الخميس 2 أيلول (سبتمبر) 2010
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > ذلك الحارس القلق ترك الأولاد يسقطون عن الجرف / فوزي محيدلي

ذلك الحارس القلق ترك الأولاد يسقطون عن الجرف / فوزي محيدلي

الثلثاء 9 شباط (فبراير) 2010
، بقلم   
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

أخيراً تخلى الناسك العنيد عن عزلته. رحل ج.د. سالنجر عن 91 عاماً أمضى معظمها في الحفاظ على خصوصيته ومناعة حياضه.

يعتبر سالنجر واحداً من أكثر كتاب أميركا إثارة للجدل في التاريخ الأدبي الأميركي المعاصر. اعتبره البعض كاتباً هامشياً بسبب اختياره لموضوع معين ولاستعماله أحياناً قصصاً قصيرة بلا حبكة، ولكن للأسباب نفسها إكتسب الكثير من الاحترام من العديد من النقاد. كتابه الأكثر شهرة «الحارس في حقل الشوفان»، منع أو حظر في أميركا ذات مرة لكن الحظر رفع لاحقاً بعد أن فُهم مغزى قصصه على ربط الفلسفة الشرقية بالاضطراب والقلق اللذين يعانيهما شبان أميركا بأسلوب يمس شغاف قلوب كل القراء من مختلف الأعمار وبطرق حاكها القليل من الكتاب في التاريخ الحديث. يتمتع سالنجر بموهبة فريدة في كشف أعمق الأفكار لقرائه بخصوص المجتمع من خلال إعطائهم شخصيات مثل هولدن كولفيلد في «الحارس في حقل الشوفان» وعائلة غلاس في «فراني وزووي» الذين يكافحون للحفاظ على نقاوتهم رغم محيطهم الفاسد.

تماماً مثل شخصية بطله هولدين كولفيلد وُلد جيروم ديفيد سالنجر في مدينة نيويورك في الأول من كانون الثاني لعام 1919. بعد تخرجه من إحدى الأكاديميات العسكرية، سافر الى أوروبا متنقلاً في أرجائها لمدة سنة، وقد انعكس ذلك في قصته القصيرة «الى إثمه، مع الحب والقذارة». مع عودته الى بلده عام 1938 دخل كلية ارسينياس لكنه ما لبث أن تركها.

بعد عودته الى الوطن، شرع بكتابة القصص القصيرة التي راح يرسلها الى مجلة «القصة» و«النيويوركر». وقد ظهرت قصته القصيرة الأولى عام 1940 في عدد آذار نيسان من مجلة «القصة». لاحقاً خدم في الجيش بين عامي 1942 و1945 مشاركاً في الحرب العالمية الثانية وقد شارك في إحداث مهمة من الحرب من مثل النزول في النورماندي، وشاهد تحرير باريس. والمجريات التي شهدها في المعارك إنعكست في الكثير من كتاباته لا سيما تلك التي كتبها في أواخر أربعينات القرن العشرين، بعد عامين من عودته الى الوطن وقّع عقداً مع مجلة «نيويوريكر» لكتابة قصص قصيرة.

خلال هذه الفترة حدث أن بدأ بكتابة عمله «الحارس في حقل الشوفان». وقد أزعجت الدعاية التي نالها الكتاب عام 1951 سالنجر ما أدى الى انكفائه الى أوروبا للمرة الثالثة بعد خمود الدعاية. عاد الى الولايات المتحدة ليعيش في عزلة في المنزل الذي اشتراه عام 1953 مع قطعة الأرض على ضفة نهر كونيكتيكات. عام 1955 تزوج كلير دوغلاس. يقال أنه كتب القصة القصيرة «فاني» كهدية عرس لها مستعملاً إياها كنموذج للشخصية الرئيسية. لكن لسوء الحظ لم يصمد زواجهما الى أبعد من عام 1967 وقد رزقا بولدين. قبل سنتين من طلاقه نشر سالنجر «هابورث» وقد شكلت هذه الإضافة الأخيرة الى قصة آل «الغلاس» كما وكانت العمل الأخير الذي نشره، وعقّب أنه لن يسمح بنشر أعماله بعد ذلك.

في عام 1988 كتب الناقد البريطاني أيان هاميلتون قصة حياة (سيرة) سالنجر من دون إذن منه فقاضاه الأخير وربح الدعوة لأنه يفضل بالأساس خصوصيته. وبقي الأديب حتى وفاته يرفض كل طلبات إجراء المقابلات معه أو حتى كتابة تعليقات على أعماله المنشورة. وحين سئل عن السبب أجاب ببساطة، «المادة كلها داخل القصص، لا فائدة من التكلم عنها».

أوديسة أميركية

رغم ميله للعزلة وأخذه على نفسه عهداً بعدم النشر من جديد، إلا أن العديد من الناس لم يتوقفوا عن الاستمتاع بأعماله، لا سيما «حارس في حقل الشوفان». مع أن غالباً ما تقارن هذه الرواية بعمل مارك توين هاكلبيري فين «كأوديسه أميركية في استهلال الانتماء» لا يمكن اعتبار القصة على أنها استهلال الانتماء المألوف لشاب الى دروب الحياة. بدلاً من ذلك تقدم «سرداً عن شاب مثالي النزعة يتسلم عبر ناصحين أخذهم الملل استهلالاً كالحاً عن الحياة الأميركية». مهما تباينت نظرة القراء الى الكتاب فإنه يبقى عبارة عن نظرة فريدة وأكثر من دقيقة لعقل ولد أميركي في السادسة عشرة. وكما هي الحال في حياة أو عمر المراهقة المعياري فإن النزاع المركزي هو ذاك الذي بين البراءة والخبرة. مرة وأخرى لا ينفك هولدين كوفيلد عن مدح اليافعين لبراءتهم مع اتهامه الناس الأكبر سناً بأنهم مزيفون. قضاء هولدين ثلاثة أيام في مدينة نيويورك يمده بنظرة جديدة الى الحياة، نظرة تجعله يرى نفسه أقرب ما يكون الى المسيح المخلص. هو يريد من كل جوارحه أن يكون «الحارس في حقل الشوفان»، ما ينطوي على استعارة حيث ثمة أولاد يركضون في حقل للشوفان فوق جرف. أما حلمه فهو الإمساك بالأولاد قبل أن يهووا من فوق حافة الجرف. يدرك هولدين في النهاية أنه لا يمكنه فعل شيء لإنقاذهم، وأن عليه ترك كل واحد وشأنه.

آل غلاس

كشوفات كهذه مألوفة في «فراني وزووي». وقد نشر العمل أولاً كقصتين منفصلتين ومن ثم صدرتا معاً عام 1961. وكذلك الحال في المجموعات الأخرى، «تسع قصص» (1953) و«إرفعوا عالياً عارضة السقف، أيها النجارون» و«سيمور: مقدمة» (1955). والشخصيات الأساسية لهذه الكتب هي عائلة غلاس المؤلفة من سيمور، الأكبر سناً، هو الشخصية التي ذهبت الى الانتحار؛ وبادي، راوي كل القصص؛ زوي ممثل شاب وفراني، شخصية ثرثار الجامعة، والأم بسي غلاس. أما الشقيقة الكبرى بو بو والتوأم واكر ووالت فيؤدون أدواراً صغيرة في القصص. أولئك الأبناء السبعة كانوا جميعاً متبارين في لعبة خيالية تسمى «إنه ولد حكيم» وفي أوقات متقطعة من حياتهم، وكان سيمو هو من لقنهم كل ما يعرفونه. ولا شك أن انتحار سيمور (كما صور في قصة «يوم كامل المواصفات لبانانافيش») أرعب كل أشقائه وشقيقاته، ولا سيما فراني وزووي. القسم المتعلق بفراني يتمحور حول هذه الشخصية واكتئابها وانهيارها الذي لم يقبله صديقها لاين كوتال وتعامل معه بخفة أو عدم اكتراث. لاحقاً يغمى عليها وهي تتمتم «صلاة يسوع»، الصلاة التي صار لديها هوس بها منذ وفاة أخيها. ويخبر زوي قصة شفاء فراني والتي ترد معظمها في مكالمة هاتفية يدّعي فيها زووي أنه بادي. يتكلم عن علم اللاهوت مع شقيقته وعن صلاتها المسماة «صلاة يسوع». في النهاية الكشف الذي يتحقق لفراني يتسم بكونه دينياً أكثر من شيء آخر، وهذا موضوع يتردد عبر كامل القصة الطويل لآل غلاس.

رغم تباين واختلاف المؤلفين «الحارس في حقل الشوفان» و«فراني وزووي» لكن ثمة أشياء مشتركة بينهما. فهما يتعاملان كل من جهته مع ما تعتقد الشخصيات أنه خطأ في المجتمع. ويقول أحد النقاد في هذا السياق، «يمكن النقاش حول أن «الحارس في حقل الشوفان» هو في الوقت نفسه نقد للمجتمع كما وأنه كشف لتمرد وغضب صبي في عمر المراهقة». كما ويؤخذ على هذا العمل أنه يطرح الكثير من الأسئلة من دون الإجابة عليها. وبدلاً من الإجابة نرى هولدين يذعن في النهاية لما هو عليه العالم. كما وتجادل الرواية ضد المطابقة التي بين الأكاديميين وبين المجتمع، من دون أن يظهر نقاش حقيقي حول أي شيء. ثمة شيء آخر يزعج النقاد هو الطريقة التي يتكلم فيها هولدين الى قرائه عبر الرواية. دائماً ما يستعمل عبارات مثل «إذا أردت أن تعرف» ضاخاً رأيه داخل النص مباشرة. يرى العديدون أن هذه هفوة في الكتاب، ويرد آخرون في المقابل أن معرفة هولدين بالجمهور الذي يتحدث إليه يخلق نوعاً من التوتر القوي داخل شخصه ويوتر بشكل إيجابي كامل الكتاب أو الرواية. أما «فراني وزووي» تبعاً لما يرى النقاد، فتتسم بهفوات أعمق من تلك الأسلوبية في «الحارس في حقل الشوفان». من بين القصتين تبدو «فراني» هي الأفضل حيث الكاتب أكثر سيطرة على مادته ويقدمها الى ذلك بشكل منطقي. أما في «زووي» فيبدو سالنجر مهتماً بشكل أساسي بالتطور الروحي لكل من فراني وزووي. الراوي، بادي الذي هو سالنجر، يبدو مهووساً بمشاكل الشخصيات، وهذا موقف يتردد عبر كامل ملحمة عائلة غلاس. لا بد من الإشارة الى أن سالنجر تماهى مع شخصياته ولم يتورع عن كتابة حبه لها جميعاً عبر صفحات قصصه. ويعتبر هذا الإغراق في التماهي مع الشخصيات نقطة ضعف في كتابة سالنجر مما يجعل بعض النقاد يصنفوه كاتباً ليس من الفئة الأولى. لكن ثمة من لا يقبل بهذا التصنيف. يقول وليم ويغاند:

«أفضل تأييد سالنجر على… تماسك نظرته الخاصة الى العالم. وهذه بالضرورة رؤية أو نظرة أبطاله هولدين، سيمور، تيدي، فراني دوميير والبقية. ويبقى السؤال لدى سالنجر، لماذا تقاتل هذه المخلوقات الذكية، الشديدة الحساسية والودودة في معارك غريبة ومخيفة من دون قائد وبلا قضية».

لعل هذا هو السبب الذي جعل أعمال سالنجر محبوبة جداً من قبل القراء. فالشخصيات تتحدث الى كل من يقرأها وبالنيابة عنه بطريقة أو أخرى.

ومن الصفات الأخرى لعمله التي لم تعجب النقاد هي التقنيات التي يستعملها. فهو يستخدم بشكل عام حبكة البحث أو التفتيش والذي يعتبر النوع الأقدم. وفيما لا يعتبر نوع الحبكة مشكلة بحد ذاته، إلا أن البعض يرى أن استعماله المثابر لهذا النوع يعني عدم قدرته على كتابة أي نوع آخر.

وثمة من لا يهوى أسلوبه لأنه يعتمد بالاغلب على اللغة لإيصال شخصياته الى القراء، وغالباً ما يستعمل حالات وصف طويلة وبلا جدوى، من مثل وصفه لخزانة أدوية في قصة «زووي» ما لا يضيف شيئاً الى السرد. الى هناك يعتمد الكثير من رسمه للشخصيات على الرسائل فقط، مثل رسالة الصفحات الأربع من بادي الى زووي في «زووي». كما ويعتمد سالنجر بشكل كثيف على استعماله للحوار والأغراض الشخصية لجعل شخصياته أكثر واقعية للقارئ. لكن بما أن هذه الشخصيات تستعمل في اكثر من قصة (عائلة غلاس) فهذا يجعل عمله أكثر متانة والتصاقاً بعضه الى بعض.

يرى آخرون أن أساس عمله غير مسؤول اجتماعياً، وبأنه مهووس بالفلسفة الشرقية ويتميز بنظرة ضيقة الى الحياة. ومثل أساتذة بوذية الزن نراه يستعمل باستمرار المفارقات والأحاجي في حبكاته. ويلمح بشكل متواتر أيضاً الى نصوص دينية بهدف إعطاء القارئ المزيد من التبصر الى خلفية الشخصية. ومع أن العديدين يميلون الى اعتبار ذلك نقطة قوة، فالكثير من النقاد يعانون الأمر معتبرين إياه نوعاً من السقطة الفطرية في معظم كتابات سالنجر. من ناحية أخرى تنبلج فكرة أن سالنجر هو الكاتب الوحيد الذي ظهر في أميركا منذ الحرب العالمية الثانية والذي كتب حول ما اعتبر الموضوع الأكبر في الأدب: علاقة الإنسان بالله، أو الحاجة الى وجود الله».

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

التعليق على هذا المقال


Leonor Fini (إيطاليا)

ملف جديد

تمثّل وسائل الإعلام سلطة ما، ربّما تكون رابعة، بالنّظر إلى استعمال توكفيل لهذا المصطلح في السّياق الأمريكيّ، فالصّحافة حسب رأيه سلطة تضاف إلى السّلطة المركزيّة الفيدراليّة والسّلطة المحلّيّة، والسّلطة الجمعيّاتيّة، وربّما تكون رابعة بالنّظر إلى الاستعمال الفرنسيّ، فهي سلطة تضاف إلى السّلط الثّلاث التّقليديّة : التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة. طبعا لم تعد السّلطة الرّابعة تقتصر على الصّحافة (...)

Warning: touch() [function.touch]: Utime failed: Operation not permitted in /home/alawan/public_html/ecrire/inc/genie.php on line 81