السبت 4 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية


حادث طائرة

الثلثاء 27 نيسان (أبريل) 2010
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

 أعترفُ بأني من أولئكَ الأشخاص الذين عندهم خوفٌ مرضيّ (فوبيا) من السفر بالطائرة، ولكن حبي للسفر كثيراً ما يضطرني إلى وسيلة النقل هذه مُحتمِّلاً كل ذلك الخوف الكاسح الذي يُسيطر عليَّ قبل يومين من السفر وحتى نزولي من الطائرة "بسلام". لقد بدأ هذا الخوف منذ أول رحلة قمتُ بها إلى فرنسا منذ عدّة سنوات خَلَت ليتضاعف رُهابي وقلقي بعد مشاهدتي كل حلقات برنامج "التحقيق في حوادث الطيران" Air Crash Investigation الذي وجدتُه كاملاً بالانجليزية على الانترنت. كنتُ أُشاهد حلقات هذا البرنامج وأنا في قمة التوتر والإثارة مُستعرِضاً حوادث الطيران وأسبابها حتى تكوّن لدي (بالإضافة إلى الفوبيا) معرفةٌ لا بأس بها بتقنيات الإقلاع والهبوط وبأنواع الطائرات ومكونات كل منها والتحديثات التي أُضيفت عليها والحوادث التي وقعت في تاريخ الطيران وتلك التي لا يزال سببها مجهولاً ….الخ 

هكذا تكوَّن لدي انطباعٌ مُقلق بأنني سأقضي يوماً ما بحادث طائرة؛ وكلما كنتُ أركب هذا الصاروخ المنطلق والمحشوّ بالبشر، كنتُ أظلّ مشدوداً متوتراً طيلة ساعات السفر مُنتظراً الكارثة بين فينةٍ وأُخرى إلى أن تتوقف الطائرة نهائياً في المطار وأنزل منها غارساً قدميّ في الأرض "الثابتة". عندها فقط أتحولُ إلى شخصٍ نشيطٍ مليء بحبّ الحياة نازعاً قناع الموت الذي يتلبّسني كلّما ركبتُ الطائرة.

إذن كانت لدي قناعةٌ مُطلقةٌ بأنّ حتفي سيكون بسقوطي من السماء في اسطوانةٍ معدنية وارتطامي بالجبال أو تقطُّعي أشلاءً في البحر. كنتُ واثقاً من هذا، ولكني ما كنتُ أعلم أنني على موعدٍ مع حادث طائرة في الصيف الماضي أثناء عودتي من سورية إلى فرنسا.

كان صباح ذلك الخميس من شهر آب/ أوت 2009، صباحاً صيفياً جميلاً في دمشق، ولكنّ جماله ما كان ليخفّف عنّي توتّري وخشيتي من ركوب الطائرة. دخلتُ إلى المطار كمن يتوجّه نحو المقبرة وتقدّمتُ وأنا أُغالب قلقي وخوفي إلى قاعة وزن الأمتعة check-in. وقفتُ في الصفّ مُنتظراً دوري وواعداً نفسي أن أطلب من الموظفة، التي رأيتُ أنها كانت تقوم بعملية التوزين وتوزيع الأماكن على الركاب، ألا تجعل مقعدي بالقرب من إحدى النوافذ بل قريباً من أحد مخارج النجاة فقد علمتُ من برنامج "التحقيق في حوادث الطيران" أنّ نسبة النجاة تكون أكبر فيما لو جلس المسافر في الوسط أو قريباً من مخرج النجاة (فيما لو كان هناك نجاة) حين يندفع الركاب المذعورون بحثاً عن مخرجٍ من هذا الفرن الملتهب وذلك الجحيم المُشتعل.

 كُنتُ أُعِدُّ مأتمي بسرّيةٍ تامّة وأتحسَّر على شبابي الذي سيضيع بعد ساعات قليلة عندما نظرتُ فجأةً إلى يميني ورأيتها. لقد زال كلّ قلقي وتوجسي فجأةً عندما وجدتُ في الصف المجاور لصفي فتاةً تدفع عربةً عليها حقيبة سفرٍ كبيرة وحيدة. لا أعرف ماذا انتابني عندها، ولكنّ إحساسي بالموت المُنتَظر خلَّف مكانه سريعاً لفرحةٍ غامضة ولرغبةٍ عارمة ومشبوبة في الحديث إلى هذه الفتاة. 

تدافعت جملةٌ من الأسئلة الخاطفة في رأسي: ماذا سأقول لها وبأية لُغة؟ نعم، فلهذه الفتاة جمالٌ مُلتبَسٌ مجهولُ الأصل لا يُساعد أبداً على تحديد هويتها فتساءلتُ: أهي عربية أم أجنبية، أهي من البشر أم من الملائكة؟ كانت رغبة الحديث إليها تُلحُ عليّ فقرَّرتُ أن أتحدث إليها بالعربية أولاً وإذا لم تفهم فسأتحدث بالفرنسية أو بالانجليزية أو بلغة الإشارة لا يهمّ، المهمّ أن أتواصل معها بأيّ شكل. ولكن ماذا سأقول لها؟ خطر بذهني أن أطلب منها أن نقوم بوزن أمتعتنا معاً مُتعللاً بحملي وزناً زائداً (لم يكن ذلك صحيحاً) بينما لا تحمل هي سوى حقيبة سفر واحدة. استجمعتُ شجاعتي وتوجهتُ نحوها بالكلام:

ـ صباح الخير.

ـ أهلاً صباح النور.

كانت لهجتها تؤكِّد أنها سوريّة مثلي بينما فضحت رنّة صوتها وأسارير وجهها رغبتها بالكلام مما شجّعني على المضيّ قُدُماً فسألتها: 

ـ آسف، ولكن هل لي أن أسأل ما إذا كانت هذه الحقيبة الوحيدة هي كل أمتعتكِ؟

ـ نعم ليس معي غيرها.

ـ أتساءل إذن إذا ما كان من المُمكن أن نقوم بالتوزين معاً فأنا لديّ وزنٌ زائد؟

ـ نعم ولم لا، ولكن أظن أنني أحمل وزناً زائداً أنا أيضاً.

ـ نعم …..، أتفهّم هذا.

ساد صمتٌ قصيرٌ قبل أن أُتابع أسئلتي.

ـ أتمنى ألا أكون فضولياً جدّاً، ولكن هل لي أن أسأل ما إذا كنتِ مُسافرة إلى فرنسا؟ أقصد هل فرنسا هي وجهتكِ الأخيرة أم هي مُجرَّد محطة ترانزيت ثم تواصلين السفر بعدها؟

ـ لا. فرنسا هي وجهتي فأنا أُقيم فيها حالياً.

ـ وتسكنين في باريس؟

ـ هذا صحيح.

ـ وأظنّ أنّكِ طالبة ؟

ـ نعم، فأنا أُحضِّر للدكتوراه.

بهذه الكلمات كان دورنا قد حان لتوزين الأمتعة وكان عليَّ حينها أن أتصرف كشابٍ لبقٍ بأن أحمل حقيبتها (التي قصمت ظهري) وأضعها على الميزان. تم الأمر بسرعة فأخذَتْ رقم مقعدها ثم قالت لي مودعةً:

ـ إلى اللقاء إذن. أتمنّى لكَ سفراً سعيداً.

ـ …………

وضعتُ حقيبتَيَّ الاثنتين على الميزان وأنا أشعر بخيبة أملٍ رهيبة، أهكذا سينتهي الموضوع إذن؟ نظرتُ عندها إلى الموظفة وبدلاً من أن أرجوها أن تجد لي مقعداً بالقرب من مخرج النجاة، وجدتني أقول لها:

ـ عفوأ، ولكن هل تعرفين أننا نُسافر معاً أنا والصبية التي ذهبت للتوّ؟

ـ لا، لم أكن أعرف.

قلتُ لها مُتلهّفاً:

ـ إذن لن أكون بجانبها في الطائرة؟

قالت لي:

ـ لا، فقد وضعتُها في مقعدٍ كان فارغاً بجانب شخصين آخرين.

قلتُ لها مُحطَّماً:

ـ وماذا أفعلُ أنا الآن؟ لقد خربتِ لي بيتي يا سيدتي.

افترَّ ثغرها عندها عن ابتسامةٍ ماكرة وبغمزة عينٍ متواطئة قالت لي:

ـ معكَ دقيقتان إذا أستطعتَ أن تُعيد لي بطاقتها فسأضعك بجانبها. تِكرم عينك.

عادت الحياة لتدبّ في أوصالي وانبريتُ مُسرعاً إلى فتاتي التي كانت عندها تدفع رسم الخروج وقلتُ لها لاهثاً:

ـ عُذراً، ولكن هل يمكن أن تأتي لتغيير رقم المقعد على اﻟ boarding card ؟

ـ عفواً لم أفهم عليك. هل تقصد أنّ هناك خطأً ما في الرقم؟

استغليتُ سوء الفهم الحاصل بأن قُلت:

ـ نعم هناك خطأٌ كبير يجب تلافيه بسرعة ووضع الأمور في سياقها الصحيح.

عُدتُ ببطاقتها منتصراً كما لو كانت البطاقة الفائزة بجائزة اليانصيب الكبرى وأعطيتها للموظفة التي قالت لي مُبتسمة:

ـ حسناً. أتمنّى لكَ إذن حظاً طيباً معها.

ـ شكراً لكِ ولن أنسى يوماً ما فعلتِ.

ـ سفراً سعيداً.

ـ إلى اللقاء.

عُدت إلى أدوليسينتي التي كانت تنتظر على مسافة قريبة وقلتُ لها:

ـ لقد عُدِّلَ الخطأ أخيراً وتصحّح مجرى الأحداث.

ما حدث بعد ذلك كان مُكثَّفاً وعذباً إلى درجةٍ يصعبُ وصفها. ففي حين كنتُ أتضايقُ في السابق من تأخُّر رحلات السورية للطيران عن موعد إقلاعها الأمر الذي كان يزيد من توتري وقلقي وعصبيتي، إلا أنني تمنيتُ يومها لو تتأخر الرحلة كثيراً، بل ما كان ليزعجني أبداً لو توقفت ساعات العالم مرَّةً واحدة أو لو أمضيتُ ما تبقى من حياتي في المطار. أعلنوا بعدها في مُكبرات الصوت عن تغيير بوابة المغادرة واعتذروا عن التأخير الناجم عن ذلك فقلتُ لهم في نفسي: لا داعي للاعتذار بل شكراً لكم على ما تفعلون مِن أجلي وأحسستُ بتواطئ كل الظروف معي. لا أعرف كم من الوقت بقينا معاً في المطار أتأمّل فتنتها وتتأمّل اضطرابي. صعدتُ إلى الطائرة بقدمٍ ثابتة غير آبهٍ بالحياة والموت، ومع أنّ فكرة الموت كانت قد خطرتْ بذهني سريعاً إلا أنني استعذبتُ هذه الفكرة حينها. انفتحت قريحتي على الكلام ونحن فوق الغيوم ولا أعرف كيف عادت إلى ذاكرتي كلّ أشعار الغزل وكيف جرى على لساني كل ذلك الكلام الرقيق (يبدو أن العشق في السماء يُقرِّبنا من الآلهة ويجعلنا أكثر خفّة وأرهف وأرقّ وأكثر شاعرية ورومانسية).

في جميع رحلاتي السابقة، كنتُ أشعرُ أن نهايتي المنتظرة قد أزفت مع كُل اهتزازٍ بسيطٍ في الطائرة، إلا أنّ تلك الاهتزازات يومها كانتُ تزيدُ من خفق قلبي وجيشان مشاعري. في كل أسفاري السابقة، كانت رحلات الطائرة تستغرق سنواتٍ ضوئية أعيش فيها في عالم الأموات مترقِّباً الكارثة، لكن في تلك الرحلة لعنتُ الطائرات وتطوُّر وسائل النقل السريعة التي تقطع المسافة بسرعة البرق وتأسّفتُ على أسفار القوافل ورحلات الشتاء والصيف مُردِّداً في نفسي قبل الهبوط : "لا حملت رجلاك يا جَملُ". 


فقط قبيل أن تحُطَّ الطائرة في المطار تذكّرتُ أننا لم نتبادل أرقام الهواتف وحين طلبتُ منها ذلك رفضت وقالت لي:

ـ علينا أن ننسَى لقاءنا هذا بمجرد هبوط الطائرة.

ـ عفواً، ولكن هل بدر مني شيءٌ أزعجكِ؟

ـ لا، على العكس، ولكن يجب أن تتوقف الأمور هنا قبل أن تتطوّر فنحن من طائفتين دينيتين مختلفتين.

نزلت عبارتها الأخيرة عليّ نزول الصاعقة وتساءلت في نفسي ماذا تقصد بذلك.

ـ عفواً لم أفهم عليكِ، هلَّا وضَّحتِ أكثر!

ـ أنا لا أستطيعُ أن أُقيم علاقة مهما كان شكلها مع شخصٍ لا ينتمي لنفس الطائفة التي أنتمي إليها.

ـ عفواً، ولكنني شخصٌ عَلمانيّ ليس لي انتماءٌ دينيّ ولا أتحدد بهويةٍ دينية كائنةً ما كانت، وهذا لا يعني أنني لا أحترم معتقدات الناس أو إيمانهم، ثم كيف عرفتِ إلى أي دينٍ أنتمي؟

ابتسمت وقالت لي:

ـ وكأنك لستَ سوريّ! ألا تعرف أنه يكفي عندنا أن تسأل الشخص عن مدينته حتى تعرف بسهولة إلى أي مذهبٍ ديني أو طائفةٍ ينتمي؟

شعرتُ للحظات بثقل الجو، بل وبالاختناق وتساءلتُ في نفسي هل نتوجه نحن حقاً إلى باريس أم إلى أفغانستان؟ كدتُ أن أتوجه إليها بالسؤال عما تفعل إذن في بلدٍ "كافرٍ" كفرنسا وما هي طبيعة تلك "الدكتوراه" التي تُحضِّرها؟ وكيف تفهم البحث العلميّ؟ ولكنني عدلتُ عن ذلك عندما تذكرت أنها ليست الوحيدة في ذلك، بل هي حال معظم طلابنا. مرَّت في ذهني بعض الأمثلة مثل شريط السينما فتذكرتُ ذلك الزميل "الدكتور" الذي كان يعاشر فرنسية رفض الارتباط بها لأنها "عاهرة" حسب وصفه بينما سيعود إلى الوطن ليبحث لنفسه عن زوجة "صالحة" "عفيفة" "طاهرة" لم تلمسها يد رجلٍ قبله. عادت إلى ذهني ذهنية ذلك الطبيب الذي جاء ليكمل اختصاصه في باريس مصطحباً معه زوجته المحتجبة والتي كان يقفل عليها باب البيت ويأخذ المفتاح عند ذهابه إلى المَخبر. عاد إليّ كلام الطالبتين اللتين تفتخران بأن الدكتوراه العلمية التي تحضرانها لم تمنعهما من هداية بعض الفرنسيين إلى الإسلام وتعليمهم القرآن والصلاة في إحدى المدارس الدينيّة في إحدى مدن الجنوب الفرنسية. عادت لتطرُّق رأسي تلك الإميلات اليومية والمُكرّرة والتي تصلنا عبر آلاف الطرق من قبل أولئك الذين سيعودون بعد سنوات "أساتذة جامعات" والتي تؤكّد لك أنك ستذهب إلى الجنة إذا ما ردَّدت هذه الآية أربعين مرة قبل النوم وأرسلتها إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص.

تذكرت في لحظة إشراق رفاعة الطهطاوي الذي جاء إلى فرنسا عام 1826 كإمام للبعثة العلمية التي أرسلها محمد علي، كيف عاد إلى مصر مثقفاً مُستنيراً مُعجباً بحداثة الآخر وانفتاح حضارته مدوناً آراءه تلك في كتابٍ "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" الذي يعد أحد أهم بواكير إنتاجات النهضة العربية. وقد كان من العبث مقارنة الطهطاوي بحشود الطلبة والأساتذة التي تعجّ بهم جامعاتنا، بل والموفدين إلى جامعات الغرب. تساءلتُ بألم عن حالة التعليم العربي وكيفية فرز الطلبة والكادر التدريسي مُردِّداً في نفسي: يبدو أن هناك أشخاصاً محصنّين ضدّ المدنية والحضارة وإن لديهم مناعة تقيهم شر الانفتاح والتطوُّر وتمنحهم القدرة على مواجهة كل قبس نور يمكن أن يهدد تعصبهم وانغلاقهم. تساءلت عن ثقافة التلقين والأدلجة والتجهيل التي تمتاز بها جامعاتنا التي تحولت إلى جوامع بسبب مثل هذه الذهنيات المصمتة لكثيرٍ من أساتذة الجامعات بما فيهم أولئك الذين درسوا في جامعات الغرب "الكافر" والذين لم يجدوا أمام حداثة الآخر سوى الانغلاق أكثر والإنكفاء على الذات والتمسك بالأصول والانتماءات الضيقة.

لقد أعادتني كلمات جارتي في مقعد الطائرة إلى الأرض لأكتشف مرّةً جديدة أنني أعيش داخل أفكاري وأنسى الواقع. لقد سقطُّ حينها سقوطاً حُرّاً من سماء الفكر لأرتطم بأوحال الواقع مُتذكِّراً بألم واقعنا المرير والجدران المُصمتة والعالية القائمة بين الانتماءات المذهبية والإثنية والعشائريّة في سوريا والتي يسهر الجميع على حراستها وتدعيمها بما فيهم أساتذة الجامعات والطلبة "أمل المستقبل". تذكَّرتُ كيف صرنا في مقدمة الدول التي تقع فيها جرائم "الشرف" وحقيقة استحالة الزواج بين الطوائف في سوريا وكيف يمعن المُشرِّع السوري في التأكيد على الهويات الدينية وتثبيتها والمفاضلة بينها. كنتُ أقترب أكثر فأكثر من الواقع الهزلي مع اقتراب الطائرة من مدرج الهبوط وهنا لمعت في ذاكرتي تلك الحادثة المُضحكة المُبكية التي حصلت معي في صباي؛ فتذكّرتُ نفسي وأنا أسير مع أحد أصدقائي عندما شاهدنا رجلاً تجاوز عقده السادس يجري وراء دجاجةٍ مذعورة رامياً إياها بكل ما وقعت عليه يده من حصىً وعصي وعلب فارغة ناعتاً إياها بالعاهرة والقحبة والكلبة والزانية. كان حقد الرجل على تلك الدجاجة المسكينة أمراً مُثيراً للفضول فلم أستطع منع نفسي من الاقتراب منه وسؤاله عن سبب جنونه الغريب:

ـ يا عم ماذا فعلتْ هذه الدجاجة حتى تستحق منك كل هذا؟

فقال لي دون أن ينظر في عينيّ:

ـ تلك القحبة. أقلةُ ديوكٍ عندنا حتى تذهب إلى ديك ذلك المسيحي الكافر؟!!!

يبدو أن التعصب قد تجاوز عندنا نطاق البشر ليفرض قوانينه على الحيوانات العاشقة. أوليس علينا بدلاً من ذلك أن نتعلّم من الحيوانات أن الطبيعة قد ساوت بيننا؟

حطت الطائرة "بسلام" في مطار أورلي وأخذ المسافرون يستعدون للنزول، بمن فيهم جارتي في المقعد، بينما كنتُ أواجه أنا حادث الطائرة ذاك مُلملماً أفكاري المُتناثرة هنا وهناك ومحاولاً إطفاء الحرائق التي اشتعلت في رأسي. لملمتُ نفسي على عجل وتعجلتُ النزول قبل جميع الركاب الذين لم يتفهموا سؤالي الغريب لهم عن أقرب مخرجٍ للنجاة…
 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

باريس - احسان محمود
27 نيسان (أبريل) 2010 02:39

ممتعة جدا ووصف رتيب بطريقة تشدك الى المتابعة والسؤال ماذا بعد ،ولكن ان كانت حوادث الطيران من هذا الطراز فالتجربة مغرية, اتمنى لك حادث اجتماعيا جميلا قريبا


الرد على التعليق

- يزن شقير
27 نيسان (أبريل) 2010 11:09

في منهى الروعة والأثارة كنا معك على متن طائرتك ..وأعجبنا بتلك الفتاة معك .. وشعرنا بنفس التقزز الذي أصابك ..وأسرعنا معك لأول مخرج من هذه الطائرة


الرد على التعليق

دمشق - حسان المصري
27 نيسان (أبريل) 2010 22:58

أشكر الكاتب على نقل هذه التجربة الشخصية ضمن قالب فكري متفلسف ومتلون بنظرة شعرية حالمة، لماذا حالمة لأنه تحمل في طياتها مقياس عام لا ضوابط له سوى تجربة الكاتب الخاصة، وسأثبت لك ذلك. كما أنني لا أستطيع القول بأن المجتمع السوري مجتمع منفتح لكون زوجتي تنتمي لطائفة مختلفة عن طائفتي، فإنك ياسيدي تجانب الصواب في تعميمك المذكور في مقالتك، وكون صديق لك عائد من إيفاده للبحث عن فتاة لم يقبل فمها سوى أمها فيمكنني عرض أمثلة تدحض هذه التجربة الشخصية. تبني الجانب العلماني في نقد ظواهر دينية لا يخفي أبدا نوافذ ايديولوجية لا تقل تحجرا عن تلك الدينية التي تنقدها. على فكرة قبل أن تصف المجتمع الفرنسي بالكافر أدعوك لزيارة بعض الكنائس حيث تسكن فسوف تجد الكثيرين لا يقلون تعنتا وتشبثا بدينهم ورجاء للرب يسوع بشفاء مرضاهم.


الرد على التعليق

أبوظبي / طرطوس - أحمد عزيز الحسين
27 نيسان (أبريل) 2010 23:25

يكشف المقال عن مفارقة بين شخصين : يعيش أحدهما في الواقع ، ويعبر عن قوانينه الموضوعية وعاداته الراسخة المتجذرة ، ويتعامل مع " باريس" على أنها مكان مؤقت وانتقالي لا تأثير لفضائها الحضاري عليه ، وهو منغرس في بيئته الأساسية ، ومشدود إليها ، ويكاد يكون عصياً على التغيير ، وقد التبس الأمر على ( الآخر ) فتعامل معه على أنه الحلم المشتهى والمأمول ، وأسبغ عليه من مشاعره وأحاسيسه ما ليس فيه ، ومنحه صفات لا يتخلق بها ، ثم تكشَّف له من خلال التواصل معه أنه ينتمي إلى عالم آخر ، ويتحلى بمعرفة تقليدية وانتماء إلى مثل عليا محددة ، وكان الفراق أمراً طبيعياً يتماشى مع انتماء الاثنين إلى عالمين متغايرين : أحدهما بطركي ( تقليدي ) والثاني علماني وعقلاني ( متحضر ). وفي ظني أن الشخص الأول ( وهو الفتاة ) منسجم مع عالمه المغلق الذي يعيش فيه ، و يتصرف وفق ما يمليه عليه عالمه وانتماؤه الاجتماعي والديني والفكري ، وليس في تصرفه ما يشي بالتناقض ، لأن معتقداته الدينية تفضي به إلى أن يتزوج من شريحته ، وهو يعبر في اختياره عن واقع موضوعي قائم في سوريا وفي غيرها ، وعن اندماجه في هذا الواقع وتمثله له وتماهيه فيه ، ويؤكد من خلال اختياره هذا أن دراسته في فرنسا لم تثمر عن تحول في شخصيته وعن تأثره بما قرأ من الكتب ، أو خالط من البشر كما حدث مع الطهطاوي ، وقد يكون نمط حياته في باريس يفضي إلى ذلك ، أو قد تكون الآلية التي يعيش بها في فضائه الاجتماعي الجديد ، أو الطريقة التي يتعامل بها مع هذا الفضاء توصله إلى مثل هذا التصرف ، فما أكثر الطلاب الذين يقصدون أوروبا للدراسة ، ويعودون منها إلى بلدانهم الأصلية أكثر تطرفاً وانغلاقاً مما كانوا عليه من قبل ( سيد قطب نموذجاً ) . وفي ظني أنا ما حصل بين الراوي والفتاة ( أو بين الكاتب والمسافرة ) أمر طبيعي يتماشى مع شخصيتي كل منهما ، كما قلت ، ويشي بفروق قائمة بين عالمين متباينين على كل المستويات ؛ ولذلك لا أجد مسوغاً لدهشة الراوي ( أو الكاتب ) مما حصل ، فالفتاة تعبر من خلال رفضها إقامة علاقة معه ، أو الزواج به في المستقبل ، عن تصور اجتماعي راسخ متجذر في البلد الذي تنتمي إليه ، والمحافظة التي تعيش فيها ، ويبدو تصرفها منبثقاً عن وعي أكثر تعبيرًا عن الواقع وتلاؤماً معه من التصور النظري الذي يملكه الراوي ( أو الكاتب ) ، بل يبدو أن الفتاة تضع رجليها في العالم الموضوعي بينما يحلق صاحبنا ( الراوي / الكاتب ) في عالم المتخيل ، ويهجس بأحلام ليس لها ركائز راسخة في الواقع الموضوعي . المقال تعبير عن انكسار حلم وهشاشة مجتمع لم يقيض له أن يدخل إلى عالم الحداثة ومثال دال على أن المسافة بينه وبين هذا العالم تزداد نأياً وبعداً بفعل عوامل عديدة لا يسمح المقام بالتطرق لها في هذا الحيز على أهميتها .


الرد على التعليق

  • باريس - خلدون النبواني
    28 نيسان (أبريل) 2010 07:35

    أشكر جميع الأخوة الكرام الذين تفضلوا بقراءة هذا النص والتعليق عليه بملاحظاتهم الهامة. أقول للسيّد حسان المصري أن العلمانية ليست ضد الإيمان ولا حتى ضد الدين بما هو في ذاته، بل هي بأحد المعاني صونٌ له وذلك بتحديد مدى تدخله في الشؤون المدنية. لستُ شخصياً ضد إيمان أحد وقد سبق أن كتبتُ على هذا الموقع مراراً وتكراراً دفاعاً عن التعدُّد والاختلاف في كل شيء بما في ذلك الاختلاف المذهبي والطائفيّ، ولكنني ضد الانغلاق والتعصُّب ورفض الآخر واعتباره الجحيم لأنه لا ينتمي للفرقة الناجية. لحسن الحظ ليست سورية في حربٍ أهلية بعد، ولكن ألا تتفق معي أننا نعيش في هذا البلد بجانب بعضنا البعض وليس مع بعضنا البعض؟ ألا ترى معي أن مجتمعاتنا صارت مجموعة من الدوائر المغلقة والمتراصفة تراصفاً بدون أي تداخل بعد أن أوصدت أبوابها ضد المختلف والآخر؟ كلنا في سورية يعرف شبه استحالة الزواج بين الطوائف في سورية والعذاب الذي يتعرَّض له العشاق الذين "ينتمون" إلى طوائف دينيّة مختلفة والعقوبات الاجتماعية التي تُفرَض على من يتجوز من غير طائفته والتي تصل أحياناً حدود القتل عند بعض تلك الطوائف كالدروز أحياناً بينما لا تساعد نصوص التشريع الحالية إلا في تبرير هذه الجرائم والمصادقة عليها. طلبتَ مني أن أزور بعض الكنائس في فرنسا لأعرف أنهم مؤمنون بالمسيح وبالخوارق وبالمعجزات. أعرف هذا يا سيدي وأحترم إيمانهم كما أحترم إيمان وإلحاد الجميع، ولكنكَ تطلب مني أن أذهب إلى الكنيسة (وهو مكان عبادة كالجامع) ولم تسألني كيف ينظر الناس إلا بعضهم خارج إطار الكنيسة الضيق والمحصور على فئاتٍ محدّدة وكيف يصون القانون حقوق الجميع ولا يفاضل بين الناس نتيجةً لانتمائهم الدينيّ أو العائليّ. المشكلة التي وددتُ الإشارة إليها هي أنه حتى جامعاتنا لا تمارس أي وعي نقديّ ضد هذه الظواهر المقلقة والمتزايدة في مجتمعاتنا، بل هي إن لم تؤكدها فهي تغض الطرف عنها. الأستاذ المحترم أحمد عزيز الحسين وددتُ منذ زمن أن أشكرك على اهتمامك الدائم بما أكتب وها هي الفرصة قد حانت لأن أفعل ذلك وإن كانت متأخرة فشكراً لك وعذراً منك. لا شك أن موقف (المُسافرة) هو موقف الشخص الواقعي المنسجم مع المجتمع الذي كوّنه وليس في التزامه بقيم مجتمعه ما يشي بالتناقض أو الدهشة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه عليّ دائماً هو: هل يجب علينا أن نتكيف دائماً مع الواقع الذي نعيش فيه أم أن نتمرّد عليه بمحاولة فضح إكراهاته واستعباده؟ أوافق معك يا سيديّ أنني شخصٌ حالم أرفض جلافة الواقع وعناده وأحلم بواقعٍ أفضل أرى أن الطريق لا يقود إليه إلا عبر النقد وعبر التمسك بالحلم والأمل فإذا كان الواقع بمثل هذا العناد فلا تصادروا علينا أبداً يا سيدي حقنا بأن نحلم وأن نأمل وأن نعمل من أجل مستقبل أفضل للجميع. مع خالص الود.


    الرد على التعليق

    • - عمار الليثي
      28 نيسان (أبريل) 2010 14:55

      لم أكن اعرف أن للاستاذ النبواني هذا النفس القصصي و حتى الشعري الشفيف ، ما أجمل أن يجتمع عمق الفكر إلى رقة التعبير، تحياتي للأستاذ خلدون.


      الرد على التعليق

    • أبوظبي / طرطوس - أحمد عزيز الحسين
      28 نيسان (أبريل) 2010 22:04

      الأستاذ الكريم خلدون النبواني ، يسعدني أن تحظى تعليقاتي باهتمامك ، وأرجو أن تعلم بأنني تعاملت مع "مقالك " بوصفه نصاً أدبياً لا وثيقة شخصية وحسب ، وحاولت أن استنبط الدلالة المتجلية في متنه ومبناه معاً ، وأربطها بسياقها التاريخي لا أكثر ، محاولا تلمس الفرق بين عالم واقعي موضوعي يشدنا إلى الوراء ، وينأى بنا عن قيم " الحداثة " التي ننافح من أجلها جميعاً ، وعالم حالم ننشده دون أن نملك المقدرة على موضعته في الفضاء الاجتماعي الذي نعيش فيه . وقد أضيف هنا أن ( السارد) ، في النص ، لم يتخذ الموقف الصحيح الذي يتماشى مع فكره ( العقلاني / العلماني ) الذي يسوِّغ ما يراه ويسمعه ، ويربطه بسياقه ، ويبحث له عن علته الكامنة ؛ إذ اكتفى بالهرب من مواجهة المشكلة التي صادفته ، وبحث عن أقرب مخرج لذلك ، دون أن يدرك أن موقف الفتاة نتاج ظرف تاريخي ليست طرفاً فاعلاً في إنتاجه . إنها تتبنى قيماً اجتماعية محددة ليس لها دور في صياغتها وتشكيلها وهيمنتها ، وتنافح عن مجتمع قروسطي دون أن تدرك خطورته على ذاتها كإنسانة ، وهي لا تتحدث في المقال بلسانها هي ، وإنما تتحدث بلسان الشريحة الاجتماعية التي تنتمي إليها ؛ فالفتاة لا تعبر عن قيمها هي ، ولا تتكلم بلسانها هي بقدْر ما تتكلم بلسان ( الآخر ) الذي تتبنى قيمه و أفكاره ومعتقداته الدينية . إن ( ذاتها ) محجوبة في المقال . ولعلك لاحظت أن صياغة المتن ألغت صوتها إلى حد كبير ، واكتفت بإفراد مساحة نصية أكبر للسارد ( أو الكاتب إذا شئت ) ، وأتاحت له أن يتقدم بنطقه وأفكاره ، وما سمعناه ، و قرأناه عنها ، قدِّم ، في الغالب ، من وجهة نظر السارد ( الكاتب ) لا من وجهة نظرها هي ، ولا بلسانها هي . والفتاة كما أرى لا تتحمل نتيجة ما حصل ، ولا ينبغي أن تترك في مواجهة الشريحة التي تجثم فوق صدرها ، وتمنعها من تحقيق ذاتها بالطريقة التي تريد . إن الفتاة ضحية في هذا المقام لا حرة في رأيي ، وكان ينبغي على ( السارد / الكاتب ) أن يصبر عليها ، ويتفهم موقفها ، ويدرك عمق الأزمة التي تعيش فيها دون وعي بها ، ويأخذ بيدها لتستطيع التخلص من عقابيل الشريحة الاجتماعية التي تمسك بخناقها وتمنعها من اختيار الحياة التي تريد ؛ ذلك أنها لا تستطيع أن تغادر موقعها الفكري والاجتماعي القديم ، وتنضم إليه بالسرعة التي طلبها أو افترضها ، فهي نتاج ظرف تاريخي معين ، كما تعلم ، وابنة مخلصة لما سماه مهدي عامل بـ " نمط الإنتاج الكولونيالي " ، وما سماه آخرون " مجتمع ما قبل الحداثة " ، ولذلك من الطبيعي أن تعتذر عن الزواج به معللة ذلك بأنه من طائفة غير طائفتها . وما قالته الفتاة للسارد ( الكاتب ) مقبول منها بوصفها ضحية ومزيفة الوعي ( بالمعنى الذي استخدمه محمود أمين العالم في كتابه الوعي والوعي الزائف في الفكر العبري المعاصر ) . إن ما طالبته في تعليقي السابق لا يتعدى الرغبة في تفهم موقف الفتاة ووضعه في سياقه ، والنظر إليه بوصفه نتاجا لمرحلة تاريخية محددة لا في تاريخ سورية وحدها بل في تاريخ الوطن العربي كله . وأعرف علمانيين وعقلانيين ، يا سيدي ، يحرصون ، كما فعلت الفتاة ، على الزواج من دينهم وطائفتهم وعشيرتهم أيضاً مع أنهم يرفعون شعارات تتناقض مع ذلك . أنا معك في أن النقد هو خطوة مهمة لتغيير واقعنا العنيد والمتكلس والعصي على التغيير ، ولكن كيف السبيل إلى ذلك ضمن ما هو قائم من قوانين موضوعية ؟ هذا هو السؤال . مع خالص شكري وتقديري


      الرد على التعليق

باريس - موفد سوري
28 نيسان (أبريل) 2010 14:49

بالفعل إن قراءة هذه القصة ممتعة وتحمل الكثير من الأفكار والرؤى الفلسفية ولكن بعد قرأت تعليق السيد أحمد حسين العزيز لم أجد ما أكتبه، فقد عبر عما فكرت به بأسلوب أكثر دقة ومنطقية. لكن سأحاول أن أعرض وجهة نظري بأسلوب مختلف قليلا. إذا افترضنا بأن هذه القصة تعبر عن تأملات بعيدة عن الواقع وذلك بهدف صياغة بعضا من أفكار الكاتب ضمن قالب قصصي، فإن هذه الأفكار الناقدة وصلت ونحن على قناعة بموضوعيتها نسبيا، فوضع الجامعات السورية في حالة يرثى لها، من المناهج المكررة والتي جار عليها الزمن إلى الأساتذة المتعبة عقولهم في التفكير بالكراسي وبالراتب الشهري. لكن أود الإشارة إلى أن الكاتب، على ما أظن، خريج إحدى الجامعات السورية، وإسهاماته عبر هذا الموقع تدل على أن إحدى غراس الجامعات السورية قد بدأت بالعطاء الفكري الذي ترعرع ضمن سياج تلك الجامعة. لا أعتقد أن خيال الكاتب خصب لدرجة أنه يتمنى أن يكون كل خرجي الجامعات السورية بمستواه التأملي ونقده اللاذع. فيما يخص المعيد الموفد، حامل الخطيئة الأصلية والمتهم باستمرار بأنه سطحي، متحجر الفكر، سجين تقاليده وأوهام قبيلته، المستفيد من المال العام الخ، أقول للقارئ العربي، لأن ما سأقوله يعرفه الكاتب، الفساد في المؤسسات الحكومية في سورية واضح ولا غبار عليه، لكن المسابقة الوحيدة التي لا يتدخل بتفاصيلها ذوو النفوذ هي مسابقة المعيدية، إذ يتم اختيار الطلاب بناء على معيار العلامات والعمر. وأريد الإضافة بأنه يوجد أكثر من ألف طالب حاليا في فرنسا، جميعهم يتجاوزن الدراسة بمعدلات منافسة للطلاب الفرنسيين وهذا دليل إما على اجتهاد الموفد السوري وقدرته على حمل العبء الملقى على عاتقه أو دليل على تحجر المناهج الفرنسية مثل مثيلاتها السورية. القدرة على الانفتاح وتقبل الأخر بوصفه مختلف لا يدرس في الجامعات وإنما يتم اكتسابه منذ الصغر، تنقد الموفد السوري الغير قادر على تقبل المختلف وكأنك تعتقد بأن الطالب فرنسي قادر بكثير من رحابة الصدر على تقبل الأخر، معظم الفرنسيين يتقنون الابتسامة العابرة للحدود ولكن فقط الابتسامة ليس أكثر. انتقل الآن للفرضية الثانية والتي هي أن قصة الكاتب واقعية وحدثت بالفعل في زمان ومكان ما. لفت نظري عدة نقاط، أولا الخوف من حدوث عطل في الطائرة خوف واقعي يتجسد لدى غالبية المسافرين والدليل أنهم يصفقون عند هبوط الطائرة، لكن يبدو لي أن الكاتب تحرر كثيرا من واقيته واهبا إياها لتلك الفتاة التي لم تشعر للحظة واحدة بأنها تقترب من الإلهة بل كانت أكثر واقعية ومادية من الكاتب. يبدو أنها تعرف نفسها بنفسها، وأن كلمات الشعر العذبة والرومانسية التي تسمعها من هذا الشخص الغريب تشبه كثيرا أسلحة أمريكة التي حررت العراق من حاكم جائر ومن بعث متحجر لكنها لم ولن تحرر شعب العراق من الصراع السني الشيعي والذي انتقل لمفاصل السلطة السياسية وكيفية تشكيل الحكومة. لفتاة ذات خبرة بواقعها خير من فيلسوف حائر ناقد بعيد عن الواقع الذي أنتجه وأنتج بنيته الشخصية بما تحمله من تناقضات وتوازنات. ثانيا يوجد في القصة حلقة ضائعة، وهنا للقارئ الحق بصياغة فرضيات لكي يجد هذه الحلقة، فما الذي يجعل فتاة ترفض تبادل أرقام الهواتف والتذكير بالاختلاف الطائفي، فإن طلب رقم هاتف لا يعني أبدا طلب يد الفتاة……. يبدو لي أن الكاتب قد بالغ كثيرا في أشعاره وكلماته الرقيقة لدرجة أن هذه المعيدة كشفت أحلامه المضمرة فأرادت أن تصفعه بكلمات توقظه من حلم وردي جميل. نحن المعيدون مهندسون وأطباء نسعى دائما للبناء، مثل تلك الطائرة التي تحملك بأمان في كل مرة، وأنتم الفلاسفة لا تكفون عن النقد الهادم والغير مجد.


الرد على التعليق

  • - عمار
    28 نيسان (أبريل) 2010 20:16

    "غير المجدي" سيدي الذي يبني و غيره يهدم، و ليس "الغير مجد"، أما ما تبقى من التعليق، فبدون تعليق. تحياتي


    الرد على التعليق

Irak - الحسن البصري
28 نيسان (أبريل) 2010 21:15

وأنا أقرأ (حادث طائرة) وقع حادث اطلاق نار بالقرب من داري , عليه خرجت الى حديقة منزلي لاستطلع الامر من بعيد ,عدت للقراءة مرة اخرى ,وتجدد اطلاق النار وبكثافة هذه المرة ,هذه المرة تعذر علي الخروج ,بسبب اقتراب الاطلاقات من مسكني .وعليه عدت للقراءة من جديد ايضا لاتابع الطائرة والعلاقة المستجدة والنتيجة ,ولكن زوجتي الحجية لم تمهلني وتتركني اتابع القراءة , وانا اعرف انها تعاني الوحدة والوحشة عندما اعمل على حاسوبي ,لذلك أطعت صيحتها بي لاترك القراءة مرة اخرى وأصغي لها بانتباه ,أرادتني أن أخرج للشارع لتعرف أسباب الاطلاقات النارية ,أطعتها وخرجت ثم استفسرت من بعض الشباب المتواجد في الشارع عن سبب تلك الاطلاقات وقد تقدم احدهم مني ليقول لي بصوت منخفض ..انه مجرد انذار ل(س) من الناس وتحذيره من التقدم لخطبة (ص)لان الاثنين من طائفتين مختلفتين .عليه لعنت أمة الاسلام وما جنته على مجتمعاتنا , عدت لاكمل قراءة حادث الطائرة وأكتب عما جرى . شكرا للاسلوب الشيق والجميل الذي أتحفنا به كاتب المقال وعليه أقول هذه أمة قد خلت من قبلها الامم .


الرد على التعليق

  • فاس - العابد عراقي
    29 نيسان (أبريل) 2010 01:03

    بغض النظر عن جمالية القص فإن المقال يزخر بالعبر .لقد خانني الإستيعاب بعد أن تحولت إلى عاشق بالوكالة لفتاة الحاكي. و لا يسعني إلا أن أردد مع نزار قباني متى يعلنون وفاة العرب و في أي مقبرة سيدفنون…. و قالوا بأن الهوى لا يليق بماض العرب و طهر العرب و إرث العرب فيا للعجب.


    الرد على التعليق

    • الدار البيضاء - المصطفى المغربي
      29 نيسان (أبريل) 2010 23:51

      هو السفر دائما مفتوح على كل المفاجآت،،،في عمقنا نخاف من المفاجأة و تبهرنا حين تتجلى أمامنا فاتنة كعذراء،،،آه أيها الرجل،،، كم يكفيك من مراكمة الخيبات لتعرف أنك منذور للمغامرة،،و أن المغامرة تبدأ من داتك قبل الأنثى،،،فهلا عرفت أن الأنثى هي منتوج إلهي محض،،، عليك بقتل الله كي تتم سفرك جنبها إلى كل الفضاءات،،،،،،


      الرد على التعليق

الدوحة - ضياء نوفل
25 أيار (مايو) 2010 10:25

أمتعني ما قرأت وأعجبني البناء السردي واللغة المحكمة كما عهدتها في كل كتابات خلدون السابقة. برأيي المتواضع، وبناء على تجربتي الشخصية، أن الفتاة كغيرها من أبناء الطبقة المثقفة والمرموقة في سوريا تنظر إلى الطوائف الأخرى (ولنكن صريحين هنا - الأقليات، وكذلك أبناء المحافظات التي سأدعوها مجازاً هنا بالفقيرة) ليس من منظور طائفي وديني بل هو منظور طبقي اجتماعي. فالفتاة تنظر إلى الأفراد من المجتمعات الأخرى على أنها من طبقة اجتماعية أخرى تفرض عليها التقاليد أن تتعامل معهم بحذر وتتجنب الانخراط معهم. وفي معرض طلبك منها نقل صداقتكما النشء خارج جدران الطائرة كان متوقعاً منها أن تقدم حجة حاسمة لك لتقطع عليك الطريق، وبالفعل آتت هذه الحجة مفعولها وتركتك لا تجد أمامك إلا أن تبحث عن مهرب للنجاة. كلنا يشعر بالذل عندما تمارس عليه تفرقة طائفية. أمنياتي لك بالتوفيق ولا تقلق أبداً، فأنا متأكد أنها هي حتماً الخاسرة هنا..


الرد على التعليق


Zeng Chuanxing (الصين)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter