الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > حجاب باتجاهين

حجاب باتجاهين

الخميس 15 أيار (مايو) 2008
بقلم: سامي العباس  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

(أورد المقري في" نفح الطيب" الجزء الثاني –ص-288 القصة التالية: قال ابن حزم في طوق الحمامة أنه مرّ يوما هو وابن عبد البر صاحب "الاستيعاب "بسكة الحطابين من مدينة اشبيلية..فلقيهما شاب حسن الوجه، فقال ابن حزم:هذه صورة حسنة، فقال ابن عبد البر:لم نر إلا الوجه. فلعل ما سترته الثياب ليس كذلك، فقال ابن حزم ارتجالا:

وذي عذل فيمن سباني حسنــــه…………. يطيل ملا مي في الهوى ويقول

أمن أجل وجه لاح لم تر غيره…………..ولم تدر كيف الجسم أنت عليل

فقلت له :أسرفت في اللوم فاتئد………….فعندي ردّ لو أشاء طويل

ألم تر أني ظاهريّ وأنني…………..على ما أرى حتى يقوم دليل

يقول الدكتور الطاهر أحمد مكي، محقق كتاب "طوق الحمامة" للإمام الفقيه ابن حزم الأندلسي – في مقدمته لطبعة دار المعارف المصرية "إن هذه القصة ساقطة من نسخة – الطوق – التي بين أيدينا ، ولا يمكن رد ذلك بالشك في رواية المقري . لأن جوها أشبه بأجواء الطوق. وأزعم أن يد الناسخ امتدت إلى ما هو أكثر منها، مما لم يرض عنه من حكايات وقصص الطوق. وأكاد أقول ما لم يفهم من قضاياه أيضا "

يجدر القول أن النسخة الوحيدة التي عثر عليها لطوق الحمامة منسوخة في العام -738هج-1337م-أي بعد وفاة ابن حزم بما يقرب من ثلاثة قرون.. يعترف الناسخ فرحا بما فعل:أنه حذف أكثر أشعارها. وأبقى العيون منها. تحسينا لها، وإظهارا لمحاسنها.و تصغيرا لحجمها وتسهيلا لوجدان المعاني الغريبة من لفظها "

لا شك أن الناسخ قد أمعن في النسخة تشذيبا بما يتلاءم مع عقلية عصره..وهي عقلية نجد بصماتها في فضائنا العقلي الراهن ..إلا أن طوق الحمامة ورغم ما بتر منه مقص الناسخ بقي كما يقول الدكتور الطاهر "أروع ما كتب عن الحب في العصر الوسيط ، في الشرق والغرب ،في العالمين الإسلامي والمسيحي .تتبع أطواره وحلل عناصره وجمع الفكرة المفلسفة والواقع التاريخي ..وأشهد أنني وقفت مترددا أمام بعض الفقرات كان فيها ابن حزم جريئا صريحا مرتفع الصوت لا يكني ولا يلمح ولا يشير .وإنما يعالج قضاياه مفكرا دارسا لا يتأثم ولا يتردد..إن ما يرتضيه ابن حزم الأديب العالم والفقيه الظاهري ،وما يقبله ذوق المسلمين في قرطبة الزاهرة عاصمة الأندلس أيام الخلافة وما بعدها في القرن العاشر الميلادي ،ليس تدينا ولا ورعا ولا تطورا ولا محافظة أن ترفضه قاهرة القرن العشرين .."

وبعد ..يخيل إليّ أن المقطع من تاريخنا والذي اصطلحنا على توصيفه بعصر الانحطاط:يعيد فينا إنتاج نفسه..ونظن في ذلك أمانة منا للأجداد..لكأن أجدادنا فقط هم مواليد عصر الانحطاط..إلا أن هذه الانتقائية ليست مفصولة عن مصالح وأساليب قروسطية لإدارتها ،توأمت نفسها مع هذا النفق المسدود أو ذاك، الذي توزع عليه الفضاء العقلي للعرب والمسلمين في عصر الانحطاط ..

كلما أزحنا ما راكمه عصر الانحطاط على ما سبقه اكتشفنا ما كنا مؤهلين لنكونه..ولم نفعل !!!

أن نشبه أسلافنا في عصر الانحطاط أكثر من أسلافنا في القرون الهجرية الخمسة الأولى، يمكن لعلم الوراثة أن يبرر شطره البيولوجي..أما الشطر الأنثروبولوجي منه " الثقافة والأخلاق والحقوق والمؤسسات الاجتماعية" حيث تخفف قوانين الوراثة صرامتها ،وينفتح الباب واسعا على مصادر إعادة النظر بالصفات الثقافية والأخلاقية ..الخ ..كالمدرسة ومناهج التعليم ووسائل الإعلام السمعية والبصرية وقنوات التثاقف مع العالم المتنوع والمختلف ..الخ ..

هذه جميعها تعطينا الفرصة لإعادة تشكيل وترتيب فضاءنا العقلي وأنماط سلوكنا وأذواقنا الفردية والجمعية ..كونها خاضعة بهذه النسبة أو تلك الإرادة ..أو بتعبير أكثر دقة لمن يمتلك هذه الإرادة..من هنا ينفتح الباب على مساءلة النخب :السياسية والدينية والاقتصادية – وهي على تشابك حقول عملها ، تحكمت بتوجيه الدفة –ففلترت علاقتنا بتراث الأجداد من جهة، وعلاقتنا بثقافات العصر من جهة ثانية.. .ورسمت بانحيازاتها لهذا الخيار أو ذاك على مقلبي التراث /المعاصرة: الخط البياني لأوضاع العرب والمسلمين في القرن الماضي ..

أن تغيب عن مكتباتنا ومناهجنا التعليمية ،ونتاجنا الفكري والأدبي والفني ما راكمته كتراث مكتوب " الإنسية العربية في القرن الرابع الهجري "- كما حاول أن يلفت النظر إلى ذلك منذ باشر مسيرته الفكرية المفكر الجزائري محمد أركون-شهادة على نوعية التراث الذي مالت إلى توظيفه في الحاضر : النخب الدينية والاقتصادية العربية على وجه الخصوص ..

فأن تترك على سبيل المثال الأمراض الجسدية والنفسية لعامتنا في أيدي المطببين " بالطب النبوي" وهو صلى الله عليه وسلم الذي اعتذر لأهل يثرب في حادثة تأبير النخل المشهورة، يدفعنا لمساءلة نخبنا الدينية عن موقفها المعرفي. ونخبنا المالية عن دورها اللوجستي ..فالفضائيات ودور النشر والمواقع الالكترونية ..الخ..التي تصرف عليها أموال النفط وغيره لإعادة إنتاج عصر الانحطاط ، تشير بإصبع الاتهام إلى الجهات المسؤولة عن فشلنا في التموضع داخل خط الأمم الناهضة من عثارها ..`

لقد سَبَقَنا الهنود والصينيون رغم أنه أيقظنا من نومنا القروسطي وإياهم نفس المهمازالأوربي.. لا يمكن رمي المسؤولية عن هذا الوضع الذي نحن فيه على غير عاتق النخب العربية -الإسلامية التي ارتضت أن تقيم حجابا باتجاهين:

1- جهة الشق من التراث الذي راكمته الإنسية العربية في القرون الهجرية الخمسة الأولى..فغابت رموزه عن التداول ..ولم تحتل ولو جزءا يسيرا من الفضاء الفكري والديني لعرب ومسلمي القرن العشرين. أين حصة ابن مسكويه في تشكيل تصورنا عن المرحلة التدشينية للإسلام الأولي من حصة ابن الأثير؟ وقد فاقم من المشكلة تضايف عاملين:

— لأول قدم عهد التراث الأولي قياسا إلى تراث المرحلة العثمانية- الصفوية وما يتفتق عن هذا التفاوت في العمر من تفاوت في التعرض لمخاطر الفقد أو التنقيص أو التحريف تبعا لتبدل المزاج الديني أو السياسي ..إلخ ..

— والثاني : التجاهل و الإهمال المتعمد المتصل بخيارات النخب التي تحدثنا عنه سابقا ..

2- جهة العصر الذي تحتل فيه إنجازات الغرب في حقول الفلسفة والعلوم الإنسانية موقع الصدارة..

لقد وفر فائض المعرفة في أوربا الخارجة من عصورها الوسطى فائضا في القوة .فولدت اتجاهات الهيمنة والسياسات الاستفزازية على أرضية هذا الفائض ..وكل ذلك سهّل على الدعوات المحلية للقطيعة الثقافية مع الغرب، التحول إلى إيديولوجيات شعبية..وقد تفاوتت حدة هذا من مرحلة إلى أخرى تبعا للخلفية السسيولوجية للنخب المسيطرة .. إلا أن هذا يجب ألا يخفي النتائج الواحدة التي تمخضت عن فلترة الرشدية - كذروة من ذرى الإنسية العربية – وفلترة الحداثة الغربية :

الاستنقاع والتلذذ به ..

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- أبو لهب : الجزائر
15 أيار (مايو) 2008 11:04

لغة جميلة و أسلوب متين ،لك الحديث عن التراث يتطلب شيئا من المكاشفة و الوضوح .إن استدعاء الأموات ليحوموا حول رؤسنا لا يعني قدرة الأموات للتصدي للأخطار التي تواجه العرب الأحياء ، إنما يعني موت الأحياء .نعم إن العودة إلى التراث و تحت أي ذريعة كانت لا يعني إلا تعبير عن أزمة الفكر العربي المعاصر الذي عجز عن إبداع نماذجه الفكرية و الثقافية و الحضارية ليواجه بها المشكلات الجديدة التي طرحتها عليه الحياة .هذه المهمة أو بتعبير أوضح الحملة ،حملة إعادة قراءة التراث دشنت بعد هزيمة 67 لما بدا لليسار العربي أو تهيأ له أن أسباب الهزيمة تعود في جوهرها ،كما رأى صادق جلال العظم في كتابه النقد الذاتي بعد الهزيمة ، أننا لم نكن عقلانيين بما فيه الكفاية ولم نكن علمانيين بما فيه الكفاية و لم نكن حداثيين بما فيه الكفاية وذلك يعود لسيطرة الفكر المتخلف السلفي الإقطاعي الرجعي على الذهنية العربية وانطلت الدعوة لإعادة قراءة التراث و تحديثه وعقلنته و عصرنته بدء بكاتب المفكر عبد الله العروي /العرب و الفكر التاريخي / و المفكر حسين مروة /النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ومرورا بتيزيني طيب الذي دشن تلك الحملة بالانقلاب على إسمه التراثي فثار عليه ،من محمد الطيب التيزيني ألى تيزيني طيب وتوالت العناوين تجديد الفكر العربي ، تحديث الثقافةالعربية، نقد الفكر الديني، تكوين العقل العربي ،بنيةالعقل العربي وتكدست الكتبات العربية بالقراءات التجديدية و التحديثية .وفي يوم كابوسي قاتم مظلم صحونا على صوت يعلن أن لا ميثاق و لادستور قال الله قال الرسول. و دخلت أمة العرب في ظلام دامس و نفق مظلم لن نخرج منه إلا إذا خرج المثقف العربي عن نزعته النخبوية الثقافوية التي ترى أن أزمتنا هي أزمة فكرية و هي ازمة العقل العربي و كأن العقل جوهر قائم بداته إن مشكلنتا ليست مع الأموات إنها مع الأحياء مع الفئات القابضة على السلطة السياسية في هذا الوطن العربي هذه الفئات التي تتعاون مع الأجنبي لنهب ثوراتنا القومية هذه الفئات التي حولت أرض العرب ‘لى مرتع للشركات المتعددة الجنسية و القواعد العسكرية .بجملة واحدة، مشكلة نحن العرب ليس مع ماضينا ،بل مع حاضرنا


الرد على التعليق

- أبوجعفر
23 أيار (مايو) 2008 05:13

أمّا أنا ما فهمته من مقالة السيد سامي العباس ,هو فقدان ما جاء صريحا شعرا عن الشذوذ الجنسي في تلك الحقبة, ولكنّ ( طوق الحمامة )فيه تلخيص يرشدنا على أسباب الإنحلال, الذي كان عاملا على زوال ملكهم, وليس ازدهار حضارة, والشذوذ ضاهرة مرضية لم يخلوا منها عصر من العصور,وقصّة ماعز مشهورة في التّاريخ.


الرد على التعليق


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter