الثلثاء 22 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > سري للغاية / عزت القمحاوي

سري للغاية / عزت القمحاوي

الاحد 19 أيلول (سبتمبر) 2010
، بقلم   
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

في خطب بعض الزعماء العرب تحظى الثقافة بالتبجيل من خلال جملة أو جملتين؛ بينما يترفع البعض الآخر عن التعرض لذلك الشأن الغامض. وسواء مدح الزعيم الثقافة أو فاته أن يفعل ذلك؛ فالنتيجة واحدة. جموع من يشار إليهم بـ 'المثقفين' كتابا ونقادا وفنانين تتنقل إلى حيث تتنقل منصات الكلام في هذا البلد أو ذاك، وأحيانا يحظى المنتج الثقافي ببعض الدعم، وكثيراً ما تتم مصادرة ذلك المنتج مدعوما كان أو غير مدعوم!

الدعم والمصادرة يأتي كلاهما باسم الدين أو الأخلاق أو الاشتراكية أو الهوية، وهذه كلها أسماء لشخص هو الزعيم مجل الثقافة وشانئها ملكاً كان أو رئيسا ملكاً!

وفي ظل هذه الشيزوفرينيا السياسية الثقافية، كان لابد من أن يكون هناك من يسأل السؤال الطبيعي والمشروع: هل هناك سياسات ثقافية في العالم العربي؟

السؤال تصدت له مؤسسة المورد الثقافي بتعاون مع المؤسسة الثقافية الأوروبية ومؤسسة 'دون' الهولندية والمجلس الثقافي البريطاني. وكانت نتيجة المرحلة الأولى من البحث كتاب حاول أن يقدم إجابة للسؤال على مدى 390 صفحة هي نتيجة عمل باحثين من الأردن، تونس، الجزائر، سورية، مصر، فلسطين، لبنان، والمغرب، وتحرير حنان الحاج علي، رئيسة المجلس الفني للمورد. وكانت النتيجة ثماني متاهات في الدول الثماني، تعثر الباحثون جميعهم في السير فيها، ونجحوا في التعبير عن مأزق التيه الذي عانوه في دروب التشريعات والقرارات والميزانيات السرية للغاية وكأنها أسرار حربية.

وبقدر تعثر الثقافة العربية بقدر سوء حظ هذا الجهد الذي حاول فهم مآزقها؛ فقد كان من المقرر أن يعقد مؤتمر ثقافي كبير في بيروت في تموز/يوليو الماضي لمناقشة الكتاب، لكن الغبار البركاني الأوروبي منع معظم المشاركين من الحضور في فترة حظر الطيران فلم يعقد المؤتمر، ويبدو أنه تمت الاستعاضة عنه بندوة تعقد الأحد في القاهرة.

تقدم بسمة الحسيني، رئيسة مؤسسة المورد البحث بأنه جهد أولي، وليس نهائياً لمشروع بحثي ينبغي أن يتواصل، ولكن القارىء لا يصل إلى نهاية الكتاب إلا بعد أن يقتنع بعدم جدوى الاستمرار في هذا الدرب، وربما وجهت بسمة دأبها إلى مشروع آخر من المشروعات التأسيسية التي تسد نقص السياسات الرسمية في التدريب ودعم الفنانين.

العينة بينة كما يقولون؛ بل إن المجموعة المختارة من الدول تمثل التجارب الأكثر قوة وضخامة، وغالبا الأقدم. الرؤى الثقافية التي تقدمها البيروقراطية في البلدان الثمانية ـ على غموضها ـ هي الأكثر وضوحا. ولا أظن أن هناك ما يمكن أن يضيفه المسح لسياسات المزيد من الدول، اللهم إلا على صعيد التوثيق لتواريخ إنشاء وزارات الثقافة والتشريعات الحاكمة للحياة السياسية والثقافية، وليس على صعيد إضاءة سؤال الثقافة وسياساتها.

تعرّف حنان حاج صالح السياسات الثقافية بأنها مجمل الخطط والأفعال والممارسات الثقافية التي تهدف إلى سد الحاجات الثقافية لبلد أو مجتمع ما، عبر الاستثمار الأقصى لكل الموارد المادية والبشرية المتوفرة، وهي بهذا تتوسع بمفهوم الثقافة بما يتخطى السياسة المتعلقة بالفن والتراث إلى سياسة أشمل وجهود وزارات عدة، الأمر الذي غطته بحوث الكتاب، بشكل واضح في بعض الدول، منوهة بجهود وزارات تتقاطع في عملها مع وزارة الثقافة مثل التعليم والسياحة والدفاع (في حالة مثل سورية، حيث توجد مؤسسات مسرح تابعة للقوات المسلحة).

هذا التفاوت في الاهتمام بجهود الوزارات المعاونة نلحظه أيضا في وجود وغياب بنود أخرى، على الرغم من أن تقديم الكتاب يشير إلى أن الباحثين اعتمدوا في عملهم على نموذج موحد وضعه المعهد الأوروبي للبحث الثقافي المقارن.

في الحالة التونسية نجد جدولاً يوضح حصة الثقافة في الميزانية، التي بلغت أقصاها عام 2001 (6 بالمئة) وأدناها عام 2002 (ثلاثة وسبعين من مئة بالمئة) وهو تباين غريب بين عامين متتاليين، ومع ذلك لم نعرف المبلغ بالأرقام المجردة، ولا نصيب المرتبات من هذا المبلغ مقارنة بنصيب النشاط والإنتاج الثقافي، على أن هذه المعلومة تغيب في بقية البلدان، وقد أشار بعض الباحثين صراحة إلى غياب المعلومات، بينما أغفل البعض هذه الإشارة التي بدت تقصيرا بحثيا.

الأمر نفسه ينسحب على عدد الموظفين بوزارات الثقافة؛ ففي حين يوجد في كل بحث رسم بياني يوضح التنظيم الإداري للوزارات والهيئات الثقافية لا نعرف عدد موظفي الوزارة ولا عدد موظفي كل هيئة، لأن ذلك من شأنه أن يكشف سياسة التوظيف: هل تسعى إلى عمل حقيقي، أم أنها جزء من سياسة استيعاب عمالة متبطلة في الدول الملزمة بتعيين الخريجين؟

كثير من الأسئلة لم تجد من يجيب عنها، وهذا الغموض في الأرقام يحمي غموض المضامين الثقافية التي تجمع الأشياء وأضدادها، وفي كل الأحوال الاستخدام النفعي للثقافة التي تحرص كل الدول على حريتها، لكن الحرية سرعان ما تتبدد عندما نجد ضواط ممارستها التي قد تكون النضال ضد الامبريالية ومن أجل التحرير الوطني، كما في سورية والجزائر، أو مع القيم والهوية الإسلامية ،كما في الأردن مثلاً، أو من خلال سيولة لا يفهمها إلا الله ،كما في مصر.

البلد الوحيد المحظوظ في كل العينة المبحوثة هو لبنان الذي تأخر إنشاء وزارة ثقافته حتى العام 1994، وبقيت محدودة الوجود والهيكل الوظيفي وذلك أفضل جدا، كما أن تركيبة لبنان يستحيل معها التوحيد والتنميط خلف دين واحد أو فكرة واحدة، أو ملك واحد!

أما البلد الأسوأ حظًا ـ كالعادة ـ فهو فلسطين التي تنقسم ثقافتها بين المنظمة والسلطة وداخل السلطة بين الضفة وغزة، بينما يتوزع شعبها على أرض فلسطين التاريخية والشتات، وتطغى صفة الأسير على صفة المواطن.

 

عن جريدة القدس العربي 19/9/2010

 

التعليق على هذا المقال


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter