفع كومة المقدس عن كاهلها.. لقد حفرت وحفرت عميقا يا سيدي في بنية المقدس لتصل إلى القاع إلى القعر الذي يكشف ويعري الوهم الكبير الذي هو عصاب عمره عمر التاريخ! حقيقة استمتعت جدا بمقالك أيها الكاتب الجميل شكرا جزيلا لك


الرد على التعليق

اربد الاردن - نضال
1 آب (أغسطس) 2009 17:28

الحقيقه ان العلمانين لا يجرؤن إلا بالحديث عن الإله ذلك انه لا يكون عقابه بصورة مباشره ولربما يصاب العلماني بعقاب ولا يرده لغضب الإله وانما يرده لأسباب ماديه لانني ألاحظ ان معظم العلمانيين ملاحده ولديهم جرأة على الإله رغم ان بعضهم يحاول مجاملة المتدينين ويقول ان العلمانيه هي فقط فصل الدين عن الدوله وذلك لإبعاد شبهة الإلحاد حتى يلاقوا بعض القبول عند بهض البسطاء الذين لم يدرسوا الدين والالوهيه دراسة معمقه وهذا للاسف ينطبق على بعض العرب المسلمين ولادة ولكن دولهم علمانيه محاربه للدين والتدين حتى الحجاب يسمونه اللباس الطائفي رغم ان دولهم لايوجد فيها مواطن أصلي غير مسلم.ولذا العلمانيه الملحده ليس لها سوق عند المسلمين في مصر وبلاد الشام والجزبره العربيه واليمن ولذا تجد الاحزاب العلمانيه في بلاد الشام لا تتعرض بالسوء للدين مباشرة ولكن بنشر كل ما يسيء للدين وإباحة كل المفاسد لصد الناس عن أديانهم.


الرد على التعليق

سوريا / صافيتا - باسم سليمان
1 آب (أغسطس) 2009 22:39

ليس المقدس ولا المدنس هما من يبطشان بالإنسان بل أصلهما : اللماذا والكيف وماداما يجولان ويصولان في ذهنه فهو لن يتوقف عن اختراع الميتا فيزيق مهما كان شكله لأن غالبية البشر تتراجع عن صعوبتها الزمنية والقصد : إن الإجابة في كثير من الأجيان تتجاوز عمر الإنسان بقرون وبل تمتد إلى الحقيقة الواحدة التي لم تتغير منذ وعي الإنسان ذاته أي الموت , فكيف للإنسان الذي تتجاذبه حاجات ورغائب وأفكار غير متحققة بمعظمهاإلا أن يرجع للميتافيزيق ليأخذ راحة وطمئنينة وإن كان على يقين أنها خادعة إذ لا دليل عليها إلا أوهامه التي عقلنها لذلك الإنسان غريق منذ ولد ولا يلام إن تعلق بقشة


الرد على التعليق

- سامر أديب
1 آب (أغسطس) 2009 23:23

كلام من ذهب


الرد على التعليق

الرياض - فهد بن أبي فهد
3 آب (أغسطس) 2009 02:56

لقد نجح الكاتب في هدم أمل كنتُ أعيش عليه , لكنه فشل في أبدالي أملاً آخر , وبمعنى أدق: فشلَ في إقناعي بالبديل المفترض , هل فعلاً حياتنا منبثقة في عماء من مادة صماء , ثم ما هي الحياة (ذات الشروط الأفضل)؟ هل هي مجرد توفير ما أقتاته , ما ألبسه , ما أركبه؟… ثم إنه -مشكوراً- أطلاق بصيرتي من(عقالها الإلهي)لتشك ثم تنقض ثم تبني ثم تشك ثم تنقض ثم… فلم يُعد هناك أي ثابت أعيشُ عليها , لم يبقِ أيَ نقطة ارتكاز أنطلقُ منها. لقد قضى على الـ(ما وراء) , فأبقى لي ماثلاً محسوساً لكن بلا روح ولا معنى (أهي الحقيقة المرة؟…) , ولقد كانت الأخلاق إذن ستاراً لعجزي!… عليَّ أن أتحرر من: الصدق والبر والعفاف (اللعين) والوفاء والكرم وحفظ الحقوق … وما سواه من أسمال بالية كانت تغطي سوءةَ عجزي الفاضح , شكراً للكاتب لقد هدمَ كلَ أملٍ –أي وهم- , وأنا من الآن فصاعداً بلا أي أمل , لماذا , لأن تصوراتي للحياة تغيرت -بفضل الكاتب- , ومن هنا , فلا أرى أي معنى مقنع للسعي سوى إلى لذائذي ومتعي التي حرمتني منها أخلاقي (القديمة) –كم كنتُ مغبوناً-.


الرد على التعليق


سوزان ياسين (سوريا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter