الاثنين 21 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > خيبر.. خيبر يا يهود، جيش محمد بدّو يعود!

خيبر.. خيبر يا يهود، جيش محمد بدّو يعود!

الاحد 1 آذار (مارس) 2009
بقلم: عمر قدور  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك


أشار الكثيرون قبلي إلى ما تسبّبت لهم به الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على قطاع غزّة، فقد وضعتنا مشاهد القتل والدمار في مواجهة الأسئلة البدائيّة لشعب يبحث عن حقّه في الوجود وحسب، ومن جهة أخرى وضعتنا أمام مأزق الكتابة ما دام "السيف أصدق إنباء من الكتب". وربّما يكون من حسنات الكتابة أنّها تمتنع عنّا في لحظات الانفعال الشديد، وتستمهلنا إلى وقت لا تضيع فيه الكلمة تحت القصف أو تشارك فيه، فنستطيع حينها استرجاع تفاصيل طغى عليها الألم، أو لم يكن يليق بنا أن نضعها في الصدارة مقارنة مع صور الإبادة.

من بين الصور العابرة في تلك الأيّام العصيبة متظاهرون في إحدى المدن الألمانيّة احتجاجاً على المذابح الإسرائيليّة في غزّة، بينهم عرب ومسلمون، وألمان طبعاً، وربّما يهود غير راضين عن ممارسات أبناء دينهم؛ وسط هذا الحشد يرتفع هتاف قويّ لمجموعة من العرب: خيبر.. خيبر يا يهود، جيش محمد بدّو يعود. تستعرض المذيعة أنباء التظاهرات في دول غربيّة عديدة، لنكتشف الهتاف السابق يتكرّر في أكثر من تظاهرة، ما يكشف عن سياق عامّ يجمع هذه المجموعات صاحبة التهديد والوعيد.

لا خلاف في أنّ العدوان الإسرائيليّ على الشعب الفلسطينيّ يستوجب الإدانة من قبل كلّ أصحاب الضمير الإنسانيّ، وقد تعالت الإدانات من كلّ حدب وصوب مبشّرةً بثقافة مضادّة للحرب، وبوعي إنسانيّ بات يرفض باطّراد الاعتداء على الكرامة والحقوق الإنسانيّة، حيثما كانت الحقوق موضع انتهاك. في الوقت ذاته لا يمكننا تجاهل السؤال الوجيه عن موقعنا نحن من ثقافة العصر المنافية للتمييز، والمنحازة إلى حقوق الأفراد والجماعات؛ أنحن حقّاً، كما ندّعي، مناهضون للظلم؟ أم أننا نصرخ فقط حينما نقع ضحايا للظلم؟ أنحن مضادّون للعنف؟ أم أننا ضدّ العنف غير المتكافئ في ظلّ موازين للقوى لا تسعفنا؟ وليس أخيراً؛ كيف لنا أن نشكو من التمييز، بينما لا تزال ثقافة التمييز تحفر عميقاً في عقولنا؟!.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أعلن الرئيس الأمريكي عن حرب "صليبية" على الإرهاب، ولعلنا نتذكّر كيف تلقّف الإعلام العربي زلّة اللسان تلك بحرفيّتها، وتعالت الأصوات المندِّدة بعنصريّة الرئيس الأمريكي آنذاك، والراضية ضمناً بإقراره بأنّ الصراع هو صراع حضاريّ لا صراع سياسيّ، وكأنّ ثقافة العداء للآخر المتجذّرة في مجتمعاتنا كانت متوقّفة على تصريح من هذا القبيل، ولم تكن لها المبادرة الدمويّة في الحدث نفسه. يتكرر الأمر كثيراً بتلقّف أيّة ظاهرة، ولو كانت فرديّة، تشي بعنصريّة ما في المجتمعات الغربيّة، كما حدث في إثارة موضوع الرسوم الكاريكاتوريّة، لكنّ التصريحات التي تصدر عن ساسة ورجال دين عرب أو مسلمين، والتي تنضح بالعداء للغرب عامّة، ولا تفرّق بين سياسة قد تحكمها مصالح إمبرياليّة وشعوب لا تتوافق بالضرورة مع كلّ مفصل من مفاصل السياسة الخارجيّة لإداراتها؛ هذه التصريحات تمرّ دون تنديد منا، بل إن أغلب التظاهرات التي تخرج مندّدة بالآخر ترفع صور الزعماء العرب أو المسلمين أصحاب الآراء المتطرفة. وربّما كان أسوأ ما في التظاهرات العربيّة المندّدة بالعدوان الإسرائيليّ غلبة الشعارات الدينيّة عليها، وكأنّ التضامن الإنسانيّ لا يكفي أو لا يبرّر بمفرده خروج هؤلاء المتظاهرين، حتى العصبيّة القوميّة التي كان لها بعض ملامح الحداثة تراجعت أمام الطوفان الدينيّ.

إذن كيف لنا أن ندين المتطرّفين الصهاينة، ونسكت عن أولئك الذين يصرخون: خيبر.. خيبر يا يهود؟ وحتّى إن تجاوزنا السجال الأخلاقيّ، ما الذي سنكسبه على مستوى السياسة من هتاف كهذا سوى تصويرنا أمام الرأي العام العالمي على أننا ننوي حقّاً إبادة اليهود؟ ألا نقدّم بمثل هذا الهتاف مادّة دسمة للجهات الموالية لإسرائيل؟ أم أننا اعتدنا أن نضرب بعرض الحائط كلّ الحساسيّات التي تصنع الرأي العامّ العالمي، ثم نأتي ونشجب العالم لأنّه لا يناصر قضايانا؟ حتّى على صعيد المقاومة؛ أهذا هو المثال الذي ينبغي تقديمه للعالم؛ أن يُقتل في بيته تحت القصف قياديّ، هو و"زوجاته الأربع" وأبناؤه، ثم يُصوّر ذلك على أنّه نوع من البطولة في ملاقاة الموت المحتّم، وأن يُقال بعدها أنّ ذلك القياديّ كان يدعو إلى عدم إخلاء البيوت المهدّدة بالقصف؟ ثم لنفترض أنّ الرجل حرّ في قراره ملاقاة الموت، فهل هو هكذا فيما يخصّ أبناءه؟ على الأقلّ؛ أليس الأولى به أن يترك لهم فرصة الحياة عساهم يكونون مقاومين في المستقبل؟

لندع الرياء جانباً، فشعوبنا لم تخرج احتجاجاً على حروب أو مجازر وقعت في أماكن أخرى من العالم، باستثناء الحميّة التي ظهرت في بعض البلدان العربيّة لمناصرة "إخوتهم في الإسلام" من أفغانستان إلى كوسوفو، لم يخرج أحد منّا مثلاً ليستنكر المجازر التي وقعت في رواندا وبوروندي، مع أنّها أوقعت عدداً من الضحايا يفوق المجازر الأخرى. ولكي نكون منصفين؛ لم يكترث الغرب أيضاً بتلك المجازر التي طالت الأفارقة، بينما كان أكثر حساسيّة تجاه تكسير عظام الفلسطينيين على يد شامير في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، رغم انحياز الغرب عموماً إلى إسرائيل. وعندما ننوّه باهتمام الغرب فهذا ليس منّة من الغربيين، لأنّ أوروبا تحديداً مطالبة بالتعويض عمّا اقترفته بحقّ الإنسانية مرّتين، فمن ناحية قامت باضطهاد اليهود وعزلهم لمدة قرون، ومن ثمّ تُوّج ذلك بالهولوكست. ومن ناحية أخرى وجد الساسة الأوربيّون آنذاك ضالّتهم في حلّ القضيّة اليهوديّة بترحيلها إلى فلسطين، أي ابتكروا تصريفاً لعنصريّتهم على حساب الفلسطينيين. لكنّ أدبيّاتنا مع الأسف تأخذ الشقّ الثاني فقط، ويحاول المثقفون العرب باستمرار التقليل من شأن الهولوكست، مع أنّ واجبنا الأخلاقيّ كضحايا جدد ينبغي أن يدفعنا إلى إدانة الجريمة الأولى. قد نتفهّم أن يقوم بعض الباحثين الأوربيين بالتنقيب عن العدد الحقيقيّ لضحايا الهولوكست، أما دخول مثقفينا، الذين يفتقرون غالباً إلى الدلائل، في هذا السجال فليس من شأنه سوى المزايدة على الغرب وتبرئته من عنصريّة بات يعترف بها. ثم لنفترض أنّ العدد الحقيقيّ لضحايا الهولوكست هو آلاف قليلة، وليسوا بالملايين كما تصوّرهم الأدبيّات اليهوديّة، ألا تستحقّ إبادة الآلاف إدانة؟ وألا يُعدّ تحويل الضحايا اليهود إلى جلادين جدد جريمة أخرى؟

أستذكر ما تعلّمناه في طفولتنا من تفريق بين اليهوديّة والصهيونيّة؛ تعلّمنا أن نتسامح مع اليهوديّة كدين، وأن نشجب الصهيونيّة كأيديولوجيا عنصريّة. تعلّمنا حينها أيضاً أنّ أخطر ما في المشروع الصهيونيّ هو تقديم نموذج الدولة الدينيّة، ما قد يساهم في إثارة النعرات الدينيّة والمذهبيّة في المنطقة. الآن، عندما يخرج إسلاميّونا إلى "ساحات الوغى، يذكّروننا بما تعلّمناه، إنّما على سبيل المفارقة المرّة. لا يريد هؤلاء استيعاب الدرس، فعندما يعودون إلى غزوة خيبر يعطون مشروعية للحلم بالعودة إلى أرض الميعاد.

لقد شهدنا تلك الصور البشعة في غزّة، وإن لم تكن إنسانيتنا قد انتُهكت لأنّ الضحايا هم بشر أولاًّ فهذا يحتّم علينا مساءلة أنفسنا بدايةً. لا ينبغي للجريمة أن تستمرّ، وإذا خلّفت الهولوكست مزيداً من الجلادين والعنصريّة الجديدة فإنّ من واجبنا ألا نتحوّل إلى إسرائيليين جدد، وأن نلاقي أولئك الذين خرجوا في شتى الأصقاع للتضامن مع مأساتنا. من حقّ الفلسطينيين علينا ألا نحرّف معركتهم عن مسارها، فهم شعب يناضل من أجل حقّه في تقرير المصير، لا من أجل إعادة أمجاد خيبر. نعم، كانت الصور الآتية من غزّة شديدة الوطأة، وكانت صور التظاهرات القادمة من العواصم العالميّة تقدّم بعض العزاء لإنسانيتنا، ويبدو أنّ الأمر لم يرُقْ لغلاتنا فدسّوا لنا فيها تلك الهتافات العنصريّة البغيضة، ولعلّهم بذلك يكملون ما صرّح به المفتي الوهّابي، تماشياً مع إرادة حكومته، إذ وصف التظاهر بأنّه من أعمال الشغب والغوغاء. أليست أفضل خدمة يقدّمها هؤلاء لقضايانا هي أن يصمتوا؟


التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

دمشق - غسان كاخي
1 آذار (مارس) 2009 20:24

منذ بضع سنوات شاهدت ريبورتاج إخباري في التلفزيون السويدي من الأراضي المحتله، سأل الصحافي السويدي إمرأة فلسطينيه عن شعورها من الإعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني متعاطفاًَ، فما تذكرت شئ لأيٍِ من افات الإحتلال والظلم الذي تلحقه دولة إسرائيل العنصريه بالشعب الفلسطيني، بل بدأت تتشدق بكراهية اليهود كونهم يهود وأنها تعلم أبناءها / كانوا واقفين بجانبها/ على كراهية اليهود. غيض من فيض، ونستغرب عدم تفهم الغرب لقضايانا.


الرد على التعليق

- المعلم الثاني
2 آذار (مارس) 2009 17:47

اتفق جميع المثقفين على أن كلمة (كروزيد) باللغة الانجليزية لا تعني بلغة القرن الحادي والعشرين حربا دينية أو أن لها أية علاقة بالصليب كما يظهر في كل قواميس اللغة الانجليزية بلا استثناء ولكن أعداء الغرب وأمريكا لعبوا بعقول الجهال ليوهموهم أن بوش جاء لمحاربة الاسلام…وصدّق المغيبة ألبابهم فهاجوا وماجوا!!…وفضّل بوش الاعتذار لانهاء المسألة أذكر يوم كان عبد الحليم حافظ يغني من كلمات صلاح جاهين عبارات عنصرية بغيضة (انجليزي وجهه أحمر….) فاعتاد الناس على كراهية من خالفهم في الجنس والدين منذ عهد الضباط الأشرار وما سمي حينئذ بالتحرر الوطني…فبعد التخلّص من يهود و الجاليات الاوربية تحول ذلك الحقد عند العامة إلى كراهية موجهة ضد مسيحيي البلاد وبعدهم إلى الشيعة في بلاد السنة والعكس فنار التعصب تأكل نفسها إن لم تجد …. وهكذا فمن يدعو للكراهية حتى إذا كانت كراهية العدو يزرع نبتا شيطانيا في نفسه يودي به للهلاك حارب دفاعا عن النفس لو اضطررت لذلك ولكن احفظ قلبك من الحقد والتعصب


الرد على التعليق

الجزائر - أبو هاجر
2 آذار (مارس) 2009 21:42

مقال تفوح منه رائحة النخوية و التعالي و احتقار البشر إلى حد التهكم على رجل دفع حياته ،هو وأسرته ثمنا لتحرير بلده.يبدو لي لقد آن الأوان لنحت مصلح ( مثقفو الأوان) الذين تخصصوا في احتقار شعوبهم .إن الجماهير التي يتهمها صاحب المقال بأوصاف تحقيرية ستظل هذه الجماهير تعبر عن طموحاتها وتطلعاتها في السيادة و الحرية وجميع مطالبها الدنيوية في ظل الفكر التقليدي لأنها كائنات تراثية ولا ترى العالم الخارجي إلا من منظور هذا التراث .لأن النخبة التي كان يفترض أن تعمل على تنويرها وتحديثها وعقلنتها ،جزء منها ارتبط بالمخابرات و الجزء الآخر بالسفارات .ولما تتخرج هذه الجماهير من الجامعة وتكتسب فكريا عصريا وأيديولوجيا عصرية مثل السي قدور فإنها حتما تتحول من كائنات ثراثية إلى كائنات حداثية راقية تتصرف بأسلوب جنلماني متحضر متسامح عقلاني وتنويري و إلى آخر مفردة من مفردات الحداثة


الرد على التعليق


سوزان ياسين (سوريا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter