الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > نقاش > النّار والمَعبد

النّار والمَعبد

الأحد 15 آب (أغسطس) 2010

بقلم:

سعيد ناشيد  

شارك اصدقاءك هذا المقال




 ربّما كان الحَدس الاستباقي للأستاذ أحمد نظير الأتاسي صادقا عندما استخلص، في سياق النقاش حول مقالي السابق (الأوان، 5/8/20010) ، بأننا بحاجة إلى معيار جديد، على الأقلّ كي نتحاشى "غريزة" إصدار الأحكام، وننأى بهذه المحاورات المكشوفة عن السؤال المُملّ : "هل أنت مؤمن أم ملحد؟". وقد يصادف المرء مشكلة ثانية، وهي أنّه حتى في مجال هو مجال الظنّيات وليس القطعيات، ثمّة من يُطالبه – حرصا على الدقّـة!- بأن يلتزم بمبدأ الثالث المرفوع.

 كنت قد اعتقدت بأنّنا دخلنا في هذه المحاورات "اللاّهوتية" إلى المنطقة الرّمادية واللاأرسطية، حيث مناط الرّيب الذي هو بغلبة الظنّ وانعدام اليقين. لكنّي صادفت من كانوا يلحّون عليّ بالقول : إذا لم تكن تستند إلى "إيمان راسخ" بالعقيدة الدينية، لا شبهة فيه ولا مظنّة، فما الذي تفعله في مقام "اللاّهوت"؟ وأية نتائج اجتماعية يمكنك أن تصبو إليها إذا لم يكن بوسعك أن تحابي "دين الناس"؟ أمّا إذا كنت تستند إلى موقف"إلحاديّ" قطعيّ الدلالة، ولا تجسر أن تعلن ذلك أمام الملأ، ولا أنت تقبل أن يُشار إليك به، فربّما لسبب يثير فينا شيئا من الرّيبة وهذا من حقّنا. فما القول في ما لم تقل؟

 ليسمعها منّي من يعنيهم الأمر :

 أمّتنا في درجة من الحضيض، وآمالنا على شفير الهاوية، وأهدافنا لا ندري إن كان سيُدركها أبناء أبنائنا، ربما بعد "مئة عام من العزلة". فيا لحذاقتنا في إصدار الأحكام على النوايا ذات الغرض الضيّق والقصد القصير!

 لنتجاوز عن هذا..

 فلا طائل أن نستنزف مخزون المادة الرمادية -التي تتموضع هي الأخرى ضمن منطقة اللون الرماديّ- من أجل التفتيش عن الألوان الصافية بين النوايا الاعتقادية وما وراء النوايا الاعتقادية. ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، فلقد أحزنني أن أرى النقاش الذي أثاره المقال النقديّ للأستاذ محمد الحاج سالم (الأوان 8/8/20010) حول دراسة سابقة للأستاذ محمد النجار (نشرها في الأوان عبر ثلاثة أجزاء)، ذلك النقاش الذي انطلق وكأنه بين جبلين شامخين بينهما بعض الحصى، قبل أن يفسده فخّ "النوايا الاعتقادية"، ولم ينتبه الكثيرون إلى أنّ الطبيعة نفسها لم تجعل لأدمغتنا من لونٍ غير اللون الرماديّ.

 درءاً لما أحبّ أن أصطلح عليه باسم "عمى اللون الرماديّ"، وتخفّـفا من الأحكام الإطلاقية، فإنّي أدعو أساتذتي الكرام، أن نتوجّه رأساً صوب التساؤلات الصادقة التي تطارحها المتحاورون، حول مقالي سابق الذكر :

 ما جدوى "الإصلاح اللاّهوتي" أصلا وابتداء؟

 ألا يكفي أن نحيل الأديان إلى المتحف، كما يُردّد الأستاذ محمد الشعري؟

 ألا تكون المراهنة على إله جديد مجرّد وهم آخر، كما يرى الأستاذ الحسن البصري؟

 ألا يكون هذا الرهان مجرّد سياحة لاهوتية ذات خلفية استشراقية، كما يقول الأستاذ أمير الغندور؟

 أليس هذا الرهان مجرّد "حداثة معلمنة على النمط الفرنسي" كما يرى الأستاذ عادل بن عبد الله؟

 هل أحتاج إلى إيمان دينيّ صادق أفتقد إليه، كما يراني البعض؟

 هل أحتاج إلى "إلحاد" نضاليّ صريح أفتقد إليه هو الآخر، كما يراني آخرون؟

 أردّ بالقول :

 لا يمكننا أن نتحرّر من سلطان الأديان وتسلّطها على الإنسان إذا لم نستند إلى تصوّر جديد للمبدأ الإلهيّ.

 فمن يُريد أن يحطّم المعبد أو يحوله إلى مجرّد متحف، عليه أن يُخرج "النار المقدّسة" من الداخل أولاً لأجل أن يصرف الناس إلى خارج المعبد. اللهم إلا إن كان ينوي أن يُهدم المعبد على رؤوس الجميع. وإذا فعلها فلن يكون إنجازه هذا أكثر من "إلحاد" عدميّ على الطريقة الستالينية.

 تصوُّري أنّه لا يكفي أن نستبعد الدين عن السياسة وعن العلاقات العامّة وما شابه لكي نضمن تأسيسا فعليا للعلمانية، إذ لا بدّ أن نقيم العلمانية على إصلاح لاهوتيّ جذريّ، بمقتضاه نخرج الله من رهن الاحتجاز الديني.

 تكمن نقطة ضعف العلمانية الغربية في أن الغرب لم يستكمل مهامّ الإصلاح اللاهوتي. بخلاف ذلك، ففي أغلب الحالات، وحتى مع تقليص صلاحياته، احتفظ الإله بمهامه التقليدية المعترف له بها داخل الكثير من الدساتير الغربية، ما يجعل "عودة الله" في الغرب اليوم مشفوعة باستعادته لأخطر وظائفه التقليدية، بدءا من التحريض على الاحتلال والعنصرية والاستيطان، وانتهاء بفتاوى التكفير وتحديد اتجاهات الرأي العامّ وما شابه.

 ما علاقة التصوّر "اللاهوتي" الذي أنافح عنه، بالنموذج الجمهوري الفرنسي لعلمانية 1905؟ لا علاقة. ما علاقته بالنزعة الاستشراقية؟ لا علاقة. ما علاقته بالتقاطب الوهميّ بين معسكر إيمان خالص ومعسكر إلحاد مطلق، "بينهما برزخ لا يبغيان"؟ أيضا لا علاقة.

 نعم.. ربما تنطفئ النار - بعد مئات سنين أخرى وليس أقلّ- وقد لا تكون أكثر من وهم دأب الناس على ركوبه، فلا اعتراض لي على من يحمل مثل هذا التصوّر. غير أنّ سؤالا أطرحه على نفسي قبل طرحه على الآخرين : هل بوسع أحد منّا أن يزعم بأنّه استطاع أن يمكث فعلا خارج الأوهام؟

 طبعا يبقى هناك خيار آخر لا أمانعه، لكنه خيار فرديّ، وذلك حين يتدبّر كلّ شخص أمور اعتقاده أو تحرّره من الاعتقاد بمعزل عن الوعي الجمعيّ، ثم يصف نفسه بأيّ وصف "بطوليّ" يبتغيه لذاته.

 لكنّ القصد الذي أنشده ليس الإثارة والصخب ولا أن أرضي نفسي بما ترتضيه النفس المتفردة، وإنما أبتغي في هذا العبور القصير للحياة، المساهمة في إصلاح ذات البين بين الذات والذات وبين الذات والراهن، ما استطعت إلى "الصلاح" سبيلا.

 المسألة مسألة اختيارات وجودية ووجدانية لا ادّعاءات تقرّرها القشرة الخارجية للدماغ..

 وبالتأكيد فلست أقصد مسايرة بعض المحاورين أو جلّهم إذا كنت أرى الإصلاح فعلا كما يراه الأستاذ أحمد خيري، باعتباره "اشتغال الذات على الذات". وما أبعد هذا المنحى عن "تهمة" الاستشراق التي استعجل البعض إطلاقها في غير موضعها. وإن كنت متفائلا بإصلاح الذات، بخلاف أمزجة البعض، فمنبع تفاؤلي بالذات، أنّ "النار الإلهية"، حين تكون أكثر سموّا وتعاليا وتجريدا وتنزيها، كما هو حال الإسلام، فمعنى ذلك أنّه من السهل أن نخرجها من بين حيطان المعبد وأن نحرّر المبدأ الإلهيّ من سلطة الدين ووصايته.

 هل سنقترب ساعتها من حدس الألوهية في "الأدب الفولتيري" كما قرّر الأستاذ نادر قريط؟ ربما، شريطة أن نأخذ بعين الاعتبار موقف الأستاذ أحمد خيري في رأيه بأن "الاتجاهات العقلانية الرّبوبية... عامل هام من عوامل القطيعة الإبستمية مع الإله اللاهوتي (ويقصد الديني)".

 وبالمحصلة، يتوجب علينا، في مشروع الإصلاح اللاهوتي، أن نبدأ من تحرير المبدأ الإلهي من الأديان. هل سنسمّي هذا المجهود بالنزعة "الدنيوية"، كما يرى الأستاذ خالد الجلال؟ ربما.

 لكن قبل توصيف العمل ينتظرنا مجهود كبير لغاية إخراج النار من المعبد.

 ربما صار كلامي واضحا كما ينبغي الآن.

 سأعيده بلغة أخرى :

 في هذا الكون المظلم والذي ينتظره موت حراري إذا استمرّ في التمدّد، وانسحاق كبير إذا عاود الانكماش بمفعول الجاذبية الكونية، فإننا أمام سؤال أنطولوجيّ مرعب : هل يُمكن للنوع البشري، الذي يتموضع بين أنياب وحش قياميّ، أن يغادر (هكذا وبكلّ بساطة) معابد الدين من غير أن يقع في صحراء العدمية؟

 هل يمكن للإنسان أن يتفادى الحافتين : الانتحار الديني والانتحار العدمي، ذات اليمين وذات الشمال، وأن يعبُر المنعطف الحادّ بسلام؟

 لا أملك إلاّ جوابا ترجيحيّا بنعم. لكن شريطة أن نبدع تصوّرا جديدا للمبدأ الإلهي.

 لا علاقة لهذا المبدأ بالغيب والغيبيات، لا علاقة له بالخرافات والماورائيات، بل هو تصوّر ذهنيّ ينطبق عليه اعتراف الأستاذ أحمد نظير الأتاسي حين يقول : "أنا لا أعرف ما هو الإله لكني أعرف ما أتصوّره عنه".

 دعما لمثل هذا الاعتراف الشفاف أضيف :

 إنّ المبدأ الإلهي يعني تصوّرا أنطولوجيا يمنح "معقولية" معيّنة لفوضى الوجود واعتباطية الحياة وجنون الكون الجامح. وإلاّ فأيّ دور يبقى للذكاء البشريّ؟ أيّ دور للغة والرياضيات والموسيقى والألوان؟

 لا أرى إلا القليلين ممّن يحملون ذلك التفاؤل القديم، حين كنّا نعتقد بأنّ ملايين السنين التي تفصلنا عن الموت الحراريّ للكون، أو عن انطفاء الشمس أو توقّف الأرض عن الدوران، قد تكفي الذكاء البشريّ ليجد الإنسان لنفسه مخرجا. ذلك التفاؤل الذي تبدو الماركسية وكأنها كانت آخر علاماته.

 يبدو وكأنّنا دخلنا اليوم أقصى مراحل العدمية. ولعلّ منبع الكثير من أمراضنا الوجدانية والتواصلية والأخلاقية ما هو إلا انعكاس لهذه العدمية الجاثمة على روح العصر، والتي تحرمنا من ذلك الشيء الذي لا أعرف كيف أسمّيه، لكنّ الكثيرين يحتفطون بتسميته القديمة حين ينعتونه بالأمن الروحي.

 في كتابه "نهاية البشرية"، يؤكّد كريستيان غودان، بأنّ النوع البشري قد ينقرض عقب ثلاثة أو أربعة قرون، حين تكون البشرية قد فقدت من تلقاء نفسها كلّ رغبة في الاستمرار فيما اصطلح عليه غودان باسم "الطاعون الأبيض".

 وربما كان الرّجل أكثر تفاؤلا من تقديرات أخرى. فالعالم الاسترالي فرانك فينر على سبيل المثال، يزعم في الكثير من البرامج الإذاعية بأنّ البشرية لم يتبقّ من عمرها أكثر من مائة عام على أبعد تقدير : "مئة عام من العزلة" إذن في غرفة انتظار تنفيذ الإعدام البشري!

 ولماذا ننتظر أصلا؟

 فمنظمة "الحركة من أجل الانقراض الإرادي للنوع البشري" (VHEMT)، والتي تضمّ بين صفوفها علماء وحقوقيين وبيئيين وإعلاميين، تعتبر إضراب الإنسان عن الإنجاب من أجل انقراض هادئ للنوع البشري، واجباً أخلاقيا على عاتق كلّ إنسان عاقل. وإنّنا جميعنا لملزمون بذلك الواجب قبل أن ندمّر أنفسنا وندمّر معنا كافّة أشكال الحياة الأخرى على الأرض، فلسنا أحقّ من النمل والضفادع بالبقاء.

 ما هذا التواضع (اللاكانطي) العظيم !؟

 في هذه الأجواء والتي ينزع فيها الوعي المعاصر نحو الانتحار القيامي، لا تستطيع الأديان، وهي المثقلة بأحمال الرؤى الألفية والقيامية والمهدوية، أن تمثّل ترياقا ضدّ العدمية مثلما يزعم الحبر الأعظم في "دولة" الفاتيكان. كما أنّ "الإلحاد" السطحيّ والذي يكتفي برمي الإنسان وسط جحيم الفوضى والعماء والانطفاء الكوني، لا يمكنه أن يكون ترياقا ضدّ الظلامية مثلما يزعم الفيلسوف الفرنسي مشيل أونفراي.

 هذا الكائن الإنساني؛ هذا المارد الخارج من الغبار متوّجا بالذكاء، يحتاج إلى استعادة "إرادة القوّة" والاندفاع مجدّداً لتجاوز قوانين كونٍ ينحو نحو ابتلاع كيانه، يحتاج إلى ترياق قويّ ليسترجع الثقة في إمكانية خلود النوع البشريّ. إنه يحتاج ليس فقط إلى سفينة للنجاة، وإنما إلى اتجاه للرياح، وإلى تصوّر هدف "افتراضيّ" كبير.

 في هذا المنعطف الخطير بين حافة الانتحار الظلامي والانتحار العدمي، نحتاج إلى ما هو أسمى من محاباة الأديان أو معاداتها، نحتاج إلى تصوّر جديد للمبدأ الإلهي، بل وربما إلى مجرّد إحياء لمبدأ "ربوبي" مودع في وجدان كلّ إنسان لولا أن اختطفته الأديان واستبدّت به.

 هل يتعلق الأمر بحدس نبويّ جديد، يجعلني مسكونا بصوتين متناقضين، كما قال الأستاذ عادل بن عبد الله : "صوت النبي المعلمن... وصوت الفيلسوف"؟

 في كلّ الأحوال لا يكفينا أن نصف تصوّراً بأيّ وصف من الأوصاف، حتى نكون قد أجرينا التقويم المناسب. لا بدّ وأن يكون التقويم ناظرا إلى الهدف أو النتيجة أو كليهما معا. وظنّي بالأستاذ عادل بن عبد الله أنّه جانب الصواب قليلا حين قال عنّي : "لم أنظر إلى نتائج مقالته بل وجّهت اهتمامي إلى أساسها المعرفي والعقدي". فلعلّي لا أكتب إلا ابتغاء نتائج، أرى بعضها متحقّقا منذ الآن، حتى وإن كنت لا أستعجل النتائج حالا. وإنّي لأراها وقد تحقّقت من خلال هذا المستوى الرفيع من التحاور مع نخبة من الكتاب والمحاورين الكرام.

 هذا المكسب الذي قصدته لا أحد ينكره عنا، لكن السؤال المقصود : لمن أكتب في الأخير؟

 وأيّة نتائج اجتماعية مرجوّة لما أكتبه عندما أكتب من خارج الفكر الديني، أو عندما لا أبدي "الاحترام الواجب" لـ"دين الناس" كما تساءل البعض؟

 مرّة أخرى أجد نفسي واضح الرأي صريح القناعة :

 لا أقبل بقلب المعادلة، فيتحوّل الدين من وسيلة لعبادة الله ليصبح الله وسيلة لعبادة الدين.

 سيقول عنّي البعض بأنّي لست "مؤمنا" كما ينبغي.

 سيقول عني آخرون بأني لست "ملحدا" كما ينبغي.

 وسأقول عن نفسي :

 "ملّتي واعتقادي" صريحان واضحان : أن نخرج النار من المعبد، قبل أن نحوّل المعبد إلى أيّ شيء آخر نريد. وإذا نجحنا في هذا المسعى فساعتها قد نكتشف بأنّ تلك النار (الفولتيرية أو الرّشدية أو الأوانية –نسبة إلى هذه المحاورات-)، كانت دائما خير صديق وأصدق حليف للعقل وللإرادة الحرّة وللإنسانية جمعاء.

 لولا أنّ حراس الدين كثيراً ما أساؤوا لله وللوطن وللجميع.

 وقد ساهمنا نحن أيضا في أن يكونوا ناطقين شرعيين وحيدين بــ"اسم الله".

 وتركنا الله رهينة عندهم.

 عقود طويلة مرّت ولا أحد كان ينازعهم في هذا "الاختطاف".

 وأمّا بعد.. فربما ليس بعد الآن.
 


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر