من الأمور التى باتت متداولة، ليس منذ بدء الثورة في مصر في مطلع هذا العام وإنما على مدار العقد الماضي، عملية النظر الى الجماعات الإسلامية وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين كإحدى القوى السياسية المعتدلة التى يمكن التعويل عليها في إحداث ديمقراطية في المجتمعات العربية وخاصة مصر في حالة ما إذا قادتها الظروف بأن تكون هي البديل للنظام الاستبدادي.
ومثل هذا الطرح ساعد على بروزه عدة عوامل من بينها الدعاية المضادة للنظام السابق واعتبارها جماعة محظورة في ظل تواجدها السياسي والمجتمعي الذي خلق منها معارضة موازية للنظام لا يستهان بها ، استطاعت ان تجمع معها وتحت لوائها قطاعات كبيرة من الشباب المتعلم المتحمس للعمل السياسي والمجتمعي والذي وجد الطريق منغلقا أمامه من القنوات الشرعية سواء في الأحزاب المقيدة او فساد الحياة السياسية بالتزوير..
وقد ظهر هذا التواجد بشكل ملفت في انتخابات مجلس الشعب 2005 عندما حصلت على 20% من مقاعد البرلمان الامر الذي جعل الكثير من الباحثين والسياسيين في الغرب يضعونها في اطار كونها إحدى القوى التى يمكن ان تكون في موقع المسئولية والحكم في مصر .. وهو الأمر الذي أثار جدلا حول هل يستطيع فصيل ذا مرجعية إسلامية ان يقود الى عملية الإصلاح والديمقراطية ؟؟ وهنا تباينت الآراء وان صبت معظمها في صالح جماعة الإخوان لحالة التقييد سواء بالسجون او بالتعامل معهم بكونهم جماعة محظورة وان كل الانشطة التى يقومون بها بالمثل محظورة الامر الذي جعل الفترة التى سبقت الانتخابات الأخيرة 2010 تشهد حالات اعتقالات كثيرة من قياديها كسيناريو متبع معها من لعبة لم يكشف عنها حتى الآن بينها وبين النظام السابق..
كلّ هذه الممارسات خلقت تعاطف مع الجماعة ليس من الداخل ولكن من الخارج أيضا على أساس انه فصيل سياسي يدفع بتضحيات من قياداته داخل السجون لمواقفه السياسية ..على الرغم من ان الحملة تجاه الاخوان في فترة الرئيس مبارك كان الهدف منها ليس الخوف منهم وانما إظهارهم بشكل يتم تخويف الآخرين بهم ، بما فيهم الخارج ممثلا في الولايات المتحدة ليكون استمرارية النظام الحاكم هو الحل الوحيد وسط مجتمع دولى ظهر فيه متغيرات جديدة متحكمة في سياساته ممثلا في الإرهاب المنسوب الى الإسلاميين وعلى رأسهم تنظيم القاعدة .. ومثل هذه الذريعة ربما قد نجحت في تضخيم صورة الإخوان داخليا وخارجيا.
وعندما قامت الثورة ونجحت في اسقاط النظام كُشف الغطاء عن الشكل الواقعي لهذه الجماعة التى كانت شرعيتها في السابق مبنية على معارضتها لنظام مبارك..فظهرت بشكل كمن تعود ان يجلس في ساحة معركة وفجأة لا يجد أمامه من يحاربه ، فجاءت مواقفها متضاربة متوافقة في الاغلب والأعم مع ما يحقق عقيدتها السياسية على المدى البعيد بإقامة حكم ذو مسمى اسلامي في مصر ، وهذا ظهر في توافقها مع السلفيين والجماعة الاسلامية على كثير من القضايا السياسية والمثارة حولها الجدل عقب الثورة.. ولكن يبقى هناك سؤال من المهم الإجابة عليه ؛ هل بالفعل تجربة الإخوان المسلمين في مصر تشبه تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا كما يردد البعض الآن؟ ويمكن تلمس الإجابة في الآتي:
أولا: نجاح حزب العدالة والتنمية في تركيا في ظل دولة علمانية يدحض نهج وعقيدة الاخوان المسلمين وليس كما يعتقد البعض، على أساس ان الاخوان يريدون اقامة شرع الله وفقا لرؤيتهم ، فحزب العدالة في تركيا يحكم من خلال مناخ علماني وديمقراطي على الرغم من مرجعيته الاسلامية .. على اعتبار ان الأسس الحديثة للدولة التركية التى تم تدشينها على مدار التسعين سنة الماضية كانت بمثابة الحضانة التى استوعبت حزب العدالة والتنمية وجعلته ينمو بشكل طبيعي وليس مشوه في اطار مؤسسات الدولة الحديثة ، ومن ثم فهو لم يرى ان خلفيته الدينية تتعارض مع علمانية الدولة بمؤسساتها الحديثة.. بالتالي فانطلاقتها لم تكن من مرجعية حزبه وانما من مرجعية الدولة التركية الحديثة .. ومثل هذه الروح للأحزاب الإسلامية في تركيا لم يكن لتظهر في يوم وليلة وانما هي مرت بمراحل مختلفة شأنها شأن تجربة الدولة التركية الحديثة نفسها والتى شهدت ثلاث انقلابات عسكرية من الجيش في اعوام 1960 ، 1971، 1981 لتصحيح مثار الدولة ودون الانغماس في الحكم ، بالمثل حدث هذا الامر مع الأحزاب الدينية التى بدأت تظهر في الثمانينات في القرن الماضي بمحاولات التوافق والتأقلم مع الإطار المؤسسي للدولة التركية ، وأخذت تصحح من مسارها الى ان جاء حزب العدالة والتنمية وحظي بالحكم بشكل لا تستشعر فيه بكونه حزب إسلامي اكثر من كونه حزب سياسي يدرك قواعد اللعبة ويعنى مدى أهمية كيان الدولة التركية بمؤسساتها ، وبالتالى فالحفاظ عليها كان من أولى اولوياته .. وهذا الوعي لحزب العدالة والتنمية في تركيا لا يمكن فصله عن الرأسمال الاجتماعي التى تركته ودشنته الاتاتوركية في الوعي الثقافي لدى المجتمع التركي ، وهو بطبيعة الحال ما خلق شخصية تركية جديدة على مدار التسعين سنة الماضية تختلف في الكثير من سماتها عن الشخصية العثمانية في عهد الخلافة على الاقل في منطق تعاطيها من القيم الحديثة . من ثم ايمان حزب العدالة والتنمية بالديمقراطية لا يختلف كثيرا عن ايمان أي من الاحزاب العلمانية التركية بها لكونهما خرج من نفس التربة والوعي الثقافي المجتمعي .
ثانيا : بالنسبة لتجربة جماعة الاخوان المسمين مصر نجدها قد تطورت وبالأخص في الستين سنة الماضية في مناخ ووضع مختلف تماما عن سياق حزب العدالة والتنمية في تركيا ؛ فهي خرجت من سياق ثقافة استبدادية استئصالية سواء من جانبها او من جانب النظام الذي كانت تواجهه ، وبالتالى لم تتبرأ بعد من هذه الأمراض والعلل سواء من جانب فكرها القائم على الاستئصال والإحلال او من جانب ما عانته من النظام الاستبداد الذي وضعها دائما في جانب الضحية .. فمثل هذه الثنائية لن تخرج الا فرد لا يؤمن غير بأفكاره التى دافع عنها وسجن من أجلها بصرف النظر عن مدى صحتها أم لا .
وبالفعل ظلت هذه الثقافة الاستئصالية هي المشكلة في عقلية نخبة هذا التنظيم على مدار كل السنوات الماضية من كونهم اتخذوا ليس من الحاكم عدوا فقط وانما من كل من لم يقف على أرضيتهم … ومن هنا يظهر التحدى الأساسي الذي وجد فيه الإخوان انفسهم بعد ثورة 25 يناير انهم كشف عنهم الغطاء ، ولم يعد ما كان يحاربونه كل هذه السنوات موجود …فهل يصنعون اعداء جدد لهم ام انهم يقبلون بالواقع ويتعاملون معه وفقا لقوانينه في انهم إحدى القوى الموجودة في المجتمع والتى مثلما لها حقوق عليها واجبات تجاه هذه القوى في ان العمل معا تحت اطار مؤسسي وقانوني فوق الجميع ليس بمرجعية الاخوان او أي جماعة أخرى وانما بمرجعية الوطن ومصر المدنية التى تطورت على مدار المائتين سنة الماضية .. في هذه الحالة تكون هي البداية لتخرج هذه الأحزاب الإسلامية من عبائة الاستبداد التى نشأت في ظلها الى عباءة الحرية والتعددية والتسامح وقبول الآخر..



- نزيه كوثراني
9 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 16:52
*قراءة في الصورة المرفقة بالنص نحن أمام صورة لتيار ديني سياسي عدواني غازي واستبدادي شمولي. صورة تغرف من التاريخ وهي تؤسس لعلاقة واحدة ووحيدة مع الذات والاخر والعالم تحتوي وتستوعب كل شيء بحد السيف .تستحضر تاريخ النشوء والتكون والانتشار كماض مجيد وكعصر خلافة رشدي اخضر لثلاثية ( السيف –الغنيمة – العقيدة ) كغزوات و جهاد في سبيل الله ضد المختلف في الرأي والعقيدة إنها ثلاثية تكره وتقصي الأبعاد الاخرى فهي فوقية عمودية( الله – الرسول – الكتاب والسنة ) . انه حق الامة في التفوق والعصمة( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم . سورة محمد اية 35 ) لأنها حاملة للدين الحق المشرعن للغزو والغنيمة كلون واحد أحادي مطابق لطبيعة الله في الخلق انه اللون الأخضر حيث ارض الله حلال كغنيمة بحد السيف للمسلمين . على الجميع ان يكون في حالة تأهب قصوى تتداعى الدلالات السياسية الدينية لتاريخ الحروب ( واعدوا…ما استطعتم من القوة …لترهبوابه عدوكم …) حيث لايمكن لكتاب الله أن يسمو ويعلو إلا بحد السيف كعلاقة وحيدة مع الاخر . فمصطلحا الإخوان ..المسلمون لن يلتحما إلا عندما يتأسس وجودهم على مدى وعيهم بإيحاءات النص = اعدوا ..السيوف لنصرة كتاب الله وذلك ليسود على الارض كجواب طبيعي اخضر لما أراده الله من خلقه .ماهي الديمقراطية التي يمكن ان تنشا بين الاخوان والاخرين الأقل قيمة وعقيدة وثقافة وإيمانا ..إنهم الكفار المتعفنون نجاسة والممقوتون كعلاقات اجتماعية في البيع والشراء والزاوج…أية ديمقراطية بين الحاكمية المسنودة من الله في السلم والحرب ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ان الله عليم سميع . سورة الانفال اية 17 ) اذن نحن إزاء صورة مرعب لتاريخ من الاقتتال والعنف الدموي على السلطة مما أنتج الفرق والمذاهب والطائفية بين الملة الواحدة . الى جانب الاضطهاد والاستعباد والنهب كغنائم لخيرات الاخرين وإكراههم في الدين بالجزية وفقدان القيمة والاعتبار كمواطنين . وبناء على هذه الارضية الدينية السياسية تبلور الاستبداد العربي وعمق جذوره مما سبب قرونا من الانحطاط والتخلف والاستعمار ونحن نرى اليوم الثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب بسبب تقنع المستبد بالدين .مرجعية المواطنة هي الأساس لا التصنيفات النمطية = المؤمن ..الكافر ..الاخوان ..الاعداء …
الرد على التعليق
- نزيه كوثراني
10 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 00:19
تستنجد الصورة بالمتخيل الديني الاسطوري كما صاغته الرواية الشفوية ودونته المصادر العربية والاسلامية ونمطته المسلسلات الدينية في الدعوة والقتال . رغبة جامحة في تقمص وتمثل موقف الأنصار والمهاجرين يتراجع التاريخ تحت سطوة المقدس وتنهار القيمة الانسانية للأخر باعتباره إنسانا و شريكا في الوطن .يصير الاخواني أسير رموزه التي تشكل إدراكه وتوجه معرفته وتحدد قيمه الثقافية والمجتمعية .فيبدل الوطن زمانه ومكانه ليرتمي في أحضان الماضي العجيب المدهش والغريب المعجز .فيتمثل احد نماذجه في الغزوات حيث السيف والقصاص والحدود …عندما تقرا كتاب الفتنة لهشام جعيط تجد نفسك مرهقا نفسيا بتاريخ عنف الدماء . مما اضطره كمؤرخ باحث أن يكتبه بعقلية الفقيه لعله يفهم لغز السلطة المحير في سطوة السماء على الأرض
الرد على التعليق