رياح التّغيير التي مسّت تونس ومصر وليبيا لن تبلغ الجزائر، على الأقل في الوقت الرّاهن. الوضع في الدّاخل يشهد ركودا. والرّغبة في تحرير العقل والتّخلص من أحاديّة التّفكير وكسر المسلمات الرسميّة ليست تبدو من أولويات المرحلة الحالية. الحكومة نجحت في تقزيم دور المعارضة وتسيير حالة الضغط المفروضة عليها بحكمة، وبحيلة أيضا. حيث قامت بتقديم بعض التنازلات الصّورية واللّحظية، مع مواصلة فرض الخناق على الخيارات الديمقراطية. حكومة جزائرية ترفع شعار التعدديّة والانفتاح على الآخر في الخارج، ولا تخجل من الانبطاح أمام نزوات الجماعات والأحزاب الإسلاموية في الداخل.
مفهوم الدّولة المدنيّة في الجزائر يظلّ مشروعا مؤجلا. ففي بلاد القديس أوغستين وكاتب ياسين وحدها الجماعات الأصولية، الممثلة بثلاثة أحزاب تحتكر أغلبية مقاعد البرلمان، من صار يحرّك القناعات الفردية. جماعات حوّلت الإسلام من رسالة سماوية وعقيدة دينية إلى دستور(مشوّه) من اجل توجيه حياة الناس وفق ما يتناسب مع مطامعها السياسية. مستفيدة من صمت السلطة السياسية، من جهة، ومن اتساع مدّ ميثولوجيات مستوردة من قرون الانحطاط، من جهة أخرى.
مشروع الجزائر المتعددة كما دعا إليه مولود معمري تحوّل، مع مرور السّنوات، إلى مشروع الجزائر الإسلامية، ذات القطبية الواحدة كما تمناها دائما أن تكون حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية المنحلّ. حيث لا يفوت ممثلو الجماعات الراديكالية الفرصة للكشف عن نواياهم في رؤية البلد يقوم يوما ما على منهج الشريعة وأهل السّنة. وإبداء رغبتهم في رؤية الجزائر تتبرأ من مقاصد الديمقراطية وتقوم على شاكلة الخلافة الإسلامية، حيث يُفرض فيها الحدّ على المرتد وعلى تارك الصّلاة وتجلد فيها الزّانية (دونما الحاجة إلى إثبات أو إلى شهود) مائة جلدة.
الخطوات الأولى من أجل تأسيس دولة خلافة إسلامية في الجزائر كانت ناجحة. فحرب الجماعات الأصولية على الخمر وعلى المخامر حققت نتائج جد مرضية. حيث تفيد الأرقام المتحصل عليها أن 310 مخامر موزّعة على 23 من مدن شرق ووسط وغرب البلد أغلقت أبوابها، خلال السنوات القليلة الماضية. والسبب: ضغط غير معلن. ففي ساحة 1 ماي وسط الجزائر العاصمة لم يتبقّ سوى نقطتي بيع وحيدتين، بعدما كانت تتعدى ستّ نقاط بيع قبل عشر سنوات. أما في حي باب الوادي العتيق فأكثر من عشر حانات أُجبرت على غلق أبوابها. وفي مدينة بسكرة، جنوبي الجزائر، حيث عاش اندريه جيد وأوسكار ويلد وكثير من مستشرقي القرن العشرين، لم يبق سوى محل بيع واحد يتهدده قرار بالغلق في كل لحظة.
لماذا هذا التّضييق على الحريّات الفردية؟ هل يعتقد أنصار الأصولية إن فرض النهج الدّيني سلوكا اجتماعيا سيكون كفيلا بإخراج البلاد من قوقعة التّخلف والأميّة التي تتخبط فيها منذ حوالي نصف القرن؟
خطوات الجماعات الدينية التعسفية تجد صدى لها في الدّوائر الرسميّة وفي المساحات الإعلامية المكتوبة والسمعية البصرية. فمثلا صحيفة "الشروق اليومي" واسعة الانتشار (400 ألف نسخة يوميا) تصف اعتداء على محل بيع للخمور بالجزائر العاصمة بالانتفاضة (30/09/2011). وتروّج لحملات غلق الحانات (23/09/2011) وتبارك مبادرات حرق البارات (04/08/2011). مع الإشارة إلى التّقارير والروبورتاجات غير البريئة التي يبثها، من حين لآخر، التلفزيون، الذي تخلى تدريجيا عن الخدمة العمومية لصالح الخدمة الموجّهة.
إن فكرة تأسيس الدّولة الإسلاميّة التي تدعو إليها الجماعات الأصوليّة في الجزائر، القائمة على إلغاء الآخر، هي معارضة للشريعة ولتعاليم الدّين الحنيف. فإذا كانت مرجعيّة أصحاب هذه الفكرة كتاب الله وسنة محمد فيكفي أن نعيد تذكيرهم بواقعة فتح مكة وكيف تفادى الرسول(ص) الخوض في خصوصيات الناس وعبر عن احترام لعقائد المشركين وطقوسهم وممارساتهم لما خاطبهم: "اذهبوا فانتم الطلقاء. لا تثريب عليكم اليوم. يغفر الله لي ولكم". الرسول نفسه احترم اختلاف المشركين عنه فكيف يناقض المتطرفون اليوم تعاليم نبي الإسلام؟
يبدو أن الجماعات الأصولية الداعية لإقامة دولة وفق تعاليم الشريعة لم تستفد من دروس التاريخ. كما إنها لم تتعظ من فشل الدّويلات التي حاولت توريط الإسلام في خلطات الحكم السياسي. ولم تقرأ مقاربات أهم العلماء الذين حذّروا من خطر التفكير في الرّبط ما بين الديني والمدني، على غرار مقاربة الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه الشهير "الإسلام وأصول الحكم"، حيث كتب: " إذا كان شيء في هذه الحياة الدنيا يدفع المرء إلى الاستبداد والظلم، ويسهل عليه العدوان والبغي، فذلك هو مقام الخليفة". فهذه رسالة واضحة لمن ينصبون أنفسهم خلفاء على الناس. إن الدين الإسلامي عقيدة تسامح وتحاور وتعايش مع الآخر، وليست سيفا لقمع آراء من يختلف معنا في العقائد.



- نزيه كوثراني
1 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 16:22
اذا كان الدين الاسلامي عقيدة تسامح وتحاور وتعايش فما الذي جعله عاجزا عن تصفية الارث القبلي الذي تتحدث عنه المصادر الاسلامية .ولم تستطع التجربة الاولى التي قادها الرسول ان تنتج ثقافة وعقلية نقيضة لكل ما كان سائدا حسب لغة السردية الدينية .إما لان الدين يحمل في بنيته عناصر تخلفه الانساني في التحول الى قيم إنسانية حقيقية وهذا ماتشير اليه المصادر الاسلامية في حديثها عن التجربة الاسلامية في الحكم والحياة المجتمعية بدءا من الصراع على الخلافة واستمرار للرق والعبودية والجواري … .او أن تبلور هذا الدين وفق ما وصل إلينا قد تم وفق مثاقفة تاريخية وتلاقح حضاري لكن من منظور المجتمع القبلي والرؤية القبلية في النشأة والتكون والتطور خلال العصر الاموي وما احتاجه من تأسيس لأسطورة الجد الأول .لن نذهب بعيدا في حديثنا عن الاخر غير المسلم انظر كيف تتعامل شعوب شمال افريقية وفي الشرق مع السود والأفارقة المسلمين في تونس و الجزائر وموريطانيا والمغرب … مثلا ألا تجد أحياء وقرى لذوي البشرة السمراء كأنهم في كتوهات من العبودية والاحتقار والتبخيس …وكأن الوطن ليس وطنهم .ويعانون يوميا من العنف اللفظي في التنقيص من قيمتهم الانسانية ولايمكن للمسلم الابيض ان يزوجهم بناته بما يجتره من نصوص مقدسة حيث لافرق ولافضل إلا بالتقوى . ونحن نلاحظ اليوم أشكال مختلفة من الثار الرمزي لهؤلاء من تاريخ القهر في حقهم . وكيف يمكن الحديث عن لغة الدساتير الاصولية وهي تتناقض كليا مع ثقافة الفرد والفردانية والحرية الشخصية والاختيار والاستقلال الذاتي…اما عن الخمر ومتعه فان تجارة المخدرات في البلدان العربية والثالثية توجد بوفرة الى درجة تحصل في باب الواد وغيره على المخدرات بسهولة اكثر من حصولك على رغيف العيش الببسيط بما في ذلك الكتب الصفراء التي تخدرك طول حياتك وتسلب شخصيتك وتمسخ انسانيتك في النمو والنماء والانتماء للقيم الانسانية الكونية …
الرد على التعليق
peine - dr.m.bitar
1 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 20:24
لادولة في الاسلام , ولا اسلام سياسي في دولة , واذا سمح لي أهل الايمان,استثناء , أن انقل شيئا عن الله , دون أن يقام علي الحد , يجب أن أقول , ان الله لم يطالب الشعب المسلم باقامة "دولة " ,فالدولة لاتقوم الا في وطن ..في أرض ثابتة الحدود وواضحة المعالم الاجتماعية والسياسية , فالمشايخ يريدون كينونة هلامية يحكموها ويتحكمون بأمرها , وذلك بالرغم من احتقارهم لها ,ذلك لأنهم يضعون رابطة الدين أمام رابطة التراب والطين , يضعون الولاء للدين أمام الولاء للوطن , يضعون الانسان وراء الدين , انهم يقبلون تلك الهلامة انطلاقا من فكرة "التمكين" , حيث يتمكن الشعب المسلم بعدها من الشروع بأسلمة العالم , وبالتالي انضمام اصقاع العالم الى الهلامة ..دولة الاسلام هي الأرض التي يعيش عليها المسلم …ليس لها حدود جغرافية , انما حدود بشرية دينية ..انها دار الاسلام , التي لا مكان فيها لما يسمونه "النعرة " الوطنية , الهادفة الى أن يحل الوطن مكان الدين , ويصبح الولاء للوطن قبل الدين ..والعياذ باللله !!.
لا أجد ضرورة ملحة لمجابهة الخطاب الديني -الاسلامي بخطاب الحداثة والليبيرالية , لأن الخطاب الديني لايفهم مايقال ,ولا يمكن له أن يتفاعل الا مع ذاته ..الاستنماء الفكري !!!لا لافائدة من من الشروحات والتوضيحات ..وأقصى ما تقتدر عليه أكثرية مروجي الفكر الديني , هوالترديد الببغائي للآيات والأحاديث , مع العلم ان النقاش يدور عادة حول خواء هذه الأحاديث والآيات من أي مضمون فكري نافع ,وحول عدم تأهيلها لتكون مرجعا , فالمرجع معترف به عادة من جميع الأطراف, وليس من طرف واحد . نقول لهم اننا لانشتري "آية الحاكمية " بفرنك , يقولون " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون " نقول لهم اننا سعداء بالكفر ولا نريد جناتكم,نريد تنظيم أمور الأرض دون وصاية وارشاد من أي غيبية , يقولون قال الله سبحانه وتعالى ..ثم قال الله سبحانه وتعالى …وهكذا يدور الفكر الاسطواني حول ذاته ..لاسمن ولا دسم !!
الرد على التعليق
تونس - حنان مغلاوي
1 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 22:18
الاصولية يا استاذ سعيد متجذرة في بلدان عربية كثيرة و حالة الجزائر نجدها في اماكن اخرى كما يبدو ان الثورات لم وان تخدث التغيير المطلوب فالاصولية تواصل ضغطها وتواصل كسب المتعاطفبن معها
الرد على التعليق
- محمد رحال
4 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 00:51
وأنا أقرأ هذا الموضوع يحضرني المثل الشعبي " سأله: ماذا يخصك أيها العريان ؟ فأجابه يخصني خاتم يا مولاي!" و أتساءل متى كان الشعب الجزائري شعبا غير مسلم ومتى كانت هويته غريبة عن الإسلام ؟ و اليوم و هو في بحبوحة سيادته وقد حرر أوطانه بفضل أصالة هويته الإسلامية الراسخة التي لم يفلح المستعمر في استلابها واستبدالها بلائكيته العنصرية ، إذا بكاتبنا يفاجئنا بدعوة استلابية اغترابية تفوح حنينا و نوستالجيا لماضي استعماري تزكم رائحة خماراته الأنوف . فقراءة الكاتب للمجال الجزائري، رغم أنها تحاول إبقاء هويته في خانة الضمير المستتر؛ فهي في عمقها تستهدف رسم هوية للأمة الجزائرية على حسب معايره المستوحاة من حداثة استعمارية جديدة لا تقل استغلالا و دموية عن سابقتها الميدانية. وهي أيضا قراءة توحي أن الشعب الجزائري آخذ في التيهان و الضلال بنبذه لما تبقى من رموز حداثية متفتحة على المجون و البغاء كان أرسى دعاماتها مستعمر غاشم . كان هذا عن تصفية تركة الاستعمار الثقافية الاستلابية . وكان على الكاتب أن ينتبه أيضا لسياسة للحاضر، فعلى سبيل المثل، هناك في هذه الآونة الأخيرة لفت الانتباه للإسراف في التسلح الذي ينتهجه النظام القائم، إنه سؤال لا يقل إلحاحا إذ يتعلق الأمر بسياسة التبذير في التسلح المتبعة و التي تفوق سنويا ما يقارب10 مليارات دولار و السؤال الذي يتبادر للذهن هو ضد أي عدو في المنطقة تعد الجزائر كل هذه العدة والعدد ؟ و قد يكون الجواب مستساغا لو كان ضد الكيان الصهيوني عدو الأمة. ولكن مع الأسف لن يتوقع مثل تلك الجرأة من طغمة عسكرية استبدادية . بل دون شك، سيكون الجواب ، بكل بساطة هو: ضد الشعب الجزائري نفسه لتركيعه وردعه و ترهيبه، اقتداء في ذلك بأساتذتها في القمع والجبن؛ الطغمة القذافية ،تم الطغمة البعثية المتسلطة في سوريا و التي طالما أنهكت ثروات شعبها المغوار في التسلح الباهظ التكلفة دون أن تجرؤ و لو مرة واحدة على توجيه طلقة نارية يتيمة تجاه إسرائيل ردا على اختراقاتها المتعددة لأجوائها وتدميرها لمفاعلاتها النووية و مركباتها البتروكيماوية ! نعم، لا شك أن أكثر من سؤال قد مع تفتح مع تفتح الربيع العربي،ولا ينتظر سوى كيفية طرحه !
الرد على التعليق