الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > كلمات الأوان > بوعلي ياسين : أحد وجوه الفكر النّقديّ

بوعلي ياسين : أحد وجوه الفكر النّقديّ

الاربعاء 15 نيسان (أبريل) 2009
بقلم: روزا ياسين  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

ينتمي الكاتب السوري بوعلي ياسين إلى طراز خاص من المثقفين النقديين. فعلى الرغم من تعدد الحقول المعرفية التي كتب فيها فإن السمة النقدية كانت مرافقة له في كل حقل دخله. وهو إذ حاول دوماً الغوص إلى عمق الثنائيات الحادة التي تطبع الثقافة العربية، لا لقلبها ولكن لتقويضها، فقد أنتج في خطابه منظومات تحرر لا منظومات سيطرة، وعلى هذا فلم يرض بالخضوع يوماً للطرف المسيطر بوصفه الأقوى، وما كان إرضاء السلطات من همومه، سواء تمثلت بأجهزة الدولة أم بالأحزاب السياسية أم بأحكام الدين أم بأنظمة اجتماعية مكرسة.. فكان المثقف الذي توارى عن أضواء الإعلام، ولم يعشق حلبات المسارح. وحتى وفاته بقي المؤلف المجهول في صفوف المتفرجين الأخيرة،‏‏‏‏‏‏ الأمر الذي جعل جزءاً كبيراً من نتاجه الفكري والثقافي مغيباً وبحاجة إلى إعادة قراءة جدية وتفكيك ونقاش.

ربما كان تعدد اهتمامات بوعلي يدل على ثقافة موسوعية تذكرنا بالكتاب الكلاسيكيين الكبار، فعلى الرغم من نزعاته الفكرية الإيديولوجية التي لم ينكرها يوماً، لم يمتنع عن الانتقال بحرية بين حقول ثقافية مختلفة قد تكون ظاهرياً بعيدة كل البعد بضها عن بعضها، من حقل المقدسات ونقدها في كتابه الأول والأشهر : "الثالوث المحرم"، وحتى حقل الثقافة الشعبية، مروراً بقضايا المرأة والجنس والاقتصاد والفكر السياسي. وفي خلال مسيرته الفكرية انتسب بوعلي ضمن إطار ماركسيته إلى ماركس وليس إلى الماركسية بطبعاتها المختلفة، فما تحتاجه البشرية من الماركسية، حسب رأيه، هو علميتها وليس تعاليمها، رافضاً اعتبار ماركس صاحب تعاليم دوغمائية، وبالتالي فقد حاول دوماً نقل الفكر الماركسي من القيد الإيديولوجي إلى الفضاء الدلالي، ومن الخانة السياسية الضيقة إلى حقل الفكر النقدي الثري.

وهو إذ حاول دراسة المستويات العقلانية وغير العقلانية السائدة في المجتمعات العربية فقد قام بعدد من الدراسات الاجتماعية كدراسة مجتمع ألف ليلة وليلة باعتباره يشترك مع مجتمعاتنا الحديثة بالعقل ذاته، وفي الإطار نفسه سبق الكثيرين إلى الاهتمام بالثقافة الشعبية والذاكرة الجمعية، حين كشف من خلال دراستهما عن آليات السيطرة التي تتم بواسطتها قيادة وتحريك المجتمعات العربية مبيّنا تاريخ القمع الحقيقي الذي يتعلق بذلك الثالوث المحرم ذاته.

توفي بوعلي ياسين في عام 2000، وثمة الكثير من المشاريع التي كان يستعدّ لإنجازها، منها تدقيق الطبعة العربية من ماركس عن لغته الأصلية الألمانية، فقد كانت لديه شكوك كثيرة في صحة بعض ترجمات ماركس، الأمر الذي أدى إلى سوء فهمه، كذلك مشروع لدراسة اجتماعية للسيرة الهلالية، كما كان قد بدأ التحضير للجزء الثاني من سيرته الضاحكة: "عين الزهور…" وربما مشاريع أخرى أيضاً. يمكننا القول أخيراً إن بوعلي ياسين شكل على الصعيد الشخصي والثقافي مثالاً أخلاقياً في زمن كثر فيه المثقفون المتهافتون على كل شيء، وربما كان فتح ملف له في الأوان، في ذكرى رحيله التاسعة، نوعاً من إعادة الاعتبار إلى مثقف غيبه الإعلام العربي طويلاً، وليس الاختلاف معه ومساجلته إلا طريقة لاحترام فكره، لعلمنا بأن كاتباً مثله ينبغي أن يحاور ويجادل ويناقش لا أن يرثى فحسب، فهي أفكار لا تموت بموت كاتبها، أو هي أفكار تحمل كاتبها بعيداً عن الموت.

التعليق على هذا المقال


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter