تفاعلا مع بعض التّعاليق التي وردت على هامش المقال السّابق نريد أن نوضّح بعض المسائل التي نجملها في النّقاط التّالية:
إنّ التّنادي بضرورة المرور من التّنظير في الاجتهاد إلى ممارسة الاجتهاد بشكل عمليّ فيه حسب تقديرنا إغفال لحقيقة أنّ عوائق الاجتهاد نظريّة بالأساس ولا علاقة لها بمجرّد غياب الإرادة والشّجاعة على الاجتهاد، فالمطلوب تحرير العقل التّشريعيّ من جملة من الضّوابط والقواعد التي أنتجها العقل البشريّ في العصر الوسيط ضمن أفق معرفيّ مخصوص وإكراهات تاريخيّة موضوعيّة ثمّ أضفيت عليها صفات الثّبات والدّيمومة. ويندرج هذا المجهود في نقد العقل الأصوليّ " نسبة إلى أصول الفقه " ضمن هدف معرفيّ أكبر هو علمنة المعرفة الدّينيّة، ولا نقصد بالعلمنة الفصل بين أبعاد الذّات البشريّة ومكوّناتها ــ والدّين أحد هذه الأبعاد والمكوّنات ــ كما لا نقصد بها الفصل بين الدّين والحياة بكلّ مجالاتها، ولكن نقصد بها المعنى الذي نراه أصيلا للعَلمانيّة بل هو مقصدها الأسمى الذي قامت من أجله حركة التّنوير الأروبيّ ونستشفّه من الأصل الإيتيمولوجيّ لمفردة العلمانيّةّ secularisme وهو SECULUM بمعنى الزّمان وتبعا لذلك تفيد "العَلمانية" الزمانية في مقابل الروحية. وتحيل الزمانية على الدنيويّ أي المتشكل في خضم ّالواقع محكوما بملابسات التاريخ وإكراهاته، مما ينفي عنه صفات التّعالي والمفارقة والإطلاق والعصمة والقداسة والربانية التي يضفيها الفكر الديني عموما على تصوراته فالمعرفة الدّينيّة ككلّ المعارف البشريّة تاريخيّة تخضع لاعتبارات التّاريخ ومعطياته، فكلّ العقائد والقواعد والأحكام والتّصوّرات والمفاهيم النّاشئة عن علم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه والحديث والتّفسير وغيرها من العلوم الإسلاميّة إنّما هي مقاربات بشريّة تاريخيّة وضعيّة أي من وضع البشر وإن تعلّقت من قريب أو بعيد بما يُعتقد أنّه نصّ مفارق للتّاريخ.
العلمانيّة وفق هذا التصوّر هي الإنسان في التّاريخ أي الإنسان باعتباره كائنا تاريخيّا متحوّلا بتحوّل ملابسات الواقع. وهذا التّصوّر يخوّل لجميع المهتمّين بالشّأن العامّ مهما كانت مرجعيّاتهم الفكريّة أو الفلسفيّة أو الأيديولوجيّة أو السّياسيّة أو النصيّة أن يكونوا على قدم المساواة أثناء اشتغالهم على الشّأن العام وأن يتجاوزوا حالة الاحتراب الدّاخلي ّوالتّكفير والإقصاء وانقطاع سبل الحوار والتّثاقف. هذا هو حسب تقديرنا المعنى الحقيقيّ لعَلمانيّة السّياسة والمعرفة بما هي شرط للحريّة والمواطنة والأمن والسّلم والتّواصل والتّعايش والغيريّة والأخوّة الإنسانيّة، أمّا سحب القداسة من مجال المعرفة الدّينيّة لاستعادتها وإعادة إنتاجها في مجالات أخرى فهذا كما يبدو لنا ضرب من التّزييف للمعرفة العلميّة وللمقصد الحقيقي للعلمانيّة كما يتبدّى لنا.
وتسمح العَلمانية بهذا المعنى بوضع جميع ما يُفترض أنه حقائق على محكّ النقد والتقويم والاختبار وتُخضعه لقابلية النقض أو النسخ أو التعديل وبهذا المعنى يمكن أن تكون العَلمانيّة هي الحلّ والقاسم المشترك لأنّها تكرّس ديمقراطيّة المعرفة والسّياسة في مقابل استبداد الارتهان إلى القداسات والإعلاء والتّبرير والإطلاق.
إنّ القول بأنّنا انخرطنا في منظومة الحداثة ذات الصّبغة الكونيّة وما على المثقّف الحداثيّ إلاّ أن يساهم في تبيئة قيم الحداثة ونشرها بين أفراد المجتمع والتّبشير بها بقصد إدماجهم في العالم وإدخالهم إلى التّاريخ هو تصوّر فيه الكثير من التّسرّع وعدم الدقّة لأنّه يوحي بأنّ الحداثة مشروع تمّ واكتمل – وفي ذلك إعادة إنتاج للفكر التّماّميّ - ولا شكل من أشكال التّفاعل معه إلاّ بالقبول والتبنّي وكلّ إمكان للمثاقفة والمساهمة في الإثراء خروج عنه وبذلك ننخرط في ما أردنا دحضه من تقديس وتعال، بينما نقدّر أنّ الحداثة مشروع مفتوح على انتظارات متعدّدة ضمن أفق أوسع من دائرة المركزيّة الثّقافيّة الأروبيّة إلى رحابة ثقافات العالم وما تزخر به من قيم. فضلا عن ذلك فإنّ الادّعاء بتماميّة مشروع الحداثة ينمّ عن عدم المواكبة الجديّة للجدل النّشط الذي تشهده دوائر المعرفة في الغرب عن أزمة العقل والعقلانيّة والحداثة وما أصبح يصطلح عليه منذ زمن بأزمة فقدان المعنى في المشهد الفلسفي الغربيّ.
كما أنّ القول بأنّ استعادة إشكالات التّراث هو من قبيل العبث الذي لا طائل من ورائه طالما أنّ الحداثة بديل كونيّ لا حاجة معه للتّرميق والتّوليف مع الثقافات المحليّة… هذا القول المتسرّع يتناسى أنّ فئات عريضة من مجتمعات الشّرق ولا سيما الفاعلين في الشّأن العام تصدر في وعيها وفكرها وضميرها وسلوكها عن قواعد ومعايير وقيم نشأت في سياق ثقافي تراثيّ فكان لزاما قبل الانتقال المجنّح والقفز إلى قصر النّاس على الحداثة، أن نمرّ عبر مرحلة النّقد والمراجعة وترسيخ قيم الحوار والعقل. أليس من المؤلم حقّا أنّ فئات من المجتمعات العربيّة لا تزال إلى اليوم تعيش في الزّمن الغابر وتعيد إنتاج إشكالاته بكلّ حذافيرها فلا يزال الشّيعة يتوعّدون بالثّأر للحسين ويوظّفون نفس الجهاز الحجاجيّ التّقليديّ لإثبات الإمامة والوصيّة والغيبة والرّجعة وأفضليّة أهل البيت … ولا تزال فرق من السنّة تجترّ نفس آليّات العقل الفقهيّ القياسيّ التّقليديّ وترتهن لنفس أحكام الفقه المذهبيّ الوسيط في كلّ مجالات الحياة فتعيش بذلك أزمة مضاعفة وحالة من الانفصام الباتولوجيّ الحادّ.
إنّ حرق المراحل واختصار المسافات بالقول مثلا إنّ منظومة الحدود والعقوبات في منظومة الفقه الإسلاميّ تتناقض مع المنظومة الحقوقيّة العالميّة لذلك لا بدّ أن نستعيض بهذه عن تلك لا يحلّ الإشكال بشكل جذريّ ويترك الباب مفتوحا أمام المجهول طالما أنّ الضّمير الإسلاميّ لم يحسم بعد أمره من داخل منظومته. ويكفي أن يرشّح الواقع السّياسيّ من لم يحسم أمره إلى موقع القرار والتنفيذ حتّى تنقلب الأمور. لذلك من دور المثقّف العضويّ الرّساليّ حسب تقديرنا أن يأخذ بيد مجتمعه ويعينه على الانتقال السّلميّ الآمن من طور حضاريّ إلى آخر دون آلام أو جراحات أو أزمة ضمير أو إحساس بالغبن والضّيم. المثقّف العربيّ من واجبه حسب ما يبدو لنا أن يرحم قومه ويربط أواصر الصّلة معهم لبناء جسور الثّقة والتّواصل بقصد تيسير مهمّة الإصلاح والتّنوير والتّحرير.
في هذا السّياق طرحنا إعادة النّظر في مسائل التّراث من خلال مقاربة تفكيكيّة نقديّة لمدوّنة أصول الفقه باعتبار أنّ هذا العلم هو علم العلوم الذي من خلال قواعده ومعاييره يتحدّد النّظر الشّرعيّ ومنظومة السّلوك في الواقع. ولعلّ قضيّة النّسخ من أخطر تلك القضايا التي يتأسّس عليها إمكان تجدّد الأحكام بتغيّر الأزمان والمصالح.
النّسخ بين التنّزيل والتّـأويل تندرج قضيّة النّسخ ضمن إشكاليّة تعارض الأدلّة وتنافي الأحكام خاصّة على مستوى خطاب التّنزيل وما يثيره ذلك من حرج إيمانيّ لمن اعتقدوا أنّ كلام الله قديم متعال عن التّاريخ ولا يجوز أن يعتريه ما يلحق ظواهر التاريخ من صروف الزّمان كالزّيادة والنقصان والتغيير والتبديل أو الاختلاف والتنافي. ويُستدلّ على ذلك بظاهر الآيات، فالله ( لاَ مُبَدِّّلَ لِكَلِمَاتِهِ)1 وكلامه (لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الَّلَهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) 2. لكنّ واقع التّشريع يفيد غير ذلك المعنى الحرفيّ، لِما تبيّن من مراعاة الخطاب التّشريعيّ لتأثيرات الزّمان والمكان وتغيّر المصالح وتبدّل السّياقات والملابسات. غير ّأنّ الضّمير الإسلاميّ لم يكن ليستسيغ" تأنيس" ظاهرة الوحي، ممّا أربك المنظومة البيانيّة الأصوليّة القائمة بدورها على مسلّمات إيمانيّة تتّصل مباشرة بالذّات الإلاهية التي لا يجوز أن يُنسب إليها ما يعتري البشر من أوضاع نقص كالبداء الذي يعني ظهور ما كان خافيا عن العلم من قبح الأفعال أو حسنها. فتُصْبِِغُ المنظومة الأصوليّة بذلك صفات إلاهية على الخطاب التّشريعيّ الذي صيغ بلغة البشر التي نشأت داخل التّواضع البشريّ وكان استجابة لحاجات البشر فكان من الطّبيعي أن تلحقه صرف التاريخ ومقتضيات الزّمان والمكان.
ويقف المتأمّل في ظاهرة النسخ متردّدا في تصنيفها ضمن أبواب أصول الفقه. فهل النّسخ ظاهرة بيانيّة محايثة للنّص تتعلّق بخصائص الخطاب وقواعده الدّاخليّة من حيث مراتب البيان حقيقةً ومجازا أو عموما وخصوصا أو إطلاقا وتقييدا أو إفراد واشتراكا أو فورا وتراخيا …؟ فيندرج النّسخ تبعا لذلك ضمن النظريّة التأويلية الأصولية والجدل البياني الذي أثارته، أم يندرج ضمن خصائص التنزيل التوقيفية وأسرار الوحي الخفية المفارقة للخطاب؟3
ويؤكد الجدل الحاصل حول هذه المسألة أن النّسخ أعلق بالتأويل منه بالتنزيل وأنه محايث للخطاب ومتلبّس به وبمقتضياته الموضوعيّة المتّصلة بملابسات التّاريخ وحاجات النّاس ومصالحهم المتجدّدة. كما يؤكد الاختلاف حول حجم النّاسخ والمنسوخ في نصوص التشريع 4 أنّ المسألة اجتهادية وكان يمكن أن تندرج ضمن أحد ضروب التخصيص أو التقييد5. إلاّ أنّ تأويل الآية التي أشارت إلى النسخ 6 أضفى عليه مسحة تقديسية توقيفيّة ، دون اعتبار إكراهات التّاريخ زمانا ومكانا، فهو بذلك بيّن بذاته وبيانه من خارج الخطاب تقوم به الإرادة الإلاهية النّاسخة الحاضرة بشكل مباشر في الخطاب. غير أن المسألة أثناء مباشرتها لم تكن بذلك اليسر والوضوح، فالطّريق إلى الدّلالة اللّغوية والشرعيّة للنّسخ ليست ممهّدة بشكل يحسم المسألة أو يُخضعها لمعايير يطمئن إليها الأصولي والمجتهد فضلا عن الباحث. ويتبيّن من خلال تعريف ابن قيّم الجوزيّة تـ 751هـ أن مصطلح النّسخ بالمعنى المتداول بين الأصوليين حادث. والرّاجح عندنا أنه اكتسب تلك الدّلالة الحادثة تحت تأثير الجدل بين المسلمين واليهود حول مسألة البداء ودفاع المسلمين ضد دعاوي اليهود. فكيف تمثّل الأصوليّون عموما هذه الظّاهرة؟ وكيف قننوها؟
1ـ حدّ النسخ :
اعتبر الأصوليّون النّسخ من الأسماء الشرعيّة المنقولة عن اللّغة. ويفيد أصله اللّغوي الإزالة والتنقّل، ثم أفاد المعنيين في الاسم الشرعيّ على سبيل المجاز والتّشبيه باللغة. ويفيد أربعة مدلولات :
• الله : النّاصب لدلالة النّسخ : وهي دلالة على الحقيقة
• الحكم : الذي نسخ ما سبق : وهي دلالة على المجاز
• المعتقد للنسخ أو من أداه اجتهاده إلى ذلك : وهي دلالة على المجاز.
• الطريق إلى النسخ "القرآن والسنة": وهي دلالة على المجاز.
ويعتبر القاضي عبد الحبّار المعتزلي تـ 415 هـ أنّ النّسخ هو ( ما دلّ على أن مثل الحكم الثابت بالنصّ غير ثابت على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه7). ويتحفّظ تلميذه أبو الحسين البصري تـ 436 هـ على هذا الحدّ لأن إطلاق " ما يفيد الدّلالة على عدم ثبات الحكم الثابت" يمكن أن يشمل خبر الواحد مع أنه لا يتسم بصفة الدّليل على الحقيقة. كما يمكن أن يشمل نسخ الحكم الثابت بالعقل فيكون العقل ناسخا. وقد يُفهم منه أنّ العجز عن القيام بالفعل ناسخ لثباته. كما أنّ إجماع الأمّة على قولين في فترة ثمّ إجماعها على أحدهما في فترة لاحقة يمكن أن يُعَدَّ وفق حدّ شيخه نسخا. لذلك اختار البصري حدّا آخر بدا له أكثر ضبطا: فالنّسخ ( قول صادر عن الله عزّ وجلّ أو منقول عن رسول الله يفيد إزالة مثل الحكم الثابت بنصّ صادر عن الله أو بنص أو فعل منقولين عن رسول مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا)8. وهذا الحدّ يتضمن أخبار الآحاد لأنّها وإن كانت أمارات ظنيّة فهي من جنس الخطاب المنقول عن الرّسول ويمكن أن ينسب إليها إزالة مثل الحكم الثابت.
وفي المقابل يُخْرِجُ هذا الحدُّ الإجماعَ والعقلَ عن أن يكونا ناسخين لأنهما ليسا بقول أو فعل منقولين عن الله ورسوله. غير أن هذا الحدّ لا يحلّ جميع الإشكالات لأن حصر النّسخ في الحكم الثابت بالنصّ فيه إقصاء لدلالة الفحوى أو الإشارة أو التنبيه أو مقتضى القول عن أن تفيد معنى النسخ لأنها ليست عبارات. لذلك نجد أنّ الغزالي تـ 505 هـ آثر في المستصفى استعمال لفظ الخطاب على النصّ في حدّ النسخ9. كما أن إقصاء العقل والإجماع من دائرة النّسخ يوقع في الكثير من الارتباك والحيرة. فالنّسخ مهما كان صادرا عن الإرادة الإلهية المفارقة للخطاب فقد نُصبت له دلائل وأمارات من الخطاب تحتاج إلى العقل أداةً للنّظر والتّمحيص والتّرجيح لإثبات دلالة النّسخ. كما أنّ ذلك المجهود العقلي يحتاج للإجماع عليه من طرف المجتهدين والعلماء حتى تسجّل الآية أو الحديث ضمن قائمة النّاسخ أو المنسوخ لتأسيس الحكم على ذلك. فالعقل والإجماع طريقان أساسيان لإثبات واقعة النّسخ على المستوى الإجرائي الفعلي، وما إقصاء الأصوليون لهما من الحدّ إلاّ لاعتبارات كلاميّة إيديولوجيّة بغاية تسييج دائرة النّظر و الاختلاف حول هذه الظّاهرة وإغلاق باب النّسخ نهائيا. غير أنّ هذا التصوّر للنّسخ لم يكن ليصمد أمام تلك المقتضيات الحتميّة للتّاريخ والجغرافيا ومصالح النّاس التي تختلف باختلاف الحوادث والمستجدّات، فقد مارس الفقهاء ضروبا من الاجتهاد تقارب النّسخ تحت عناوين شتّى.
2ـ النّسخ بين البداء والمصلحة :
اتخذ الأصوليّون القائلون بالنّسخ من مفهوم المصلحة معيارا لتمييز النّسخ عن البداء، أمّا بخصوص النّسخ فإذا تعلّق النّهي بما تعلّق به الأمر على الحدّ الذي تعلّق به من غير تغاير بين مُتَعَلَّقَيْهِمَا فيصحّ أن تثبت المصلحة مع أحدهما دون الآخر في وقت ثمّ تنتفي عنه وتثبت في الآخر في وقت لاحق لذلك يقع النّسخ.
أمّا البداء ـ الذي نسبه اليهود لله لما لاحظوه في النصّ القرآني من تعارض بين بعض الأوامر والنّواهي ـ فيفيد أنّ : الآمر " صاحب النصّ " قد خفي عليه من الصّلاح ما كان ظاهرا، أو ظهر له من الفساد ما كان خافيا ، لذلك نهى عمّا أمر به أو أمر بما نهى عنه، أو أنّ الآمر لم يظهر له شيء ولا خفي عنه ولكنّه قصد الأمر بالقبيح أو النّهي عن الحسن.
فالبداء يشبه النّسخ في تطابق الأمر والنّهي في الفعل والوقت والوجه والمَعنِى بالتّكليف فضلا عن مجاورة الثّاني للأوّل، ولكن يخالفه في أنّ النّسخ قائم على مبدأ المصلحة بينما البداء قائم على جهل صاحب الخطاب بما يكون من مفسدة و ما خفي من مصلحة أو هو آمر بالقبيح أحيانا.
وبمقتضى هذا التّمايز بين النّسخ والبداء ( يعلم الله في ما لم يزل أن الفعل من زيد مصلحة في وقت ومفسدة في وقت آخر فيأمره بالمصلحة في وقتها وينهاه عن المفسدة في وقتها فلا يكون قد ظهر له ما لم يكن ظاهرا ولا خفي عنه ما كان ظاهرا ولا أمر بقبيح ولا نهى عن حسن وإنّما أمكن ذلك لأنّه قد حصل بين المأمور به والمنهي عنه تغاير وانفصال فصحّ أن تثبت المصلحة من أحدهما دون الآخر)10. وبانفتاح الأصوليين القائلين بالنّسخ على المصلحة معيارا للنظر انتبهوا إلى ظاهرة التغيّر في المصلحة وجواز ذلك عقلا وواقعا. فالحكم الذي تعبّد الله به النّاس وأمرهم به يجوز أن يقبُح في المستقبل فإذا قبُح حسُن النّهي. بل إنّ نفس الفعل يمكن أن يكون في نفس الوقت مصلحةً لزيد ومفسدةً لعمرو.
وإذا جاز كون مثل الواجب المأمور به حسنا في وقت وقبيحا في وقت لاحق فذلك يفيد عند الأصوليين أن الله يعلم منذ الأزل وجوبَ ما أمر به في الوقت الذي أمر به وقبحَه في الوقت الذي نهى عنه أو العكس. وقد انتبه الأصوليّون بذلك إلى نسبيّة المصلحة والمفسدة وعدم تأبّدهما. فلو كان مثل الفعل مصلحةً في جميع الحالات لكان الحكم بجواز نكاح الأخوات مؤبّدا. فالحكم أمرا كان أو نهيا مشروط بكونه مصلحة وليس من شرط التّكليف بيان المصلحة ووقت ارتفاعها. وكلّ ما على المكلّف أن يعلمه أن الفعل مصلحة. وإنّما يعلم ذلك ضمنا أو بالقوّة من حيث يعلم أن الحكيم لا يأمر بما ليس مصلحة ابتداء أو بعد ارتفاع الحكم بالنسخ.
ويطرح هذا التمثّل للمصلحة سؤالا جوهريّا: هل نفهم المصلحة في ضوء النّسخ أم نفهم النسخ في ضوء المصلحة؟ وهل النّسخ هو المُشعر بوجود المصلحة أم أن المصلحة هي المنشئة للنّسخ ؟
ليس هناك أهون من الإجابة عن هذا السؤال بالنّسبة إلى المؤمن المتسلّح بمسلّمات العقيدة، إذ ترسخ لديه أنّ الله الذي أحاط بكل شيء علما قد سبق في علمه تغيّر المصلحة فأنشأ الحكم النّاسخ للحكم الأوّل منذ الأزل قبل الزّمان والمكان ووجود المَعْنِي بالتّكليف أو ما اصطلح عليه بـ " أمر المعدوم". فعلم الله قديم وحكمه قديم لا يتجزّأ لأنّ علمه وإرادته لا يخضعان لخطيّة الزّمن التاريخي وتعاقب أحداثه.
أمّا من يريد أن يقف موقف المُؤَصِّل لقواعد التشريع وطرقه أو المجتهد والنّاظر فلا تفيده حسب تقديرنا الحقائقُ الإيمانية في شيء، إذ عليه أن يخوض بكلّ مسؤوليّة غمار المعنى الشرعيّ في خضم الدّلالات الحكميّة المتعارضة التي قد يُنهى فيها المكلَّف عما أُمِرَ به سابقا أو يُأمر بما نُهَِى عنه قبل، وذلك بغاية تقنين هذه الظّاهرة و تمثّل منطقها الداخليّ. ويزداد الأمر إلتباسا إذا تخلّفت القرائن التي تبيّن السّابق عن اللاّحق والمتراخي فيبقى تمييز الدّلالة النّاسخة عن المنسوخة عرضة لنوازع الايدولوجيا السّياسية أو المذهبية أو الذاتية. لذلك حاول الأصوليين ضبط قوانين أو شروط يكون بها النّاسخ ناسخا والمنسوخ منسوخا.
3ـ طريق النسخ أو ما يعرف به النّاسخ والمنسوخ :
اعتبر الأصوليّون أنّ الطّريق إلى محاصرة ظاهرة النّسخ والاستدلال على وجودها هي:
أ ـ لفظ النسخ أي التّصريح بالنّسخ لفظا، وقد يتناول ذلك التّصريح النّاسخ أو المنسوخ، وقد يُعلم النسخ تلميحا أو بالقوّة من قصد النبيّ.
ب ـ التأريخ مع التنافي بأن يكون أحد الحكمين نافيا للآخر أو مضادّا له ويُعلم التّاريخ بإشارة النبيّ نفسه إلى التقدّم أو بقرينة تفيد التقدّم لأحدهما على الآخر. والقرينة على ضروب :
* أن يستند أحدهما إلى زمان متقدم.
* أن يستند أحدهما إلى غزوة دون أخرى ويُعلم تقدّم أحدهما على الأخرى.
* أن يستند أحدهما إلى فعل متقدّم.
* أن يروي أحدَهما رجل تقدّمت رؤيته للنبيّ على رؤية راوي الخبر الآخر وإلاّ تقارنت الرّوايتان.
* أن يصرّح النبيّ أو الصّحابي بالتقدّم شرط أن لا يكون خبر واحد.
ويتبيّن من خلال هذه الضّوابط أن الطّرق إلى النّسخ ليست بيّنة بذاتها بل هي نتاج نظر واجتهاد بشريّ تتوقّف صحّته على كمّ من المعارف والقرائن المتعلّقة بالتّاريخ والحديث، وهي معطيات شحيحة ومتضاربة وغير يقينية في أغلب الأحيان بدليل الاختلاف حولها خاصّة وأن تلك المعطيات وقع تداولها شفويا ردحا من الزّمن ثمّ دوّنت مثقلة بهواجس عصر التّدوين وملابساته السّياسيّة والمذهبيّة والثقافية. فهذه القرائن إذن لا تحول دون تسرّب النّوازع الإيديولوجية في تحديد هويّة النّصوص المنسوخة. من ذلك مثلا الجدل حول صحّة نسخ الآية ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) 11 بآيات السّيف والقتال. فهل الآية أصل غير قابل للنسخ لأنّ عدم إكراه الناس على عقيدة لا يرتضونها مصلحة عليا ومقصد سام للدّين لا معنى للتّكليف بدونه فلا وجه ولا وجاهة لنسخ هذه الآية بقطع النّظر عن القرائن اللفظيّة اللاحقة؟ أم هي قابلة للنّسخّ باعتبار التّنافي بين دلالتها ودلالة آيات وأحاديث متراخية عنها تدعو إلى قتال المخالف الدّينيّ حتّى يؤمن، خاصّة وأن التنافي قد يختلف فهمُه من مجتهد إلى آخر باعتبار الاختلاف في منهج الفهم إن كان حرفيّا أو سياقيّا أو مقاصديّا أو عقليّا؟. وقد أورد الرّازي في تفسير هذه الآية في "مفاتح الغيب" " أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكّن والاختيار… لمّا بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للعذر، قال بعد ذلك : إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك ممّا لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29] وقال في سورة أخرى وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء : 3 ، 4 ] … "وأضاف الرّازي أنّ الله " لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر، بل إنّما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم . ولهذا قال الفقهاء إنّ حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة . وحقوق العباد مبناها على الضيق والشحّ. ويُقال في الأثر الملكُ يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم "
غير أنّ هذا التّأويل خالفه فيه من قالوا بنسخ هذه الآية بكلّ ما يفترض أنّها آيات السّيف.
هوامش:
1 ـ الكهف 27.
2 ـ النّساء 82.
3 ـ اعتبر ابن حزم النسخ نوعا من أنواع البيان (النسخ هو تأخير البيان نفسه) الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 59. وهو (نوع من أنواع البيان فكل نسخ بيان وليس كل بيان نسخا) ج 4 ص 60 من الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ت 456 هـ ط دار الآفاق الجديدة بيروت 1980 تحقيق أحمد شاكر.
4 -عدّها علماء القرآن 200 آية أغلبها أقرب إلى العامّ والخاص أو المطلق والمقيّد ـ وعددها عند ابن الجوزيّ 247 أية وعند ابن حزم 214 وعند عبد القاهر البغدادي 66 وعند السّيوطي 20 حصرها في مقطوعة شعريّة مطلعها : قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد * وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر
وهـاك تحـــرير أي لا فريد لهـا * عشرين حرّرها الحّفاظ والكبر .
أنظر السّيوطي ت 911 هـ الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 30 ـ ط دار المعرفة بيروت بدون تاريخ.
5 ـ ( مراد عامّة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العامّ والمطلق والظاهر وغيرها تارة إمّا بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيّد… حتى أنهم يسمّون الاستثناء والشرط والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد. فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه. ومن تأمّل كلامهم رأى من ذلك فيه مالا يحصى وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر) ابن قيم الجوزية ت 751 ـ أعلام الموقعين م 1 ص 29 ـ دار الكتب العلمية بيروت ط 1996 تح محمّد عبد السلام إبراهيم .
6 ـ البقرة 106
7ـ المعتمد في أصول الفقه ج 1 ص 396 المعهد العلمي الفرنسي للدّراسات العربيّة بدمشق 1964 م
8 ـ المعتمد ج 1 ص 397.
9ـ ( وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النصّ ليكون شاملا للفظ والفحوى والمفهوم وكل دليل أن يجوز النسخ بجميع ذلك) الغزالي أبو حامد ت 505 هـ المستصفى ج 1 ص 107 ط بولاق مصر 1322 هـ
10ـ المعتمد ج 1 ص399.
11 - البقرة 256


