الخميس 2 أيلول (سبتمبر) 2010
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > ذاكرة الحداثة > النصّ الأصليّ لخطاب الحبيب بورقيبة عن رمضان (وبذيله فتوى الشيخ جعيط (...)

النصّ الأصليّ لخطاب الحبيب بورقيبة عن رمضان (وبذيله فتوى الشيخ جعيط في ذلك)

إعداد وتقديم: شوقي بوعزّة

الاربعاء 16 أيلول (سبتمبر) 2009
، بقلم   
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

نقدّم لقرّاء " الأوان" وثيقة مهمّة في معالجة المسألة الدينيّة في الإسلام تتضمّن أوّل تأويل من زعيم دولة "دينها الإسلام" لركن الصيام تأويلا يخالف صريح النصّ القرآني ويستند إلى مقاصده وبعض ما ورد في السنّة النبويّة بقدر ما يستند إلى إعمال العقل والنظر في المصلحة الفرديّة والعامّة.

وقصدنا من هذا أن نوثّق التوثيق العلميّ للمسألة أوّلا، وأن نطلع القرّاء في تونس وفي العالم الإسلاميّ ثانيا على أسلوب الحبيب بورقيبة في معالجة ما اعتبره من أمور الدين عائقا يحول دون التحديث وبناء مجتمع متطوّر، وأن نوضّح ثالثا حقيقة موقفه من ترك صيام رمضان من خلال استدلاله وحجاجه الذي نترك للقرّاء الحكم عليه دون أن يحتاجوا إلى ما تحفل به الكتابات الإخوانيّة والأصوليّة الرجعيّة، هنا وهناك، من ضروب المغالطة والتزييف التي تختم بالمسارعة إلى الاتهام بالردّة والمروق عن الدين .

وإننا نقدّر حجم الصدمة النفسيّة التي يصاب بها المسلم العاديّ إذ يسمع مجرّد سماع بأنّ بورقيبة دعا إلى ترك الصيام فما بالك بمن له حظّ ولو محدود من المعرفة الدينيّة، دون أن نتحدّث عن الفقهاء التقليديين المتمسّكين بالتأويل المستقرّ تاريخيّا للدين والعقائد. ولكننا نعتقد أنّ قراءة نصّ خطاب بورقيبة يضعف من غلواء هذه المواقف المتسرّعة التي لم تتبّع التحليل في تدرّجه ولم تنظر في الحجج المقدّمة. فما انفكّ بورقيبة يقدّم تصوّراته للمسائل (التي تقرّرت عبر التاريخ الديني والاجتماعي على صورة تخالف ما يدعو إليه) على أنّها اجتهادات من داخل المنظومة الإسلاميّة تعبّر عن جوهر الإسلام كما ينبغي فهمه في عصرنا الحالي، بما أنّ الدين الإسلاميّ عنده صالح لكلّ زمان ومكان، ولكنّ الكسل الفكريّ والتقليد الأعمى وإيمان العجائز وعدم إعمال العقل هي ما يقعد بالمسلمين عن فهم دينهم الفهم الموافق لمقتضيات العصر ومتطلّبات التطوّر.

وإذ نترك للقرّاء متابعة تحليل بورقيبة لواجب الصيام في علاقته بواجب العمل، والحاجة إلى التفرّغ لبناء الأمّة ونهضتها قبل أداء الفريضة الدينيّة، وإذ نترك لهم اكتشاف الأساليب الخطابيّة المعتمدة في الإقناع والحجاج، فإنّنا نشير إلى أنّ الخطاب الذي ألقاه الزعيم بورقيبة لم يكن مخصّصا لرمضان، ولم يلقه أصلا في شهر رمضان، بل ألقاه يوم 5 فيفري من سنة 1960 أمام ثلّة من إطارات الدولة ليقدّم لهم مشروعا أعدّته الحكومة لتشغيل حوالي مائة وخمسين ألف عاطل عن العمل كانت الدولة تحتاج إلى تشغيلهم، حتى لا يبقوا عالة عليها، وليجدوا مورد رزق ولو كان محدودا ودون الضمانات الاجتماعيّة المطلوبة والحقوق النقابيّة التي يكفلها القانون. وفي هذا السياق عدّد الرئيس بورقيبة محاسن هذا المشروع،على نقائصه، ودعا إلى تغيير عقليّة التواكل والرضا بالقسمة والنصيب وبما كتب الله، معتبرا أنّ المعركة هي معركة من أجل محاربة التخلّف والبؤس والخصاصة. وفي هذا السياق العامّ عرّج بورقيبة على مسألة صيام رمضان بحضور مفتي الديار التونسيّة فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط (ت 1970، ولم يتورّع بورقيبة عن نسبة الفتوى إليه كما هو بيّن في إحدى فقرات النصّ الذي نورده أسفله.

لذلك ذيّلنا المقتطف الخاص برمضان من خطاب بورقيبة بنصّ الفتوى عدد 20 المتعلّقة بـ"الأعذار المبيحة للفطر في رمضان" وقد صنعها شيخ الإسلام بعد سبعة أيّام من الخطاب المذكور (أي يوم 13 فيفري 1960)، وقبل دخول شهر رمضان من سنة1379 هـ يردّ بها، ولا شكّ، على الزعيم بورقيبة بلغة تقليديّة لا ننتظر غيرها من رجل زيتونيّ أملى عليه ضميره وموقعه الدينيّان أن يقول ما قال، محدثا المفارقة الجلّيّة بين تصوّراته وتصوّرات بورقيبة وبين أسلوبين في مقاربة شؤون الدين والدنيا. لذلك نعتبر فتوى الشيخ جعيط مكمّلة لخطاب بورقيبة على ما بينهما من تناقض؛ فهما يجسّدان تاريخيّا الصراع الذي كان يخوضه بورقيبة ضدّ رجال الدين، وسعيه في آن واحد للاعتماد عليهم بصفتهم سلطة رمزيّة، بقدر ما يجسّدان الصراع الذي كان يعيشه الفقهاء بين تصوّراتهم التقليديّة وأفكار الرجل القويّ الخارج لتوّه من محاربة الاستعمار الفرنسيّ، وهي أفكار بدت لهم مجنونة: لا هم قادرون على مواجهتها وردّها ولا هم قادرون على قبولها وتبريرها.

1.مقتطف من خطاب بورقيبة

"هناك عراقيل كثيرا ما يعتبر التونسيون أنّ مرجعها إلى الدين والدين براء منها، فالدين خلو من الأوهام القديمة التي يعبر عنها بسطاء الناس: "بالمكتوب" فيقولون: "كل حدْ وقسمُهْ" و"ربّي ما يخلق نفس كان ما يخلق قسمها".

ونحن اليوم على أبواب رمضان لا يفصلنا عنه إلاّ ثلاثة أسابيع. ومسألة صوم رمضان درستها طويلا ومن واجبي أن أبسطها هنا بكلّ صراحة بحضور مفتي الديار التونسية الذي اجتمعت به قبل اليوم وتحادثت معه مرّات متكرّرة بشأن هذا الموضوع.

إنّ التعبئة التي ندعو إليها والعمل المتواصل المتحتّم والضروريّ تعترضه عقبات يعتبرها الشعب ذات مصدر ديني، فيقول الناس: "أقبل رمضان ولا عمل فيه والأمر لا ينازع فيه منازع"، هذا هو الحدّ الذي وصل إليه الأمر … ويقولون: هل أسمى لدى المرء من دينه؟ ويرون أنّ صيام رمضان قد يؤدّي بالمرء إلى الإمساك عن كلّ عمل ولا جناح عليه. وعندما تريد أن تحاسبه عن تكاسله يتذرّع بالصوم ويتمسك برمضان.

إنّ أمّة بأكملها تسعى ما وسعها لتنمية الإنتاج القومي، وتبذل جهد طاقتها في ذلك السبيل، وبين عشية وضحاها ينهار إنتاجها ويكاد يضمحلّ تماما وتسأل عن السبب فيجيبك بأنّه رمضان.

وتلتفت حولك فلا ترى إلا متثائبا أو مستسلما للنوم.

وهذا أمر لا يمكن أن يستمرّ لأنّه ليس من الدين في شيء.

وهذا أقوله هنا بحضور مفتي الديار التونسية الذي سيخاطبكم مباشرة في الموضوع بعد يوم أو يومين، وأكرّر القول بأنّه ليس من الدين، وإنّه إسراف في فهم الدين.

إنّ من يكون صائما وقائما بواجبه الديني حسبما يفرضه عليه الإسلام ثمّ يدرك أنّ ضعف بدنه لا يسمح له بالعمل فيستمرّ في الصوم تاركا العمل .. إنّ من يكون هذا شأنه لا يقرّه الدين عليه حسبما يراه مفتي الديار التونسية. وسيشرح لكم ذلك بنفسه.

إنّ الله جعل الدين يسرا لا عسرا، وقد خفّف على عباده جميع الفروض التي تشقّ عليهم وينالهم التعب في أدائها، والصيام أشقّ هذه الفروض على النفس لم يفرضه الإسلام باعتباره ضربا من ضروب تعذيب النفس البشرية. والتعذيب الذي تقرّه بعض الأديان لا يقرّه الإسلام ولا يعتبره موجبا للجزاء بالجنّة أو أداة للتكفير عن الذنوب.

هناك أناس يفرضون الحرمان على أنفسهم وينزعون عنهم أثوابهم ويلوذون بالفقر ويلبسون بعض أكسية صوفية ويقنعون بكسرة من خبز تسدّ رمقهم. والذين يبلغون تلك الدرجة من التصوف ويتعبدون على تلك الصورة لا يقرّهم الإسلام في ذلك.

التخلّص من الانحطاط كفرض الجهاد

إنّ ديننا دينٌ جميع فروضه قائمة على العقل والمنطق وغاياتها معروفة يتناولها التدريس.. وهي تمرين وتجربة وتطهير.

ولكن ما يتعارض منها مع ضرورة الحياة وما تقتضيه الحياة والكفاح من أجل الحياة فإنّها تسقط بطبيعتها ويصبح المسلم في حلّ منها.

فالله سبحانه وتعالى أعفى المسافر من الصوم نظرا لما كان يلاقيه من بعض الأتعاب، فكيف لا يعفيه عندما يتعلّق الأمر بشغله الذي لا عيش له بدونه. ولا يملك أن يقتات ويكسب تلك الكمية الضئيلة من الدقيق التي تكفل له قوت أطفاله إلاّ عن طريق الشغل، زد إلى ذلك أن الشغل ضرورة يفرضها السعي لخروج الأمة الإسلامية عن طور الانحطاط والتخلف، فتونس البلاد الإسلامية تعاني درجة من الانحطاط تجلب لها العار في نظر العالم، ولا سبيل لأن ترفع هذه المعرّة عن جبينها إلا بالعمل الدائب المتواصل والشغل المثمر المجدي، والتخلص من هذا الانحطاط فرض وجهاد حكمه كحكم جهاد السيف. ولذلك فإنه لا يمكن أن يعرقل جهادها أو يعطله أو يوقف انطلاقه أو يقعدها عنه فرض الصوم، فالصوم يحطّ من إمكانيات الفرد ويجعله لا يقوى على واجب هو ليس واجبا شخصيا بل واجب نحو أمّته ونحو دينه.

هذا ما يتعيّن عليكم إدراكه حقّ الإدراك دون أيّ التباس قد يركبه خصومنا الكثيرون مطيّة للتهجّم علينا وحملنا محمل الكفر والعياذ بالله. إني لا أدعو الأمّة إلى ترك الصيام بل إنّي أقول أنّ تعبا يقعدهم عن شغل حيويّ يكسبكم قوتكم وقوت ذويكم ويوفر لكم سببا من أسباب رفع هذا الدين إلى المستوى اللائق به .. إذا خفتم أن يحول بينكم وبين هذا العمل المطلوب منكم لبلوغ هذه الأهداف السامية، فإن فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط يقول لكم إنّ الدين يجعلكم في حلّ من الصيام على أن تؤدوا صيام الأيام التي فطرتم فيها عندما يتيسر لكم ذلك، يوم تحالون على التقاعد مثلا أو عندما تكون الظروف مواتية، ليس هناك مانع ديني يمنع من ذلك.

ولكم في رسول الله أسوة حسنة

أما اليوم فإننا نواجه تعبئة عامّة يتعيّن فيها أن يكون العمل متواصلا لا يعرقله معرقل ولا يوقف اندفاعه شيء. والخطر كل الخطر أن يتكسّر الاندفاع وأن يتعطل شهرا أو شهرين بدعوى أن صوم رمضان هو السبب.

إننا في غمرة مشاكلنا ومعاركنا السياسيّة لم نجد وقتا كافيا لدرس السيرة النبويّة بإمعان. ولقد اطلعنا عليها وعلمنا منها الكثير ولكن جوانب منها لم نهتد إليها. وقد أرشدني فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط في مجلس جمعنا مع فضيلة الشيخ الطاهر بن عاشور إلى حادثة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم دلتنا على رأيه واتجاهه وعلى تصرّفه لو بقي صلى الله عليه وسلّم حتّى اليوم. يقول فضيلة مفتي الديار التونسيّة إن رمضان أدرك المهاجرين والأنصار وهم يسلكون طريقهم بقيادة النّبي الكريم إلى فتح مكّة فصام بعضهم وأفطر آخرون، فأراد صلى الله عليه وسلّم أن يشجعهم فأفطر ومع ذلك تمسك البعض منهم بالصوم فأمرهم بالإفطار وقال لهم :"أفطروا لتقووا على ملاقاة عدوّكم"، حديث شريف وسنّة نبويّة كريمة كانت مجهولة منا والحال أنها جديرة بأن تلقى كل يوم جمعة في الجوامع والمساجد، وأن تظفر بما هي حرية به من درس وتحليل لقد كان صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى جنود الإسلام ليقهر بهم أعداء الدين، وماذا يفيد الدين يا ترى إذا تمسكوا بالصوم ثم اندحروا أمام قريش.

إنّ جميع رجال الدين الحاضرين في هذه القاعة يعلمون أن الإسلام يحضّ على الإفطار في رمضان ليقوي المسلمون على أعدائهم وأعداء المسلمين اليوم: الانحطاط والخصاصة والذل والمهانة. إن الدين يأمركم أن تقووا على أعدائكم كي لا تبقوا في مؤخرة الأمم، وإذا اردتم أن يكتب الله لكم ثوابا في الدار الآخرة فما عليكم إلاّ أن تعملوا بضع ساعات إضافية خير لكم من صوم لا عمل فيه يدفعكم إلى زيادة التقهقر.

وهذه السنة النبوية كشفت القناع عن حقائق دينية كانت مجهولة لا يتعرض لها الفقهاء خشية من بساطة الناس.

وهناك واقعة أخرى في السيرة النبوية حدثنا عنها أساتذتنا عندما كنا تلاميذ بالمدرسة الصادقية، وهي أن النبيّ صلي الله عليه وسلم التقى في طريقه برجل يتعبّد في صومعة يقضي ليله ونهاره مصليا، وقيل له أنه زاهد في الدنيا، فسال عمن يطعمه فقيل له إنه أخوه، وكان حاضرا، فالتفت إليه رسول الله وقال له: إنك أفضل منه لأنك تعمل من أجل إطعامك وإطعامه أو كما قال.

الدين لا يبيح القعود عن العمل:

هذا هو ديننا الحنيف الصالح لكل زمان ومكان والمساير لجميع الظروف، والبلاد التي تدعو فيها الحاجة إلى الشغل والعمل والجهاد في منطقة معينة لا يمكن أن يقعدها الدين عن ذلك، لاسيما وهو دين يدعو إلى الجهاد، وإذا ما قال قائل إن الدين يقعد بالمسلمين عن التطور والتقدم فإنّي أردّ عليه بأنه يستحيل أن يكون الدين سببا في تأخّرنا وفي ضعفنا.

والأمر لا يدعو إلى اجتهاد كبير، بل يكفي أن نراجع كتب السيرة التي لا تترك مجالا للتردد في الإمساك عن الصوم حالما يشعر المرء بخطر يهدد بدنه أو شغله أو إنتاجه، أو ينال منه في القيام بواجبه في هذه الدنيا وفي سعيه ليحظى بعيش الكرامة وفي مساهمته لتخليص بلاده من التخلف والانحطاط.

إن الدين والحالة تلك لا يطالب بالاستمرار في الصوم ويراه غلوا ولا غلوّ في الدين. ولكنه الجهل جعل الناس يعتقدون أمورا ما أنزل الله بها من سلطان عن حسن نية.

وقد تكونت عادات وتقاليد ارتبطت برمضان، لعلها السبب الرئيسي فيما أصابنا من انحلال عزائمنا في ذلك الشهر، فقد ألف الناس أسماره الطويلة ومآكله الدسمة وخلاعة ملاهيه وغير ذلك مما يأباه الدين ويجرّ إلى النكبات وفقد الثروات، وكثرة المأكل تؤدّي إلى تأزم الأمراض بل هي التي تثيرها.

كل هذا يجب أن يوضع له حدّ وأن يتوقّف السهر عند حدّ معقول، لأنه هو الذي يحول بين الرجل وبين القيام بواجبه في الغد، فتتكون عادات جديدة وتتبدل المواعيد وينحزم كل نظام وتشحب سحنات وتصفرّ وجوه، ولا يعود أيّ كان يستطيع أن يقوم بعمل منتظم مثمر، وكلٌّ يشكو رمضان وتعب الصيام. ولعل أكثر الناس شكوى من رمضان اولئك الذين يفطرون ولكنهم يتأخرون عن مواعيد العمل أكثر من سواهم.

وعليه، فابتداء من هذا العام تقرّر منع جميع هذه التصرّفات المخلّة بالكرامة والمفسدة للأخلاق، فلا تتغير أوقات العمل في المصالح الإدارية، ولا يتجاوز السهر منتصف الليل، ولا تقام الحفلات الراقصة في المقاهي وغير ذلك من الأمور المزرية، ولنا الكفاية في أعيادنا الدينية والوطنية لنتّعظ ونعتبر، ولا داعي لتواصل عيدنا شهرا كاملا وأن يمتدّ إلى شهر قبله وشهر آخر بعده، فكفانا استهتارا بالقيم والأخلاق والدين في آن واحد. إنّنا في حاجة إلى القوّة وهذه الدولة بما عرف عنها من حزم ونكران ذات واخلاص وحبّ للخير جديرة بأن تلقى من الشعب الامتثال والطاعة والعمل المثمر رغم العادات الماضية.

ولقد اندحرنا وتقهقرنا ودعانا داعي الجهاد المتواصل فما ضرّنا لو تخلّصنا من جميع العادات الوبيلة وانكببنا على العمل واتخذنا لنا أفراحا معقولة واضحة المعالم مثل الأفراح الوطنية والدينية، بدون أن نتذرّع بها للاستهتار والتفسّخ أو لإثارة الخصومات والخلافات والانزلاق إلى التصارع وتبادل اللكم في سوق العصر والباب الجديد متذرّعين بأنّ ذلك هو تأثير رمضان.

يجب أن نتمسك بجادّة العقل وأن نتبيّن الهدف الذي نسعى لإدراكه، وعندها تهون علينا التضحية بالعادات والسهرات مما يعود علينا بالضرر من جميع الوجوه.

وما كل هذا إلاّ توفير لأسباب النجاح في معركة البناء والتشييد وفي التشغيل المستمر، والأمر يعود إلى التفكير وإعمال الرأي.

والعاطلون الذين نشغّلهم يجب أن يقتنعوا بأننا لا نبغي تمكينهم من الأجور فقط، بل نروم توفير ثروة البلاد والخروج من طور الانحطاط الذي يصمنا بوصمة عار باعتبارنا تونسيين وعربا ومسلمين.

وإذا ما تحقق هذا الهدف ولقينا من الشعب الحماس والامتثال والعمل والعزوف عن العادات البالية والمعتقدات الدينية الخاطئة، وإذا ما واصلنا السير جنبا إلى جنب يدا واحدة، فإننا منتصرون في معركتنا الكبرى؛ معركة بناء دولة حرّة وأمّة مسايرة لمقتضيات العصر في مقدّمة الشعوب الحيّة.

والسلام عليكم ورحمة الله "

المصدر:الحبيب بورقيبة :خطب، الوزارة الأولى، نشريات كتابة الدولة للإعلام، تونس 1960-1961

( العناوين الفرعيّة موضوعة في المصدر نفسه)

2.فتوي الشيخ جعيط

" بسم الله الرّحمان الرّحيم

و الصّلاة و السّلام على أشرف المرسلين

الفتوى رقم 20 :الأعذار المبيحة للفطر في رمضان

السؤال :ما هي الأعذار المبيحة للفطر في رمضان؟

الجواب: أوّل ما يلزم معرفته أنّ الله تعالى أمر المسلمين كافّة أن يقوموا بصوم أيّام هذا الشهر، أي يمسكوا عن شهوتي البطن والفرج من الفجر إلى غروب الشمس، واهتم بأمر الصوم فجعله من دعائم الإسلام ونصّ على فرضه القرآن والسنّة وانعقد الإجماع على وجوبه واشتهر ذلك فصار من المعلوم من الدين بالضرورة يخرج منكر وجوبه من حظيرة الإسلام ويستحقّ المعتقد وجوبه المتخلّف عن أدائه لغير عذر شرعيّ عقاب الله في الدار الآخرة ذلك هو الخسران المبين.

و الأعذار الشرعية المبيحة للفطر في رمضان هي المرض والسفر بنص القرآن المبين قوله تعالى:

" و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر "البقرة 185 .

وأمّا المرض المبيح للفطر في رمضان فهو المرض الذي يتسبّب الصوم في زيادة آلامه وتأخّر البرء منه، أمّا إذا بلغ المرض حدّا يكون الصوم معه وسيلة لهلاك النفس فإنّه يجب الفطر منه ويحرّم الصوم. ويجب الصوم على الأصحّاء أصحاب الأشغال اليدوية الشّاقة المضطرين للشغل للقيام بشؤون حياتهم وحياة أهليهم، وإذا عرض لهم أثناء الشغل في نهار رمضان عطش شديد أو دوار أو إغماء أو غير ذلك من الأمور المبيحة للفطر، يباح لهم الفطر في ذلك اليوم ويقضونه في بقية الأشهر ولا يلزم الشغّالين ترك العمل خيفة عروض ما يفضي إلى الفطر.

وهنا أنبّه الصّائمين إلى أن ما يشعرون به من الفتور أثناء الصوم متولّد في غالب الأحوال من مواصلة لسهر الليل كلّه أو جلّه فيصبح الصائم لقلّة النوم فاترا عاجزا عن القيام بعمله على الوجه الأكمل، وليس ناشئا عن الإمساك عن الطّعام والشراب بضع ساعات إذا لم يكن الإنسان معتلا. وهذا ما يدعوني إلى التنويه بما أعلنه الرئيس الحبيب بورقيبة على تحجير فتح دور اللّهو في ليالي رمضان هذا الشهر المبارك وعلى وجوب إغلاق الدولة المقاهي في الأوقات المعتادة في أشهر الفطر، الأمر الذي يعين على القضاء على السهر بالقضاء على أسبابه وبذلك نحفظ للجسم صحّته وتوفّر نشاطه وتصان الأخلاق من التدهور."

المفتي شيخ الإسلام في تونس

محمد العزيز جعيط

المصدر: جريدة الصباح 14 فيفري 1960(وقد ألقيت في الإذاعة التونسيّة قبل يوم من نشرها)

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

دمشق - هنادي
16 أيلول (سبتمبر) 2009 11:47

نشرتم منذ أيام قليلة مقالة عن خطاب بورقيبة واليوم تنشرون الخطاب فهل صار من اهتمامات الأوان نشر خطابات الزعماء العرب وهل سنقرأ في الأيام المقبلة خطابات جديدة لأولئك الزعماء الذين أمسكوا بكراسي الحكم حتى آخر رمق أو آخر ما تبقى من قواهم العقلية؟


الرد على التعليق

  • باريس - محمود
    16 أيلول (سبتمبر) 2009 12:51

    الأخت هنادي، بورقيبة أمسك الحكم نعم، لكنّه ليس كسائر رؤساء الدول العربيّة الذين انشغلوا بمعاركهم الدونكيشوتية، وأهملوا التنمية والتحديث. بورقيبة حرّر المرأة من قيود التطليق وتعدد الزوجات سائر أنواع القهر الذكوري، وبورقيبة نظّم النسل، وعمل على محو الأمية وعلى نشر الثقافة الصحية، ميزانية وزارة التعليم في عهده كانت تقارب نصف ميزانية الدولة.كان التعليم أحد رهاناته، في حين كان التسلح رهان بقية الزعماء. هذه معركة بورقيبة الذي فهم قبل بقية الزعماء العرب ضرورة اعتماد سياسة واقعية في التعامل مع الكيان الإسرائيلي وضرورة المطالبة بتطبيق القرارات الدولية… زعيم فذ، وليس مجرد دكتاتور.. مع الأسف إخواننا المشارقة لا ينظرون إلا إلى دائرتهم الضيقة.


    الرد على التعليق

USA - مكي منارة
16 أيلول (سبتمبر) 2009 17:34

من هنا يبدو لنا كم كان بورقيبة شخصية عربية طليعية تستحق كل التنويه والتقدير والاحترام من قبلنا نحن العرب الذين ينشدون التغيير والتقدم اشكر مجلتكم الطليعية هي الاخرى على كل هذا التنوير الذي تنشرونه على صفحاتها واتمنى لكم كامل التوفيق والحماية من المتربصين بوميض النور الذي بدأ يشع من صفحات مجلتكم الغراء


الرد على التعليق

تونس - سعد
16 أيلول (سبتمبر) 2009 18:23

يبدو الفرق بيّنا بين خطاب بورقيبة و فتوى الشّيخ. فبورقيبة ليس في حاجة الى اختلاق أعذار لتبرير دعوته الى الإفطار رغم تحجّجه بمسألة التّنمية و مواجهة التخلّف، بينما لا يجد الشيخ مبرّرا للإفطار (إضافة الى المرض و السّفر)سوى إذا أشرفت حياة الصّائم على الهلاك؟ لانّ المسائل الدّنيويّة و المصيريّة المتعلّقة بتقدّم الإنسان و البلاد لا تدخل ضمن مشمولات المؤسّسة الدّينيّة. لذلك لم يتوقّف الجدل الذي أثاره بورقيبة عند هذا الحدّ، بل إنّ هذا الأخير سيواصل تأكيده على موقفه طيلة الأشهر الموالية مواجها العقول المتكلّسة من رجال الدّين و مشهّرا بتخلّفهم.


الرد على التعليق

- رضوان تونس
16 أيلول (سبتمبر) 2009 20:27

لا شك ان صيام شهر رمضان هو من الأركان الخمسة للإسلام. ولكن من أسس هذه الأركان وأقرها؟ إنهم فقهاء القرن الثامن للميلاد.أقروها حسب قرائتهم هم المواتية لعصرهم.لم تعد هذه القراءة مواتية لعصرناوصارت حجرة عثرة في طريق تأقلمنا مع العصر.أحس بورقيبة بذلك وكان وطنيا شجاعا فصرح بما يدور بخلده أمام الملأ ولم يفعل مثل عديد الزعماء الجبناء اللذين يوافقونه سرا ولايستطيعون مواجهة الموقف علانية.وفي ما يخص الصيام لابد أن أشير إلى القراءة الجديدة التي قام بها الأستاذ عبد المجيد الشرفي للآيات الخمس من سورة البقرة183-187 الواردة في كتابه لبنات. إنها قراءة علمية ودقيقة وقد زادتني أقتناعا بعد الإطلاع عليها بأن أفطر وأنا مرتاح الضمير و دون الخروج عن الإسلام كما أفهمه أنا لا كما فهمه فقهاء ماتوا منذ إثني عشر قرنا. ملاحظة لسي شوقي بوعزة الذي شكك في مقاله السابق في حادثة تناول بورقيبة لكأس من العصير في رمضان أمام حشد من الناس. أقول له أن ذلك حصل فعلا وكان في أول أيام رمضان من السنة الميلادية1964 (أنظر كتاب أمال موسى: بورقيبة والمسألة الدينية ص 107.


الرد على التعليق

العمل عبادة - ابوحسام تونس
16 أيلول (سبتمبر) 2009 21:29

المسائل الدنيويةالمصيريةالمتعلقةبتقدم الانسان والبلاد لاتدخل ضمن مشمولات المؤسسة الدينية .النفي في هذه الجملة يمثل جوهر الإشكال والحجج التي استند إليها الزعيم بورقيبة تهدف توضيح العلاقة بين الجهد الإنساني في القيام بعمل الدنيا وبين الانقطاع إلى أداء الفريضة .والصوم هوالمعني في المقام . وما ينجم عن الأداء من نائج علىالمستوى الفردي والعمومي في اداء الواجب الدنيوي . غبر أن الطرح البورقيبي برغم تغير الظروف الراهنة ما يزال جديرا بالعناية والدرس والتبصر ولا أرى فيه تجاوزا لأركان الإسلام السمحة .دلان الدين المعاملة والعمل عبادة


الرد على التعليق

France - jilani Mahrez
20 أيلول (سبتمبر) 2009 16:41

Il est temps ,il est ALAWAN ,pour que les Arabes suivent la voie rationnelle pour comprendre l’islam .Ce discour historique de Bourguiba est magistral,il devrait ètre enseigné dans toutes les universités islamiques y compris à la Mecque.Bourguiba était un laic un cartésien, mais il etait un SAINT !.Hallaj disait :Je suis la Vérité!.Bourguiba a montré que la voie rationnelle mène à la vérité,et que DIEU ne peut ètre contre la Vérité.Avéroès n’a-t-il pas dit que la Vérité ne peut pas contr-dire la Réalité . C’est pour cela que Bourguiba a dit:Si MOHAMED était là ,IL ne peut qu’apprpouver mes réformes Borguiba disait encore :suivez moi je vous garanti le Paradis ! .Hallaj a été crucifié pour sa VERITE Avéroès a été expulsé de la cité pour sa VERITE Bourguiba a échappé au chàtiment suprème pour son IJTIHAD car le peuple disait que BOURGUIBA avait raison mai on ne le siut pas :religion oblige!.


الرد على التعليق

sfax - قاسم-تونس
31 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 12:54

ما قاله بورقيبة لا يتناقض ابدا مع فتوى الشيخ جعيط..ونحن نجد الكثير من الفقهاء يفتون بجواز الافطار في شهر رمضان اذا كان العمل شاقا و لا يجد الصائم عملا اخر غير شاق و ليس له مورد رزق اخر غير العمل.. ان خطاب بورقيبة تم تقديمه بشكل مشوه و لعل اعادة نشرة تساهم في تنوير الكثير من العقول..ومع ذلك لابد من الفصل بين هذه المسالة و ممارسات بورقيبة السياسية و التزامه الشخصي…


الرد على التعليق

- kareem
6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 14:07

الله يعطيه على قد نيته وسوف يلقى جزاء اعماله عند ربه


الرد على التعليق

Oslo - وليد
3 كانون الأول (ديسمبر) 2009 13:18

بورقيبة رجل عظيم ومصلح فذ لم يعرف النفاق في حياته واحب شعبه وشرع لباقي القادة العرب سبيلا أن ساروا عليه تطورت دولهم ونال شعبهم الرقي..

بورقيبة الآن في جنة الخلد جزاء ما قدمه من ممارسه مثالية للقائد المسلم.. الللهم الحقني به وأحشرني معه يوم الحساب..


الرد على التعليق

- رانيا
12 كانون الأول (ديسمبر) 2009 22:08

اللهم احشر وليد مع بورقيبة كما اراد واختم له كما ختمت لبورقيبة امين


الرد على التعليق

  • تونس - معز
    9 نيسان (أبريل) 19:44

    يبدو اننا ننظر الى الاسلام نظرة الغربيين للمسيحية و التي على أساسها ينظرون للدين عموما فتبنينا مفاهيمهم و مصطلحاتهم و نظرتهم للحياة و تجنينا على الاسلام و أسقطنا عليه ما تبنيناه و اعتبرناه صالحا لتحليل اي واقع في اطار نظرة ضيقة و أصبحنا عبيدا لافكار مما جعل أغلبنا لا ينتبه الى الفروقات بين الاسلام و المسيحية و ما ينجر عن ذلك من فروقات في النظرة للدين و سائر المسائل التفصيلية فيه كالفروض و التي من بينها الصوم فالاسلام يتفرد بكونه الاجابة أو الفكرة الكلية الوحيدة عن الكون و الانسان و الحياة بكل ما يحتوونه من تفصيلات وهي اجابات عقلية و منطقية و واقعية وهذا الامر يمكن ان يتوضح لمن يوسع تفكيره و يتعامل بكل تجرد و بتجريد و يتخلص من العبودية لافكار مسبقة نمطت نظرتنا لكل ما يحيط بنا


    الرد على التعليق

    • تونس - ليلى
      22 حزيران (يونيو) 16:20

      اول شيء شكرا على الاهتمام بزعيمنا الفذ الذي كان قائدا ورليسا واب لكل التونسيون ولم يكن بالدكتاتور ولاالفاسق ولا المبتز لثروات شعبه ، بورقيبة كان مصلحا سعى الى القضاء على كل مظاهر التخلف فنشر العلم وحدد النسل واعطى حرية المراة وقضى على الرشوة وعلى كل مظاهر الفساد، والحق بلده بركب البلدان المتقدمة اعطى حلولا رائدة للازمات العربية لكنهم هاجموه وقتها والان يستشهدون باقواله لقد كان زعيما سابقا لعصره ، خاطب العقل العربي وليس العاطفة كما سعى غيره الى ذلك عن طريق الشعارات الرنانة.


      الرد على التعليق


Leonor Fini (إيطاليا)

ملف جديد

تمثّل وسائل الإعلام سلطة ما، ربّما تكون رابعة، بالنّظر إلى استعمال توكفيل لهذا المصطلح في السّياق الأمريكيّ، فالصّحافة حسب رأيه سلطة تضاف إلى السّلطة المركزيّة الفيدراليّة والسّلطة المحلّيّة، والسّلطة الجمعيّاتيّة، وربّما تكون رابعة بالنّظر إلى الاستعمال الفرنسيّ، فهي سلطة تضاف إلى السّلط الثّلاث التّقليديّة : التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة. طبعا لم تعد السّلطة الرّابعة تقتصر على الصّحافة (...)

Warning: touch() [function.touch]: Utime failed: Operation not permitted in /home/alawan/public_html/ecrire/inc/genie.php on line 81