الاثنين 21 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > تلازم الفكر التأمّلي مع النظرة التجزيئيّة للكون

تلازم الفكر التأمّلي مع النظرة التجزيئيّة للكون

السبت 23 شباط (فبراير) 2008
بقلم: محمد سيد رصاص  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

إن التقليد الثنائي قد كان قديما في المجوسية السابقة لزرادشت (628 - 551 ق.م ) الذي لم يفعل أكثر من تكريسه ،و إن كان قد أكد على أن النور قديم و الظلمة محدثة ، مما كان يعطي نوعا من الأمل في إنشاء حالة من الخلاص الإنساني بتأكيده عدم أزلية الشر ، و على الأقل ، بإمكانية التغلب عليه عبر نزوع الإنسان السلوكي إلى تغليب الجانب الخيّر فيه ، عبر العمل ، و ليس بواسطة التأمل أو الهروب إلى الروح القائم على أمانة الجسد . و هذا ما أتاح مجالا لتحول الزرادشتية إلى حالة شبه تركيبية ، من خلال استعمالها كدين رسمي للدولة الساسانية( 229 - 651 م) ، وإن لم تستطع إثبات فعاليتها الكبيرة في هذا المجال ، إذا قارناها باليهودية ثم بالإسلام .

 

 قدم ماني ( 214 - 276 م ) رؤية دينية تؤكد على قدم الإثنين [ ( الخير= النور ) و ( الشر = الظلمة ) ] و أزليتهما ، مما جعل المانوية (( ثَنوية )) لا علاج لها ، و هذا ما أعطاها طابعا تشاؤميا ، من خلال تأكيدها على الزهد والنسك والعبادة ، الشيء الذي أثر بالتأكيد على نظام الرهبنة المسيحية الذي أنشأها القديس ( باخوميوس ) ( 290 - 345 م ) . حيث نرى المانوية تميل للتأكيد على رفض الزواج و إماتة الجسد ، و رفض العمل الذي أعطت أولوية للتطهير الداخلي عليه , في عملية الوصول إلى الله .

 

 من هنا ، ليس صدفة تجاهل ماني لليهودية و عدائه لها ، و طموحه إلى تأسيس دين مركب يجمع الزرادشتية و البوذية و المسيحية . حيث إستطاعت المانوية ، في النهاية ، أن تتداخل في بنية كثير من المذاهب المسيحية ، سواء في الشرق الأوسط كالنسطورية[نسطور( 380 - 451 م) بطريرك القسطنطينية( 428- 431 ) ] أم في الغرب الاوروبي حيث أثرت على كثير من الحركات الهرطوقية ، كالكاتارية بالقرن الثاني عشر . بينما نجدها زمن العباسيين ، في حالة صراع شديد مع الإسلام ، و لم تستطع أن تتداخل سوى في الباطنية الشيعية و التصوف .

 

 تقدم المانوية الله في صورة ( السلب ) ، أي بلا صفات ، لا يحدّه التصور العقلي ، و لا يجوز إجراء القياس عليه من خلال استخدام المحسوسات ، و بالتالي فهولا يملك فعالية حركية كالتي تعطيها اليهودية و الإسلام له ,أي أنه ليس هوالمُدَبّر و الصانع ، و إنما هناك ( متوسطات ) هي الفلك و الأجرام التي تتولى هذا الأمر. ولا يتقرّب منه سوى الروحانيون الذين يستطيعون تطهير النفس من الشهوات والمحسوسات ، و هذا لا يتم إلا عبر رياضة روحية صراعية ضد الداخل والجسد ، تستطيع إيصالهم إلى القداسة المتجاوزة لدنس المواد المحسوسة و الجسمانية . و هؤلاء هم بمثابة ( مُعَلِّمين ) الآخرين ، للوصول إلى تلك الحالة المتاحة للإنسان ، عامة ، مما يجعلهم ، في النهاية ، منكرين لظاهرة النبوة ، عملياً .

 

 الملفت للنظر أن تلك الثنائية التي تقدمها المانوية في السماء (النور و الظلمة = الخير والشر) ، تجد لها انعكاسا في الارض بين (الروح والمادة ) ، و بالتالي في إنشاء ثنائيات لا حل لها بين الروح و الجسد، بين الفكر و الممارسة ، بين النظر والعمل ، إلا عبر حلول تقسيمية - هروبية إلى الأعلى ، من خلال نبذ المحسوس الجسدي و المادي، للوصول إلى ( الإله المتعالي ) . و هذا لا يتم عبر العمل الذي واسطته و موضوعه هما الجسد و المادة ، وإنما عبر التأمل و العرفان المتجه إلى الأعلى ، و ليس إلى الأسفل المتمثل في الأرض.

 

 

 اعتَبرت الأفلاطونية الحديثة في شكليها الشرقي ( فيلون الاسكندري\20ق م-50م\ +نومينيوس الأفامي\القرن الثاني الميلادي\ ) والغربي (أفلوطين)\ 204 - 269 م \ أن هناك تواصلا ( ما ) بين العالم العلوي و الأرضي ، و مَرَدُّ ذلك ما –صوره الكائن المتعالي في (العقل) الذي عكسه في ( النفس الكلية ) التي عكسته بدورها في( الطبيعة الكلية ) . والإنسان مركب من هاتين القوتين اللتان هما في حالة تضاد بين ما تمثله الأولى من عناصر خيرة ( = المحبة ) و ما تمثله الثانية من لذات حسية . لذلك فالإنسان تعبير جزئي عن الطبيعة و تعبير جزئي عن النفس التي تتوق إلى إعادة الإتحاد بالعقل وصولا إلى الكائن المتعالي : و الوجود البشري هو تعبير عن هذا الصراع المضطرم في داخل الإنسان و هذا حلّه لايتم إلا من خلال التغلب على الجانب الطبيعي في الإنسان ، و تحويل الجانب الروحاني من نفس جزئية إلى كلية (( مُعَادَةْ )) وصولا إلى المطلق .

 

 يلاحظ ،هنا،أن التوق إلى الله في حضارة (( ملغومة )) بكثير من العناصر المتناقضة و المتنافرة ، و المليئة بانتشار الملذات الحسية و انهيار العرف الذي كانت الأبيقورية التعبير الجلي عنه ، إضافة إلى حالات الاضطهاد السياسي العنيف الذي مارسه السلوقيون اعتباراً من أنطيوخوس أبيفانوس ( 187 - 164 ق.م ) ضد اليهود ، أثناء محاولة فرض الثقافة اليونانية التي تطورت إلى إحلال ( زيوس ) مكان ( يَهْوَهْ ) وإعلان أبيفانوس لربوبيته ، مما أدى إلى ثورة المكابيين عام ( 168 ق.م ) – قد ولد ميولا شديدة إلى الاتحاد بالمتعالي ، هربا من الأرضي ، مما جعل مشكلة ( المتوسطات ) المؤدية إليه ذات طابع ملح . كما جعل ذلك ، العقل مع محسوساته ، يتراجع إلى المكان الخلفي ، و أنشأ حالة من إنتظار ( المخلص ) . و ليس مصادفة في هذا المجال . أن تكون الإشارة الأولى إلى العالم الآخر في التوراة ، هي في سفره الاخير ، أي ( سفر المكابيين الثاني ) : حيث أن فقدان الأمل اليهودي في الأرض ، قد ولد حاجة للتعويض في ( الآخرة ) يتم فيها مكافأة الذات المؤمنة ، و معاقبة خصومها و مضطهديها،ولكن عبر المحاسبة بالآخرة على عمل العالم الحسي الذي يقوم به (المؤمن) ،وذاك الذي يقوم به(المخالف) لله .

إلا أن ما يميز التوحيد اليهودي عن الثنوية المانوية ،هو اعتباره العالم طريقا إلى الله , بكل ما يعنيه من مادة و محسوسات . ومن هنا تكون الإنتاجية والعمل , وبُعدهما المتمثل في السياسة التي تعني إقامة دولة الله على الأرض، هما الدين الحقيقي – وفقاً لليهودية وقبلها أيضاً التوحيد البابلي مع مردوخ- الذي يعني إتحادا بالله من خلال الأرض و السيطرة على الطبيعة و المادة ، و ليس هروبا منهما .

 

 لذلك فإن إبعاد الله عن الأرض ، و تنزيهه ، و إقامة ثنائية [= شرخ] صميمية بين المطلق ، كهدف للوجود ، و بين المادة ، كان يعني عبثية العمل و الحياة بوصف الأخيرة ممرا إلى معنى الوجود. الأمر الذي يعكس الطريق المسدود الذي ولدته الحضارة الهيلينيستية الخاضعة لسيطرة روما . و ربما في هذا المجال لم يكن بمقدور(آلهة الانتقام) أن تتيح للشرق فرصة الانتقام ، سوى في جعل تلك الأفلاطونية الحديثة هي الأيديولوجية المسيطرة على روما ، في القرون التالية ، مما أتاح تفجير الحضارة الرومانية و عجل في انهيارها عام ( 476 م ) .

 

 

 هنا، لم تستطع المسيحية تجاوز ذلك اليأس و التشاؤم الذي ساد الشرق بعد سقوطه على يدي أثينا و روما ، و الذي عبرت الأفلاطونية الحديثة بجلاء عنه ، رغم أن المسيح قد حاول تقديم حل خلاصي من هذا الوضع . و هي في هذا المجال ، قد أعطت حلا متقدما لمشكلة( المتوسطات ) المؤدية إلى ( المتعالي ) ، عبر تقديم الإله في صورة جسد طبيعي : فهي ديانة تتمحور حول (المتوسط) ، الذي هو(الإبن) ، وحول تحديد طبيعته ، هذه المشكلة الأخيرة التي على ضوء الإجابة عليها تحددت مضامين المذاهب المسيحية .

 

 إلا أن الأفلاطونية الحديثة و المسيحية قد مثلتا ، معا ، مزيجا من العناصر الشرقية و اليونانية ، و محاولة التوفيق بينهما ، إلا أن ذلك قد أدى إلى وقوعهما في ثنائية بين النظر والممارسة لا حل لها إلا بواسطة الهروب من الجسد و العمل و المادة .

 

 و هذا أدى على المدى البعيد ، إلى عدم قدرة أي من هاتين الأيديولوجيتين في أن تكون تعبيرا عن إحدى الحضارتين و لا عن كليهما معا ، الشيء الذي يفسر انقسام الأفلاطونية الحديثة بين شكلها الشرقي ( نومينيوس ) و الغربي ( أفلوطين )، و كذلك انقسام المسيحية بين تياريها الشرقي و الغربي ، وإن كان تعبيرها الغربي المركز على الثنائية ، أي الكاثوليكية البولسية المطعمة بعناصر مانوية جلبها القديس الجزائري أوغسطين ( 354- 435 او 430 م ) إليها ، قد استطاع أن يكون الأيديولوجية الرئيسية للغرب الأوروبي طوال العصور الوسطى 

التعليق على هذا المقال


سوزان ياسين (سوريا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter