الاثنين 21 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > ملفات > انتفاضات العالم العربيّ (1)

انتفاضات العالم العربيّ (1)

ثورتا تونس ومصر في مقياس علم الثورة

الاربعاء 9 آذار (مارس) 2011
بقلم: محمد يوسف  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

"كارل ماركس، ذات يوم، وقبل كمونة باريس بستة أشهر(أيلول 1870)حذر العمال الباريسيين بان انتفاضتهم ستكون ضربا ً من الجنون، لكنه هلل لها حينما رآها تقوم ووجد العمال الباريسيين جريئين مستعدين لمهاجمة السماء، وبعد ذلك عزا فشلها إلى عدم الوعي وعدم التنظيم"

 لن يكون من قبيل المجازفة القول إن الأدبيات الماركسية-اللينينية تشغل مركز الثقل المعرفي في فلسفة الثورة وعلمها الذي أنتج مقولاته ومفاهيمه في سياق تاريخ الصراع الاجتماعي منذ الثورة الفرنسية (1789) وحتى الثورة الروسية(1917)، حيث تشتغل الثورة حسب الكتالوج الماركسي-اللينيني بتحقق الشرطين التاليين:
1.  تحضير واستعداد تاريخي للثورة بقيادة حزب سياسي قائد(يمثل طبقة..)ويملك برنامجا ًسياسيا ً ثوريا ًيسعي لإنجازه لصالح المجتمع برمته.
2.  وضع اجتماعي ثوريّ محكوم بأزمة اقتصادية/سياسية تعصف بالمجتمع وبنظامه السياسي السائد(أزمة عامة).


 ويبدو أنّ ثورتي تونس ومصر(2011) قد خلطتا أوراق النظرية الماركسية-اللينينية لمفهوم الثورة (صفر انطلاقتها وسياقها وأدواتها) من خلال إنجازيها التاليين :
 أولا ً-الإنجاز المعرفي : وضعت ثورتا تونس ومصر النظرية التقليدية الماركسية- اللينينية للثورة أمام ضرورة مراجعة معرفية جدّية، وذلك حينما قدّمت هاتان الثورتان بيانا ًعمليا ً باندلاعهما المباشر مع الشرارة الأولى (جسد بوعزيزي المحترق وحركة جماهير مدينة سيدي بوزيد في تونس التي شكلت ثورتها شرارة ثورة مصر) وخلعتا رأسي النظامين في كل من تونس ومصر خلال واحد وثلاثين يوما ًبمحض الجسد الجماهيري المحتشد بثبات ومعنويات عالية، وبالشعار الأيقونة الرزين الواثق (الشعب يريد إسقاط النظام)، وكل ذلك بدون تحضير واستعداد زمني طويل وحزب سياسي قائد مسبق التشكيل لا بدّ من وجوده، تحت طائلة فشل الثورة، حيث اكتشفت الماركسية أن هذا الكائن السياسي (الحزب) ظهر نقصا ًوجوديا ًأفشل الثورات التي شهدتها أوربا بشكل عام، وفرنسا بشكل خاص في القرن التاسع عشر(ثورات 1848 وكمونة باريس 1871) وثورات (1905-1907) في روسيا، التي ظفرت ثورتها الاشتراكية في 1917 بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، لكننا مع ثورتي تونس ومصر بتنا أمام الشروط الحديثة التالية لتشغيل الثورة والظفر بها :


1.  وجود أزمة اجتماعية(اقتصادية، معاشية) في مجتمع محكوم بنظام استبداد سياسي طاغية(لم يفصح ابتداءً عن أية أزمة سياسية داخله) يشيع الخراب الاقتصادي والفقر المدقع والبطالة والفساد والظلم والقهر والذل…الخ


2.  حشود جماهيرية ترفع شعارا ًمركزيا ًتكرره بلا كلل ولا ملل حتى تخلع الطاغية، وتشرع باستكمال إنجاز التحوّلات الجذرية في السياسة لاقتلاع النظام السياسي(وتطهير البلاد من رموز النظام).


3.  وجود ائتلاف شباب اجتمع بتنسيق خاص( بعيدا ًعن مبادئ التنظيم السياسي من جهة وعن الارتجال من جهة ثانية) لتمثيل الثورة في حواراتها والنطق باسمها وتنظيمها والتنسيق بين مفاصل حركتها، مستفيدا ًمن كل التراث النضالي المركوز في بنية المجتمعين التوتسي والمصري، ومن خبرة شباب وشيوخ كار العمل السياسي المعارض الذين (هرموا من أجل هذه اللحظة التاريخية/الثورة التي حققها الشباب وفشلت أحزاب الشيوخ في تحقيقها، كما قال أحد الرجال التونسيين في مشهد درامي مؤثر تعرضه باستمرار قناة الجزيرة القطرية في فواصلها الإعلانية).


4.  وجود تقنيات ووسائل الاتصال والإعلام المتطورة(الإنترنيت والمواقع الإلكترونية للتواصل الاجتماعي كالفيسبوك الذي لعب ويلعب الدور الحيوي والإستراتيجي في التنظيم والاستعداد للثورة وإدارة عملياتها، وكذلك الأقنية الفضائية (التي تلعب دور غرفة عمليات الثورة).عبر المتابعة وعلى مدار الساعة وبناء الرأي العام الثائر عبر استقبال السياسيين والأكاديميين والمفكرين والباحثين وشتى رجالات الفكر السياسي وأصحاب التجارب وعبر توظيف اللغة البصرية بأعلى طاقة درامية في التعبئة والتحريض ورص صفوف الحشود وتزخيم تجييشها ومد جغرافية الثورة واتساع رقعتها كما نشهده حاليا ًفي ليبيا (التي تنجز ثورتها الخاصة في شباط 2011) والبحرين واليمن….الخ


ثانيا ً-الإنجاز السياسي : أسقطت ثورتا تونس ومصر ابتزاز ثنائية (إما الطغيان أوالفوضى وخراب الأوطان) الذي طالما فرضه النظام العربي الرسمي المستبدّ داخل الوعي الاجتماعي وفي وجه القوى السياسية المعارضة لسدّ الطريق إلى التغيير، لكن الثورة لم تأبه لتحذير الأنظمة وتهديدها بحلول الفوضى والخراب، وذلك حينما واجهت الثورتان الطغيان واستحقاقات التغيير عبر التزام مبادئ وإجراءات التنظيم والسلوك الحضاري والشروع بنشر وتكريس قيم الثورة ومعانيها النبيلة، وبناء الأمثولة، رغم كل أساليب وأدوات القمع الدموية (إطلاق الرصاص) والدهس بالسيارات والبلطجة الحيوانية(استخدام الجمال والخيول)*1 في مسعى ً يائس للإنقاذ قبل أن يلفظ رأس النظام أنفاسه السياسية الأخيرة ببلوغه (التنحي/الخلع).

 كما اكتشفت الثورتان الأمور التالية :
1.  القوة الذاتية الكامنة للشعوب العربية التي تجاوزت خوفها(بعد خضوع مزمن للاستبداد) والتي أظهر هيبتها الاحتشاد المدني الأعزل، وأفصح عنها الشعار الجريء الثابت المبثوث بالحناجر الهادرة وقبضات الأيدي التي تشدّ السواعد والجباه الشامخة والعيون الشاخصة التي تتطلع إلى الحرية والحياة الكريمة.


2.  لقد تخطت الثورة جميع الأيديولوجيات (الخائبة تاريخيا ً)التي غابت عن خلفياتها وصدارتها وتحت أية مسمّيات(شيوعية *2وقومية وإسلامية وقومية….الخ) لتشدّ هذه الثورة إلى ميدانها وتمتص في حركتها وشعارها المركزي جميع الشعارات والرموز السياسية والدينية وجميع الولاءات والانتماءات والأطياف السياسية /الأيديولوجية، فبات جميع الذين تشغلهم قضايا الشأن والرأي العام ومصالح العباد، يقدمون الولاء لهذه الثورة


3.  الامتثال الرتيب الطوعي والتداعي الذي أظهره النظامان لإرادة الثورة بعد سقوط رأسيهما(بن علي ومبارك) في تونس ومصر عبر تقديم التنازلات الصريحة من جهة بسقوط مؤسسات النظام وأدواته السياسية والقانونية، ومن جهة ثانية عبر التنازلات المواربة والتلكؤ والمماطلة والتسويف والخداع ومحاولات احتواء تداعيات الثورة والالتفاف عليها عبر انقلاب أو ثورة مضادة تتنبه لها مؤسسة الثورة بحذر بالغ.


4.  شروع بقية الأنظمة العربية بإجراء إصلاحات وقائية هنا وهناك لملاقاة واحتواء تداعيات وعدوى الثورة على ساحاتها، جنبا إلى جنب مع استنفار أجهزة القمع، لعل هذه الأنظمة تتجنب مصائر الأشقاء.

 

هوامش
*1 لقد تطور القمع في ثورة ليبيا (شباط 2011) إلى القصف بالطيران والمدافع وارتكاب المجازر
*2 فيما يفترض أنها مربط فرسهم وملعبهم ، غاب الشيوعيون العرب عن منابر الثورة وجماهيرها، فيما تبوأ الشيخ القرضاوي موقعه بعناية إماما ًللحشود، فجمع في شخصه نجومية الرمزين الديني والدنيوي، ووجد نفسه خطيبا ً لدين الثورة في ميدان التحرير، الذي وفر له حشودا ًاستثنائية لم يتحها له ركن الحج في يوم من الأيام .

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- أمير الغندور
10 آذار (مارس) 2011 06:32

- محاولة جيدة .. لكنها ليست وافية .. ولا تشفي عليل الوعي.
- كذلك أسعدني الحظ بالعودة لسابقة مقالات أ محمد يوسف .. فوجدت تناقضات عجيبة مع أفكار المقال الحالي .. ما يستدعي توضيحات
- فواضح أن الكاتب في مقاله الحالي يرى أن أحد منجزات ثورتي مصر وتونس إنما يتمثل في "خلط" أوراق الفكر الثوري الماركسي اللينيني.
- ويبدو أن الكاتب هنا يختزل ويقف بهذا الفكر عند لينين دون أن يذكر أي شيء عن جرامشي مثلا.
- فهو يطالب لينين في قبره بعمل "مراجعة" لأفكاره .. وكأنما لم يصل إلى علم الكاتب أن جرامشي قد قام بكثير من هذه المراجعة لتبيئة النظرية الثورية في بيئتها الأوروبية المختلفة عن البيئة اللينينية.
- وهنا يبدو أن الخطأ الغريب الذي يقع فيه الكاتب هو ما يلي:
- اختزال الفكر الثوري في ماركس ولينين مع استبعاد التطويرات المهمة التي حدثت على هذا الفكر بعد موت لينين على يد تروتسكي وفبلن وجرامشي ولاسكي وكاوتسكي وعشرات غيرهم وصولا إلى جون مولينو ومن بعده.
- ولا أفهم بالضبط هل جاء هذه الاستبعاد جراء عدم إطلاع وعدم متابعة لتطورات وامتدادات الفكر الثوري أم أنه جراء ممارسة اختزالية ما.
- هذا سؤال ينبغي أن نستمع لإجابته من الكاتب دون تخمينات من طرفنا.
- إن أهم ما يلوم الكاتب عليه الفكر الثوري "اللينيني" هو تمحوره حول دور "الحزب" بينما يرى الكاتب أن "نجاح" ثورة مصر وتونس "تدحض" هذه الفكر اللينينية حول محورية دور الحزب في إشعال الثورة.
- وهنا نحن أمام نمط من استسهال التفكير.
- ذلك أن محورية دور الحزب ليست أحد المقولات أو الغايات الأساسية للفكر الثوري الماركسي أو السانسيموني .. فالحزب في الأدبيات الثورية والماركسية والسانسيمونية والتروتسكية وغيره .. هو مجرد "أداة" لتثوير وتحريض الوعي وليس الحزب عصا سحرية "لخلق" الوعي الثوري.
- ولهذا السبب تحديدا حذر ماركس من ثورة كوميونة باريس 1870 - وفق معلوماتي المتواضعة.
- ذلك أن ماركس رأى أن كل من الوعي الثوري والظروف الموضوعية لم تتوافرا لإنجاح هذه الثورة .. ربما لأنه انزعج من تعاظم محورية دور الفكرة الفوضوية البرجوازية في هذه الثورة .. وهي الفكرة التي تقوم على أن مجرد الإنقلاب أو الإنتفاض ضد النظام القائم ستؤدي إلى إنتاج نظام جديد بالضرورة .. وهو ما أثبتت التجربة خطأه وعبثه.
- كذلك فإن الظرف العربي الموضوعي لا يسمح بالمرة بتكون أحزاب بالمعنى الذي يستعمله محمد يوسف في مقاله. لكنه لو التفت إلى أن الأحزاب في المعنى الثوري الحقيقي تشمل الحزب السري .. لعرف أنه توفرت في حالتي مصر وتونس عشرات الأحزاب "السرية" التي تمكنت من تنظيم احتجاجات الجماهير على مر سنين مضت.
- لكن المسألة هي أن محمد يوسف ينطلق من نظرات ومصطلحات يأخذها بشكل فيتشيي وكأنها قوالب يصب فيها الواقع .. بدلا من أن ينطلق أولا من الواقع ليطور مفاهيمه ونظراته ..
- النقطة الثانية هي: أن الكاتب يتناول ثورة مصر وتونس .. وكأنهما قد تم استكمالهما وانجازهما مثلما الفرنسية 1789 والروسية 1917 .. وهذا يناقض الواقع تماما.
- ولهذا تحديدا فإن محمد يوسف يتعمد استبعاد الحديث عن ثورة ليبيا. لأنه يريد إعطائنا الإنطباع بأن الثورة قد تمت وانتهت.
- رغم أنه لو رجع إلى مفهوم تروتسكي عن الثورة الدائمة مثلا لعرف أن ما حدث في مصر وتونس لم يتم استكماله بالمرة. فالثورة لا تقف عند "إسقاط" النظام القائم بل تستكمل مهامها فقط عند "بناء" نظام جديد ..
- وهذا ما تكشفه بوضوح حالة ثورة ليبيا التي لم تتمكن حتى من إسقاط النظام للآن .. ناهيك عن بناء نظام جديد .. ولهذا تحديدا استبعدها محمد يوسف من مقاله تماما لأن وجودها ينقض تماما أفكار مقاله، التي تتعامل مع الثورة وكأنها حدث مجاني فوقي مفصول عن مجريات أرض الواقع.
- ولما عدت إلى مقال سابق لمحمد يوسف "حول مفهوم الدولة الحديثة" ينقد فيه جاد الكريم الجباعي على http://www.alawan.org/%D8%AD%D9%88%…
- وجدته يلوم الجباعي "محقا" على "فكرانية" مفهوم الدولة "الفوقي" عنده وإهماله للمفهوم الماركسي الذي يربط الدول ببنياتها التحتية ..
- والغريب أن هذا هو بالضبط ما يسقط فيه محمد يوسف في مقالته الحالية حين يتعامل مع الثورة في مصر وتونس وكأنهما أتيا من السماء "الفوقية" دون أن ينتجا أو يتولدا عن أي مجريات أو تناقضات أرضية من البنية التحتية للمجتمع .. وكأن احتراق جسد البوعزيزي كان حدثا مجانيا لا علاقة له بأي شيء في أرض الواقع .. بل محض معجزة من السماء.
- في النهاية أعترف بأن مقالات محمد يوسف السابقة كانت أفضل بكثير من المقالة الحالية. ولا أعلم السبب ولا أريد تخمينه.


الرد على التعليق

- هادي العلي
10 آذار (مارس) 2011 14:02

ميزة الثورات الحاليه وسمتها الاساسيه انها لاول مره تضع الجماهير في دور الحسم وبدون تفويض او انابة او وصاية لاي ممثلين لها او حزب قائد رائدها العيش الكريم ,وان نجاح هذه الثورات يقترن بالحضور الدائم للجماهير في الدور بعد ان اجتازوا الاسوار ,فالضمان هو ان لا يغادروا هذا الدورالذي انتزعوه من انياب السلطه أومن ايدي مشروع السلطه من الوصوليين ,فقط الحضور الدائم هو الذي يرعب كل سلطة او مشروع سلطة فلا يجرئ اي منهما ان يستغفلها او يدعّي تمثيلها ,فالاحزاب اختلف دورها منذ الان واصبحت مشروعيتها مجرد مساهم من بين مساهمين فلا فرق بينهم الا بالقدر الذي يمنحون به انفسهم للجماهير ان تاخذ دورها ولا مشروعيه لاي سلطه فوق مشروعية الجماهير حتى وان كانت تلك السلطه منتخبه ,فعلى الاحزاب بكل مشاربها ونظرياتها ان لا تتعالى بعد الان وعلى السلطات بكل الوانها ان تخضع لقانون الدور للجماهير وليس للغير .العيش الكريم لكل الشعب هذا هو الحزب القائد.


الرد على التعليق

- نزيه كوثراني
10 آذار (مارس) 2011 16:43

إضاءة من زاوية أخرى. نعرف بان الاستعمار الغربي لم يكن جيوشا وعتادا حربيا متطورا فقط بل أيضا معرفة وفرتها له النهضة ثم التنوير الفكري والعلمي والتقدم التكنولوجي .فبموازاة الغزو العسكري المباشر كان هناك ما أصبح يعرف بالسوسيولوجيا والانثروبولوجيا الكولونيالية وهي و إن كانت ذات أسس علمية ومعرفية لكنها لاتخلومن خلفيات إيديولوجية لتبرير الهيمنة والسيطرة والاحتلال فأنتجت كتابات حول المجتمعات المتخلفة ومنها العربية تقوي التوجه الاستعماري حيث فرضت تصورات وأفكار ومفاهيم إيديولوجية وعنصرية إذ كانت لاترى هذه الشعوب إلا بدائية ..قبلية طائفية عنيفة ومتوحشة …بعيدة عن الحضارة والمقصود هنا الحضارة الغربية .ومن هنا ضرورة تربيتها وتأهيلها لولوج الحضارة وهي بذلك تبرر شرعية احتلالها لأنها في نظرها قاصرة ومفككة ومتخلفة ولا تستطيع أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية . 1) إيديولوجيا السوسيولوجيا الاستعمارية . بعد استقلال البلدان العربية ظهرت أنظمة عربية أسست وجودها السياسي والإيديولوجي على نفس التربة الايدولوجيا للسوسيولوجيا الاستعمارية ففرضتها وكرستها هذه الأنظمة إما بشكل غير مفرط في صورة ديمقراطية الواجهة أو مفرط في صورة ما قبل الدولة كما نلاحظ في ليبيا والدول الخليجية حيث سوقت بأن شعوبها مجرد عشائر وطوائف وقبائل أو مذاهب دينية واثنيات لغوية عرقية …بعيدة عن الأخذ بمفاهيم الدولة الحديثة الديمقراطية حيث السيادة للشعب ولمؤسساته القانونية والسياسية والحقوقية …ولعل الواقع اليوم يفضح بشكل ملموس استمرارية الايدولوجيا الكولونيالية في شخص هذه الأنظمة التي سقطت أو في طريقها إلى السقوط كليبيا واليمن وغيرهما فخطابات اللحظة الأخيرة للحاكم العربي لاتمل من تكرار أن شعوبها غير مؤهلة للديمقراطية كما صرح بذلك نائب الرئيس المخلوع عمر سليمان كما لايخجل من تكرار خطاب الأب الحامي الراعي للرعية أو القطيع المهدد في نظره بالعنف والفوضى والاقتتال وما إلى ذلك من لغة استبدادية مقرفة ولا أخلاقية .كما أن الأحداث الأخيرة بشان مباحث امن الدولة كشفت أن الايدولوجيا الاستعمارية هي المؤطرة لتوجهات النظام الذي كان يحيك الصراعات الطائفية بين المسيحيين والمسلمين وتفجير الكنائس …لتأبيد سلطته وسيطرته وقتل التاريخ بإخراج شعبه من مجراه الحقيقي وافقه الطبيعي الذي هو المجتمع الديمقراطي الحداثي .ونتأكد من استناد الأنظمة العربية إلى الدرس السوسيولوجي الكولونيالي في أسسها وسياساتها وخياراتها وتوجهاتها …من خلال ابلغ حالة وهي ليبيا القدافي وأبنائه إذ هم حريصون على تقديم بلدهم في صورة قبائل لا أفق لها إلا القدافي وعائلته أو الحرب الأهلية بناء على ذريعة كاذبة أن المجتمع الليبي عبارة عن قبائل وأنها مرتع للهمجية والتطرف الديني ومن ثمة استحالة النموذج الديمقراطي الحديث والحداثي . 2)علمية السوسيولوجيا الاستعمارية إذا كانت الأنظمة العربية قد حاولت الاستفادة من الجانب الإيديولوجي في الدرس الكولونيالي فان المثقفين والقوى السياسية والاجتماعية والحقوقية المعارضة حاولت استثمار الجانب العلمي من هذا الدرس والمتمثل أساسا ليس فقط في السوسيولوجيا الكولونيالية وإنما في كل التراث العلمي النظري التحرري الذي أنتجته العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية إلى جانب تجارب قوى التحرر في العالم .هكذا أخذت هذه القوى العربية (الجامعات والمثقفين والأحزاب اليسارية والليبرالية ) على عاتقها تبيئة وتطوير الجانب العلمي في قراءة الواقع وإنتاج معرفة علمية قصد تملكه معرفيا فظهرت كتابات كثيرة كاركون جعيط الجابري نصر أبو زيد العروي الخطيبي حسين مروة سمير أمين ….وأيضا هناك قوى سياسية عملت على استيعاب وتطوير هذا الجانب العلمي من خلال الانخراط في الصراع السياسي والاجتماعي والحقوقي .لكن هذه الجهود كلها ظلت عاجزة إلى حد ما ولانبخس عطاءها وتضحياتها اللامحدودة بما يخدم آفاق وصيرورة المجتمع نحو الحق في شرعية ومشروعية التحديث والحداثة .لكنها ظلت رغم ذلك أسيرة الإيديولوجية الاستعمارية نتيجة تصوراتها الخاطئة حول إرادة وإمكانية وقدرات شعوبها وفي تبني معاناتها والتعبير الصحيح عن طموحاتها العادلة والإنسانية 3) ثورية السوسيولوجية الشعبية لم تكن الشعوب العربية بمعزل عن الصراعات والتحولات والمتغيرات العالمية في تاريخها الحديث والمعاصر بل قدمت الكثير من التضحيات ماديا ومعنويا وصلت حد الشهادة وفق جدلية القمع والنضال التي عملت على خلق وعي شعبي بحقوقه وطموحاته في الديمقراطية والحداثة والاستفادة من الشرط الإنساني الذي وصلت إليه الدول المتقدمة كما عملت هذه الجدلية على تكوين وعي سياسي أدى إلى مقاطعة الشعوب خصوصا الشباب للعبة الديمقراطية المزيفة والمختزلة في الانتخابات والابتعاد عن الفعل من داخل المؤسسات الرسمية التي لاتعبر عن عقد اجتماعي سياسي تكون فيه السيادة للشعب ومؤسساته القانونية والدستورية المكونة والمنتخبة بشكل ديمقراطي .وبلورت أيضا تلك الجدلية وعيا سياسيا حول محدودية وعجز القوى المعارضة وكشفت عن انتهازية بعضها وتشردم البعض الأخر في صراعات تعبر صراحة عن القبلية السياسية للايدولوجيا الاستعمارية .فوقعت في فخ الازدواجية بين أنها حمراء من الخارج وبيضاء من الداخل . 4) الانفراج ..أو الانفجار التاريخي تحولات الواقع ودينامياته اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وديمغرافيا …بالإضافة إلى التفاعلات مع العالم الذي صار قرية صغيرة بفضل التقدم العلمي التكنولوجي والثورة المعلوماتية والإعلام والاتصال …كل هذا جعل الشعوب العربية على دراية بما يحدث في الوطن والعالم ومعرفة حجم الخيرات والأموال المنهوبة من طرف الأنظمة الاستبدادية ومع تعمق الأزمة وفق وتيرتين متناقضتين الشعوب تزداد فقرا وموتا والأنظمة تزداد ثراء وفسادا وفي غياب القوى السياسية الفاعلة لكي تحل الكارثة التاريخية كما يقول غرامشي برزت إلى الوجود بفعل التحولات العالمية والوطنية التي اشرنا إليها حركات انتقادية واحتجاجية شبابية ترفض الاستبداد الطائفي والقبلي لتتحمل مسؤولية هذا الانفراج القريب جدا من الانفجار التاريخي نحو عهد ديمقراطي للمواطن


الرد على التعليق

  • - هادي العلي
    10 آذار (مارس) 2011 19:07

    شكرا للاستاذ نزيه على هذه الاضاءه

    نفي النفي ذلك هو القانون الخالد,تقنية التواصل في المركز حاجة ضرورية للنظام العالمي ,وجرثومة فنائه هي ذاتها تقنية التواصل لكنها تبدأ كثورة في الاطراف الساخنه , فان الكتله التاريخيه للتغيير تتحقق عبر تقنية التواصل تلك … و بلاد العرب اكثر الاطراف سخونة , هل ان ما تنبأ به غارودي في القرن العشرين.. ها هو يتحقق في القرن الواحد والعشرين.


    الرد على التعليق


سوزان ياسين (سوريا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter