الاثنين 22 كانون الأول (ديسمبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > تحرير العبيد في الإسلام ... الوهم الذي تبدد سريعا

تحرير العبيد في الإسلام ... الوهم الذي تبدد سريعا

الاثنين 23 آذار (مارس) 2009

بقلم:

آسيا غنام  

شارك اصدقاءك هذا المقال



نظريات تحرير العبيد في الإسلام تشبه الملصقات المكتوبة على علب السجاير والتي تقول (التدخين مضرّ بالصحّة ننصحك بالابتعاد عنه)، فيما تنشط معامل السجاير في إنتاج افخر الأنواع من التبوغ الفرجينية. وتروّجها بطريقة تفتح الشهية.

العبودية عند العرب ثروة اقتصادية وقيمة اجتماعية وعدد وعتاد حربي يستخدم في القتال وتحقيق السلطة. كما تشكّل أيضا خيارا جنسيا متاحا لا يبقى فيه السيد مسؤولا عن أيّ شيء سوى الرغبة في المضاجعة. وخصوصا الإماء فهنّ أكثر قيمة من الذكور، والسيد الذي يملك الإماء يكون أكثر ثراء ممن يملك الذكور، رغم أنّ الرجال قوامون على النساء، وتسلسل المرأة في القيمة الإنسانية تأتي بعد الرجل بكثير ولكن قبل الكلب مباشرة.

والحال هذه، فليس عند العربي استعداد ليتخلّى عن اقتصاده واجتماعه وقوّته ومحطّ شهوته المجانية لأيّ أحد، وتحت أيّ مبرر ولأجل أيّ فلسفة. خصوصا إذا علمنا أنّ التيّار الدينيّ الجديد (الإسلام) غير جادّ في هذه المسألة ولا يملك القدرة على ذلك، ثم إنّ النبيّ نفسه كان يتّخذ من زيد بن حارثة عبدا له وهبته له خديجة، ولم يدر بخلده في ذلك الإهداء أنّه سيدعو إلى تحرير العبيد، إلا أنّ الدعوة كانت ضرورية لكسب مزيد من المؤيدين للدعوة الجديدة ( وكان جلّهم من العبيد) ومحاولة ضرب السادة في اقتصادهم ومعايشهم وتأليب العبيد عليهم، وهي محاولة كان يقصد منها تعزيز فرص التفاوض وعقد الصفقات إن تمّت، وجرى فعلا فيما بعد تفاوض وصفقات باسم العبيد، والتي عنت عمليا أنّهم بيعوا مرّة أخرى ولكن في صفقة سياسية.

لا يمكن محاسبة الإسلام كدين تاريخيّ قديم على ممارسات قديمة، كانت من صميم الحياة الاجتماعية، ومن أنساقها وسياقاتها، شأنه في ذلك شأن المجتمعات العائشة في ذلك الوقت مثل الرومان والفرس واليونانيين، ولكن لا بدّ من إزالة الخرافة التي ما فتئ يردّدها البعض بأنّ الإسلام دخل معركة جادّة مع العبودية وانتصر عليها، أو جعلها من أولوياته وحاول القضاء عليها مبكّرا، ربّما على العكس من ذلك، فقد ظلّت العبودية وظلّ الاستعباد على قدم وساق في المجتمعات الإسلامية، وظلّ الترويج لها ولأدبياتها، وكانت آخر دولة يحرّم فيها الاسترقاق (وبقرار أمميّ لا علاقة له بالدين) هي موريتانيا (الإسلامية ) التي حرّمته قانونا بعد أن مضى على تحريمه في المجتمعات العالمية أربعة عقود.

والحقيقة أنّه قبل ابراهام لنكولن لا يوجد احد قام بعمل جادّ وحاسم تجاه العبيد، كم لا يوجد أحد خاض حربا حقيقيّة لتحرير العبيد وإدخالهم حظيرة الإنسانية، والتاريخ مدين لهذا الرجل بذلك.

والعبودية في الإسلام ظلت ترزح تحت النزوع الطبقي للمجتمع العربي، والطبقية كانت واضحة وجليّة في ذلك المجتمع، وظلّت هناك فواصل اجتماعية محفوظة ومعتمدة للطبقية حتى على مستوى التسمية. فحين يذكر شخص ما في حادث فيقال فلان مولى بني حنيفة وفلان عبد لفلان وفلان سيّد بني المصطلق، فاقترن اللقب الطبقيّ بالاسم في كثير من الأحيان.

وحتى بعد الإسلام، فإنّ أوّل حديث ذكره أبو بكر الصدّيق في السقيفة عند اختيار الخليفة، كان (الأئمّة من قريش) في إشارة واضحة لخرافة (السواسية) التي تضجّ بها كتب المواعظ، مما صدم سعد بن عبادة زعيم الأنصار الذي أعاده هذا النزوع الطبقي إلى نقطة الصفر، وجعله لا يعترض عليه فحسب إنّما يهرب إلى بلاد الروم من غير مطاردة، واختفى هناك وانقطعت أخباره إلى اليوم، على الأقلّ في دفاتر المؤرّخين.

وقول عمر بن الخطاب لصهيب الرومي وقد أمره أن يجلس مع الصحابة الستة المكلّفين باختيار الخليفة، وكانوا جميعا من أحرار قريش، ادخل معهم ولكن ليس لك شيء من هذا الأمر. أي أنّك تشارك كمنتخب (بكسر الخاء) ولا يحقّ لك أن تترشّح.

وعثمان بن عفّان الذي نفى أبا ذرّ الغفاري ( الذي بهرته النصوص الكثيرة في المساواة) إلى الربذة، لكونه دعا إلى العدالة في التوزيع وتوفير فرص الاستفادة للجميع بعد أن أصبحت في عهده حكرا على بني أمية، والذي أسعفه المؤرّخون بأنّ أبا ذر رجل خرف يريد أن يفرغ بيت المال.

وأبو قحافة والد أبي بكر، الذي دخل يوما على ابنه وهو خليفة المسلمين فوجده يصرخ في أبي سفيان بن حرب، فسأل بمن يصرخ ابني، وكان أعمى، فقيل له يصرخ في أبي سفيان فصرخ فيه، كيف تتطاول على أسيادك. يعني ذلك أنّ فكرة المساواة لم تنتشر في المجتمع إلا على استحياء ومن قبيل إظهار العدالة شكلا لا موضوعا ولم تصل إلى الوعي الجمعي.

وطالما لا توجد في فكر أو تيار ديني أو اجتماعي قياسات محدّدة ومنضبطة للإنسانية، فإنّ مشروع الاستعباد سيظلّ قائما وفعّالا، وسيأخذ مديات أخرى تشمل المرأة والطفل والضعيف والأقليات، وسيظلّ تجارة واقتصادا وسياسة، وهذا ما حصل فعلا في ظلّ غياب الحماية الاجتماعية اللازمة للإنسان( بوصفه إنسانا فقط) على مستوى الفكر والممارسة وكذلك الإلزام. وكردّ فعل على التناقض الظاهر بين ما هو معلن وما هو واقع.

قامت فكرة المعتزلة على العدل المطلق، وضمّنوا مبادءهم، التي أصبحت من أصول الدين عندهم، مبدأ العدل. وذهبوا بعيدا في إحقاق العدل، فقالوا إنّ العدل واجب على الله خارج عن معنى المشيئة. وكان هذا ردّ فعل واضحا على مسألة تغييب الحريات والمساواة التي غابت سريعا بمجرّد أن تحقّق المطلوب من شعاراتها.

موضوع الحرية عند العرب أكبر منه في الفكر الديني وأشدّ تعقيدا، ولم يستطع الفكر الديني رغم أنّه احتوى النمط المعيشي العربي وأطّره شرعيا وتلوّن بلونه، أن يعدل أو يغيّر من مفهوم الحرية عند البدويّ العربي في مجتمع رعوي، لا تخدمه كثيرا فكرة خسرانه أدوات الإنتاج في مقابل كسبه لربّ جديد. وفكرة الربّ هذه أمام الحرية التي فرضتها حياة صعبة وقاسية، وشكّلت له نوعا من الوعي والقناعة. ليس بذلك الزخم والقوّة والتراكم المعرفي التي تزيح عنه الحرية وتفرض عليه الانضباط والتأقلم وتدعوه إلى التنازل عن بعض الثوابت. لهذا ظلّ مفهوم الحرية عند العرب كما هو بعد الإسلام، وظلت المجتمعات تحتكم إلى التقاليد العربية بعد الإسلام. كما أنّ العروبة تماهت مع الإسلام واندمجت به لصالح العروبة لا لصالح الإسلام. وقد أدرك النبيّ محمد هذه الحقيقة فبنى كثيرا على التقاليد العربية، وعاد إليها حينما أحسّ أنّه ابتعد عنها، وكان حريصا أن يوحّد المسيرتين تحت راية الدين الجديد.

لذلك نرى المرأة تذبح في المجتمعات العربية إلى الآن عند الاشتباه بها في علاقة دون الرجوع إلى حكم الجلد والرجم حتى.

والمواريث توزّع على الطريقة العربية لا على الطريقة الإسلامية، وكذلك الزواج والأنساب وغيرها.

فموضوع الحرية عند العرب هو الذي جعل هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان تقول للنبيّ في بيعة النساء، وقد جلسن للنبي يبايعنهنّ. فقال النبيّ لهنّ، بايعنني على أن لا تشركن بالله ولا تسرقن ولا تزنين؟ فقالت هند، وهل تزني الحرّة؟ وهنا خرجت من عموم الخلق الذي يفرضه التشريع الديني إلى خصوص الطبقية والمقامات الاجتماعية. فالعبودية لم تأخذ جانبا طبقيّا عند العرب فقط، بل أخذت جانبا أخلاقيا، أو لنقل إنّ الأخلاق انقسمت إلى أخلاق سادة وأخلاق عبيد. وتماما مثلما فعل عمر بن الخطاب، حينما أمر الإماء في المدينة أن يكشفن عن رؤوسهنّ بعد أن رأى أنّ الإماء يغطّين وجوههنّ تشبّها بالحرائر، وأن الشذّاذ من الرجال أصبحوا يتعرّضون للحرائر ظنّا منهم أنهنّ جواري، فأمر بكشف وجوه الجواري. ولا بأس بالتعرّض للإماء من أن يتعرّضن للحرائر.

كذلك، فإنّ الفهم الخاصّ للحرية هو الذي دعا أحد الخلفاء الأمويين ( وأظنّه الوليد بن عبد الملك ) أن يفرض الجزية على البربر المسلمين في شمال افريقيا على أساس أنهم غير عرب. وقد طغت عليه عصبيته أو أنّ أمر الحرية والعبودية كان محسوما لدية بطريقة فاصلة. إنّ المسافة بين العبودية والحرية بعيدة جدّا لا تقربها التعاليم التي يمكن أن تذوب أمام رغبات أخرى.

فالعبودية متجذّرة في الوعي الديني، خارجة عن الدعوة المعلنة للتحرّر لبعض الوقت، ولاعتبارات انتخابية، وإسقاط فرض ربّما. ولها في الحقل التشريعي مساحات واسعة وتدرس على أساس أحكام وليس على أساس حقوق إنسان. وطالما بقيت تأطيراتها ومتكئاتها في الفكر فستظلّ حاضرة في الوعي بشكل أو بآخر .

صحيح أنّ الإسلام لا يدعو صراحة إلى الاستعباد إلا أنّه بنى متكئات يستند إليها الأفراد وتقود إلى الاستعباد الصريح. وإلى متفرّعات استعبادية أكثر صراحة ووضوحا وحضورا باسم الملكية والتسلط. وإضافة أسباب أخرى للاستعباد حاضرة في الأدبيات الدينية، وتلتقي مع رغبة الأصوليين كذلك، وهي استعباد المرأة والحجر عليها تحت مّتكأ العورة والضعف والقصور: و(قرن في بيوتكن )، واستعباد الآخرين واضطهادهم تحت متّكأ الجزية وأهل الذمّة و(قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ولا أدلّ على محاولة استضعاف الغير وإقصائهم من الدعوة الكريمة (وهم صاغرون ).


شارك اصدقاءك هذا المقال

الذّكورات المنبوذة :

أبو سعديّة رجل أسود يظهر وعلى وجهه قناع من جلد وعلى رأسه طويل، ويرتدي أسمالا ويعلّق على جسده علبا فارغة وعظاما وأجراسا ويرقص وهو يدقّ طبلا . من منّا لا يعرفه إمّا عيانا أو خبرا؟ لا أدري هل رأيته في إحدى ساحات القيروان وأنا طفلة صغيرة، أم رأيته في التّلفاز. لكنّني سمعت عنه الكثير، وكان ولا يزال مضرب الأمثال، وعاد إلى ذاكرتي عندما شاهدت في يناير 2013 بفضاء “التياترو” بتونس عملا مسرحيّا يقدّم قصّته (...)
الفيسبوك
تويتر