الجمعة 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > حول تاريخ الفكر السياسي

حول تاريخ الفكر السياسي

أرسطو (الدساتير والواقعية)

الثلاثاء 11 آب (أغسطس) 2009

بقلم:

فادي كحلوس  

شارك اصدقاءك هذا المقال



عدّد أفلاطون في “السياسي”، ثلاثة دساتير منتظمة، هي: الملكية، والارستقراطية والديمقراطية المعتدلة، وثلاثة دساتير غير منتظمة هي: الطغيان، والأوليغارشية والديمقراطية المتطرفة. وقد أخذ أرسطو ثانية في “السياسة” بهذا التصنيف السداسي جاعلاً من المصلحة العامّة معياراً له. فالدساتير السليمة أو الطبيعية هي التي تُمارس فيها السلطة السيدة بغية تحقيق هذه المصلحة العامّة. والدساتير غير السليمة أو المنحرفة أو الضالة هي التي تُمارس فيها السلطة السيدة بهدف خدمة المصلحة الخاصّة لمن يتولاها. ونظراً لأن هذه السلطة هي، بالضرورة، بيد رجل واحد أو أقلية أو جماهير المواطنين فإنه يمكن تمييز ثلاثة أشكال سليمة هي: الملكية، والارستقراطية والجمهورية المعتدلة، وثلاثة أشكال منحرفة هي: الطغيان والأوليغارشية والديمقراطية.

إنّ حكم الفرد الواحد هو بالمعنى الأوسع للكلمة، ما يسمّى الملكية. فإذا مورس بطريقة نزيهة، ومن أجل المصلحة العامّة، سُمّي ملكية وإذا مورس بهدف خدمة المصلحة الخاصّة للحاكم الفرد سُمّي طغياناً. وحكم البعض أو الأقلية، إذا مورس بغية تحقيق المصلحة العامّة، وبواسطة الأفضل ووفق الفضيلة، سُمّي أرستقراطية. لكنه إذا مورس بواسطة الأغنياء والميسورين سُمّي أوليغارشية، واعتبر شكلاً غير سليم ومنحرفا وضالّا. وحكم الأكثرية إذا كان لخدمة المصلحة العامّة سُمّي جمهورياً معتدلاً. أمّا حكم الأكثرية، الفقراء عملياً والمعسرين، الذي يستهدف خدمة مصلحة الفقراء فقط، فيسمّى ديمقراطية، ويعتبر شكلاً غير سليم ومنحرفا وضالا. وهكذا فإنّ الديمقراطية والأوليغارشية والطغيان تعتبر ثلاثة أشكال للحكم “لا يسعى أيّ منها لتحقيق المنفعة العامّة” .

إلّا أنّ الفكر الدقيق لأرسطو ألهمه القيام، من جهة أخرى، بعملية ضبط لتعريفه للأوليغارشية والديمقراطية، القائم على أساس العدد. صحيح أنّ الأغنياء عادة هم الأقلية، وأنّ الفقراء هم عادة الأكثرية، لكنّ هذا الأمر ليس إلّا حادثاً طارئاً، لأنه يمكن الافتراض بأنّ الأغنياء يشكّلون الأكثرية، وأنّ الفقراء يكوّنون الأقلية. ولهذا فإنّ جوهر التمييز يكمن في أنّ الذين يتولّون السلطة في الأوليغارشية هم الأغنياء، وأنّ الذين يتولّونها في الديمقراطية هم الفقراء: فالفقر والغنى يكوّنان إذن الفرق الحقيقيّ. وفي كتاب آخر من “السياسة”، يُنقّي المؤلف تصنيفه مضيفاً عنصر الولادة الحرّة في الديمقراطية، وعنصر الولادة الأعلى من المستوى العامّ في الأوليغارشية. بحيث نصل لتعريف (مركّب) يضع في جعبة الديمقراطية ثلاثة عناصر هي: العدد القليل والولادة النبيلة والغنى، وكلّها موجودة فيها أيضاً.

هذه الإيضاحات تبيّن أوّلاً أنّ التصنيف السداسيّ للدساتير الذي أخذ به أرسطو يهمّه، في حدّ ذاته، أقلّ مما يهمّه كمرتكز لمنهجه التحليليّ المستند لعدد كبير من الوقائع الدقيقة، والوثائق الغزيرة. وهي تبيّن فيما بعد أنّ المؤلف يركّز انتباهه على شكلي الحكم الأكثر انتشاراً في عصره، في العالم الهيلليني، وهما الديمقراطية والأوليغارشية، بالرغم من أنّ الأمر يتعلّق بشكلين غير سليمين، منحرفين، وضالّين.

ومع ذلك فإن أرسطو يكرّس بعض التفصيلات للملكية والطغيان(الصورة الضالّة للملكية)، وكذلك للارستقراطية .

إننا نعلم أيّ مكان كانت تشغله الملكية بالمعنى الواسع لحكم الفرد الواحد، سواء كان ملكاً أم طاغية، في تأمّلات الكتّاب السياسيين في القرن الرابع من أمثال اكزينوفون وإيزوقراط. لذلك لم يكن باستطاعة أرسطو أن يعفي نفسه من إيجاد نظرية لهذا الحكم، حتى ولو لم يكن هناك إلّا القليل من التطبيقات له في الواقع.

نظرياً، وبشرط افتراض وجود ملك حكيم وفاضل على شاكلة ملك “السياسي” لأفلاطون (الإنسان الملكي المالك، حقيقةً، للعلم الملكي)، فإنّ الملكية تتفوّق على كلّ الأشكال الأخرى للحكم. فعندما يحدث لمواطن أن يؤكّد لنفسه مكانة عالية جدّاً، نظراً لأنّ علمه يتجاوز “علم الآخرين مجتمعين”، فإنّ من العدل أن يتولّى السلطة العليا على كلّ الأشياء. إنّ كائناً بمثل هذا الاستحقاق هو “كإله بين البشر”. إنّ تطبيق القواعد العادية عليه لن يكون إلّا مضحكاً. كما أنّ نفيه أو قتله أو الحكم عليه بالنبذ سيكون أمراً غير معقول. إنّ إخضاعه لمبدأ التناوب في القيادة والطاعة، ووضعه ثانية، عندما يحين دوره، في مرتبة المحكوم سيكون أمراً جارحاً. وليس هناك حلّ آخر غير إسناد السلطة الكلّية له بصفة نهائية، وبدون مراقبة، والاعتراف له بالحقّ في أن لا يطيع إلّا إرادته الخاصّة. وهذه هي الملكية المطلقة. إنّ من الممكن تصوّر شعب متميّز بقابلية طبيعية لإنتاج عرق جدير “بسبب فضيلته السامية” بأن يكون على رأس النظام السياسي، ويكون مُهيّئأ لهذا، لأن يحكمه ملك مطلق.

وإذا اعتبر أرسطو نفسه ملزماً بذكر هذا الافتراض، وبالإيحاء باستثناء كلّي لمبدأ سيادة القانون، فإنّ من غير المشكوك فيه أنّه لم يكن يؤمن بوجود مثل هذا الملك المطلق في المدن القائمة فعلاً في عصره، بحيث أنه يمكن الحديث هنا عن تأمّل أكاديمي “في الغيوم”.

وعندما يفرض الواقع نفسه على ملاحظته، فإنّ أرسطو قلّما يلتقي بملكية غير ممزوجة بطغيان، وذلك باستثناء الملكية الإسبارطية (التي هي، في حقيقة القول، مهمّة دائمة ووراثية لخبير في إدارة الشؤون الحربية ). أمّا الملكيات البربرية، من النمط الفارسي، فهي طغيانية بسبب مدى اتساع السلطة، بالرغم من أنّ لها أساساً قانونياً. إنّ الطغيان في صورته القصوى (التي هي أيضاً صورته الخالصة)، يقابل الملكية المطلقة باعتباره شكلها المنحرف والضالّ. إنّ المؤلّف يُعرّفه بأنّه الحكم "الذي يمارس فيه رجل واحد سلطة لا مسئولة على كلّ المواطنين بدون تمييز، سواءً كانوا متساوين أم متفوّقين، ولا يستهدف من هذا إلا مصلحته الخاصّة، وليس مصلحة رعاياه. إنّ مثل هذه السلطة يقوم أيضاً على العنف الخالص، لأنّ أيّ إنسان حرّ لا يحتمل بلا احتجاج سلطة من هذا النوع.

وحول الارستقراطية، أضيفت بعض الإيضاحات على التعريف الذي نعرفه. إنّ الأفضل يحكمون ويعتبرون الأفضل بفضيلتهم بصفة مطلقة (بدل أن يكونوا مجرّد أناس طيّبين بالنسبة لبعض الظروف المعيّنة أو لبعض المعايير المتّصلة بهذا الدستور أو ذاك). إنّ الألقاب الشرفية توزّع بحسب الفضيلة، وهذا هو المفهوم الأسمى للعدالة التوزيعية. إنّ من الممكن أن نتصوّر أن لا يكون شعب ما متكيّفاً مع نظام ارستقراطي، وهذه الحالة هي حالة الشعب الذي ينتج بشكل طبيعيّ، كمية من المواطنين القادرين على أن يكونوا محكومين كرجال أحرار من قِبل أولئك الذين جعلتهم فضيلتهم مؤَهلين لقيادة المدينة.

إنّ النظام الارستقراطي الحقيقيّ هو الذي يتطابق، كما رأينا، مع الدستور المثالي، لأنّ حكم الأفضل يتحقق فيه بالحقيقة. إلا أنّ هذا يعني القول، أنّه يبقى غريباً عن الواقع القابل للملاحظة، تماماً كالملكية المطلقة التي تفترض أيضاً فيمن يحكم، الفضيلة الأكثر كمالاً. ومع ذلك فإنّ أرسطو يقبل، بطريقة التنازل، إلى جانب هذا النظام الارستقراطي الحقيقي والأوّل، “الذي يمثل الدستور المثالي” نوعين آخرين مخفيين من نمط قرطاجة ونمط إسبارطة، وذلك بحجّة الفضيلة، دون أن تهيمن كما يجب، تؤخذ فيهما على الأقلّ بعين الاعتبار من أجل اختيار الحكام. إلا أنّ هذه التفصيلات تبقى هزيلة إلى حدّ ما وقليلة الجاذبية.

إنّ الفائدة لن تظهر حقيقة إلا مع دراسة الديمقراطية والأوليغارشية، أو بشكل أكثر دقّة، مختلف أنواع الديمقراطية ومختلف أنواع الأوليغارشية. وفي هذا الصدد، يحرص أرسطو على فتح مناقشة وتقصي حول الدساتير، وشرح أفكاره مطوّلاً وقد ركّز كل المعلقين على الأهمّية الاستثنائية لهذه الصفحات بالنسبة لتطوّر علم السياسة.


شارك اصدقاءك هذا المقال

عبد الوهّاب المؤدّب :

ولد سنة 1946 واختطفته يد الموت في صبيحة اليوم، 6 نوفمبر 2014. كان كاتبا روائيّا وشاعرا وباحثا ومترجما ومقدّما لبرنامج “ثقافات الإسلام” بإذاعة فرنسا الثّقافيّة... لهذا السّبب ربّما طلب منّي أن أضع صفة “أديب” أمام اسمه، في أحد البيانات التي شاركنا في صياغتها وتوقيعها طيلة السنوات الأربع الأخيرة. أديب، أي يحسن القول والفكر ويحترم آداب المجالسة، ويحتفي بالأصدقاء والقرّاء، فيقدّم لهم “مأدبة” من الحديث (...)
الفيسبوك
تويتر