الثلثاء 22 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > ملفات > محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (1)

محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (1)

رحيل صاحب "نقد العقل العربي"

الاثنين 3 أيار (مايو) 2010
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك


أمر واحد ربّما كان المرحوم محمد عابد الجابري يأسف عليه وهو يرحل عنّا، هو أنّه لم يستطع أن يكمل مشروعه. مشروعه هذا لم يكن من السهل، ولا من الممكن، إكماله. لأنّه لم يكن مشروع فرد بعينه، بل كان مشروع جيلين، مشروعـ"نا". ذلك أنّ السي محمّد لم يكن ليميّز خلال حياته الفكرية، بين ما يخصّه وما يخصّـ"نا". هذا هو الانطباع الذي كان يتركه لديّ كلّما سنحت لي فرص اللقاء به. كان يشعرني دوما أنّه يحمل على كتفيه أثقالا أكبر من أن يتحمّلها فرد بعينه. لعلّ ذلك ما كان يدفعه نحو العمل، لا أقول المتواصل، وإنّما اللامحدود. لا يمكنك أن تصادف السي محمّد إلا منشغلا مشتغلا، وسرعان ما تجد نفسك متورّطا في العمل معه وإلى جانبه.

 

عرفت السي محمّد أستاذا منذ أواسط الستينات. الميزة الكبرى التي كانت تميّزه هو أنّه لم يكن ليشعرك على الإطلاق أنّ لديه علما يريد أن ينقله اليك، وإنّما أنّه على استعداد دائم لأن يتعلّم معك. كان يشعرنا أنّ الأرض ما زالت خلاء، وأنّ علينا أن نؤسّس الأمور من جذورها. بهذا المعنى يمكن أن نقول إنّ الفلسفة وتدريسها وتعريبها في المغرب أمور قامت على أكتافه. كان يعلم أنّ الأمور لن تكون أوّل الأمر على ما يرام. لكنّه كان يدرك أتمّ الادراك أنّ التأسيس لا يمكن الا أن يتّصف بالنقص وعدم الاكتمال، وأنّ طريق التأسيس شاقّة وعسيرة. لذا كنت تجده ينقضّ على الفرص كلّما سنحت ليستثمرها من أجل ذلك التأسيس. في هذا الاطارعمل كلّ جهده لأن ينتزع تدريس الفلسفة من الأساتذة والمفتشين الفرنسيين، فقام بتهيىء أولى الكتب المدرسية لتدريسها.

 

هذا الأسلوب نفسه هو ما اتبعه في تدريسه الجامعي وإشرافه على الرسائل والأبحاث. لم ينفكّ الأستاذ الجابري يشعرنا خلال حياتنا الطلابية أنّنا بصدد تأسيس جامعة مغربية، وأنّ الطريق ليست يسيرة، وأن علينا أن نحمل الجامعة، وشعبة الفلسفة بصفة خاصة، على أكتافنا. لذا وجدته متطوّعا لتدريس مواد متنوّعة ربّما لا رابطة تربط بينها، اللهم الروح النضالية لذلك الأستاذ الذي يعرف أنّ عليه أن يتعلّم وهو يعلم، وأنّ مفاهيم التخصص والتبحر آتية فيما بعد. وأنّ الوقت هو وقت زرع البذور. الا أنّ زرع البذور لا يمكن البتّة أن يتمّ من غير جذور ووعي تاريخيّ. لذا وجب علينا أن ننفتح على التراث، على تراثين: التراث العربي الاسلامي وكذا على التراث الانساني، الا أنّ كلّ تملّك لما يسمّى تراثا انسانيا لا بدّ أن يتمّ عبر خصوصية هي خصوصيتـ"نا".
 
 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

الدار البيضاء - حدجامي عادل
3 أيار (مايو) 2010 17:40

ما أقسى هذا الخبر، خيلنا تسقط تباعا؛ كان الرجل أستاذا لنا و أستاذا لأساتذتنا، كلنا مدينون بشيء ما لهذا الرجل، تعازي الحارة لكل من درس عنده أو عرفه أو قرأ له، وتعازي بشكل خاص للأستاذ عبد السلام بنعبدالعالي الذي أعرف أن علاقة خاصة كانت تربطه به، ليس أقلها إشرافهما معا، و نضالهما معا، لاستمرار مجلة "فكر ونقد". تعازي لكل الإخوة.


الرد على التعليق

- عادل الحاج سالم
3 أيار (مايو) 2010 17:42

رحل المفكر الكبير وستبقى افضاله على الفكر العربي، وعلى كل من يسعى إلى التنوير.. وداعا أستاذنا الكبير فلولاك لتأخرت إطلالتنا على نوافذ كثيرة في الفكر الحديث


الرد على التعليق

  • آكس (فرنسا) - محمد شوقي الزين
    3 أيار (مايو) 2010 18:50

    ودعاً للمفكّر والفيلسوف محمد عابد الجابري، فالقلب لا يشفى بفراقه، والفكر لا ينسى فضله وفضائله. تحياتي


    الرد على التعليق

طرابلس ليبيا - محمد عبعوب
3 أيار (مايو) 2010 19:39

رحم الله المفكر الجابري، الذي أثار قراءة جديدة لتراثنا العربي، واثار اسئلة جريئة حول الفكر والدين والهوية.. لقد أضاء المرحوم لنا الطريق بما قدمه من رؤى وافكار جريئة فتحت عقولنا على تساؤلات اكبر واوسع وأخرجتنا من اسر رؤى تجاوزها الزمن.


الرد على التعليق

الكويت - القاهرة - أمير الغندور
3 أيار (مايو) 2010 20:04

لن يموت الجابري فهو يحيا في ذهن كل من يقرأه .. وسنظل نقرأه وسيظل حيا داخل أذهاننا .. وهي حياة أكبر وأعمق وأفضل من الحياة في جسده الخاص .. لا أقول رحم الله الجابري .. بل أقول يرحمنا الله نحن بفراق هكذا أستاذ .. وراء أستاذنا فؤاد زكريا .. ترك الجابري رحيق روحه في كتبه .. فتكاد وأنت تقرأه تشعر به حاضرا أمامك .. دكتور عبدالسلام .. يبدو أن مخاوفي على الفكر المغاربي كانت في محلها .. رحيل الجابري خسارة فادحة .. أتمنى أن نجد فيمن تمتعوا بنعمة الدرس على يد الجابري ألف جابري خلفا له .. أخشى أن كون في خسارتنا برحيل الجابري ما لا يمكن تعويضه


الرد على التعليق

- شادي فاروق الشوفي
3 أيار (مايو) 2010 20:08

قد لايكون هناك عزاك في رحيل هذه القامة الفكرية العملاقة، سوى اكمال مشروع نهضوي عربي، ينتشلنا من هذه الفوضى القاتلة. مشروع ساهم المفكر الكبير محمد عابد الجابري بالتأسيس له من خلال كتاباته النقدية وأعماله الفكرية التي أعادت الأمل لو قليلا بوجود عقول لم تظل الطريق. تعازي الحارة لكل من قرأ ونقد، اتفق أو اختلف مع الراحل الكبير.


الرد على التعليق

- عابد
3 أيار (مايو) 2010 20:13

أبلغ تعازي الشخصية لكل القراء و قراء الأستاذ الكبير خصوصا، هذا هو حالنا، أتمنى كما قال المعلقون أن ننشئ ملف بحث حول الجابري حتى نعرف عمق فكره.


الرد على التعليق

  • وجدة - رمضان مصباح
    3 أيار (مايو) 2010 21:10

    وأنت تقرأ الجابري تشعر وكأنك خارج زمنك تتنقل عبر محطات التأسيس القديمة ,وتجالس رجالها الكبار والصغار,بل حتى ذلك الأعرابي الذي لم يمتشق سوى لسانه لتقويم أخطاء النحاة واللغويين الكبار. يقترب منك ابن رشد ,ويرنو اليك الفارابي ويرحب بك ابن سينا ؛ويتدافع الآخرون من أجل أل تغادر دون أن تعرج عليهم. تنتقل الى الحاضر والمستقبل ,فتنتصب أمامك قامة مفكر كبير يعرف كيف يجعلك تنخرط في مشروعه الكبير. بنينا كل قراءاتنا الفلسفية ,في المغرب,على ثلاثية الجابري والسطاتي والعمري:دروس في الفلسفة. بنينا كل تصوراتنا_كمفتشينوأساتذة_ لاصلاح النظام التربوي المغربي على فكر الجابري وأضوائها لا كسلطة تربوية بل كنموذج للانخراط في الفعل.

    مهما يكن تخصصك تتعلم من الجابري فيه؛حينما كان بعض الفقهاء يتفننون في كيفية جعل علمهم الأصولي الفقهي منغلقا على طلبتهم ,كنوع من التعالي المعرفي العقيم ,كان الجابري يفكك مستغلقات هذه العلوم ويذللها في مشروعه ؛وهكذا تعلمنا منه أصول الأصول وفقه الفقه ومنطق المنطق. لن أنس للجابري قوله ذات مناقشة لرسالة دكتوراه في الفلسفة,بصفته مشرفا ورئيسا للجنة : منذ شروع الطالب في بحثه وأنا مختلف معه ,وهذا ما يؤشر على مكانته الفكرية(أوما في معنى هذا الكلام) ليس سهلاأن يصل الانسان الى هذا التجرد ,وقبول الاختلاف ,بل الانتصار له. ربما لأسباب موضوعية لم لميكن الجابري حاضرا في الاعلام المغربي ؛وهذا خطأ فادح من اعلامنا نتمنى أن يصحح حتى يتعرف المغاربة على رجالات فلاسفتهم وعلمائهم وأدبائهم ,على الأقل كما يعرفهم الاعلام العربي والأجنبي. أحر التعازي لأسرة الجابري وسكان فكيك ولكل المغاربة والعرب الذين يعرفون قيمة الرجل. أقترح تخصيص ملف متكامل لهذا المفكر الذي لم يرحم نفسه حتى وهو على فراش المرض ,بشهادة معارفه.


    الرد على التعليق

    • الدار البيضاء - عبد اللطيف درويش
      4 أيار (مايو) 2010 00:12

      أتذكر أول مرة شاهدت فيها الأستاذ محمد عابد الجابري وكانت بالمدرسة المحمدية للمهندسين أثناء تقديمه لعرض حول واقع التعليم بالمغرب….يومها شبه واقع التعليم بالحالة المزرية لميكرفون قاعة محاضرات المدرسة المحمدية الذي كان متآكلا ولا يستقيم على حال… أتذكر يومها روحه المرحة وميله إلى الطرافة والدعابة…ثم كان اللقاء في باريس عندما استدعيناه-نحن لجنة قاطني دار المغرب بباريس- في أواسط ثمانينيات القرن الماضي لإلقاء عرض بدار المغرب بالحي الجامعي الدولي بباريس…ورافقتهه أسبوعا كاملا زرت وإياه أهم المعالم التاريخية لباريس ولإجراء فحوصات في المستشفى الأمريكي بنوييهneuilly. لقد كان رجلا صلباكباقي أبناء مدينة فكيك، يتحمل بصبر وكبرياء مرضه…وكان يواجه مرضه بإصداراته الرائعةالمغذية للعقل والمستفزة له في نفس الآن…أتذكر الجمهور العربي الذي حج إلى دار المغرب للاستمتاع بعرض الجابري وأخذ صور معه…إنه كان يوما مشهودا جعلني أنا المغربي أعتز بسمعة الجابري العربية ومعرفة أبناء العروبة به أكثر من معرفة أبناء بلده به… جبر الله مصيبتنا وجعل لنا في طلبته خير بديل… عزائي لأفراد عائلته الصغيرة(الزوجة والأبناء والأهل) وعائلته الكبيرة عائلة العلم والمعرفة(طلبته وقراؤه والمعجبون بفكره).


      الرد على التعليق

اكادير - لحسن الشباني
3 أيار (مايو) 2010 22:35

رحم الله الجابري الحكيم ،حيث الحكماء صاروا قلة .


الرد على التعليق

  • - محمد نعيم
    4 أيار (مايو) 2010 01:23

    عزاؤنا واحد يا محبي الحكمة في وفاة أستاذ وأب ومناضل، عرفناه عن قرب فكان معلما حكيما متفهما، يعمل بلا كلل مهموما بقضايا هذه الأمة ومنشغلا بتحديثها، تختلف معه وتحترمه لصدقه ووفائه لأطروحاته. فسلام عليه، حاضرا وغائبا.


    الرد على التعليق

المنار تونس - حياة
4 أيار (مايو) 2010 00:48

تاثرت كثيرا بخبر رحيل المفكر الكبير محمد عابد الجابري ،اول ما قرات له كان الخطاب العربي المعاصر وهو كتاب فتح لي آفاق غير محدودة،تعازينا الحارة لعائلته وكل قرائه واصدقائه.


الرد على التعليق

  • تونس - أبو أحمد
    4 أيار (مايو) 2010 03:03

    رحم الله الجابري كان عظيما في فكره برحيله خسرت الأمةرجلا أضاء شمعة في ظلمها الدامس .رحل وما رحل سيظل في العقول


    الرد على التعليق

التوامة قرية بضواحي مراكش - حسن أوزال
4 أيار (مايو) 2010 15:05

ما أقسى موت هذا الرجل في لحظة نحن أحوج ما نكون فيه إلى صداقته الفكرية ونبله الإنساني العميق.كان الرجل مفتاحا بالنسبة للعديد منا في المغرب لدخول عالم الكتابة،لوحده كما قال بنعبد العالي يضطلع بمهام جسيمة،جعلته ملاذنا الأول و الأخير سواء كنا جامعيين أو غير جامعيين.بمعيته أستاذي بنعبد العالي،استعدت توازني النفسي في مجال الكتابة،ومع مجلة فكر ونقد تمكنت من المثابرة،والنشر لأول مرة وكنت كلما عثرت على مقال لي بين مقالات عدد من أعداد المجلة ازددت حماسة و ثقة بالنفس.فالجابري كان لا يكسر أو يحطم ،أكثر مما كان يبني و يهيكل.أشعر اليوم في موته بفقداني لصداقة لا تعوض،ذلك أن موت الصديق تقب في النفس،يستحيل ترميمه.


الرد على التعليق

- كدري خليد
4 أيار (مايو) 2010 15:30

إن رحيل محمد عابد الجابري ليس خسارة جسيمة للفكر العربي فحسب، بل هو خسارة كبيرة لكافة شرفاء العالم. لم تغره المناصب والأموال ولم يغير جلدته يوما ، وظل على عهد المثقف الملتزم بقضايا أمته العربية من المحيط إلى الخليج.عزاؤنا واحد ، وخير العزاء أن نقرأه من جديد و نواصل الورشة التي دشنها في حقلنا الفكري ثم نتأسى بخلقه الزهدي العظيم.عزائي إلى ذويه وأصهاره وأخص بالذكر الأستاذة ليلى زكري و زوجها الكولونيل رحال وابنهما النابغة – تلميذي ذات يوم- المهندس منعم….طوبى للسهارى إذن..خاف شمعدان يتقدم..وآخر يتوارى (الشاعر محمد بنطلحة).


الرد على التعليق

  • fat-has@hotmail.com - الفاقيد عبد الفتاح
    4 أيار (مايو) 2010 20:59

    يرحمك الله يا أستاذنا الجابري.يا من فكك أبجديات الفكر العربي،و أرسى قواعد التفكير المنهجي داخل مشهدنا الثقافي،وآسفاه على رحيلك وفي نفسك حسرة على هذا الزمن الذي انفصمت فيه حلقات الفكر، وأضحى الحكيم غريبا،فطوبى للغرباء الحكماء الأموات الأحياء. يرحمك الله ياعابد الجابري


    الرد على التعليق

فاس - عبد العالي زيان
4 أيار (مايو) 2010 20:45

حسرة أقرب إلى المأساة تلك التي انتابتني زوال البارحة و أنا أسمع خبر رحيل المفكر المغربي و العربي محمد عابد الجابري.لكن ما دفع حسرتي و حزني و جعلهما يتراجعان فيتحولان إلى عمق تفكير و تأمل،هو قيمة هكذا عقل. فكر فأبدع داخل بنية عقول(عقليات)متشابكة و متناقضة،و بأسلوب متين ومنهج مقنع ورؤية قلما يعيد التاريخ مثلها. ذهب إذن الجابري صباح يوم أمس، وما كاد يذهب، وهو الذي أشرقت شمس صباحه على دنيا العالم العربي-الإسلامي ذا الموروث الثقافي والتاريخي المقيد بسلاسل ثقيلة وصلدة،فحاول الراحل إذابة هاته السلاسل ثم إعادة نحث موروث متنور ظل مختبئا متواريا و منزويا بين طيات الزمن..


الرد على التعليق

تونس - محمد الحاج سالم
4 أيار (مايو) 2010 22:26

نُعِيتُ فَرْدًاأمْ الدُّنْيَا بِأجْمَعِهَا*إنِّي أُحِسُّ بِدَهَشٍ شَامِلٍ جَلَلِ جَرَّدْتَ نَفْسَكَ لِلْفِكْرِ تَخْدُمُهُ* فِي جِدٍّ مُحْتِسَبٍ لِلْهَوْلِ مُحْتَمِلُ شَمْسُ المَعَارِفِ يَا سُلْطَانَهَا كُسِفَتْ* كُسُوفَ شَمْسِكَ عَنْ صُبْحٍ وَعَنْ طَفَلِ أبو مسلم البهلاني العُماني (1821-1919).


الرد على التعليق


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter