1- تنحصر هذه "اليوميات" في فترة غير عادية من التاريخ العربي المعاصر، فترة ابتدأت بحرب وانتهت بأخرى. ابتدأت بهزيمة كشفت عن فشل مشروع قومي حالم. وتخللتها أزمة كبرى انتهت ب"محنة". إنها إذن من تلك الفترات التي تظهر فيها الهوة شاسعة بين الواقع وبين الممكن، والتي يكون فيها للمثقف حضور قوي.
2- لا عجب أن يكون الصوت المهيمن في هذه اليوميات هو صوت المثقف، وأن تكون هموم الفاعل فيها هي الهموم المعتادة للمثقف من ولع بالحياة الثقافية في مختلف مظاهرها، ومتابعة للإنتاج الفكري من تأليف وترجمة ونشر، ومساهمة في الندوات وإعداد للأطروحات، وانشغال بالأعمال الجامعية ومتابعة للأحداث السياسية.
3- حتى حضور السياسي لا يتم هنا إلا من خلال همّ ثقافي. ليس الفاعل في هذه اليوميات مشاركا فعالا في الحياة السياسية، ولا منخرطا في اليومي السياسي. انه لا ينضوي في حزب بعينه، ولا يتخذ موقفا سياسيا مقابل آخر، وإنما هو محلل مهووس بالسياسي، "ينتمي" إلى فكرة لا إلى حزب: " لا أستطيع أن أقول مثل ماء العينين: أنا مخاوي، أي أخ لكل شيخ زاوية. لا يرضيهم الانتماء إلى فكرة، إلى حركة، إلى مشروع، المطلوب هو التعلق بأهداب رجل، أن تعلن الولاء لشخص بعينه.
4- إن كان هناك غياب للسياسة في هذه اليوميات، فهناك حضور للسياسي. القضايا الكبرى التي ينصبّ عليها تفكير صاحب هذه اليوميات، والتي تشغل بال المثقف فيها هي قضايا سياسية، هي القضايا السياسية العربية والمغربية: هي هزيمة 67 التي كانت" أشنع من يينا، وأوجع من نوفاره…صدمة نفسانية"، هي إشكالات القضية الفلسطينية، وانتقاد للسياسات العربية، وللحركة الوطنية وعلاقتها بنظام الحكم في المغرب، وانتقاد لكل موقف سياسي ينم عن عدم انفتاح على الحداثة :"يقول العرب إن الحرب جد، لكن في شعرهم فقط، أما في حياتهم اليومية، فإنهم يتخذونها كالسياسة فرجة".
5- "التاريخ بلا سياسة أبكم، والسياسة بلا تاريخ عمياء". "أنقّب على الماضي القريب لأفهم الماضي البعيد، وكذلك الراهن". إن من يأمل ويتطلع إلى المستقبل، لابد وأن يتجاوز التخصص، "قد يقرر حقيقة..لكن السياسي ملزم بافتراض إمكانية".
6- هناك وعي حاد بأهمية دور المثقف في المجتمعات العربية المعاصرة "لأن عمله اليومي هو بالضبط نقض الظاهر"، ولأن اسمه وشهرته تستغلان "للتأثير على الرأي العام"، ولأنه مجبر على أن يثبت أنه أدرك "سن الرشد" خصوصا أمام المستشرقين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم الأوْلى بالحديث عن مجتمعاتنا، بل والتحدث باسمها، والذين يتعجبون اليوم ويتساءلون:"ّكيف حصل أن يسأل اليوم العرب عن مستقبل ثقافتهم؟".
7- هذا الدور الذي يعطى للمثقف وللثقافي في هاته اليوميات لا يضاهيه إلا الدور الذي يعطى فيها للغة التي تلعب دور"البنية السفلى":"إن الفرنَسة اللغوية عرقلت توحيد المجتمع، بل أوقفت الحركة نحو تكوّن مجتمع بالمعنى العصري"، بل إن "جمود الفكر العربي يعود أساسا إلى جمود اللغة"’. لا وحدة بدون اقتصاد متطور وبنى اجتماعية حديثة: اللغة الفرنسية تحدّث وتمزق، والعربية الفصحى العتيقة توحّد شكليا وتجمّد، واللهجات تميز المجتمع إلى فئات على أساس غير اقتصادي أو وظيفي كما هو الحال في الدول العصرية.
8- " في الوقت نفسه وصلت رسالتان من بيروت تحملان الطلب نفسه: الترخيص بنقل الايديولوجيا إلى العربية. ماذا كان يكون رد القارئ المشرقي لو ألّفت الكتاب أصلا بالعربية كما كانت نيتي أول الأمر؟ الإهمال بدون شك. كل اتصال بيننا، المغاربة أو العرب أو المسلمين، يمر عن طريق الغرب، كما هو حال الأوربيين اليوم بالنسبة لأمريكا. هذا هو مؤدى الكتاب في الواقع"، وهذه هي وضعية المثقف العربي. لكي يكون ينبغي أن يكون خارجا: " لا تنس أن الوعي الوطني نشأ أساسا على ضفاف السين". المثقف العربي اليوم يمرّ إلى ذاته عبر الغير. انه يحيا "الغربة" ويصل إلى موطنه عبر الخارج، ويتكلم لغته عبر لغة أخرى. انه يعيش الترجمة لا كحركة تأليف ونشر، وإنما كواقع ووجود:"يقول ياسين الحافظ في رسالة: في رأيي إن سبب عدم الإقدام على الكتاب يعود بالأحرى إلى "تهيّب" الكتّاب وشعورهم بضرب من عدم الثقة بجدية ما يكتبون عن مؤلف ذي مستوى كالايديولوجيا". أجيب لا تيأس يا أخي. عندما يتعرض له الفرنسيون بالنقد سيجترئ عليه الكثيرون بالاعتماد على ردود الخصم. ويكون في ذلك السلوك إثبات لما جاء في الكتاب من أن العرب يجيبون دائما عن أسئلة يطرحها الغرب".
9- ربما لهذا السبب تتخذ المقابلة بين الداخل والخارج في هذه اليوميات معنى يكاد يطابق التقابل بين الموت والحياة، بين الانفعال والفعل، بين العطالة والفعالية. بعد أن عاد إلى البيضاء يسأل نفسه:"أشعر شعورا قويا أن أمريكا لا تحتاج إلي، وهل يحتاج إلي المغرب؟ لا سبيل إلى جواب مقنع". لا يعني هذا مطلقا أن صاحب «الخواطر» لا يكترث لقضايا بلده. العكس ربما هو الصحيح،. فهو يحملها معه حتى عندما يكون "خارج" الوطن، وهولا ينفك يقارن ويتذكر ويتحسر: «يبدو أن ما كنت أشعر به من إرهاق لا يعدو أن يكون تضايقا من جو المغرب الخانق، من انسداد الأفق أمام الجميع، صغارا وكبارا. غيرنا يترقب. ويأمل، المتدين الكشف، العالم السبق، الفنان الإنجاز، السياسي الفوز. أما نحن فإننا نسبح في الفضاء نعد الأيام ونسمي الشهور». وقضايانا الكبرى لا تفتأ تطرح ولا تفتأ تتعقد وتتشابك: «نبحث، ونتيه في البحث، عن أسباب الركود والتخلف.. السبب واضح: الدولة تعلم الناس الكسل والخمول… بحث عن أدنى فرصة لإنشاء عيد جديد.. نتساءل ونتيه مجددا في التأويلات، عن عدم تجذر الديموقراطية عندنا… فلننظر في الوضع العائلي، علاقة الأب والابن، الزوج والزوجة، ربة البيت والخادم». لكن لننظر أولا في وضع الأحزاب: «عجزها عن تجديد قيادتها. التناوب، أو التداول، ليس شأن الحكومة فقط… قيادة الأحزاب، حتى المعارضة، أصبحت في ظروف اليوم «قيادة» بالمعنى التقليدي، تلك التي تتوارث وتستلزم تزكية السلطة المركزية مقابل الولاء». هنا يبدو تعقد مسألة الديموقراطية، ذلك أن: «البناء الديموقراطي مكوّن من عدة طوابق: نص الدستور، قانون الانتخاب، تركيبة البرلمان، مسؤولية الحكومة، جدية الإدارة، حرية الصحافة، وعي المواطنين،..لا يجدي ترميم طابق.. بل يجب إصلاح المبنى كاملا وبكيفية متناسقة».
10- قيل: الحل في التعليم، هذا ما يحلو لخبراء اليونسكو أن يرددوه «رغم تواتر تكذيب الواقع لما يروجون له. لم يستسيغوا القول إن التعليم لا يمثل في حد ذاته عامل إنتاج إذا لم يقطع الصلة مع برامج ومعتقدات الماضي. بل قد يحصل العكس، إذ تعميم التعليم يساعد على نشر الأفكار التقليدية المناهضة للتطور والتجديد والابتكار». ليس الحل إذن في إصلاح التعليم وحده، بل "الحل هو في إبدال ثقافة بأخرى".
11- حينما يستأنف دروسه بالرباط بعد "غربة" غير قصيرة سرعان ما يجد نفسه معطلا عن العمل:"20 يناير71: لماذا غادرت أمريكا؟ أطرح السؤال لأن العمل هنا متوقف. إضراب الطلبة يكاد يكون متصلا..محزن حقا أن يرضى الجميع بالإضراب، الطالب والأستاذ والمسئول الحكومي". فكأن الداخل يدفعه خارجا :"عدت إلى مزاولة مهامي في الكلية بالرغم من معارضة العميد الخفية لولا علاقات لطيفة لأرغمني، بكيفية ملتوية، على الاختيار بين مغادرة الجامعة أو الهجرة. لا يهم المسئولين أن يكثر المهاجرون، مثقفين كانوا أو غير مثقفين". المثقف العربي مهاجر "غريب"، وإلا فهو معطل عن العمل موقوف محال على "معاش" مبكر.
12- هذا "التوقيف" يطال إنتاجه ذاته ويلحق مؤلفاته الأساسية الأولى: "كتاب "تاريخ المغرب" الذي منع في المغرب كما منع قبله كتاب الايديولوجيا، كما منعت مديرة مجلة لاماليف من نشر المقال عن التعريب وعن إحياء التقليد…تساءلت مرارا عمن يأخذ مبادرة المنع؟ عندما عرض "رجل الذكرى" على الطاهر زنيبر، رئيس تحرير "دعوة الحق" قال:" لا أفهم هذا الحوار فلا أنشره. وعندما عرض كتاب الايديولوجيا على الرقابة قال المسئول: لا أفهم ما يقصد فالحيطة تقضي أن أمنعه. وعندما صدر كتاب "تاريخ المغرب" عرضه وزير الإعلام على محمد باحنيني فكان الرد سلبيا. وبصدد المقال عن التقليد قال وزير الإعلام الجديد لجاكلين معرضا بي: لا يظن أنه خارج قبضتنا".
13- ما أشبه اليوم بالأمس "لا أحد يستطيع أن يحدد من يؤثر في الآخر، أميركا أم إسرائيل. "لا نهاية لهذا الانشطار: كل أميركي شرطي وملاحظ في آن، مناوئ للشر ومتلبس به".
14- لكم كانت صعبة تلك الأيام التي تتحدث عنها هذه "اليوميات" بالنسبة للعرب عامة، والمغاربة خاصة والمثقفين منهم على الأخص، كانت أيام حروب وهزائم ومحن، كانت محاولة انقلاب وإضرابات ومحاكمات و"غربة" وهجرة ومنعا وتوقفا و"موتا".
15- "روني ماغريت: لم أتأثر بألوان فنان مثلما تأثرت بأعماله التي تمزج الحلم والعقل. لوحاته، ملصقاته في الواقع، تمثل أحلام رجل رصين متعقل طلق الرومانسية بعد، أو قبل، أن يعرفها. أثر في لأنه أبعد ما يكون عن ميلنا الغريزي الى دغدغة العواطف. لا أتصوره يضحك أو يبكي، قد يمزح وهو مقطب". ألا نلمس بالفعل هذا التأثر عند صاحب هذه "الخواطر"؟ !


