نواصل نشر دراسة الأستاذ سامي براهم حول النسخ وتجدّد الأحكام وهذا الجزء الثاني بعد أن نشرنا منذ أيّام الجزء الأوّل .
4 ـ شروط النّسخ وأوضاعه :
ميّز الأصوليّون بين شروط وصف النّسخ وشروط صحّته وشروط حسنه.
أـ شروط الوصف:
* أن يكون الحكمان " النّاسخ والمنسوخ" شرعيين لأنّ العجز يزيل التعبّد الشرعيّ ولا توصف إزالته بالنّسخ كما أن الشّرع يزيل حكم العقل ولا توصف إزالته بالنّسخ.
* أن يكون النّاسخ منفصلا عن المنسوخ.
* ليس من شرط اسم النسخ أن يكون الكلام المنسوخ متناولا بلفظه للمنسوخ.
ب ـ شرط الصحّة :
* أن يكون إزالةً لحكم الفعل دون نفس الفعل وصورته.
ت- شروط الحسن:
* أن لا يكون إزالةً لنفس ما تناوله التعبّد على الحدّ الذي تناوله مقارنا له في الزّمان والمكان والمَعْنِيّ بالتكليف، بل لا بدّ أن يُزيل مِثْلَه في وقت آخر وعلى وجه آخر حتى يكون نسخا ويحسن.
* لا يحسن نسخ الشيء قبل وقته.
* لا يحسن نسخ ما لا يجوز أن يتغيّر وجهه من الألطاف التي لا تتغيّر مثل وجوب المعرفة بالله وقبح الجهل مع جواز نسخ حسن بعض المنافع وقبح بعض الآلام لجواز قبح بعض المنافع وحسن بعض الآلام.
* أن يكون ما تناوله النّاسخ متميّّزا للمكلَّف من المنسوخ وأن يكون في مقدوره إيقاعه دون اعتبار نسخ الحكم إلى بدل أخفّ أو مساو فليس ذلك من الشروط الضّرورية لوقوع اسم النّسخ أو صحّته أو حسنه.
* أن يكون المنسوخ لفظا يفيد الاستدامة أما بنفسه أو بدلالة.
* أن لا يقترن بالأمر "التكليف بالعبادة" ما يدلّ على أن المُراد به بعض الأزمان سواء كانت الدّلالة مُفَصَّلَة أو مُجْمَلَة.
* لا نسخ إلاّ بإشعار ظاهر أو خفي بالتّصريح أو التلميح، فالأمر والنّهي المستدامان قابلان للنّسخ بشرط أن لا يكون الإشعار مقارنا للحكم وإلاّ وقع النّسخ قبل وقوع الفعل.
* لا يشترط في النّسخ رفع العبادة إلى ما هو أخفّ لأنّ إرادة الأشقّ الذي يكون معه المكلَّف أبعد عن المضارّ وأقرب إلى المصالح هي إرادة للتّخفيف والتّيسير وإن كانت في ذاتها على عكس ذلك.
* جواز نسخ التّلاوة والحكم، والتّلاوة دون الحكم، والحكم دون التّلاوة، وهي الأوضاع التي أقرها أغلب الأصوليين. ويحاول البصري تلميذ القاضي عبد الجبّار المعتزلي أن يعقلن نسخ التّلاوة مع بقاء الحكم، رغم إقراره باستحالة بقاء الدّلالة مع عدم مدلولها فضلا عن وجود المدلول مع ارتفاع الدّال أو الدّليل. فيرى أنّه (ليس يجب إذا ارتفعت التلاوة أن يرتفع الحكم لأن الدليل إذا دلّ على شيء في أوقات جاز عدمه والحكم ثابت … لهذا جاز أن تتقدم الدّلالة على مدلولها) (1) .
بعد استعراض هذه الشّروط التي حاول من خلالها الأصوليّون محاصرة ظاهرة النّسخ بقصد تقنينها وإيقاف حركتها يتبيّن أن كلّ المعطيات التي استنفروها وحشدوها تؤكّد بشريّة النّسخ من حيث شروط إثباته وعدم يقينيّة الحكم به، إذ لا يُشترط تناول النّاسخ للمنسوخ بلفظه ممّا يفتح المجالَ للتّأويل. كما لا يحسن نسخُ الألطاف مع ما يثيره ذلك من اختلاف حول ما يُعَدّ لطفا أيّ دلالة جوهريّة غير قابلة للنّسخ وما لا يعدّ كذلك. وهذا الاختلاف متأثر ضرورة بالقيم السّياسية والثقافية والأعراف السائدة فضلا عن الأفق المعرفيّ والفلسفيّ والوجوديّ. ففي مجتمع تسود فيه مثلا قيم احترام المختلف وحقّه في الاعتقاد والتّفكير وحريّته في ممارسة قناعاته في كنف حرمته الذاتية، في مجتمع بهذه المواصفات لا مجال لنسخ آية من قبيل (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (2) ولو تراخت بعدها وتواترت عشرات الآيات الدّاعية لقتال المخالف الدّيني بقصد نشر الدين، لأنّ عدم الإكراه في الدّين لا بدّ أن يكون لطفا من الألطاف غير القابلة للنّسخ خاصّة إذا عاضدتها نصوص أخرى تكرّس هذا المبدأ مثل (مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (3) و"ولو شاء ربّك لجعل النّاس أَمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ...)(4) فالاختلاف والتنوّع مشيئة إلاهيّة وسنّة كونيّة خلقيّة والتّجانس ليس شرطا للتّعايش القائم على مبدأ التّعارف الذي من أجله خلق النّاس شعوبا وقبائل، إذا تخضع فلسفة النّسخ إلى هذه القيم فإنّ كلّ آية أو حديث يدعو إلى تعميم الإيمان بالدين وقيمه الغالبة بالقوة ستعصف بآية (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) والمفارقة أنّ هذه الآية لم تطلق حريّة الاعتقاد فحسب أي أنّ مدلولها لم يقتصر على تقييد مشيئة الإيمان والكفر أي حريّة الاعتقاد بالدّخول في الدّين ابتداء، بل تشمل كذلك لصيغتها الإطلاقيّة عدم نفي إمكان الخروج منه إذ لا معنى للمشيئة أو عدم الإكراه على الاعتقاد إذا اقتصر على عدم الإكراه في الدّخول للدّين ابتداء دون أن يتضمّن عدم الإكراه على البقاء فيه مع انتفاء الاعتقاد.
والحاصل من هذا التّحليل أنّ مسألة تحديد الألطاف نسبية وتخضع لاعتبارات ذاتيّة وموضوعيّة.
في الإجمال لا يمكن أن تَنتج عن هذه الشروط والمعطيات معرفة يقينيّة بالنّسخ. إن هي إلاّ مقاربات نسبيّة تؤكد أنّ النّسخ ظاهرة بيانية مثلها مثل التّخصيص والتّقييد والتبيين والاستثناء وغيرها من مراتب البيان، وليست أمرا مفارقا للخطاب بيّنا بذاته. كما أنّ إقرار نسخ التّلاوة مع بقاء الحكم لا معنى له في ظل انتفاء الدّلالة مع انتفاء الدالّ وهو أحد الأطراف الأساسيّة للدّلالة. وهو ما أقرّه خضري بك(5) ، ذلك أن انتفاء الدالّ من حيث هو علامة لغوية ودليل شرعيّ على الحكم يترك الأمر مفتوحا للتّأويل غير المستند إلى حجج وقرائن أو أسس موضوعيّة.
ويتبيّن لنا من خلال هذه التّقسيمات ما كنا أكّدناه من أن مسائل النّسخ مجال تأويل بشريّ اجتهاديّ خلافيّ بلغ حدّته مع هذا الباب الذي طرحه الأصوليون من دائرة النسخ التي لا تشمل إلاّ الأوامر والنواهي دون الأخبار(6). كما يمكن أن نلاحظ مفهوما تواتر لدى أحد أصوليي المعتزلة " أبو الحسين البصري " وهو ما أطلق عليه النسخ المعنويّ الذي يدخل في معنى النّسخ وتتحقق فائدته دون أن يسمىّ نسخا. وهو وضع شاذ وغريب في الدّلالة، إذ يحضر مدلول الجنس ولا يطلق عليه دالُّ جنسه وذلك لاعتبارات لا علاقة لها باللّغة بل تتعلق بمقتضيات الايدولوجيا الإيمانية والجدل الدّيني والمذهبي والسائد في الواقع.
5 ـ النّاسخ:
يعتبر الأصوليّون القائلون بالنّسخ أن تأخّر أحد الخطابين عن الآخر مع تنافي حكمهما لا يمكن فيه عقلا إلاّ النّسخ دون اعتبار قوّة الخطاب أو حجيّته أو مصدره. إذ المهمّ أن يكون الخطاب النّاسخ ممّا يقع به العلم والعمل سواء كان كتابا أو سنة مقطوعا بها أو سنة منقولة بالآحاد، لأن أخبار الآحاد متساوية في كونها إمارات يلزم العمل بكل واحد منها. كما أجازوا أن يكون الناسخ قولا أو فعلا أو تركا معلوما وروده عن النبيّ أو مظنونا. كما لم يشترطوا أن يكون الناسخ من جنس المنسوخ " قرآن ، سنة…" وحملوا معنى "خير" في الآية ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)(7) على الحكم الأفضل والأنفع لا على جنس الخطاب النّاسخ وقوّته وحجيّته. لذلك أجازوا نسخ القرآن بالقرآن والسنّة بالقرآن لأن السنّة صادرة عن الله فجرت مجرى كلامه. كما أجازوا نسخ القرآن بالسنة عقلا وسمعا واعتبروا أنه ليس من شرط الدليل النّاسخ أن يكون مُعجزا كما أن هذا النوع من النسخ لا ينسب إلى الرّسول بل إلى الوحي وان لم يظهر لنا أنّ مصدر النسخ هو الوحي فالله هو الناسخ وهو الموحي لعبده بالنّسخ ففتحوا بذلك نسخ ما يفترض أنّه أقوى ورودا و حجيّة بما دونه.
كما اعتبروا أنّ نسخ القرآن والأخبار المتواترة بأخبار الآحاد جائز في العقول إلاّ أنّ الإجماع انعقد على المنع منه بعد أن كان جائزا في صدر الإسلام. واستدلّوا على جواز ذلك بنسخ القبلة عن أهل قباء بخبر الواحد. كما عدّوا ما يذكر من أمثلة نسخ الآحاد للقرآن من قبيل التّخصيص لجواز التّخصيص بالآحاد. وبذلك وجدوا مخرجا للتّناقض بين ظاهرة يقرّها العقل والواقع ويمنع منها الإجماع. ونستشعر هذا الحرج والإرباك الذي يجده الأصوليّون في فض تلك الإشكالات التي تعكس تدافعا بين المقتضيات الإيمانية الكلاميّة والمقتضيات الأصولية الإجرائيّة.
أما بخصوص النّسخ بالإجماع فقد اعتبروا أنّ الأمّة إذا أجمعت على نسخ آية لم يُضَف النّسخ إليها ولكن إلى ما دلّها على النّسخ وإن لم يظهر لنا ذلك الدّليل الذي بنت عليه النسخ، ممّا يسمح بطرح سؤال جوهري على العقل الأصولي " نسبة إلى أصول الفقه " : هل يمكن أن ينعقد الإجماع على النّسخ بعد وفاة الرّسول لدليل ظهر بعد أن كان خافيا نصُّه أو معناه أو فحواه أو إشارتُه أو تنبيهُه أو تلميحُه أو تأويلُه خاصّة في ظلّ آفاق معرفيّة جديدة وتطوّر للعلوم المساعدة على الفهم ؟؟؟ ويجيب البصري عن ذلك ( لو كان في الشريعة نصّ لما خفي عن الأمّة بأجمعها لأنّه لا يجوز أن تذهب بأجمعها عن الحقّ)(8) فيحسم بذلك المسألة ويغلق باب النّسخ رغم إقراره بتبدّل المصالح التي تقتضي الّنسخ. ولكنّ الحل أو الحيلة التي يجدها لذلك هي التّمييز بين النّسخ الشّرعي والنّسخ المعنويّ الذي لا ينسحب عليه اسم النسخ الشرعي وإن اشتركا في المعنى والأثر الواقعي الحكمي.
واعتبر الأصوليّون أن الإجماع لا ينسخ القرآن ولا السنّة اصطلاحا بل إنّ الإجماع لا ينسخ الإجماع و(لا يجوز نسخ الإجماع بالإجماع لأنّ الإجماع الثاني إذا دلّ على أن الإجماع الأوّل كان باطلا لم يجز ذلك، وإن كان الإجماع الأوّل حين وقع صحيحا ولكن الإجماع الثاني حرّم القول به من بعد لم يجز ذلك إلاّ لدليل شرعي متجدّد وقع لأجله الإجماع الثاني من كتاب أو سنة أو لدليل كان موجودا أو خفي عليهم من قبل ثم ظهر لهم وكل ذلك قد أفسدناه)(9) . فإذا أجمعت الأمّة على قولين ثم نقضت أحدهما وأجمعت على الآخر فلا يعدّ ذلك نسخا لأنّ الأخذ بكل واحد من القولين السّابقين مشروط ببقاء الخلاف وكون المسألة من مسائل الاجتهاد وهو شرط معلوم زواله بالعقل على حدّ تعبير البصري. كما لا يجوز نسخ الإجماع بقياس لأنّ الأمّة متى أجمعت على خلاف قياس كان على أصل متقدّم فسد ذلك القياس، لأنّ الأمّة لا يجوز ذهابها عن الحقّ. وإن كان قياسا على أصل متجدّد فلا يتجدّد فيه الحكم إلاّ بتجدد مصادره الأساسيّة " الكتاب السنّة" الذين لا يتجدّدان بعد وفاة النبيّ فبطل القياس. وإن كان قياسا على إجماع بطل لاستحالة ذهابه عن الأمّة بأجمعها.
أمّا القياس فلا يجوز نسخه لأنه ثابت بثبوت الأصول التي رُدّ إليها. وطالما أن ثبوته لاحق لهذه الأصول " القرآن والسنة" لم يجز نسخه بها لانقطاعها بعد وفاة النّبي.
أمّا نسخ قياس الأولى لثبوت أمارة أقوى تعيده إلى أصل آخر لعلّة أرجح فلا يعدّ نسخا إلاّ بتنصيص النبيّ على الإمارة الأولى. أمّا بعد وفاته فلا يسمّى قياس الأولى نسخا حقيقيّا لأنّ العمل بالقياس الأوّل مشروط بغياب قياس أولى منه. ولكنّ البصري يطلق عليه " نسخا في المعنى" بنصّ متقدّم أو إجماع.
أمّا وقوع النّسخ بالقياس فممّا يرفضه الأصوليّون وإن أجازوا تخصيص النصّ بالقياس، لأن التّخصيص مسألة بيانية يمكن أن يكون القياس عندها في مرتبة من البيان متقدّمة على النصّ. أمّا النّسخ فيتعلّق بمراتب الحجيّة التي تكتسب قوّتها من مصدر النصّ إن كان إلاهيا أو نبويا أو خطاب أمّة صادر عن دليل إلاهيّ. ويكون القياس ضمن هذه التراتبيّة في أدنى مراتب الحجيّة لأنه قائم على الرأي والفقهاء من أهل الحديث كانوا يتركون آراءهم بالنّصوص والقاعدة العامّة في ذلك أنّه لا يجوز نسخ المعلوم "النصّ" بالمظنون "القياس"(10) .
أمّا فحوى القول فقد أجاز البصري وقوع النّسخ بها على اعتبار أنّ ( اللفظ المقيِّد للشّيء من جهة اللّغة يجوز أن يقع النّسخ به وأن يدلّ عليه من جهة الأولى فهو آكد من اللفظ فجاز وقوع النّسخ به)(11) .
وكلّ هذه التّصنيفات تأويليّة تردّ في نهاية الأمر إلى تصنيف الأدلّة ومراتب الدّلالة وهو مبحث اجتهادي تتجاذبه جملة من العلوم والمعارف التي أنتجها العقل البشري وهي متجدّدة بتجدّد الأفق المعرفي والتّجربة التّاريخيّة.
*** آفاق للنّظر *** لعلّ أهمّ سؤال يطرح بعد استعراض نظريّة الأصوليين في النّسخ : هل مصدر النّسخ إلاهي خالص مفارق للنظر البشري ومقتضيات التاريخ ومتطلبات الواقع؟ أم هو نتاج مجهود بشري قائم على النّظر في النصوص وفق اعتبارات معقّدة ومتداخلة بعضها موضوعي وبعضها ذاتي؟
و لعلّ هذه الاعتبارات تتوزع على مؤثرات متعدّدة منها:
• ضغط الواقع الاجتماعي
• تغيير المصالح بتغير المواقف والحوادث والأزمان
• المعطى المذهبي والسياسي
• الأفق المعرفي للنّاظر
• المؤثّر الإيماني الخاضع لاعتبارات علم الكلام التي تروم نفي الاختلاف عن كلام الله.
• معطيات النّصوص نفسها التي تتوفّر على ظاهرة التّعارض والتّضادّ والإحالة بالتّصريح على إمكان النّسخ.
وتؤكد كل هذه المؤثّرات أنّ طريق النّسخ رغم ما ترسّخ في الضّمير الإسلاميّ من انشداده للنصّ أو بالأحرى لإرادة صاحب النصّ، فإنّما هو في الواقع العمليّ الإجرائيّ مجهود بشري خالص في ترتيب المعاني بدليل الاختلاف بين القدامى في مواضع النّسخ و حجمه. وليس النّسخ حسب تقديرنا إلاّ ظاهرة بيانيّة تأويليّة مفارقة للوحي وإن بدت مشدودة إليه.فهو أعلق بالتّأويل منه بالتّنزيل. وقد شدّ انتباهنا تمييز أبي الحسين البصري بين النّسخ المعنوي والنسخ النصّي الذي وسمه بالشّرعي. والضربان يشتركان في جوهر دلالة النّسخ وهو" نقض حكم سابق بحكم ثان لاحق" لتغير مصلحة مرجوّة أو تحت ضغط تغيّر بني المجتمع وحاجاته . غير أن الضّرب الأوّل "النسخ المعنوي" لا يُطلق عليه نسخ، لأنّ النّسخ من خصائص الوحي المنوط بالإرادة الإلاهية المباشرة والقديمة في آن واحد. فالنّسخ إذا مصطلح أو اسم شرعي خاصّ يفيد تدخّل المتعالي في النصّ بالتّغيير والتّبديل مراعاة لمصالح التّاريخ أو لحكمة الاهية استأثر الله بعلمها. ونقدّر أنّ هذا التّمييز الشّكليّ بين النّسخ المسمّى معنويّا والمسمّى شرعيّا إنّما هو في إطار تسييج المنظومة الأصولية لتبدّل الأحكام، تلك العمليّة الضّروريّة والطبيعيّة والمتواصلة بحكم تغيّر الواقع. هو خوف من ضياع دلالة النصّ وتبدّل هيأته تحت ضغط حاجات الواقع المتجدّدة بشكل دائم ومسترسل. لذلك نستشعر هذا التّناقض والتردّد والصّراع الدّاخلي أحيانا في الضّمير الأصولي التّشريعي لدى الأصوليين وحتى الفقهاء. وأكبر شاهد على هذه الحالة من الاضطراب الدّاخلي بين مقتضيات العقيدة المحكومة بهاجس الخوف على الدّين المؤدّي إلى الثّبات وهواجس الواقع المحكوم بقوانين التجدّد الحتميّة الطبيعية والمؤدّي إلى التغيير "أكبر شاهد على ذلك" هو إقرار الكثير من الأصوليين بالجواز العقلي لتغير المصالح أبدا وإن كانت مُثْبَتَةً بالتّنزيل، ممّا يفيد عقلا جواز النّسخ أبدا تبعا لتجدّد المصالح التي يقتضيها الواقع. لكنّ هذا الجواز العقليّ يصطدم بالمسلّمة الإيمانية التي تُقرّ أنْ لا نسخ بعد انتهاء الوحي ووفاة النبيّ، رغم أنّ إثبات النّسخ والاستدلال عليه والجدل حوله نشط بعد انقطاع الوحي وختم النبوّة.
ويبدو لنا أنّ الأصوليين والفقهاء توصّلوا إلى صيغة توفيقيّة بين حاجات الإيمان وحاجات الواقع وهي عبارة عن عقد ضمني أو إجماع سكوتي على جواز نقض أحكام النصّ أو تعطيلها أو ترجيح بعضها على بعض أو إلغائها عند تنزيلها إلى الواقع أو تأجيلها دون إطلاق اسم النّسخ الشرعي على تلك العمليّة وإن كانت تتضمّن معنى النسخ نظريا وعمليّا. والمدوّنة الفقهية مليئة بما يدلّ على صحّة دعوانا،فقد مارس الفقهاء شتّى أنواع تبديل الأحكام حتّى تلك التي يُفترض تعلّقها بالقطعيّ من النّصوص.
لقد بدا لنا أنّ الأصوليين أجهدوا أنفسهم لتقنين ظاهرة النّسخ بغاية المزيد من ترسيخ المنظومة البيانية على أسس أكثر متانة تزيد من إعلاء النصّ بحرفيته على حساب الواقع.
وفي مقابل ذلك نقدّر أنّه يمكن النّظر إلى ظاهرة النسخ وفق اعتبــارات أخرى نجملها في النقاط التّاليـة: • النّسخ دليل على نسبيّة "الحقيقة الشّرعيّة" سواء أثناء مرحلة تأويل النّصوص أو تنزيل الأحكام وذلك لوجود علاقة جدليّة متواصلة بين النصّ والواقع.
• لم يكن التّشريع وليد النصّ وحده بل وليد التفاعل بين النصّ والواقع عبر النظر العقلي.
• لم تتوقّف آلية النّسخ في أيّ لحظة من لحظات التّاريخ لأنّ الواقع لم يتوقّف عن التجدّد والتغيّر والتبدّل في الملابسات والمصالح والعلل التي اقتضت الأحكام.
• إنّ النّسخ وإن كان ضرورة تشريعية حتمية وفقا لتغييرات الواقع فإنه لا يمسّ بحال من الأحوال جملة من القيم الإنسانيّة العليا والمقاصد التّشريعيّة الكبرى التي يمكن أن تكون معيارا للفصل في مسائل النسخ وحسم اشكالياته. • إنّ المقاصد ثابتة بينما الأحكام متغيّرة تدور مع المقاصد والمصالح والأعراف حيث دارت.
• إنّ النسخ لا يمكنه بحال من الأحوال أن يتوقّف، فالمنطق الذي اقتضاه ابتداءً لا يزال ساريا نظريا وعمليّا وقد اضطرّ الفقهاء إلى ممارسة تغيير الأحكام تحت ضغط الواقع وإن لم يطلقوا عليه نسخا.
• لقد مارست حتمية التطوّر في الواقع دورها في إسقاط العديد من الأوضاع التشريعيّة القديمة مثل أحكام الرقّ وملك اليمين وعديد الأوضاع الاجتماعية و المالية والاقتصادية، ولكن لم يتبع هذا الضّرب من النّسخ تغيّر في البنى الفكريّة ولا سيّما على مستوى المنظومة الأصولية والتشريعيّة. لذلك حُسِمَتْ الكثير من المسائل تاريخيّا وواقعيّا ولم تُحسم نظريّا. وبقي الضمير التّشريعي والوعي الأصولي يعيش حالة من التمزّق المرضيّ الذي يصل إلى حدّ الازدواج أو الفصام "السّكيزوفيريني" الذي يُحدث فجوة بل شرخا بين الوعي التّشريعي الدّيني الرّاسخ في الذّاكرة الجماعيّة وحركة الواقع التي تسير بنسق سريع ومتواصل في اتجاه التّغيير.
• إنّنا نعجب من الخطاب الحجاجي الدّيني المعاصر كيف يجيب عن القضايا المتعلّقة بالحدود والقصاص والعقوبات الجسديّة فتراه يستنفر كلّ الشّروط والحيثيّيات والملابسات التي تفيد استحالة إنفاذ تلك العقوبات ولا يستتنتج من ذلك مبدأ مهمّا من مبادئ التّشريع الإسلامي
• وهو التّشوّف إلى أوضاع تشريعيّة مغايرة لا تسمح أنماط العلاقات السّائدة إبّان التّنزيل وتركيبة المجتمع الوسيط بتقبّلها. إنّ مبدأ التشوّف يضفي على المنظومة التّشريعيّة حيويّتها و قابليّتها للتطوّر فهو المبدأ الذي سمح مثلا بتضييق مداخل الاسترقاق و فتح مخارجه لولا الاصطدام بالواقع الاجتماعي ومصالح الفئات المتنفّذة، وهو المبدأ الذي بنى عليه الطّاهر الحدّاد مشروعه الإصلاحي " امرأتنا في الشّريعة والمجتمع " إنّ مبدأ التشوّف هو المدخل الموضوعي للنّسخ أو تبديل الأحكام.
• إذا كانت التغييرات الجزئيّة الحاصلة زمن التنزيل قد اقتضت آليّة النّسخ لمواكبة المصالح المتجدّدة، فكيف يكون الأمر إذا كانت التغييرات جوهرية وتمسّ أسس العلاقات والبنى الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية؟ (12) . ونختم بأسئلة جوهريّة يمكن أن تُطرح على الضّمير الأصولي والتّشريعيّ: هل يمكن أن تكون الجزيرة العربيّة في القرن السّابع للهجرة من حيث هي إطار زماني ومكاني وسوسيولوجيّ نشأت في ظله الأحكام ـ هل يمكن أن تكون ـ نموذجا للبشريّة قاطبة على مرّ الزمان واختلاف المكان ؟ وهل الحوار الذي قام بين التنزيل وواقع الجزيرة ضمن الأفق المعرفيّ للمؤمنين وقتئذ ملزم لكل مراحل التاريخ ؟ ألا يحقّ للحظات تاريخيّة لاحقة أن يكون لها جدليّتها الخاصّة التي تنشئها بين واقعها المستجدّ ونصوص التّنزيل ضمن أفق معرفيّ مغاير يناسب التغيير الحاصل في البنى الاجتماعية والاقتصادية والثّقافيّة والسّياسيّة ولا سيّما التطوّر في مجال العلوم والمعارف ؟
لماذا ارتضى الضّمير الإسلاميّ والوعي التّشريعي الأصوليّ أن تكون تلك المنطقة في ذلك الظرف الزمنيّ الخاصّ فضاءً لتأسيس التّشريع ثمّ لانغلاقه وتوقّّفه عن التّجديد وارتهانه لاختيارات للسّابقين وانكفائه على طرقهم في النّظر الشّرعيّ ؟ أليس من الأحرى أن نعتبر الجزيرة العربية مجرّد إطار أوّليّ للتّجريب وأحد النّماذج المرشَّّحة لتحقّق ذلك الحوار الجدليّ بين النصّ والواقع ؟؟؟
الهوامش:
1 ـ المعتمد ج1، ص 418
2 ـ الآية 256 ، البقرة
3 - الكهف 29
4 - هود 118-119
5 - ( وأنا لا أفهم معنى لآية أنزلها الله لتفيد حكما ثم يرفعها مع بقاء حكمها لأن القرآن يقصد منه إفادة الحكم والإعجاز بنظمه فماهي المصلحة في رفع آية منه مع بقاء حكمها إنّ ذلك غير مفهوم وفي رأيي أنه ليس هناك ما يلجئني إلى القول به). محمّد الخضري بك . أصول الفقه ص 328 ط دار المعارف سوسة 1989.
6 ـ (النّسخ لا يجوز إلاّ في الكلام الذي معناه الأمر والنهي) ابن حزم ـ الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 71. مصدر سابق.
7 ـ الآية 106 البقرة.
8 ـ المعتمد ج 1 ص432.
9 ـ المعتمد ج 1 ص433.
10 ـ المعتمد ج 2 ص 1018.
11 ـ المعتمد ج 1 ص 436.
12 - راجع في ذلك يحي محمد فصل النسخ في كتاب "جدليّة الخطاب و الواقع" الفصل الخامس 147 / مكتبة الانتشار العربي بيروت لبنان ط 1 /2002



- زهير الشرفي
15 تشرين الأول (أكتوبر) 2008 11:56
عزيزي سامي أنت تنقل كلام "الأصوليين" كأنك لست معنا في القرن الواحد والعشرين. كأنك لا تعرف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو كأنك لست عضوا في منظمة العفو الدولية أو طالبا في الجامعة التونسية.. من سميتهم بالعبارة الغامضة " الأصوليون" لم يتقيدوا، حسب علمي، بقواعد البحث العلمي التي يتطلبها العمل الجامعي اليوم.. ألا تراهم أقرب إلى توظيف التراث الديني منهم إلى الاجتهاد المطلوب من أبناء الجامعة التونسية ككل جامعات العالم؟ أليس مطلوبا من طلاب الجامعة أن يبحثوا أولا في الترتيب الحقيقي لظهور الآيات القرآنية قبل الحديث في الناسخ والمنسوخ. أليس من واجبهم أولا إظهار فشل السلف في احترام ذلك الترتيب؟ كفانا تقليدا إذا.. هل نسيت أنه بواسطة نظريات الناسخ والمنسوخ ذهب عدد من فقهاء السلف إلى اعتبار آية " لا إكراه في الدين.." منسوخة؟ ألا تكون الغاية من اختراع نظرية الناسخ والمنسوخ منذ البداية هي التوظيف الديني بمعنى التمكن من تشغيل آية وإبطال أخرى؟ قليلا من التوضيح، عزيزي سامي، كي لا نجد أنفسنا خارج قيم حقوق الإنسان أو خارج قواعد البحث الجامعي أو خارج العصر..
الرد على التعليق