نظريات تحرير العبيد في الإسلام تشبه الملصقات المكتوبة على علب السجاير والتي تقول (التدخين مضرّ بالصحّة ننصحك بالابتعاد عنه)، فيما تنشط معامل السجاير في إنتاج افخر الأنواع من التبوغ الفرجينية. وتروّجها بطريقة تفتح الشهية.
العبودية عند العرب ثروة اقتصادية وقيمة اجتماعية وعدد وعتاد حربي يستخدم في القتال وتحقيق السلطة. كما تشكّل أيضا خيارا جنسيا متاحا لا يبقى فيه السيد مسؤولا عن أيّ شيء سوى الرغبة في المضاجعة. وخصوصا الإماء فهنّ أكثر قيمة من الذكور، والسيد الذي يملك الإماء يكون أكثر ثراء ممن يملك الذكور، رغم أنّ الرجال قوامون على النساء، وتسلسل المرأة في القيمة الإنسانية تأتي بعد الرجل بكثير ولكن قبل الكلب مباشرة.
والحال هذه، فليس عند العربي استعداد ليتخلّى عن اقتصاده واجتماعه وقوّته ومحطّ شهوته المجانية لأيّ أحد، وتحت أيّ مبرر ولأجل أيّ فلسفة. خصوصا إذا علمنا أنّ التيّار الدينيّ الجديد (الإسلام) غير جادّ في هذه المسألة ولا يملك القدرة على ذلك، ثم إنّ النبيّ نفسه كان يتّخذ من زيد بن حارثة عبدا له وهبته له خديجة، ولم يدر بخلده في ذلك الإهداء أنّه سيدعو إلى تحرير العبيد، إلا أنّ الدعوة كانت ضرورية لكسب مزيد من المؤيدين للدعوة الجديدة ( وكان جلّهم من العبيد) ومحاولة ضرب السادة في اقتصادهم ومعايشهم وتأليب العبيد عليهم، وهي محاولة كان يقصد منها تعزيز فرص التفاوض وعقد الصفقات إن تمّت، وجرى فعلا فيما بعد تفاوض وصفقات باسم العبيد، والتي عنت عمليا أنّهم بيعوا مرّة أخرى ولكن في صفقة سياسية.
لا يمكن محاسبة الإسلام كدين تاريخيّ قديم على ممارسات قديمة، كانت من صميم الحياة الاجتماعية، ومن أنساقها وسياقاتها، شأنه في ذلك شأن المجتمعات العائشة في ذلك الوقت مثل الرومان والفرس واليونانيين، ولكن لا بدّ من إزالة الخرافة التي ما فتئ يردّدها البعض بأنّ الإسلام دخل معركة جادّة مع العبودية وانتصر عليها، أو جعلها من أولوياته وحاول القضاء عليها مبكّرا، ربّما على العكس من ذلك، فقد ظلّت العبودية وظلّ الاستعباد على قدم وساق في المجتمعات الإسلامية، وظلّ الترويج لها ولأدبياتها، وكانت آخر دولة يحرّم فيها الاسترقاق (وبقرار أمميّ لا علاقة له بالدين) هي موريتانيا (الإسلامية ) التي حرّمته قانونا بعد أن مضى على تحريمه في المجتمعات العالمية أربعة عقود.
والحقيقة أنّه قبل ابراهام لنكولن لا يوجد احد قام بعمل جادّ وحاسم تجاه العبيد، كم لا يوجد أحد خاض حربا حقيقيّة لتحرير العبيد وإدخالهم حظيرة الإنسانية، والتاريخ مدين لهذا الرجل بذلك.
والعبودية في الإسلام ظلت ترزح تحت النزوع الطبقي للمجتمع العربي، والطبقية كانت واضحة وجليّة في ذلك المجتمع، وظلّت هناك فواصل اجتماعية محفوظة ومعتمدة للطبقية حتى على مستوى التسمية. فحين يذكر شخص ما في حادث فيقال فلان مولى بني حنيفة وفلان عبد لفلان وفلان سيّد بني المصطلق، فاقترن اللقب الطبقيّ بالاسم في كثير من الأحيان.
وحتى بعد الإسلام، فإنّ أوّل حديث ذكره أبو بكر الصدّيق في السقيفة عند اختيار الخليفة، كان (الأئمّة من قريش) في إشارة واضحة لخرافة (السواسية) التي تضجّ بها كتب المواعظ، مما صدم سعد بن عبادة زعيم الأنصار الذي أعاده هذا النزوع الطبقي إلى نقطة الصفر، وجعله لا يعترض عليه فحسب إنّما يهرب إلى بلاد الروم من غير مطاردة، واختفى هناك وانقطعت أخباره إلى اليوم، على الأقلّ في دفاتر المؤرّخين.
وقول عمر بن الخطاب لصهيب الرومي وقد أمره أن يجلس مع الصحابة الستة المكلّفين باختيار الخليفة، وكانوا جميعا من أحرار قريش، ادخل معهم ولكن ليس لك شيء من هذا الأمر. أي أنّك تشارك كمنتخب (بكسر الخاء) ولا يحقّ لك أن تترشّح.
وعثمان بن عفّان الذي نفى أبا ذرّ الغفاري ( الذي بهرته النصوص الكثيرة في المساواة) إلى الربذة، لكونه دعا إلى العدالة في التوزيع وتوفير فرص الاستفادة للجميع بعد أن أصبحت في عهده حكرا على بني أمية، والذي أسعفه المؤرّخون بأنّ أبا ذر رجل خرف يريد أن يفرغ بيت المال.
وأبو قحافة والد أبي بكر، الذي دخل يوما على ابنه وهو خليفة المسلمين فوجده يصرخ في أبي سفيان بن حرب، فسأل بمن يصرخ ابني، وكان أعمى، فقيل له يصرخ في أبي سفيان فصرخ فيه، كيف تتطاول على أسيادك. يعني ذلك أنّ فكرة المساواة لم تنتشر في المجتمع إلا على استحياء ومن قبيل إظهار العدالة شكلا لا موضوعا ولم تصل إلى الوعي الجمعي.
وطالما لا توجد في فكر أو تيار ديني أو اجتماعي قياسات محدّدة ومنضبطة للإنسانية، فإنّ مشروع الاستعباد سيظلّ قائما وفعّالا، وسيأخذ مديات أخرى تشمل المرأة والطفل والضعيف والأقليات، وسيظلّ تجارة واقتصادا وسياسة، وهذا ما حصل فعلا في ظلّ غياب الحماية الاجتماعية اللازمة للإنسان( بوصفه إنسانا فقط) على مستوى الفكر والممارسة وكذلك الإلزام. وكردّ فعل على التناقض الظاهر بين ما هو معلن وما هو واقع.
قامت فكرة المعتزلة على العدل المطلق، وضمّنوا مبادءهم، التي أصبحت من أصول الدين عندهم، مبدأ العدل. وذهبوا بعيدا في إحقاق العدل، فقالوا إنّ العدل واجب على الله خارج عن معنى المشيئة. وكان هذا ردّ فعل واضحا على مسألة تغييب الحريات والمساواة التي غابت سريعا بمجرّد أن تحقّق المطلوب من شعاراتها.
موضوع الحرية عند العرب أكبر منه في الفكر الديني وأشدّ تعقيدا، ولم يستطع الفكر الديني رغم أنّه احتوى النمط المعيشي العربي وأطّره شرعيا وتلوّن بلونه، أن يعدل أو يغيّر من مفهوم الحرية عند البدويّ العربي في مجتمع رعوي، لا تخدمه كثيرا فكرة خسرانه أدوات الإنتاج في مقابل كسبه لربّ جديد. وفكرة الربّ هذه أمام الحرية التي فرضتها حياة صعبة وقاسية، وشكّلت له نوعا من الوعي والقناعة. ليس بذلك الزخم والقوّة والتراكم المعرفي التي تزيح عنه الحرية وتفرض عليه الانضباط والتأقلم وتدعوه إلى التنازل عن بعض الثوابت. لهذا ظلّ مفهوم الحرية عند العرب كما هو بعد الإسلام، وظلت المجتمعات تحتكم إلى التقاليد العربية بعد الإسلام. كما أنّ العروبة تماهت مع الإسلام واندمجت به لصالح العروبة لا لصالح الإسلام. وقد أدرك النبيّ محمد هذه الحقيقة فبنى كثيرا على التقاليد العربية، وعاد إليها حينما أحسّ أنّه ابتعد عنها، وكان حريصا أن يوحّد المسيرتين تحت راية الدين الجديد.
لذلك نرى المرأة تذبح في المجتمعات العربية إلى الآن عند الاشتباه بها في علاقة دون الرجوع إلى حكم الجلد والرجم حتى.
والمواريث توزّع على الطريقة العربية لا على الطريقة الإسلامية، وكذلك الزواج والأنساب وغيرها.
فموضوع الحرية عند العرب هو الذي جعل هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان تقول للنبيّ في بيعة النساء، وقد جلسن للنبي يبايعنهنّ. فقال النبيّ لهنّ، بايعنني على أن لا تشركن بالله ولا تسرقن ولا تزنين؟ فقالت هند، وهل تزني الحرّة؟ وهنا خرجت من عموم الخلق الذي يفرضه التشريع الديني إلى خصوص الطبقية والمقامات الاجتماعية. فالعبودية لم تأخذ جانبا طبقيّا عند العرب فقط، بل أخذت جانبا أخلاقيا، أو لنقل إنّ الأخلاق انقسمت إلى أخلاق سادة وأخلاق عبيد. وتماما مثلما فعل عمر بن الخطاب، حينما أمر الإماء في المدينة أن يكشفن عن رؤوسهنّ بعد أن رأى أنّ الإماء يغطّين وجوههنّ تشبّها بالحرائر، وأن الشذّاذ من الرجال أصبحوا يتعرّضون للحرائر ظنّا منهم أنهنّ جواري، فأمر بكشف وجوه الجواري. ولا بأس بالتعرّض للإماء من أن يتعرّضن للحرائر.
كذلك، فإنّ الفهم الخاصّ للحرية هو الذي دعا أحد الخلفاء الأمويين ( وأظنّه الوليد بن عبد الملك ) أن يفرض الجزية على البربر المسلمين في شمال افريقيا على أساس أنهم غير عرب. وقد طغت عليه عصبيته أو أنّ أمر الحرية والعبودية كان محسوما لدية بطريقة فاصلة. إنّ المسافة بين العبودية والحرية بعيدة جدّا لا تقربها التعاليم التي يمكن أن تذوب أمام رغبات أخرى.
فالعبودية متجذّرة في الوعي الديني، خارجة عن الدعوة المعلنة للتحرّر لبعض الوقت، ولاعتبارات انتخابية، وإسقاط فرض ربّما. ولها في الحقل التشريعي مساحات واسعة وتدرس على أساس أحكام وليس على أساس حقوق إنسان. وطالما بقيت تأطيراتها ومتكئاتها في الفكر فستظلّ حاضرة في الوعي بشكل أو بآخر .
صحيح أنّ الإسلام لا يدعو صراحة إلى الاستعباد إلا أنّه بنى متكئات يستند إليها الأفراد وتقود إلى الاستعباد الصريح. وإلى متفرّعات استعبادية أكثر صراحة ووضوحا وحضورا باسم الملكية والتسلط. وإضافة أسباب أخرى للاستعباد حاضرة في الأدبيات الدينية، وتلتقي مع رغبة الأصوليين كذلك، وهي استعباد المرأة والحجر عليها تحت مّتكأ العورة والضعف والقصور: و(قرن في بيوتكن )، واستعباد الآخرين واضطهادهم تحت متّكأ الجزية وأهل الذمّة و(قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ولا أدلّ على محاولة استضعاف الغير وإقصائهم من الدعوة الكريمة (وهم صاغرون ).



جدة - متابع
24 آذار (مارس) 2009 06:29
تحاول الكاتبة القول أن فكرة الاسترقاق فكرة أصلية في الاسلام وتخلط ذلك بطبيعة الحياة العربية البدوية الجاهلية التي تتناقض تماما و ماتدعو إليه مفاهيم الإسلام الكلية والواضحة مثل كرامة الإنسان ، والمساواة التي وردت في نصوص صريحة . وتحاول أن تفسير ظاهرة العبودية كحقيقة من حقائق الاسلام في ضوء تحليل اقتصادي أنثربولوجي يخلق علاقة نسبة وتناسب بين الحاجة إلى العبيد وطبيعة الحياة العربية البدوية التي هي في ظن الكاتبة الشكل الموضوعي لتطبيق الاسلام . وتلجأ مرة أخرى لتفسير العبودية كوسيلة أراد بها النبي محمد ضرب سادة قريش في اقتصادهم ، الأمر الذي يدرج تأويلاتها في المقال لمفاهيم الاسلام ضمن رؤية وضعية ظاهرة . كما أنها أحيانا تتبرع بتوجيه بعض القصص ضمن رؤيتها وتأولها بطريقة معتسفة ومقتلعة عن سياقاتها مثل قصة أبي قحافة مع ابنه أبي بكر الصديق حين سمعه يرفع صوته في وجه أبي سفيان ، لتوحي لنا أن أبابكر هو من طبقة أدنى من طبقة أبي سفيان . والحال إذا عرفنا من وقائع السيرة أن أبي قحافة من الذين أسلموا يوم فتح مكة ، وكذلك أبي سفيان وإذا عرفنا أن بني عبد مناف في النسب القرشي هم رؤساء قريش أي سادتها وأن بني تيم بن مرة (رهط أبي بكر) هم أيضا من قريش ولكنهم أقل عددا، فسنعرف معنى استغراب أبي قحافة من كلام ابن أبي بكر مع أبي سفيان ، لاسيما وأن خلافة أبي بكر كانت بعد أقل من ثلاث سنوات من فتح مكة أي زمن اسلام أبي قحافة وأبي سفيان . هكذا تريد لنا الكاتبة أن نصدق رؤيتها الملتبسة والمغرضة لتوظيف بعض الروايات ضمن نوايا لاعلاقة لها بالبحث . ثم تجعل الكاتبة من اعتراض سعد على خلافة أبي بكر خرقا لخرافة (السواسية) كما لو كان سعد مولى أو عبدا لأبي بكر ، وتنسى على الأقل أن اعتراض سعد كان رأيا سياسيا لم يترتب عليه إهدار لدمه أو إغتيال كما تفعل الأنظمة السياسية . ثم أن فكرة المساواة أو (السواسية) ليست في كتب المواعظ كما تريد أن توحي ، بل هي في النصوص المؤسسة للإسلام القرآن والسنة النبوية . والكاتبة تدعي أن النبي رجع إلى فكرة العروبة بعدما أحس أنه ابتعد عنها ، جزافا ودون أي دليل . ثم فجأة تقفز إلى المعتزلة وتصفهم بدعاة حق ، وكأن المعتزلة لم يصدرو ا عن والإسلام القرآن في مبادئهم الكلية. الكاتبة تتحدث عن الفكر الديني وعلاقته بالبداوة ، كما لو كان الاسلام لم يتجاوز الصحراء ، والحال أن الاسلام الذي أنتج أكبر بيئة حضارية في التاريخ الوسيط وأنتج أكبر تراث مكتوب في تاريخ الانسانية ـ بحسب جورج طرابيشي ـ لا تكاد تلتفت إليه ، لأنها منذ البداية تريد أن تخلق تماهيا بين الحياة البدوية والمبادئ الإسلامية الأساسية . ثن تسقط الفهم المتخلف للمجتمعات العربية الذي أفرز عادة جرائم الشرف ، أي جريمة الذبح ، وهي جريمة لم يشرع لها الاسلام حدا ولا يعترف بها أصلا ، لكنها تريد أن تبني على إدعائها لفكرة مركزية الرق في بنية المبادئ الإسلامية نتائج أخرى . وحين تقول الكاتبة ( ولم يستطع الفكر الديني رغم أنّه احتوى النمط المعيشي العربي وأطّره شرعيا وتلوّن بلونه، أن يعدل أو يغيّر من مفهوم الحرية عند البدويّ العربي في مجتمع رعوي، لا تخدمه كثيرا فكرة خسرانه أدوات الإنتاج في مقابل كسبه لربّ جديد. وفكرة الربّ هذه أمام الحرية التي فرضتها حياة صعبة وقاسية، وشكّلت له نوعا من الوعي والقناعة. ليس بذلك الزخم والقوّة والتراكم المعرفي التي تزيح عنه الحرية وتفرض عليه الانضباط والتأقلم وتدعوه إلى التنازل عن بعض الثوابت.) ؟؟؟ هكذا ـ بحسب الكاتبة ـ يؤطر الفكر الديني الحياة البدوية ويكون قالبها الفكري ؟ إذن أين هي فكرة المعنى الإنساني والمبادئ الكونية للإسلام كوحدة الأصل البشري ، والكرامة والمساواة بين البشر والتعارف التي كانت سببا أسايسا في تأسيس حضارة اسلامية في التاريخ الوسيط ؟!! لاتدرك الكاتبة وربما لاتريد أن تعرف أن ظاهرة انتشار الاسلام من منطقة بدوية فقيرة ، وامتداده ذلك المد من الصين إلى الأندلس في أقل من قرن ، هي معجزة بشرية غير مسبوقة في سياق تأسيس الأفكار الكبرى عبر بشر عاديين في التاريخ ـ بحسب عبد الله العروي ـ . وبعد كل ذلك تتحدث الكاتبة عن الوعي الديني بعيدا عن تمثلاته المرتبطة بتأويله وأثر ذلك التأويل الديني في ازدهار وتحضر في لحظة تاريخية ما ، كما أثره في التخلف والتقهقر في لحظة تاريخية أخرى ، كلحظتنا الراهنة . وهذه الانتقائية انتقائية رائجة ، لدى بعض كتاب الأوان عبر تجاهل حقيقة تاريخية تقول أن النص الديني (القرآن) هو السبب الأساس لمرجعية المعرفة التاريخية والحضارية والتراثية عند العرب . وهذه حقيقة تختلف اختلافا بينا عن مسألة التراث والنص الديني في التاريخ الأوربي . ففي أوربا (التراث الروماني اليوناني) الوثني هو الأصل فيما كان النص الديني (الانجيل) طارئا على أوربا ، ومختلفا عن تراثها . أما النص الديني عند العرب السبب الأساس للمعرفة التاريخية والحضارية للعرب ولهذا يلجأ الكثير من المفكرين العرب إلى التستر خلف ظاهرة نقد التراث دون أن يلجأ مباشرة إلى نقد النص المؤسس بأدوات معرفية ، ومن ثم يقع الكثير منهم في التناقض . لو كانت العبودية متجذرة في الوعي الديني (والكاتبة تريد أن توحي بأن هناك تأويلا واحد للدين ذا مفاعيل متخلفة ومتماثلة في الواقع) لما كانت الظاهرة التاريخية للإسلام وانتشاره في بيئات حضارية مرة وإلى الأبد ، حقيقة واقعة . هكذا يريد أمثال هذه الكاتبة وبعض كتاب الأوان الحديث بصورة مبسطة وبعيدة عن التركيب والتحليل المعرفي للكثير من قضايا التأويل الإسلامي وصيروراته المعقدة ، ليدرجوا الكثير من الأفكار الكبرى للإسلام ضمن سياقات ماضوية ، وكأن الحداثة هي قطيعة جذرية وناجزة ونهائية مع مطلق الأفكار . أما حديثها عن تحرير الرئيس الأمريكي لينكولن للعبيد فكلام صحيح ولكن ماذا عن الآلية التي اتخذتها حكومة لنكولن لتحرير العبيد . لقد تسبب القرار الحكومي لتحرير العبيد إلى عودة العبيد مرة أخرى إلى مزارع أسيادهم بسبب إدمانهم قرون عديدة لحياة العبودية ؛ الأمر الذي لايمكن والحال هذه أن يكون لقرار مباشر أثرا فوريا في تغيير حياتهم الذهنية والنفسية ، في دلالة واضحة إلى قوة العادات العميقة الغور في ذاكرة المجتمعات الإنسانية كعادة الرق . وظل التمييز الذي صاحب ظاهرة الرق في أمريكا حتى سبعينات القرن الماضي . فيما شرع الإسلام العديد من التشريعات التي كانت تؤدي عمليا وتدريجيا إلى التخفف من ظاهرة الرق في زمن لم تتصور فيه المجتمعات الإنسانية فكرة التحرر من العبودية أصلا .
الرد على التعليق
- زهير الشرفي
24 آذار (مارس) 2009 14:40
لقد عامل فقهاء الإسلام بني الإنسان من العبيد كما تعامل الحيوانات ولا أدل على ذلك من كلام الإمام النووي رفيع السمعة لدى الأصوليين، حيث قال في تفسيره لأحد الأحاديث النبوية التي رواها مسلم ما يلي: " قوله ( جاء عبد فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ولم يشعر أنه عبد فجاء سيده يريده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله أعبد هو ) هذا محمول على أن سيده كان مسلما ولهذا باعه بالعبدين الأسودين والظاهر أنهما كانا مسلمين ولا يجوز بيع العبد المسلم لكافر ويحتمل أنه كان كافرا أو أنهما كانا كافرين ولا بد من ثبوت ملكه للعبد الذي بايع على الهجرة إما ببينة وإما بتصديق العبد قبل إقراره بالحرية وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق والإحسان العام فإنه كره أن يرد ذلك العبد خائبا بما قصده من الهجرة وملازمة الصحبة فاشتراه ليتم له ما أراد وفيه جواز بيع عبد بعبدين سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة وهذا مجمع عليه إذا بيع نقدا وكذا حكم سائر الحيوان فإن باع عبدا بعبدين أو بعيرا ببعيرين إلى أجل فمذهب الشافعي والجمهور جوازه وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يجوز وفيه مذاهب لغيرهم والله أعلم ". وحتى أيامنا هذه لم تنقطع العبودية فهي باقية في اعتقادات الأصوليين وممارساتهم في السودان وموريتانيا وغيرها ويقول أحد السودانيين في مجرى اتهامه لعمر البشير أن ميليشيات الجنجاويد، التي تتسلم السلاح والمال من الحكومة، كانت تصرخ، عند هجومها على المواطنين السودانيين الأفارقة في دارفور، بعبارات: "أقتلوا العبيد". وفي قراءتنا للنص القرآني أيضا لا بد من اعتبار أنه لم يرقى إلى مرتبة طلب المساواة وإنهاء العبودية رغم أن ذلك الطلب كان قد رفعه سبارتاكس منذ سبعة عقود قبل ظهور الإسلام، بل جاء في النص القرآني ما يتناسق مع المعروف الاجتماعي العبودي ويتنافى مع معاني المساواة الاجتماعية: "..نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات لكي يتخذ بعضهم بعضا سخريا…" و " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون"… هكذا يتبين أن مقال الكاتبة آسيا غنام هو الأقرب إلى الحياد والموضوعية العلمية من الرد الذي قدمه السيد "متابع".
الرد على التعليق
الكويت - ناصر محمد
24 آذار (مارس) 2009 15:46
يختم متابع بقوله: (فيما شرع الإسلام العديد من التشريعات التي كانت تؤدي عمليا وتدريجيا إلى التخفف من ظاهرة الرق في زمن لم تتصور فيه المجتمعات الإنسانية فكرة التحرر من العبودية أصلا)
هنا يجدر بنا التساؤل لماذا اذن لم يعتق النبي محمد عبيده على الأقل لتقديم انموذجا جيدا على صدق المساواة في الاسلام.؟ لماذا لم يفعل ذلك صحابته الأقربون.؟
لو فعلوا ذلك لكانت رسالتهم المتوخاة أبلغ من ترميزات وتلغيزات تشريعية يفسرها مسلمو اليوم على نحو عاطفي واضح.
الرد على التعليق