-2- معضلة المتوحد
يقتضي تجاوز هذه المشكلة – التي تتّخذ في تدبير المتوحد شكل المعضلة- الانتقال من المعنى الأول للتوحد (أي الاتصال بالعقل الفعال) إلى المعنى الثاني له أي غربة الإنسان الفاضل في المدينة والعصر الفاسدين, ويمرّ ذلك ضرورة بتحديد معنى التدبير بشكل عام والتدبير الأفضل بالنسبة للمتوحّد على نحو خاصّ.
2. 1- التدبير و«تدبير المتوحد»
يقوم تعريف ابن باجة للتدبير على سلسلتين من الاستبعادات تفضي أولاهما إلى حصر معنى التدبير ضمن الحقل السياسيّ وإلى حصر القول المتعلق به ضمن مجال «العلم المدنيّ» أو«الفلسفة المدنية» وتفضي الثانية إلى تنزيله ضمن ما يمكن تسميته – بنوع من المجازفة- بالحقل الإيتيقي أو«الأخلاق الفردية» وإلى إثبات مشروعية القول فيه ضمن هذا المجال الجديد (مقارنة بالفارابي وبأفلاطون وبدرجة أقل، بأرسطو).
تتضمن السلسلة الأولى من الاستبعادات بدورها مستويين: تأكيد اختصاص الإنسان بالتدبير، وتأكيد الطابع المدنيّ لفعل التدبير باعتباره ماهيته، وهو ما يعني نفي إمكانية الحديث عن «تدبير إلهي» وعن «تدبير حيواني» من جهة وإدراج أشكال التدبير المختلفة (تدبير الأمور الحربية وتدبير المنزل) ضمن التدبير المدني، من جهة ثانية. ولئن كان رفض الحديث عن «تدبير حيواني» أمرا مفهوما بذاته بل يكاد يكون بديهيا، فإنّ استبعاد الفعل الإلهيّ من مجال انطباق مفهوم التدبير يثير إشكالا ويدفع، ربما، إلى مراجعة بعض القناعات السائدة حول ما اصطلح على تسميته بالفلسفة الإسلامية.
إذا كان التدبير «ترتيب أفعال نحو غاية معينة» (تدبير المتوحد، ضمن رسائل ابن باجة الإلهية، ص37) فإنه من البيَن أنّ ما يصدر عن الحيوان من «أفعال» لا يدخل بالمرّة تحت مفهوم التدبير بل هو لا يعتبر «فعلا» إلا بنوع من التجوّز، فمحدد إنسانية الفعل –كما سبق أن رأينا مع ابن باجة- هو الاختيار، والاختيار لا يكون إلا عن فكر وروية وهو ما يغيب من أفعال الحيوان لأنها صادرة عن انفعال نفسانيّ محض، وحتى الأفعال التي يأتيها الإنسان من جهة ما يشترك فيه مع الحيوان غير الناطق لا تسمى تدبيرا إلا إذا كانت متضمنة في نظام أفعال مُنشئه الأوّل هو الفكر. لكن ماذا عن «الفعل الإلهي»؟ يبدي ابن باجة ترددا كبيرا في تسمية هذا الفعل تدبيرا، بل إن بعض عباراته تتجه بوضوح إلى رفض هذه التسمية واعتبارها قولا «مشككا» وضربا من ضروب «التشبيه». يتجلى التردد من خلال العبارة الواردة مباشرة بعد تعريف التدبير. فهذه اللفظة تفترض كثرة الأفعال التي يتم ترتيبها وبالتالي توحيدها ضمن الغاية التي ترتب نحوها. لذلك فإن هذه اللفظة لا تطلق على فعل واحد قصدت به غاية ما «وأما من اعتقد في ذلك الفعل أنه واحد لم يطلق عليه التدبير، وأما من اعتقد فيه أنه كثير وأخذه من حيث هو ذو ترتيب سمى ذلك الترتيب تدبيرا ولذلك يطلقون على الإله أنه مدبَر العالم» (نفسه). ولكن ما هو الفعل الإلهي الذي يمكن أن يسمى تدبيرا؟ يجيب ابن باجة أنه «إيجاد الله تعالى للعالم» (نفسه، ص38). ولكن هذا المعنى الذي يعطي للفظ «التدبير» «فإنما هو تدبير بوجه آخر بعيد النسبة عن أقرب المعاني تشبها به» (نفسه) فهو من «الأسماء المشككة»، وهو يقال «باشتراك محض» كما لا يكف ابن باجة عن التأكيد في ذات الموضع. ذلك أن التدبير في معناه الأصليّ يوصف بالصواب والخطأ أما إيجاد الإله للعالم فهو يوصف بالصواب وبـ«شيء آخر شريف ورائد له» («رسالة الاتصال» ضمن المصدرنفسه، ص166).
ما هي دلالات هذا الاستبعاد؟ يلاحظ ألاَر («ابن باجة والسياسة»، ضمن أورينتاليا إسلاميكا، المجلد الأول، ص38) أن تردد ابن باجة في إسناد اسم «التدبير» إلى الفعل الإلهيّ يفيد تجاوزا للمماثلة بين الحاكم والإله أي نقل «النموذج الإلهي» إلى المجال السياسي، هذه المماثلة وهذا النقل الذان يشكلان قاعدة التفكير الفلسفيّ القديم في المجال السياسيّ لا سيَما لدى أفلاطون والفارابي. ويقيم ألاَر علاقة بين هذا التجاوز وبين ما شاع لدى القدامى وخصوصا لدى الفتح بن خاقان من تشكيك في صحة عقيدة ابن باجة الإسلامية، فالظاهر، حسب ألاَر «أن الاعتقاد في المدينة المثلى باعتبارها الحيز الذي يجتمع فيه الأفراد الذين أدركوا المعقولية الكاملة، هذا الاعتقاد عوَض، أو، على الأقل، أضعف عقيدة ابن باجة الإسلامية» (نفسه). غير أنّ هذا التأويل يؤكَد حول ابن باجة حقيقة كان ابن رشد أول من تفطّن إليها وهي جدة وطرافة عمله الفلسفيّ مقارنة بسابقيه.
هذه الطرافة التي رأينا أن ابن باجة نفسه كان واعيا بها، ستتجلّى من خلال انتقاله من الحديث عن التدبير باعتباره يخص المدينة ولا يقال عن غيرها من أشكال الفعل الإنسانيّ، إلى تأكيده على مشروعية قوله الفلسفيّ المتعلّق بتدبير المتوحد.
هذه الطرافة التي رأينا أن ابن باجة نفسه كان واعيا بها، ستتجلّى من خلال انتقاله من الحديث عن التدبير باعتباره يخص المدينة ولا يقال عن غيرها من أشكال الفعل الإنسانيّ، إلى تأكيده على مشروعية قوله الفلسفيّ المتعلّق بتدبير المتوحد.
لكن ما هي، قبل ذلك، دواعي حصر مفهوم التدبير ضمن المجال المدنيّ أو السياسيّ؟ يميز ابن باجة بين مستويين منطقيين للحديث عن التدبير من جهة موضوعه، أي من جهة طبيعة الأفعال التي يسمَى ترتيبها نحو غاية معينة تدبيرا. فالتدبير «قد يقال بعموم وخصوص، وإذا قيل بعموم قيل في كل أفعال الإنسان كيف كانت، فذلك يقال في المهن ويقال في القوى إلا أنه في القوى أكثر وأشهر ولذلك يقال في ترتيب الأمور الحربية ولا يكاد يقال في صناعة السكافة والحياكة، وإذا قيل على هذا الوجه فقد يقال أيضا بعموم آخر وخصوص. وإذا قيل بعموم قيل في كل الأفعال التي تشتمل عليها الصنائع التي تسمى بالقوى، وقد لخّصته في العلم المدنيّ، وإذا قيل بخصوص قيل على تدبير المدن» (ص43). لا يحدد ابن باجة ما يسميه «القوى» ولكنه يجمع داخلها ثلاثة أنواع من الفعل الإنسانيّ (الأمور الحربية وتدبير المنزل وتدبير المدينة) ويقيم مقابلة بينها وبين «المهن» مثل السكافة والحياكة. غير أن لفظ «التدبير» لا يصدق على «القوى» الثلاث بنفس الطريقة. وهو في استعماله الدقيق لا يهم سوى الأفعال التي تنتمي إلى مجال السياسة المدنية. وهذا الحصر يتمّ من خلال التمييز بين «الأفعال المقصودة لذاتها» وتلك «المقصودة لغيرها» فالأمور الحربية ليست مقصودة لذاتها لأنها «جزء مدينة»، أي إن القول فيها جزء من القول في المدينة (ويحيل ابن باجة بهذا الصدد إلى محاورة الجمهورية لأفلاطون). وكذلك الأمر بالنسبة للمنزل، إذ القول فيه هو إما جزء من القول في المدينة أو من القول في الإنسان. فالمنزل الفاضل، مثل الإنسان الفاضل، هو جزء من المدينة الفاضلة. وإذا ما وجد في واحدة من المدن «الفاسدة» أو «الناقصة» فإنه لا يرتقي إلى منزلة موضوع قول علميّ إلا باعتباره «سبب حدوث المدينة الفاضلة» (ص41).
نفس هذا القول يصدق على الإنسان المفرد الذي لا يسند إليه «تدبير» ولا يكون في خطاب علمي إلا منظورا إليه باعتباره «جزء مدينة». ولا يرى ابن باجة أية ضرورة للقول في المدينة الفاضلة على أساس أن هذا القول قد تحقق واكتمل مع أفلاطون «والقول فيما قد قيل فيه فأحكم فضل أو جهل أو شرارة» (ص43). كيف يستقيم إذن القول في المفرد وفي تدبيره وفي سعادته؟ يؤسس ابن باجة هذا القول من خلال تحديدين، سالب وموجب، للمدينة الفاضلة تتحدد على أساسهما الخاصية العامة التي تلتقي فيها المدن الفاسدة وهو ما يشكل منطلقا لتعريف «النابت» أو «المتوحد» وتحديد شروط القول فيه.
تختص المدينة الفاضلة، أولا، بكونها تخلو خلوا تاما من الطبيب والقاضي. فأهلها لا يتناولون الأغذية الضارة، كما أنهم خيّرون بالطبع وبالتالي يزول التشاكس وتنعدم الضغينة بينهم. وثانيا تختص هذه المدينة بأنّ كل فرد فيها يعطي «أفضل ما هو معد نحوه» (ص42). انطلاقا من هاتين الخاصيتين، السالبة والموجبة، يمتنع منطقيا الحديث عن «مفرد» في المدينة الفاضلة. فالرأي المخالف لرأي أهلها كاذب، والعمل الذي لا يوافق أعمال أهلها خاطئ. لا وجود إذن، ولا إمكان لوجود النوابت في المدينة الفاضلة.
أما في المدن «الناقصة» أو «الفاسدة» التي تختصّ بوجود القاضي والطبيب (وبقدر ما تكون المدينة أكثر فسادا بقدر ما يكون للقاضي وللطبيب منزلة أرفع فيها) فـ«قد وجد فيها النوابت، ووجودهم هو سبب حدوث المدينة الكاملة» (نفسه). و«النابت» لفظ استعاره ابن باجة من الفارابي لكنه ضيَق استعماله بحيث لم يعد يشير سوى إلى الذي «وقع على رأي صادق لم يكن في تلك المدينة أو كان نقيضه هو المعتقد» (ص43). ذلك أن الفارابي كان يستعمل هذا اللفظ للدلالة على كل من رأى رأيا مخالفا لآراء أهل المدينة التي هو فيها. على هذا النحو يكون «النابت» مرادفا لـ«المتوحد». ويتخذ القول فيه طابعا «علاجيا» اعتبارا لأنّ المتوحّد «قد لحقه أمر خارج عن الطبع» وأنّ النظر فيه ينبغي أن يحدّد «كيف ينال السعادة إن لم تكن موجودة أو كيف يزيل عن نفسه الأعراض التي تمنعه عن السعادة أو عن نيل ما يمكنه منها، إما بحسب غاية رويته وإما بحسب ما استقر في نفسه» (نفسه). غير أن هذا القول يثير إشكالا عويصا: كيف يمكن للفرد أن يحقق السعادة في غياب «شرطها الأنطولوجي» أي المدينة؟ وعن هذا الإشكال يتولّد آخر وهو كيف يكون القول في المتوحّد معقولا و«علميا» في حين أنه «قد لحقه أمر خارج عن الطبع» ونحن نعلم أن الفلسفة القديمة تقوم على تلازم ضروري بين الأنطولوجي والإبستيمولوجي؟
عن هذا السؤال المزدوج يجيب ابن باجة بأن القول في المتوحد لا يهتم به بما هو كذلك بل بما هو «سبب لحدوث المدينة الفاضلة» بحيث يمكن أن يكون «تدبير المتوحد» نوعا من «المشروع الثوريّ» (وإن كانت تغلب عليه اليوطوبيا) يعبر عن تطلّع لتغيير الواقع. لكنّ هذا التأويل سرعان ما يسقط عندما نستحضر مختلف الإشارات المعلنة أو الضمنية التي تعكس يأس ابن باجة المطبق من مدن زمانه التي يعتبرها «قد فسدت فسادا تاما» وأن لا أمل في شفائها (نفسه). بل إن هذا اليأس ذاته هو الذي يشكل منطلق فلسفة ابن باجة الأخلاقية جملة ومظهر جدتها مقارنة بسابقيه. لا يتصور ابن باجة أن «الإمكان المنطقي» للمدينة الفاضلة بما هي الحيز الضروري لكل سعادة هو «إمكان واقعي» وهو ما يجعله يعترف ضمنيا بأنها مجرد «مثل أعلى» ضروري بالنسبة لمن يريد أن يختط لذاته مسلكا في الحياة يحقق له نوعا فريدا من السعادة سنرى أنه يتجاوز حدود الزمان والمكان. هذه السعادة وهذا المسلك يتحدّدان بكونهما يشترطان نوعا من «الاتحاد بالمطلق» مشروطا باعتزال أهل المدن وبتكوين «جماعة» من «الغرباء» الذين «لم تجتمع على رأيهم أمة أو مدينة» («في الغاية الإنسانية» ضمن الرسائل، ص 110).
لكن هذه العبارات المحيلة بوضوح على المعجم الصوفي لا تعني البتة أن يأس ابن باجة من مدن زمانه قد أدى به إلى تبني خطاب المتصوفة والدفاع عن مسلكهم. بل إننا على العكس نراه يوجه إليهم نقدا لاذعا لم يوجهه إليهم أيّ من فلاسفة العرب المعروفين.
2. 2- المتوحد والمتصوف
يشير ابن باجة في نهاية القسم الأول من «تدبير المتوحد» إلى «السعداء» الذين يعتزلون المدينة وينشؤون خارجها نوعا من «المدينة الفاضلة» في غياب أيّ أمل في وجود مثل هذه المدينة وجودا واقعيا. ويضيف ابن باجة «وهؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقولهم الغرباء لأنهم وإن كانوا في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم غرباء في آرائهم قد سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر هي لهم كالأوطان، إلى سائر ما يقولونه» (ص55). فالذي يجمع بين «النابت» أو «المتوحد» كما رسم ملامحه ابن باجة و«المتصوف» هو هذه «الغربة» التي يعيشها كلاهما، وهذا التوزع بين انتماء فعليّ إلى المدينة (الفاسدة) وبين تطلع إلى عالم مختلف جوهريا عن عالم الناس. وهذا أيضا ما يفسر في كتابات ابن باجة حضور ألفاظ وعبارات تنتمي إلى المعجم الصوفي مثل «التوحد» و«الاتصال» وكيف أن السعيد في نظر ابن باجة هو الإنسان الذي فارق المادة (= الجسم) مفارقة تامة و«اتحد» بالمطلق (= الله) حدّ الذوبان فيه و«الحلول». لكن هذه التماثلات تتوازى في الرسائل مع نقد جذريّ لـ«فلسفة التصوف» سواء من جهة الغاية التي يطلبها المتصوف أو من جهة النمط السلوكي الذي يفترض أنه يوصل إليها.
يتنزل هذا النقد، الذي يهمنا من جهة دلالته على طبيعة وطريق السعادة التي ينشدها المفرد في تصور ابن باجة، ضمن مستويين: كنه «السعادة» التي يطلبها المتصوفة (أو يعتقدون أنهم يفعلون) والكيفية التي بها تتحقق لهم (أو التي يتوهمونها كذلك). يتحرك أهل المدن الفاسدة لطلب اللذة. واللذة أصناف، فمنها ما يحدثه إشباع الحاجات الطبيعية وهي لذة زائلة زوال موضوعها كما أنها مسبوقة ضرورة بالألم (لذة الأكل مسبوقة ومشروطة بألم الجوع). هناك أيضا مجموعة من اللذات المرتبطة بالجاه والثروة والسلطة وغيرها. وكلها غير متصلة لأن ما يدفع الإنسان إليها هو ما يحصل في نفسه النزوعية «لأن وكد هذه النفس جمع ما لا يجتمع وتحصيل ما لا يتحصل فإن الأمر إلى غير نهاية، ولذلك لا يلحق الحيوان غير الناطق هذا النوع من الآلام، لأنها لا تتذكر هذه الأوهام» (نفسه). ومن بين هذه اللذات يدرج ابن باجة تلك التي تتبع تحصيل العلوم، وهي لذة تكون أعظم بقدر ما يكون العلم الذي يتم تحصيله أشرف.
على هذا الأساس تكون المرتبة الأرفع في اللذة هي تلك التي يدرك فيها الإنسان أسمى درجات المعرفة عبر اتصاله بما هو مفارق وأزليّ. هذه الحال هي التي يعتقد الصوفية أنهم طلبوها وأدركوها لكن ذلك ليس إلا وهما فَهُمْ «لقصورهم عن الصور الروحانية المحضة قامت عندهم هذه الصورة الروحانية (الناشئة عن اجتماع قوى النفس الثلاث، أي الحس المشترك والمخيلة والذاكرة) مقام تلك. ولما كانت هذه تكذب عند افتراقها وشعروا بصدقها عند اجتماعها دائما، ظنوا اجتماعها هو السعادة القصوى. ولما كانت عند اجتماعها تحضر لمن اجتمعت له صور غريبة ومحسوسات بالقوة هائلة المنظر وأنفس أحسن كثيرا مما في الوجود ظنوا أن الغاية إدراك هذه» (ص56).
يخطئ المتصوفة خطأين اثنين: تحديد الغاية بلواحقها (السعادة باللذة)، وإدراك ما يعتقدون أنه الغاية بطريقة غير التي يجب عليهم سلوكها فهم يخلطون بين «المكاشفة» (التي يمكن تفسيرها «علميا» باجتماع قوى الإدراك الحسيّ الثلاث) بالاتصال الذي لا يتحقق إلا بالعقل الذي يمثل أشرف أجزاء الإنسان والذي يقود التصور الصوفي للسعادة إلى جعل «وجوده باطلا» («رسالة الاتصال» ص171)، كما أن جعل اللذة – حتى تلك التي ترتبط بتحصيل العلوم- غاية قصوى مناف للتدبير الحق الذي يجب أن يكون للمتوحد لأنه لا يوجد لأيّ نوع من اللذات اتصال طالما أنها تقع كلها داخل حدود الزمان.
على هذا الأساس تتحدد الغاية القصوى التي يجب على الإنسان المفرد نشدانها في نظر ابن باجة: «تحصيل» سعادة مطلقة يخترق بها حدود الزمان والمكان ويلتحق عبرها بالعقول المفارقة البسيطة ليصبح واحدا منها. كيف تتحقق هذه السعادة؟
لا يمكن للمتوحد أن يتجاهل الضرورات التي يفرضها عليه «وضعه الإنسانيّ» أي إنه يأتي بالضرورة أفعالا يشترك فيها مع «الروحانيين» (أصحاب «الفضائل الشكلية») لكن هذه الأفعال ليست مطلوبة عنده لذاتها بل بما هي مدخل للأفعال التي تتحقق بها السعادة المطلقة: الخلود.
عبر تدرجه في مراتب العلم النظريّ يدرك المتوحّد مرحلة يتجرّد فيها تماما من المادة وشوائبها ليحل في العقل الفعال وليلتقي بباقي السعداء، الذين سبقوا منهم والذين سيلحقون. «بهذا وحده يكون المتقدم والمتأخر في الزمان واحدا بالعدد» («تدبير المتوحد» ضمن الرسائل، ص79). والسعيد على هذا النحو هو الذي خلَص ذاته بشكل نهائيّ من كل ما من شأنه أن يشدّه إلى ما هو زائل ومتغير حتى يصبح كائنا إلهيا محضا. هذا التجرد عن المادة وعن كل ما يتصل بها يذكرنا بفكرة «الاتحاد» المشروطة بالمجاهدة و«إماتة الجسد» لدى المتصوفة، لكنه يختلف عنه جذريا عند ابن باجة من حيث أنه يتحقق بالاعتماد على العقل الإنساني وإن كان هذا العقل يحتاج لتحقيق هذه الغاية إلى معونة إلهية وهي المعونة التي تمكنه من مغادرة الوجود المتناهي إلى الوجود اللامتناهي. ذلك أن «طول الوجود المتناهي كقصره».
للإطلاع على الجزء الأول من هذا المقال
أنقر هنا


