ابن خلدون في هذا الكتاب مختلف، بل ربما نقيض لابن خلدون الذي عرفناه أو الذي سلّمنا بمعرفته من دون أن نشكك لحظة في كلّ ما قاله الباحثون العرب عنه، وخاصة الحداثيّون منهم. فقد أرضت مكانته العلميّة ـ بما هو مؤسّس علم الاجتماع أو العمران ـ عزّتنا العربيّة والإسلاميّة، ورممت بعضا من شعورنا بالتخلف العلمي تجاه الغرب.
لكنّ ناجية الوريمّي، الباحثة التونسية، لم تسلّم بهذا الموقف، وقادتها تحليلاتها إلى أنّ أغلب الدراسات والأبحاث الخلدونيّة التي قام بها مفكرون وباحثون عرب قاصرةٌ، بسبب استنادها إلى موقف إيديولوجي اعتمد الانتقائية التي تخدم فكرة الطليعية العلمية عند ابن خلدون، العربي المسلم.
وهكذا أعادت النظر في كل ما قاله هذا المفكّر في مقدمته وفي تاريخه وفي غيرهما، محلّلةً خطابه على ضوء الظرف التاريخي والاجتماعي والسياسي في عصره، وعلى ضوء كل ما كتبه سابقوه من المفكرين والفلاسفة المسلمين، وما طرحته التيارات الكلامية والسياسية السابقة له.
لا تقلل ناجية الوريمّي من مكانة ابن خلدون، ولكنها تراه كسواه يجوز نقده، بل ـ وبالنظر إلى موقعه ـ يجدر أن يكون هذا النقد عبر الحفر المعرفيّ في خطابه وفي نظرياته، ليس بقصد المخالفة والتفرّد، بل بهدف البحث عن الحقيقة المعرفية، والتحرر من كل سلطوية ولو كانت هي سلطة ابن خلدون.



- عادل دمق
29 آب (أغسطس) 2010 23:35
وتتوقف المؤلفة عند ثلاثة من هذه المقومات الأساسية، وهي أولوية العقل غير المقيد على النقل أيا كانت طبيعته، وعدم قبول سلطة الماضي على الحاضر، ورفض أن يحتكر هذا الماضي دور الأنموذج، وتقويض أسس الاستبداد بمرجعيته المفارقة. وحاولت تبيان أن ابن خلدون يعارض محتوى هذه المقومات على طول الخط، جملة وتفصيلا، في مقدمته كما في تاريخه. وكان في كل ما كتب منطقياً مع نفسه، فكانت مخاتلته لقرائه مما فرضته عليه نوعية اختياراته أكثر مما كان القصد منها التضليل أو التقيّة. " أي سرير بروكيستي، ثلاثي الأبعاد ، هذا الذي نصبته الباحثة لتحاكم الفكر الخلدوني ؟ ماذا لو تضعضع أحد أبعاده ؟ مثلا الأول "أولوية العقل"!!! ألم يتبين أن الإنسان أبعد ما يكون عن العقلانية؟أين إسهامات نيتشة وفرويد ؟أألقيناها في مدارج الجامعات ؟كم فكرك متقدم علينا يابن خلدون ؟نحن الأحفاد العاقون،المتخلفون !!! "أما قولهم(الفلاسفة) إن الإنسان مستقل بتهذيب نفسه واصلاحها…فأمر مبني على ابتهاج بادراكها الذي لها من ذاتها….واعتبره بحال الصبي في أول مداركه …ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات و أسبابها ، والوقوف على تفصيل الوجود كله ،وسفه رأيه في ذلك. واعلم أن الوجود، عند كل مدرك ، في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها ،والأمر ـ في نفسه ـ بخلاف فذلك ،والحق من ورائه ..وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه ،بل العقل ميزان صحيح…غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد و الآخرة ة،وحقيقة النبوة والصفات الإلاهية ، وكل ما وراء طوره ، فإن ذلك مطمع في محال "المقدمة ، صفحات 431 و517 . لابد من مائدة مستديرة تجمع بيكون و كانت ،وهيجل وفرويد ،وكونت وغيرهم لمقاربة هذا النص / البيان. ـ .بيكون وكونت :مجال العقل . ـكانت :الشيء في نفسه . ـ فرويد:التحليل النفسي قد أسدى خدمات جليلة …ولكن مساهمته هذه لا تزال ضئيلة بالقياس إلى ما يمكن أن يتمخض عنه يوم يشرع مؤرخو الحضارة وعلماء النفس والأديان باستخدام أداة البحث والتنقيب الجديدة" مسائل ، ص 100 .ابن خلدون ورائنا أم أمامنا؟..
الرد على التعليق