الاثنين 21 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > تجربة الفكر لمارتن هايدغر - بقلم مارتن هايدغر

تجربة الفكر لمارتن هايدغر - بقلم مارتن هايدغر

الثلثاء 11 آذار (مارس) 2008
بقلم: الأوان  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

شذرات "تجربة الفكر" من النصوص النادرة في انتاج الفيلسوف الالماني مارتن هايدغر، وهي، كما سيلاحظ القارىء، تنم بوضوح عن ميل فطري لديه، الى صنعة المقدس التي هي خاصية الشاعر، بحسب قوله: "المفكر يقول الوجود، اما الشاعر فيسمّي المقدس". كتبها في البيت الريفي الصغير عام 1947، على منحدر وعر لواد عال وشاسع في جنوب الغابة السوداء على ارتفاع 1150 مترا. هنا في هذا البيت ايضا كتب معظم اعماله، ولاسيما مؤلفه الشهير "الكينونة والزمان". يقول هايدغر في هذا الصدد: "ان ابناء المدينة يدهشون احيانا لعزلتي الطويلة والرتيبة في الجبال بين المزارعين. غير ان ما اعيشه ليس العزلة، وانما الوحدة. في المدن الكبيرة، في امكان الانسان ان يكون منعزلا اكثر مما في مكان آخر، وبسهولة متناهية. غير انه لا يستطيع ان يكون وحيدا ابدا، ذلك ان الوحدة لها نفوذ متميز تماما في ألا "تعزلنا"، ولكن بالعكس، ان تُلقي بحياتنا كلها بجوار جوهر كل الاشياء" (مجلة "فكر وفن"، العدد 47، 1988).

 

مما لا شك فيه، ان هايدغر، وهو المتعمق في دراسة التراث الفلسفي القديم، وبخاصة الفلاسفة السابقين على سقراط، قد تأثر بشذرات هيراقليطس، كما شأن صديقه الشاعر الفرنسي رينه شار في قصائده المشذّرة. وبعضها يختزل شرائح من فكره الخصب والواسع في كلمات، ما يجعلها غامضة بالنسبة الى غير المطلعين على فلسفته. احداها، وهي: "السير في اتجاه نجمة، ولا شيء آخر"، نُقشت على رخامة قبره في مسقط رأسه مسكيرش في الغابة السوداء. وكمدخل الى اجواء هذه الشذرات، اقتطع من عمل هايدغر الرئيسي "الكينونة والزمان" مفاتيح لكلمات في عينها تتكرر غير مرة، مثل الكينونة، الشيء، الحوار، الغناء الفكر.

 

-1 الكينونة: ان المفهوم/ المفتاح في كل فلسفة هايدغر هو مفهوم الكينونة L’être. ترجمته تسهّل الكثير من التعابير. ففي نظره، ان مهمة الفيلسوف هي ايضاح معنى الكينونة. والمنهج الذي يستخدمه لذلك، هو "الاشارة". لأن الكينونة لا تتقبل البراهين، بل الكشف، وذلك بالاشارة اليها. وأين تتجلى ظاهرة الكينونة؟ في الكائنات نفسها. ان الكينونة هي كينونة الكائنات être des étants التي تستمد منها كينونتها الخاصة بها. فعلينا اذاً، ان نذهب من الكائن الى الكينونة. يقول هايدغر: "الكينونة هي ابداً كينونة كائن ما. الكائن في مجمله يمكنه في مختلف أقسامه أن يصبح حقلا تُبحث فيه ميادين معينة وتحدَّد، مثل التاريخ، الطبيعة، المكان، الحياة، الدازاين/ الكينونة - هنا être – là، واللغة الخ، وتكون قابلة ان تتيَّم (تيمة) Thématiser في ابحاث علمية تناسب كلاً منها" ("الكينونة والزمان" ص 33، طبعة غاليمار الفرنسية 1988). نفهم من ذلك، ان الكينونة، هي التي تعطي الوجود لكل ما هو كائن، لا كعلة خارجية، بل كمبدأ اساسي قائم في اعماق الكائنات. لذا، لا نستطيع ان ننعتها الا بالقول، انها "الكينونة فقط".

 

-2 الشيء: هو ما تشاءه، اي تريده. وهو من شاء، يشاء شيئا ومشيئة ومشاءة ومشائيّة، اي المراد الذي يدل على اغراض التفكير ومظنوناته، اي غير الشيء الملموس والمرئي الذي يواجهنا في الواقع. هكذا تتخذ الاشياء معاني، من حيث هي مادة لإمكاناتنا.

 

-3 الحوار: انه يوحّد بيننا في قصد مشترك، بدون أن يختلط بعضنا ببعض. الدازاين/ الكينونة – هنا، هو في الضرورة حوار، لأن وجوده ديالكتيكي، متعلق دائما بالآخرين الذين يكوّنون معا عالم الدازاين ("الكينونة والزمان"، ص 170، فقرة 127).

 

-4 الغناء والفكر: يرى هايدغر ان الفكر والشعر هما من اصل واحد، وان كانا يسكنان متقاربين على ابعد الجبال بعضها عن بعض ("ما الميتافيزيقا؟"، 1943).

 

طريقٌ وميزان،

معْبرٌ وكلمة

تتّحد في تقدّم واحد.

 

تقدّمُ، واحتمل

الأخفاق والسؤال،

أميناً لدربك الوحيد.

عندما، في سكينة الفجر، تُشرق السماء بالضياء

فوق الجبال بهدوء…

إن إظلام العالم لا يبلغ أبداً نور الكينونة.

 

نجيء متأخرين نسبة الى الآلهة، ومبكّرين نسبة الى الكينونة.

الانسان قصيدة بدأتها الكينونة.

 

السير في اتجاه نجمة، ولا شيء آخر.

 

أن تفكّر، يعني أن تقتصر على فكرة واحدة،

يوماً ما، ستمكث كنجمة في سماء العالم.

عندما، أمام نافذة بيت صغير، تغنّي دوّارة الريح

في العاصفة الزاحفة…

اذا كانت جرأة الفكر تلبي دعوة الكينونة،

فما هو معطى لنا يجد عندئذٍ لغته.

 

ما إن نحصل على الشيء أمام أعيننا وتُرهف قلوبنا

السمع الى الكلمة، يوفَّق الفكر.

 

قليلٌ من الناس مؤهّل كفاية للتمييز بين موضوع شائك، وشيء مفكّر فيه.

 

الدافع الى التفكير يكون أفضل، اذا ما تواجه متمسكون بوجهات نظر متناقضة، لا مجرد خصوم.

عندما، في سماء يمزّقها المطر، يتسلّل فجأة شعاع الشمس

الى المروج المظلمة…

 

نحن لا ندرك الأفكار أبداً، هي التي تدركنا.

 

هذه هي الساعة المحدّدة عندئذٍ للحوار.

 

وهو يدعو الى الهدوء ويمهّد للتأمل الجماعي. وهذا لا يدين المعارضات، ولا يتقبّل الموافقات المتساهلة. يظل الفكر عرضة لريح الشيء.

 

في تبادلات حوارية كهذه، يترسّخ بعضهم ربما كرفاق في صناعة الفكر. حتى يوماً ما، بدون أن نستطيع توقّع ذلك، يسود أحدهم.

عندما، في أيام الصحو الاولى، تُزهر نرجسات منعزلة، في المروج. وتحت شجر القَيقب تبتسم وردة جبال الألب…

يا لروعة ما هو بسيط.

 

وحده الشكل يحتفظ بالرؤيا.

لكن الشكل هو من صنع الشاعر.

 

أيّ إنسان، ما دام يتهرّب من الحزن، يمكن أن تؤثّر فيه نسمة منعشة؟

 

الألم يُعفي قواه من الشفاء، حيث يكون هذا الشفاء أقل ارتياباً به.

عندما الريح، تتحوّل فجأة، وتهدر في أخشاب سقيفة البيت الصغير، ويكفهّر الجوّ…

ثلاثة أخطارٍ تتهدّد الفكر.

الخطر الحسن والملائم يكون في جوار الشاعر المغنّي.

 

الخطر الأمكر والأحدّ يكون في الفكر ذاته. فعليه أن يفكّر بعكس تفكيره بالذات. وهذا ما لا يستطيعه إلاّ نادراً.

 

الخطر السيئ، الخطر المرتَبِك، هو في الانتاج الفلسفي.

عندما في الصيف، تحطّ فراشة على زهرة، مطبقة الجناحين، وتروح تترجّح معها في ريح المرج…

كل شجاعةٍ تُفعم القلب هي الجواب على لمسة الكينونة التي تجمع فكرنا وتوحّده في لعب العالم.

 

في الفكر كل شيء يُصبح وحيداً وبطيئاً.

 

في الصبر ينضج الكِبَر.

 

من يفكّر كثيراً، عليه أن يخطئ كثيراً.

عندما السيلُ، في سكينة الليالي، يحكي عن سقوطه فوق كُتل الصخور…

القدم بين الاشياء القديمة، يقتفينا في تفكيرنا، لكنه يأتي لملاقاتنا.

 

لذا يرتبط الفكر بالآتي مما كان، ولذا هو تذكّر.

 

أن تكون قديماً يعني: أن تتوقف في الوقت المحدّد، حيث الفكرة الوحيدة في طريقة التفكير وجدت مكانها وأقامت فيه.

 

يمكننا أن نغامر في مسيرنا الذي يقود من الفلسفة الى فكر الكينونة، ما دمنا في منبع الفكر نتنشّق نسيم الوطن.

عندما، في ليالي الشتاء، ترجّ الزوابع الثلجية، البيت الصغير، وفي الصباح تستريح الطبيعة تحت الثلج…

القول الفكري لا يبلغ هدوءه، ولا يهتدي الى كينونته إلاّ اذا أصبح عاجزاً عن قول ما يجب أن يظل في ما وراء الكلام.

 

مثل هذا العجز سيقود الفكر الى مقدّم الشيء.

 

ما نعبّر عنه بالكلمات ليس ابداً، ولا في أي لغة، ما نقوله.

 

كي يوجد فكرٌ ما فجأةً، مَن، بين الذين يُدهشهم ذلك، يشاء أن يَسبر هذا العمق؟

عندما، على منحدرات الوادي العالي الذي تجتازه القطعان في بطء، لا تتوقف نواقيس الحيوانات عن الرنين…

تلك الميزة الفكرية، التي هي مهمة الشاعر، لا تزال محجوبة.

 

لكن الشعر المفكِّر، هو في الحقيقة طوبولوجيا الكينونة.

 

لها يُفصح عن المكان الذي يتمدّد فيه.

عندما شمس المساء، وهي تنفذ من مكان ما الى الغابة، تُذهّب جذوع الشجر…

الغناء والفكر جذعان متجاوران في العمل الشعري.

 

يولدان من الكينونة، ويسموان حتى حقيقتها.

 

علاقتهما تجعلنا نتأمل ما غنّى هولدرلن أشجار الغابة:

 

"وما دامت الجذوع المتجاورة واقفة، يظل بعضها يجهل الآخر".

 

الغابات تمتدّ

السيول تنقضّ

الصخور تدوم

والمطر يسيل.

 

الحقول تنتظر

الينابيع تنبجس

الرياح تملأ الفضاء

والفكر الأصيل يهتدي إلى طريقه ¶

 

(الترجمة والتقديم: هنري فريد صعب) 

نشر في ملحق النهار في 9/3/2008

 

التعليق على هذا المقال


سوزان ياسين (سوريا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter