الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > حوارات > سعيد ناشيد: أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير لن ينتج غير (...)

سعيد ناشيد: أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير لن ينتج غير الهمجية

الاحد 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011
بقلم: حسن سلمان  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

يرى المفكر المغربي سعيد ناشيد أن ربيع الثورات العربية وضع حدّا لأسطورة "الاستثناء الإسلامي"، وفتح المنطقة على إمكانية تحول ديمقراطي يشمل كافة التيارات، من أقصى اليسار العلماني إلى أقصى اليمين الديني، وجعل ذلك التحول مشروع سنوات محدودة، بدل أن يكون مشروع الجيل الذي لم يولد بعد، كما كان تصور الكثير من النخب السياسية والثقافية.
ويؤكد أنه ليس من الإنصاف إنكار مساهمة النخبة المثقفة في الثورات، مشيرا إلى أن بعض المفكرين ورجال القانون والأستاذة كانوا في طليعة الحراك الشعبي والسياسي الذي أفرزه الربيع العربي في عدد من الدول.
كما يبرر تخوف بعض المثقفين من الاختطاف الأصولي للثورة كما حدث للثورة الإيرانية، ويرى أنه طبيعي، "فأمام غياب اجتهادات فقهية ودينية ولاهوتية تواكب تطور الوعي السياسي للحركة الإسلامية، يظل النكوص ممكناً، وفي مجال صناعة التاريخ لا شيء محسوم سلفا".

 بعد مرور حوالي عام على الحراك الشعبي الاستثنائي الذي يجتاح العالم العربي من المحيط إلى الخليج، يبدو من المنطقي والملح أن نحاول وضع توصيف منطقي وتقييم علمي وفكري لما يحدث في ظل وجود محاولات فكرية "خجولة" لا ترقى لمستوى الحدث .
والسؤال: هل نحن أمام "ربيع عربي" لم تنضج ثماره بشكل جيد؟ أم "مؤامرة غربية" أو "سايكس بيكو جديدة" -بتعبير هيكل- لإعادة تقسيم العالم العربي؟ أم "ثورة معلوماتية شابة" تستمد قوتها من الحرية التي توفرها الشبكة الدولية عامة ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص؟

 نستطيع أن نستعمل نظرية المؤامرة لتفسير كل شيء، وأي شيء، ولا شيء. لكن، بمعزل عن الاستيهامات التي قد تثيرها نظرية المؤامرة، يمكن القول أن ثورة تونس - فاتحة الثورات العربية - فاجأت كل العقول والتوقعات، وبعثرت كافة الأوراق والحسابات.
من العبث أن نتصور وجود أي مركز للدراسات الاستراتيجية في العالم، مهما بلغ من إمكانيات مالية وبشرية، كان بوسعه أن يتوقع متى وأين يمكن أن تندلع أول ثورة شعبية في القرن الواحد والعشرين؟ بل المسلّمة الشائعة قبل انتصار الثورة التونسية، أن عصر الثورات مضى وانقضى، ولم يبقَ هناك من ممكن سوى العنف المجاني والإرهاب العبثي، لا سيما في العالمين العربي والإسلامي.

فجأة، وخارج كل التوقعات، اندلعت ثورة شعبية مطالبة بالديمقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وأنجزت أعز مطالبها وأهم أهدافها، لكن أين؟ في بلد عربي ومسلم! هذا لم يكن ضمن مدركات أي خيال سياسي - على الأقل منذ فشل محاولات التحول الديمقراطي في الجزائر والعراق - بل كان التساؤل لا يزال ينصب حول أسباب تأخر العرب والمسلمين عن الوعي الديمقراطي.

لقد وضع ربيع الثورات العربية حدّا لأسطورة "الاستثناء الإسلامي"، وفتح المنطقة على إمكانية تحول ديمقراطي يشمل كافة التيارات، من أقصى اليسار العلماني إلى أقصى اليمين الديني، وجعل ذلك التحول مشروع سنوات محدودة أو شهور معدودة، بدل أن يكون مشروع الجيل الذي لم يولد بعد، كما كان تصور الكثير من النخب السياسية والثقافية.

حين يقرر الإنسان المغلول بالقيد والقهر أن يراهن بحياته من أجل الحرية والكرامة، حين يصرخ الشعب التونسي: "نموت نموت ويحيا الوطن"، حين ينشد الشعب السوري: "الموت ولا المذلة"، حين ينهار جدار الخوف فجأة ويقول الإنسان المصري في وجه الطاغية: "كفاية"، فمن العبث أن نبحث عن مصادر التحريض والمؤامرة خارج وعي "العبد" بنفسه. نعم، ثمة تحريض، لكن التحريض نابع من وعي الإنسان بذاته كذات، أي كإنسان.

 فيما تتهاوى الأنظمة العربية تباعا، تبدو الفرصة مؤاتية للتيارات الدينية لملء الفراغ السياسي بعد ملئه اجتماعيا، وربما هذا ما يفسر إصرار بعض الأنظمة السياسية على إلباس الحراك الشعبي طابعا دينيا "متطرفا" اعتمادا على الرصيد الكبير لهذا التيارات في المجتمعات العربية.
والسؤال: كيف تفسر النجاح الكبير الذي حققه الإسلاميون (فوز حزب النهضة بحوالي نصف المقاعد في الانتخابات) في تونس؟ هل هي رغبة التونسيين بالقطع نهائيا مع نظام استبدادي استمر لربع قرن؟ أم أنه نتيجة دعم خارجي للحركات الإسلامية في العالم العربي؟ أم هي زيادة "التدين" أو اللجوء للإسلام كمخلص في المجتمع التونسي؟

بكل وضوح، مشكلة الإسلاميين أنهم يريدون الدخول إلى عصر الحداثة وحقوق الإنسان، وهذا من حقهم ولا يمكننا إنكاره عليهم، بل هو مكسب صريح للجميع، لكن الملاحظ أنهم في المستوى الفقهي والكلامي واللاهوتي، لم يستطيعوا تجاوز السقف الاجتهادي للإخوان المسلمين، ليوسف القرضاوي، لهيأة علماء المسلمين، ولقناة الجزيرة القطرية، وهو سقف اجتهادي متدن، لكنهم عاجزون عن تجاوزه.

مفكرو الإسلام السياسي الكبار، الذين رافقوا مرحلة التأسيس، أمثال مالك بن نبي وعلي شريعتي، لا يجيبون عن أسئلة اليوم. مكانهم داخل الإسلام السياسي بقي شاغرا، يملأه في الغالب الفقهاء والوعاظ وعلماء الدين التقليديون.

كان مفكرو الإسلام السياسي في مرحلة التأسيس مجددين داخل إيديولوجية عالمثالثية، وكان حلمهم هو بلورة مشروع حضاري بديل عن الغرب، ويشمل العالم الإسلامي. ثم انحدر سقف الحلم، وبدل التفكير في إنجاز مشروع حضارة جديدة في المنطقة الإسلامية، أصبح حلم الإسلام السياسي هو أسلمة الغرب.

بمعنى أن الإسلام السياسي أراد أن يقول: إذا لم نكن قادرين على تجاوز الغرب أو التفكير من خارجه، ولا حتى انتقاده كما يفعل المفكر العملاق إدوارد سعيد، وإذا كان الغرب "قضاء وقدر" فلنكتف بأسلمته.

طبعا لست ضد أن ينتشر الإسلام في الغرب، وفي المقابل لست ضد أن تنتشر المسيحية في الشرق، لكن الذي أرفضه هو أن يصبح انتشار الإسلام رهانا سياسيا وإيديولوجيا لحركات ستتسلم مقاليد الحكم.

الواقع أن الخطاب الإيديولوجي ليوسف القرضاوي وطارق رمضان وراشد الغنوشي وفهمي هويدي وغيرهم، لا يزال في محاججاته خطابا متعلقا بهذا الوهم العظيم.

أيا يكن، فحتى لو أسلم غدا كل سكان أوروبا وأميركا والصين، فالحاصل أن أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير وحقوق الإنسان، لن ينتج غير الهمجية. هذا هو الدرس الأهم.
نعم، الجميع يقر بأن هويتنا عربية إسلامية - وإن كان البعض يقولها على خجل أو لمجرد المزايدة السياسية - إلا أن هويتنا عربية إسلامية وستبقى كذلك إلى أجل غير مسمى. غير أن الإسلام لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله في مجرد دين.

دعني أجدد التوضيح التالي: العلمانية لا تعني فصل الإسلام عن الدولة أو عن السياسة، وإنما تعني فصل الدين عن الدولة أو عن السياسة. حين نقول أن هويتنا إسلامية فليس يعني ذلك أنها هوية دينية.
ومثلا، حين نتحدث عن الفكر الإسلامي، أو الفلسفة الإسلامية أو المعمار الإسلامي أو المطبخ الإسلامي، فلا يعني ذلك أننا نتحدث عن الدين. اللهم إذا كنا سنحوّل الدين إلى إيديولوجية شمولية، مثلما فعل الإيرانيون بعد الثورة.

ليس هناك عاقل يدعو إلى الاستغناء عن الدين. لكن مشكلة الخطاب الديني أنه لا يزال - في غياب إصلاح ديني ولاهوتي جذري - ينتمي إلى العالم القديم، عالم البيعة والطاعة والشورى ونحو ذلك. في حين أن السياسة أصبحت، منذ ما يقارب قرنين من الزمن، تنتمي إلى العالم الجديد، عالم الانتخابات والديمقراطية، والتعددية، والعقد الاجتماعي، وفصل السلطات، والتداول على السلطة، ونحو ذلك.

وهنا بودي القول إن الإسلام السياسي أخفق في استيعاب كلا العالمين تبعا لمبتغاه. وصدقا، لا يمكن للرجل الشرقي أن يستمر في لعبة عشق امرأتين في نفس الوقت: واحدة تقليدية للتناسل، وثانية عصرية للترفيه. الانسجام مطلب من مطالب الصحة النفسية والأمن الروحي.
الإسلام السلفي اختار المعشوقة التقليدية، وهو يقاوم كل إغراءات المرأة العصرية، في حين أن الإسلام السياسي لا يزال يبدل جهودا مضنية لأجل الفوز بالحسنيين، ما يثير ارتباكا في الخطاب وضبابية في الرؤية.

أعتقد أن الجيل الجديد من الإسلام السياسي، لم يعد يتحمل هذه الازدواجية، لذلك ثمة توتر وقلق وبحث دؤوب عن منظورات جديدة. شجاعة العدالة والتنمية التركي أنه أعلن الطلاق البائن (بينونة كبرى) مع مفاهيم وتصورات العالم القديم، واتجه إلى تبني خطاب الحداثة شكلا ومضمونا.

بكل تأكيد، ثمة حركات إسلامية دينية تقليدية تمثل الأغلبية الساحقة داخل الإسلام السياسي، لكن ثمة في المقابل حركات إسلامية غير دينية، أي مدنية، لعلها حالات قليلة جدا، لكنها أكثر فاعلية حين تجد الأيادي ممدودة، من قبيل العدالة والتنمية في تركيا، والذي لم يعد يصنف نفسه ضمن الأحزاب الإسلامية - ربما هو نوع من ما بعد الإسلامية - وربما يكون حزب النهضة في التونسي في بداية الطريق، لكنها بداية مفتوحة على كل الاحتمالات، لا سيما وأن النهضة حزب غير متجانس وإنما يتألف من ألوان طيف متضاربة في بعض الأحيان.

آمل أن نشهد في الزمن المنظور ظهور مفكرين جدد داخل الإسلام السياسي، يستطيعون تجديد الرؤية الفكرية بما يتناسب مع أسئلة الجيل الحالي.
إذ لا يعقل أن تبقى قدرات التطور النظري واقفة عند حدود مرجعية يوسف القرضاوي وهيأة علماء المسلمين والإخوان المسلمين وقناة الجزيرة في قطر - علما بأن الشيخ راشد الغنوشي نفسه يقر بمرجعية القرضاوي - بل، علينا أن لا ننسى أن انتقال حزب العدالة والتنمية التركي من الإسلام الديني إلى الإسلام المدني، ليس نتيجة حراك سياسي فقط، وإنما هو ثمرة اجتهادات فكرية جريئة وجذرية.
في الانتخابات التونسية الأخيرة، كان الناخب التونسي مدركا بأنه يصوت على مجلس تأسيسي، من أهم مهامه صياغة دستور الجمهورية الثانية.

وإذا أعدنا قراءة نتائج الانتخابات سنلاحظ أن الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى حزب إسلامي لكنه، خلاف معظم إسلاميي المنطقة، لا ينكر الحداثة، والحزب الذي حصل على المرتبة الثانية حزب علماني، لكنه، خلاف معظم علمانيي المجتمعات المغاربية، لا ينكر الهوية القومية. ما يعني أن الناخب صوت على قوى الاعتدال سواء إسلامية أو علمانية.

الناخب صوّت على العنوان الإسلامي والعربي للجمهورية التونسية. لكنه، بعد هذا العنوان العريض للانتماء الحضاري، يرفض أي إيديولوجية قد تعيد تونس إلى العالم القديم، وإلى عالم تعدد الزوجات وبيعة الإمام وطاعة الزوج والحاكم.
 لذلك نفهم كيف أن حزب النهضة الإسلامي كان أيضا مطالبا، بل ومحاصرا أحيانا، بأسئلة من طرف النخب والناخبين، تتعلق بضرورة التزامه بمكتسبات المرأة التونسية وبالمواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وعدم المساس بمستلزمات السياحة، وما إلى ذلك.
لكني في المقابل، أود أن أتساءل أمام العلمانيين والإسلاميين على حد سواء: لماذا نلاحظ أن النماذج الأكثر تقدما وانفتاحا للحركات الإسلامية، موجودة فقط، أو في الغالب، داخل الدول التي تعرضت لقدر معين من العلمنة، مثل تركيا وإلى حد ما تونس؟ وهل يمكن لهذه النماذج أن تبرز دخل مجتمعات عربية أخرى شهدت أقل قدر من العلمنة، مثل مصر أو الأردن أو المغرب؟ هل يمكنها أن تظهر في مجتمعات لم تشهد أي جهد للعلمنة، مثل السعودية؟

هذا يدفعنا إلى أن نعيد النظر في تقييمنا لصعود نجم العدالة والتنمية في تركيا، حين نعتبره إخفاقا للعلمانية. لا، ليس الأمر كذلك. عندما يدعو زعيم حزب العدالة والتنمية التركي رجب طيب أردوغان الحركات الإسلامية في العالم العربي إلى تبني خيار العلمنة، فهذا يعني أن العلمانية - والتي لم تبقَ متصلبة، وهذا طبيعي - قد كسبت في الأخير حليفا مهما. أو هذا هو المأمول. هذا الحليف الجديد قد يحمل اسم الإسلام المدني، فيما لو تبناه مفكرون جذريون وجريئون.

هل يمكن تعميم التجربة التونسية على بقية الدول العربية أو معظمها، على اختلاف ظروفها؟ بمعنى هل يمكن القول إن الربيع العربي سيأتي بحكومات إسلامية (كما يؤكد الوزير البريطاني ألستير بير)؟ وهل نحن أمام انحسار الفكر العلماني واليساري مقابل مد إيديولوجي إسلامي؟ وما أثر ذلك على التقاليد المدنية الراسخة منذ نصف قرن في عدد من البلدان العربية (تونس مثلا)؟

كل تعميم هو مجرد تعتيم؛ فلا الإسلاميون من طينة واحدة، ولا العلمانيون من نفس الطينة. فضلا عن أن ظروف كل بلد تختلف. دون ذكر النسيج الاجتماعي والطائفي الذي يختلف من بلد لآخر.
وفي كل الأحوال، حتى على افتراض وصول حكومات إسلامية في جل مجتمعات الربيع العربي، لن تكون النتائج نفسها. فالإسلام عنوان عريض يحتمل إيديولوجيات متنافرة، من الملا عمر إلى رجب طيب أردوغان، ومن أيمن الظواهري إلى طارق رمضان.
وبكل صدق، حزب النهضة التونسي يعدنا سياسيا بالكثير من الانفتاح على قيم الحداثة وحقوق الإنسان، غير أن اجتهاداته تظل في المستوى السياسي فقط، في حين أن رؤيته الفقهية واللاهوتية لم تتجاوز بعد الإيديولوجية المحافظة المتمثلة في الإخوان المسلمين والشيخ القرضاوي وهيأة علماء المسلمين وقناة الجزيرة. وهو سقف هابط فقهيا ومنحدر فكرياً عن السقف المطلوب لاستيعاب الجيل الأخير لحقوق الإنسان بلا حرج ومن دون تحفظ.

المشكلة أن بعض الحركات الإسلامية المغاربية التي تحاول أن تقلد حزب النهضة التونسي، سقفها أكثر هبوطا حتى من السقف الإخواني أحيانا؛ وذلك بسبب التكوين الفقهي التقليدي للزعامات.
ولنعترف، لعل وجود حركة إسلامية عاقلة في تونس - وهذا ما يجب الاعتراف به - يرتبط بمستوى العلمنة داخل التعليم التونسي. لكن، يصدق هذا الاستنتاج على تركيا بنحو أوضح.
وهنا أود التنبيه إلى أن الهزيمة الانتخابية للعلمانيين، في بعض الأحيان، قد لا تعني بالضرورة هزيمة العلمانية نفسها، بقدر ما تعني أن العلمانية كسبت حليفا جديدا.
أعتقد أن إمكانية التحول المدني والعلماني متوفرة في الإسلام، بل تكاد تتوفر فيه أكثر من أي دين آخر، وهذا ما أكدته في كتابي السابق "قلق في العقيدة". وإن كان ثمة تشدد في مستوى الشريعة، فما ذلك إلا للتغطية على المرونة الأصلية للعقيدة، والتي هي عقيدة بلا شروط ولا اشتراطات ولا قيود ولا مؤسسات.

وكما أن تشدد الشريعة يجد صداه عند معظم حركات الإسلام السياسي، فلا أستبعد في المقابل أن يجد انفتاح العقيدة صداه عند بعضها الآخر. وبالمناسبة، لا أخفي تفاؤلي بالتقارب الذي يحدث في مصر بين الناشطين المدنيين والصوفيين والأزهريين، في مكافحة أوهام الدولة الدينية. لكن، لا يكفي هنا التفاؤل. فدورنا كمفكرين ومثقفين عقلانيين هو المقاومة بشجاعة وحكمة وهدوء.


 في ذات السياق، يرى البعض (ومنهم حميد زناز) أن تونس تستبدل ديكتاتور يدّعي العلمانية بآخر ملتحٍ يسعى لإقامة الدولة الإسلامية الوهمية، بالمقابل يرى آخرون أن الوقت قد حان لإعطاء الإسلاميين الفرصة للحكم (لتبيان حسن النوايا) بعد سنوات من "الاستبداد العلماني"، ما رأيك بذلك؟

المفكر العقلاني لا يبني تقديراته على استقراء النوايا أو التفتيش في الضمائر. المفكر العقلاني يهتم بتحليل الوقائع والعلامات والخطاب. وفي هذا المستوى، فإن مثل هذه القراءات لا دليل لها ولا دليل عليها.

 أبقى في إطار السؤال السابق، هل العالم العربي مرشح لأي من النماذج التالية "إيران"، "السعودية"، "تركيا"، "طالبان"؟ أم ثمة نموذج آخر (تعددي) أكثر قابلية للحكم (تقول في إحدى مقالاتك "في تونس انتصر التعدد السياسي، وفي ليبيا انتصر تعدد الزوجات"؟


سنكون أمام مخاطر جديدة مفتوحة على عدة احتمالات وعلى نماذج متنوعة، لكن المؤكد أن شروط العودة إلى الدولة الشمولية تحت أي إيديولوجية كانت، لم تعد متوفرة. المؤكد أيضا أن تقنيات التواصل اليوم ومنتديات التواصل الاجتماعي قد أوجدت مساحات جديدة للمقاومة. ثم إن الطبيعة اللامركزية لأنظمة الحكم، وتشابك فعاليات المجتمع المدني، وترابط آليات السوق، كل ذلك يمنع إمكانية أي تحكم شمولي في مصائر الناس، ولو باسم الدين.

في تقديري، إن إمكانية نجاح تجربة التحول الديمقراطي في تونس تقوم على ثلاث مقومات: أولا، دور الجيش في حماية أهداف الثورة من دون أن يتدخل في السياسة؛ ثانيا، قوة الطبقة المتوسطة كضامن للاستقرار ومورد للنخب السياسية والثقافية؛ ثالثا، الإرث العلماني الوطني للحبيب بورقيبة، والذي لا ننسى أنه، بعد أن تحرر من قبضة الدولة الأمنية، أدار العملية الانتخابية بكامل النزاهة والتجرد.

في مصر يختلف الأمر. فهناك تدخل كامل للجيش، وغياب شبه كلي لأي إرث علماني، وضعف للطبقة المتوسطة. إلا أني لا أذهب إلى حد تشاؤم من يعتقدون بأن مصر واقعة بالضرورة بين خيارين لا ثالث لهما: إما الدولة العسكرية أو الدولة الدينية.
ثمة إمكانية لنجاح التحول الديمقراطي نحو دولة مدنية. غير أن ذلك رهين بمستقبل التعاون الاستراتيجي بين الفاعلين الأساسيين في مقاومة أوهام الدولة الدينية: التيارات المدنية، والحركات الصوفية، ومؤسسة الأزهر، والكنيسة القبطة، والمثقفون.


 ما هو دور النخب العربية -يرى البعض أن المثقفين لم يساهموا بالثورات العربية لكنهم حاولوا ركوبها لاحقا ونسبها لأنفسهم- في ظل الواقع العربي الإسلامي الجديد؟ وما سبب خوف بعض المثقفين العرب من الواقع الجديد ووقوفهم إلى جانب "الثورة المضادة" كما تشير في إحدى مقالاتك؟


ليس من الإنصاف أن ننكر مساهمة المثقفين في الثورات، وأن نزعم أنهم يحاولون فقط الركوب عليها. فبالأدلة التنظيمية، كان المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي عضوا نشيطا في هيأة حماية أهداف الثورة، وكان برهان غليون رئيسا للمجلس الوطني السوري. بل الملاحظ أن انتفاضة سيدي بوزيد بتونس، ومنذ اندلاعها عقب احتراق البوعزيزي، ساندتها ودعمتها نقابات المحامين والأساتذة. وهؤلاء هم الطليعة المثقفة في منطقة سيدي بوزيد.
لا ننكر أن بعض المثقفين يتخوفون من الاختطاف الأصولي للثورة كما حدث للثورة الإيرانية. وهذا التخوف طبيعي؛ فأمام غياب اجتهادات فقهية ودينية ولاهوتية تواكب تطور الوعي السياسي للحركة الإسلامية، يظل النكوص ممكناً.

 لكن، في مجال صناعة التاريخ لا شيء محسوم سلفا ومسبقا. أهم النتائج عادة ما لا تكون متوقعة. ولذلك، أيا يكن، فلا يعقل أن نرفض الثورة أو الحرية أو الديمقراطية بدعوى أنها قد تُسرق. وإلا، سيكون شبيها بذلك المحارب المعتوه الذي يقتل زوجته لكي لا يغتصبها خاطفوها.

بكل نزاهة، لا أملك جوابا آخر عن المخاوف المشروعة من حدوث أي انقلاب أصولي على أهداف ربيع الثورات العربية، سوى جواب واحد: المقاومة.
لكن، لا ننسى في المقابل، أن بعض الحداثيين، من أشباه المثقفين، بإصرارهم على القطيعة مع كل أشكال الهوية أو تفكيكها إن أمكن، إنما يديرون ظهورهم للشعوب، ويمثلون خيانة للمشروع الحداثي التنويري نفسه، والذي لا يقوم على أساس الفراغ الهووي (من الهوية) إلى حد العدمية أحيانا، وإنما يحتاج إلى أرض، وثقافة، ولغة، وتاريخ، ومتخيل، وبشر نتقاسم معهم خبزهم ولغتهم وأحلامهم، ونحبهم ونتعاطف معهم، قبل أن نفكر في تغييرهم.


ما هو نوع الفكر الذي يمكن أن ينتجه الحراك العربي الجديد على الصعيد العربي والدولي (الماركسية والاشتراكية والشيوعية والوجودية والبنيوية والتفكيكية وما بعدها جاءت كرد فعل على حروب أو أزمات أو حراك دولي معين)؟


يبدو أننا نحتاج إلى ما يسميه إدغار موران بالفكر المركب. فقد أصبح التفكير الخطي والبسيط عاجزاً عن تفسير الكثير من الظواهر المركبة. أعطيك مثالا: كيف نفسر وجود امرأة غير محجبة عضو في المجلس التأسيس التونسي باسم حزب النهضة الإسلامي؟ مثال ثان: كيف نفسر أن الزوايا الصوفية وجامع الأزهر يساندان القطب الحداثي في مواجهة الإخوان المسلمين والسلفيين في مصر؟ مثال ثالث: كيف نفسر أن تركيا نجحت خلال مرحلة حكم حزب العدالة والتنمية في تحقيق مجمل معايير الاتحاد الأوروبي؟
البرغماتية السياسية لا تفسر كل شيء. ثمة أنماط جديدة من الوعي المنفلت من عقال القواعد التبسيطية.

وفي كل الأحوال، نحن أمام حالات جديدة يعجز الفكر الخطي البسيط على استيعابها، اللهم إذا كنا نستعين بالاستيهامات من قبيل وجود مؤامرة، أو أجندة سرية، أو نحو ذلك.
الأنساق المغلقة، والتي تزعم القدرة على الإجابة القبلية والشاملة عن كل الظواهر وإنتاج مواقف جاهزة، أصبحت متجاوزة، ووظيفتها الوحيدة المتبقية أن تعرقل آليات التوافق والتفاهم والتواصل المفتوح. في المستقبل لن يكون هناك مكان لغير الأنساق النظرية المفتوحة، المتحولة، المرنة، المركبة، والخاضعة في كل لحظة للتفاوض.

لقد ظهرت النزعات التفكيكية كخيار فكري في مواجهة الأنساق الشمولية المنتجة للنازية والفاشية والستالينية. أعتقد أن الانتكاس إلى الشموليات الاستبدادية لم يعد ممكنا في عصر التواصل الجماهيري الواسع. من هنا نحتاج إلى الانتقال من دينامية التفكيك إلى دينامية التركيب. هذا الانتقال بدأناه في عدة مجالات: من بينها أننا في المجتمع المدني نتحدث عن التشبيك، وفي التعليم والتكوين نتحدث عن الإدماج، وفي التنمية نتحدث عن التنمية المندمجة وعن المقاربة الشمولية.

ليست هناك معرفة نهائية وقطعية، وإنما كل شيء خاضع للتفاوض، من الدرس الذي يقترحه الأستاذ في القسم، إلى منهجية العلاج التي يقترحها الطبيب في المشفى، إلى المشاريع التنموية الكبرى للدول. بل حتى الحقيقة العلمية نفسها تتجه اليوم نحو منطق القابلية للتفاوض.

خذ مثلا قضايا الجينات والهندسة الوراثية والطاقة البديلة، كل هذه القضايا وغيرها لن تبق في المستقبل القريب مجرد حقائق علمية مجردة وخاضعة لأنساق صورية أو تجريبية صارمة، بحيث يتصرف فيها العلماء وفق مشيئتهم داخل أسوار الجامعات والمختبرات، بل تتجه نحو الاندراج ضمن الفضاء العمومي.
إننا نتجه نحو نوع من العقلانية التي تجعل كل شيء قابل للتفاوض. وهنا بالضبط يكمن الدور التثقيفي للمفكر في إدارة النقاش العمومي، بعيدا عن ادعاء امتلاك نظرية سحرية تفسر كل شيء أو تتنبأ بكل شيء.

 
 عطفا على ما مضى، ثمة من يروج لفكرة أن دول "المغرب العربي" قد تسحب الثقل الاقتصادي والثقافي من دول "المشرق العربي" (ليبيا قد تصبح مركزا اقتصاديا ومرتعا خصبا للاستثمارات الغربية على غرار الخليج، وتونس قد تنافس عواصم الثقافة التقليدية مدعومة بمناخ الحرية الجديد)، ما مدى قابلية هذه الفكرة للتحقق على أرض الواقع؟ وإلى أي مدى سيكسر الربيع العربي الحواجز (الاجتماعية والثقافية خصوصا) التي شيدتها ودعمتها الأنظمة السياسية البائدة؟

لا أظن أن الوضع في ليبيا بتلك البساطة. في ليبيا لم تكن هناك دولة ولا نظام سياسي ولا قانون ولا قضاء ولا مؤسسات ولا تنظيمات، كان هناك فقط معمر القذافي الذي انتزع كل الألقاب (القائد، الفاتح، ملك ملوك إفريقيا…) ما عدا لقب رئيس سابق، وهناك لجان ثورية تحصي الأنفاس، وكان هناك كتاب خرافات يسمى بالكتاب الأخضر.
ليبيا اليوم دولة تولد من العدم. هذا لن يكون تحديا سهلا. أما وعود الرخاء والازدهار فهي أبعد ما يكون عن الممكن السياسي. فأمام ليبيا تحديات أمنية، تتعلق بحجم السلاح المنتشر في بلاد صحراوية شاسعة الأطراف، وبالسيطرة الميدانية للسلفيين المتشددين.
في غياب تقاليد مدنية، وقوة الإسلام السلفي، قد تصبح ليبيا نسخة ثانية للسعودية؛ دولة رهينة في أيدي التيار السلفي المهيمن، وتسبح فوق ثروات هائلة من دون تنمية اجتماعية أو ثقافية أو بشرية أو سياسية.

أما تونس فلديها كل الإمكانيات البشرية لتصبح مرجعا للتنمية السياسية والاجتماعية والبشرية والثقافية.
المشكلة أن أسواق المال لا تزال تطالبنا بالنمو الاقتصادي ولو على حساب التنمية الاجتماعية. والخوف كل الخوف، أن تسعى الحكومة التونسية القادمة إلى كسب شهادة حسن السلوك من أسواق المال، على حساب التنمية الاجتماعية والتي هي المطلب الأول للشعوب الثائرة شرقا وغربا.

زرت تونس بعد الثورة مرتين، وبوسعي أن أقول إن الشعب التونسي عاشق للحياة، وهو يميل إلى الانضباط بنحو تلقائي وعفوي.
تونس بلد يتمتع بعمق حضاري وثقافي، وتمتزج فيه دينامية التنوع بروح الانسجام. ليس هناك تنافر كبير بين المثقفين الناطقين بالعربية والمثقفين الناطقين بالفرنسية، كما هو الحال عندنا في المغرب. ليس هناك تباغض كبير بين العلمانيين والمدنيين من جهة وبين الإسلاميين والدينيين من جهة ثانية، كما هو الحال في مصر. ليست هناك طوائف متباعدة كما هو حال لبنان.

داخل الهيأة العليا لحماية أهداف الثورة، وداخل اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات، لم يكن هناك غير اليساريين والعلمانيين والمدنيين، لكن الانتخابات كانت حرة ونزيهة وشفافة، وكان النصر حليف الإسلاميين، ومع ذلك رضي الجميع.
لكن الحقيقة أيضا، أن أغلب النخب في الفكر والثقافة والإبداع والسينما والموسيقى والإدارة والأعمال لم تساند حزب النهضة. وأن الجيش التونسي الذي لم تتلطخ أياديه في السياسة، يحظى بكامل المشروعية الأخلاقية لكي يسهر على حماية الديمقراطية ويحميها من أي التفاف محتمل.

هذا يعني أن أمام حزب النهضة جهد كبير لأجل تبديد المخاوف. وكل الأمل أن يساهم بصدق في إثارة نقاشات فكرية قد تطور الرؤية الإسلامية وتقدم نموذجا اجتهاديا يتجاوز سقف الإخوان المسلمين.
تونس تحوي موارد بشرية هائلة في تجديد الفكر الإسلامي، وأسماؤها في هذا المجال أعلام ترفرف في سماء الاجتهاد والتجديد. وهذا يكفي لكي يبرر الآمال.
تونس محكوم عليها بأن تكون أملا لثورات كانت، ولا تزال، ثورات بلا أوهام.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

المغرب - ادرس شرود
27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 19:29

أشكرك صديقي سعيد على تفضلك بالإجابة عن أسئلة الصديق حسن سلمان.
- أعتقد أن مرور حوالي سنة من "الحراك الشعبي" قد يسمح بتقديم تقييم شامل لمسيرة التحول السياسي والفكري في منطقة جنوب وشرق المتوسط.
- أثارني كثيرا هذا النوع من التفاؤل الذي صدر منك صديقي سعيد، بل تفاجأت من بعض الأجوبة القطعية التي لا تمنح للقارئ إمكانية التعليق أو التعقيب أو حتى التفاهم.
- اسمح لي أن أعيد بعضا من أفكارك التي تريد أن تضع حدا لأي رد مختلف.
- تقول صديقي سعيد:
- " أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير وحقوق الإنسان لن ينتج غير الهمجية".
- " الجميع يقر بأن هويتنا عربية إسلامية".
- أكيد أنك تتابع ماينشر على موقع الاوان ، وهذا يمنحنا إمكانية التواصل أكثر.
- في التنوير:
- سبق لي أن أكدت على تناقضات عصر التنوير، وعلى المشكلات الجديدة التي ميزته، سواء على صعيد الخطاب أو الممارسة، واسمح لي أن أعيد بعضا من هذه المشكلات:
- أولا: تميز عصر الأنوار ببروز تقنيات سلطوية ومعرفية وإدارية جديدة، كان الهدف منها ليس إضفاء المشروعية على السلطة فقط، بل إنتاج أجساد "طيعة" بما يتناسب والنظام الإقتصادي(النظام الرأسمالي). والمثير جدا، في هذه التقنيات، هواهتمامها الكبير بالجسد، إذ لم يعد المطلوب من الشخص تقديم فروض الطاعة، ولا إنزال العقوبة في حالة ارتكاب أي جرم، عن طريق سحقه وتقطيع أوصاله أو التغلب عليه، بل ترويضه وتدريبه ومراقبته حتى يكون في خدمة الدولة ويزيد من قوتها. هكذا أبدع مناصروا الأنوار تكنولوجيا التأديب عبر ابتكار سلط مصغرة، تضطلع بها مؤسسات متنوعة كالمدرسة والمستشفى والإدارة والثكنة والسجن، تلك المؤسسات التي كانت في حاجة ماسة إلى ممارسات وخطابات وفرتها علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، كما أكد على ذلك ميشيل فوكو في العديد من مؤلفاته. وللإشارة، فقد ساهمت هذه الإهتمامات السياسية والمؤسساتية والعلمية في تكوين بنية سلطوية جديدة وكلية تخترق أرق أنسجة المجتمع".
- ثانيا: "ابتكر مناصرو الأنوار وخدام النظام الليبرالي من مصلحين ومعماريين وأساتذة وفلاسفة عقلانيين مثاليين منهم وماديين، طرقا جديدة للعقاب ومنشآت معمارية(مدارس، ثكنات، سجون، مدن عمالية…)، وعلوما إنسانية(علم النفس،الديمغرافيا، علم الإحصاء، علم الإجتماع، علم الإجرام، تيارات فلسفية…). وقد أقامت هذه العلوم علاقات معقدة مع السلطة مكنت من إطلاق سيرورة "التحديث" و"العقلانية" مع "الإخضاع والتأديب والمراقبة" (مقتطف من تعليقي على مقال الصديق رمضان بن رمضان" الظاهرة السياسية بين الديني والدنيوي). أكيد أن هذه التحولات التي رافقت عصر التنوير خلال القرن 18م، مع انتقال النظام الرأسمالي إلى مرحلته الإمبريالية أواخر القرن 19م، لم تعكس بعمق شعارات الثورة الفرنسية، ولا خدمة المواطن وحقوقه الإنسانية.
- في الهوية والإختلاف:
- تساءلت في تعليق سابق، عن ذلك العماء الذي يطال الباحث في التاريخ الديمغرافي لمنطقة جنوب وشرق المتوسط، وأكدت على أن هذه المنطقة شهدت عبر العصور استقرار شعوب مختلفة، متنوعة الأعراق والثقافات والحضارات والأديان(الأمازيغ، اليهود، الفنيقيين، القرطاجيين، الفرس، الماغول، البيزنطيين، الوندال، الأكراد، الأقباط، الدروز، المارونيين، الأفارقة، العرب، الأندلسيين…، الديانة اليهودية، المسيحية ،الإسلام) . بل أن الموقع للمنطقة للمنطقة جعلها منفتحة على التأثيرات الإفريقية والأسيوية والأوربية.
- أتساءل عن الأسباب التي تجعلك صديقي سعيد، تدير ظهرك لكل هذا التنوع والإختلاف، عند الحديث عن الهوية. إذ تكتفي بالكلام عن الربيع العربي، والهوية العربية الإسلامية….. في هذا الصدد، تساءلت في سياق آخر - والسؤال موجه إليك صديقي سعيد - في معرض كلامك عن الوعي الديمقراطي العربي، عن "الوعي الديمقراطي الكردي والأمازيغي ، خاصة مع هذه الحرية التي صارت تتكلم فجأة باللغة الكردية ( آزادي ) وباللغة الأمازيغية( تيللي ) ؟(من مقالك: المثقفون بعد الثورة…).
- في الإسلام والعلمانية:
- هل تقييم سنة من "الحراك الشعبي"، يمكن أن يدفع صديقي سعيد إلى:
- أولا: التأكيد على توفر"إمكانية التحول المدني والعلماني (…) في الإسلام". هل فعلا يمكن أن يحتمل الإسلام العلمانية، ناهيك عن معتنقيه؟. أم أن قولك هذا له علاقة بالنفي التالي:" ليس هناك تباغض بين العلمانيين والمدنيين".
- في الدولة المدنية:
- أطلب منك صديقي سعيد أن تنخرط مع كتاب الأوان وقرائه، في توضيح معنى "الدولة المدنية"، خاصة مع تأكيدك على أن "ثمة إمكانية لنجاح التحول الديمقراطي نحو دولة مدنية".
- إن طلبي هذا، تزايد مع:
- أولا: ندرة المقالات التي توصل بها الأصدقاء في موقع الأوان ودعوتهم للحوار والتفكير في "مفهوم الدولة المدنية".
- ثانيا: تزايد الإهتمام بمصطلح "الدولة المدنية"، بمناسبة "الحراك الشعبي"، ووصول "حركة إسلامية عاقلة" إلى الحكم بعد فوزها بالإنتخابات في تونس، وقطعها لوعد سياسي بالإنفتاح على قيم الحداثة وحقوق الإنسان. كما أن استعمالك في هذا الحوار للكثير من المصطلحات والمفاهيم، التي يمكن أن تساهم اقتراناتها وتقاطعاتها إلى بناء معجم سياسي جديد يخص مفهوم"الدولة"؛(المدنيين، التيارت المدنية، الحركات الإسلامية المدنية، المجتمع المدني، الإسلام المدني، التحول المدني).
- قد تساعد هذه المفاهيم والمصطلحات على تفسير ما يحدث، خاصة مع غياب "مراكز البحث الإستراتيجي"، وعدم قدرة النزعات "التفكيكية" بل "العدمية" على مقاربة الظواهر المركبة.
- تحياتي الحارة إليك صديقي سعيد ناشيد، وأطلب أن يتسع صدرك لكل تجاوزاتي، حتى لا نسقط في أي نوع من المزايدات، التي لا أحتملها في هذا المنبر الفكري.
- اسمح لي صديقي سعيد في الأخير، أن أطلب منك، سحب نعت "الخيانة" و"العدمية"، لأن بعضا من أفكاري، تنتقد ما سميته ب"المشروع الحداثي التنويري". نفس الطلب أوجهه للصديقين محمد ديبو وفراس النجار عند كلامهما عن التنظير و"شهوة التنظير".
- مع كامل الإحترام والتقدير لكل الأصدقاء.


الرد على التعليق

  • - سعيد ناشيد
    27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 23:50

    شكرا لك عزيزي ادريس على حسن اهتمامك بما أكتب. أما عن انتقادات مشيل فوكو لأنساق الحداثة باعتبارها منظومات للضبط والمراقبة، بل وللقمع أيضا، فأظن أن فوكو بمثل هذه الانتقادات إنما ساهم في تطوير منظومة الحداثة نفسها من غير الخروج عنها، وهو خروج لم يسعى إليه حتى ديريدا نفسه. وعموما فإن العقلانية هي القدرة على النقد بما في ذلك نقد العقلانية نفسها. أما عن دعوتك لي للمساهمة في ملف "الدول المدنية" في الأوان، فصدقا لم أفكر في الأمر، لكني الآن سأحاول أن أستغل تحريضك لي عساني أجد نفسا للكتابة في الموضوع. شكرا لك.


    الرد على التعليق

فرنسا - حميد زناز
29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 12:39

تحياتي أليكما

تصحيحا لما جاء في الحوار : لقد كتبت على الإوان قبل انتصار الحزب الأصولي ما يلي :لقد أعلن راشد الغنوشي صراحة موقفه من المسألة فور عودته إلى وطنه، "لا مكان للشريعة في تونس". ولا نريد هنا تحليل ما إذا كان أخونا مكرها أم بطلا في عدم المطالبة بإقامة دولة الشريعة، بل لا ينبغي التشكيك حتى في نياته على كل حال, أما فيما يتعلق بما جاء في سؤال السائل الكريم فها هو النص حرفيا:حينما يبور قطاع السياحة في تونس و يضرب الغربيون عن المجيء للتمتع بأشعة الشمس كما كانوا يفعلون على طول أيام السنة و حينما يهرب رأس المال خوفا من غد لا يعرف أحد كيف سيكون و حينما تستفحل البطالة و يعم اليأس و تسد أبواب الأمل لن يجد من أعطوا أصواتهم لحزب النهضة الأصولي سوى التعلق أكثر فأكثر بالغيبيات و اللجوء إلى تجسيدها شكليا على أرض الواقع بإطالة لحى و التكفن في نقاب والصلاة إلى أن تتقيح الجباه وإلى فرض تعميم الوهم بالقوة و الضغط.. هكذا هو الحال عندما يتم وضع العربة قبل الحصان. وكان ذلك منتظرا مثلما كان الحال في الجزائر منذ عشرين سنة مضت والآتي من مصر أعظم. و لكن الأمل يعمي الأبصار أحيانا. هل تعني نتائج الانتخابات شيئا بعد عشريات من القمع و الجهل والفقر و الأسلمة و الأظلمة ؟ أليس الأمر مجرد ديمقراطوية فجة و تنفيس عن روح مغبونة؟ لا أحد ينكر وجود مجتمع مدني حقيقي في تونس يمثله ربما بالتساوي كل من العلمانيين و الإسلاميين إن لم يكن الأكثر تطورا على طول الوطن العربي. ولكن الأغلبية العظمى من الشعب التونسي لا علاقة لها بصراع الأفكار قط و ليس لها من الثقافة السياسية الديمقراطية أي زاد. و هو حال كل المجتمعات العربية دون استثناء. و من البديهي في هذه الحال أن التصويت لديها لا يعني اختيار برامج و إنما اختيار هوية. يكفي للمترشح أن يرفع راية الإسلام وسيكون النجاح له مضمونا. "أصواتكم أمانة معلقة في رقابكم تُسألون عنها يوم القيامة." هكذا أرهبت جبهة الإنقاذ المؤمنين في الجزائر علانية على لوائح الحملة الانتخابية و هكذا في السر فعلت النهضة و هكذا تفعل أحزاب الجنة و النار مهما كان الزمان و الديار. ما لم يحسم في هذه المسألة بإبعاد الإسلام نهائيا من المعارك السياسية، لن يصل العرب إلى مرحلة سلم اجتماعي و لا إلى تداول حقيقي على السلطة أبدا. و سنبقى لعبة بين ديكتاتور أمرّد ذاهب و ديكتاتور ملتحِ آت وهكذا دواليك إلى أن نندثر غير مأسوف علينا دون الوصول إلى إقامة الدولة الإسلامية الوهمية و لا الدولة العلمانية الحقيقية بل نغرق في بحر دويلات و طوائف و حروب أهلية…

و على القاريء أن يحكم و مع ذلك أشكر الأستاذ سعيد على الدرس حول العقلانية و العقلانيين مع كل المودة


الرد على التعليق

  • حمص - سوريا - فراس النجار
    30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 22:50

    أما أنا يا إدريس فقد ضاق صدري فكأنه صار حرجاً يُصعد في السماء!! يا رجل أين نهرب؟ إلى القمر؟ حتى هناك سنجدك تلاحقنا بسوط لغوي / نفسي من عيار 14.5..!! وليكتمل الكمين تدعو سعيداً للانضمام إلى الأوان..؟! صديقي أنتقل من مداعبتي هذه إلى مناقشة ما تفضلت به. لا من باب توضيح ما تفضل به سعيد فهو أولى مني وأجدر.. لكن من باب فهمي لما أورده ولما أوردته أنت.. حين أسمع مصطلح (العربية الإسلامية) ينصرف ذهني عفواً إلى واقع موضوعي كرسه سياق تاريخي طويل. المصطلح كما أعلم، مع عدم يقيني تماماً، هو من نحت الراحل حسين مروة. ومحدداته هو واقع تاريخي راهن. بمعنى أنه مصطلح وضعي يقوم على أساس الأمر الواقع من جملة من الظواهر المشتركة الممتدة على جغرافية معينة بالاستناد إلى سياقات تاريخية طويلة.. لذلك نحن، أبناء هذا الواقع، نقرأ الشافعي والغزالي وابن تيمية والعز بن عبد السلام والشاطبي والمهدي بن تومرت وابن سحنون وابن سبعين، تماماً كما نقرأ ابن الراوندي وأبا بكر الرازي وثابت بن قرة السرياني وموسى بن ميمون… نقرأ خالد بن الوليد العربي وطارق بن زياد الأمازيغي وصلاح الدين الكردي وعماد الدين زنكي التركماني وياقوت الحموي الرومي وابن حزم القوطي… إلخ قراءة واحدة من جهة التصنيف والفرز الذهني والعاطفي.. لا يمكن لنا معرفياً إخراج إي منهم من الدرائرة التي يرسمها مصطلح (العربية الإسلامية). جميعهم أبناء لما يختزله، باعتباره صياغة معرفية لحالة وضعية قائمة يمكن ملاحظتها، وليس أبدا لحالة مثالية معيارية تتعلق بمستوى الإيمان أو النقاء العرقي.. نحن هنا أمام مشترك واقعي من لغة عالمية دُوّن بها كل المنتج الفكري أو أغلبه، دون أن يقدح في ذلك فارسية ابن سينا أو إسبانية ابن عمار.. ودين عالمي كمعتقد محدد للانتماء بصرف النظر عن إلحادية الطوسي أو عرفانية الحلاج.. ودولة عالمية هي الخلافة ولو اسمياً.. واليوم رغم حلول الجنسية كسند للانتماء بدلاً من الإسلام، وتلاشي الخلافة وتحولها إلى مجرد حلم طوباوي من زمن ماض جميل ومتخيل، فإن العربية العالمية لا تزال محدداً ثقافياً شديد الفعالية بدلالة مباشرة، تحضرني الآن، وهي واقعة تواصلنا الفكري والوجداني العميق هذا.. ويأتي الإسلام كمشدد على التمحض الثقافي شاملاً لنا جميعاً كمورد من موارد ثقافتنا مؤمنين وعلمانيين وملاحدة على السواء. لا حظ كيف حضر الموروث القرآني عفواً في مداعبتي لك أعلاه.. وفي الشام والعراق كما في مصر وبلاد السوس يدفن الملحد في مقابر ملة أهله. في مقابر المسلمين إن كان من أبويين مسلمين ولو شكلاً. وفي مقابر النصارى أو اليهود إن كانا من هؤلاء أو أولئك.. لذلك ومن واقع الممارسة، وجدت المصطلح علمياً وعملياً في آن، يتسع لكل الاختلافات والتباينات التي ذكرتَها، حتى ليبدو كفسيفساء حية، لكنها ليست ثابتة إلى الأبد، فالإنسان صيرورة مستمرة، ومن أكبر الأوهام وهم نهاية التاريخ. انظر إلى مشاغباتك الجميلة وإلى أين تأخذنا بتحريضاتك الفكرية المثمرة دمت بخير.. لكنني سأنطلق من مأخذك على سعيد عبارته (.. أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير وحقوق الإنسان لن ينتج غير الهمجية..) كمدخل لتصوري بالحوار مع ما تفضل به العزيز سعيد: كنت أقرأ بارتياح لما ألمسه من طروحات موضوعية في مقاربة الواقع ونقد متزن بعيد عن التنظير والتجريد وبمنأى عن سطوة المسبقات العقائدية والأيديولوجية. لكن ثمة وقائع كانت تحضر في ذهني بدلالاتها الظرفية الزمانية والمكانية ليس أقلها واقعة موت بن لادن وطريقة دفنه الرهيبة.. حكايتنا بدأت كما أرى منذ مطلع القرن الفائت. نهاية دولة الخلافة وبالتالي سقوط المظهر السياسي للقرون الوسطى العربية الإسلامية. لكن المظاهر الاجتماعية والثقافية بقيت ربما حتى الآن.. حين كان الاستعمار على وشك الخروج من بلادنا فرض الاجتماعي الثقافي نفسه على السياسي فقد تبوّأ سدة الحكم شريحة من أبناء الأسر المدينية شبه الأرستقراطية. كان مشروعها الاستقلال والتحديث والديموقراطية. لكن ثمة شريحة أخرى كانت تتغلغل في مفاصل الدولة صعوداً نحو السلطة وهي الشريحة الريفية/ البدوية. وصل الضباط الأحرار، وهم من أصول ريفية، عام 1952 في مصر إلى قمة السلطة لتزيح الأرستقراطية التقليدية ولتطرح خطابها وأهدافها في التحرر وبناء مجتمعات عدالة وتنمية في صورة دول قومية أو اشتراكية.. إلخ. والحال نفسه حصل في العراق 1958 وسوريا 1963 والسودان وأقطار المغرب. قبل هذه الانقلابات العسكرية التي سُوّقت على أنها ثورات كانت ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة على أشدها. وفي مرحلة باكرة أطلت خيارات جديدة.. الإسلاموية وحركة الإخوان المصرية منذ أوائل الستينيات وما رافقها من حركات في أقطار عربية أخرى.. ومع فشل العسكر منذ مطلع الثمانينيات، وتهافت مشاريعهم المعلنة ونهاية الدول في ظل حكمهم إلى كيانات قطرية تزرح تحت وطأة الفساد، ظهر الخيار الإسلاموي أكثر شدة ووضوحاً في أفغانستان بنموذجه التكفيري وفي سوريا بنموذجه الإخواني/ التكفيري، وصار بعضهم يتحدث عن صحوة إسلامية، في وقت وقع فيه كثير من مدّعي العلمانية بل تيارات بكاملها في فخ مناصرة الأنظمة العسكرية والتمسك بها خوفاً من البعبع الإسلاموي.. مع مطلع التسعينيات كان مشروع الشريحة الريفية/ البدوية الذي لفظ أنفاسه طويلاً يتلقى الضربة القاضية عالمياً بضرب العراق. لكن في الوقت الذي كانت فيه تتهاوى الأنظمة الشمولية، من انهيار جدار برلين وإعدام تشاوتشيسكو إلى سقوط النظام الشيوعي وانهيار الاتحاد السوفياتي 1992، كان عسكر العرب الثوريين يوطدون حكمهم العائلي بتكريس الجمهوريات الوراثية وتجهيز أبنائهم لتسلم السلطة من بعدهم.. (يتبع)


    الرد على التعليق

  • حمص - سوريا - فراس النجار
    30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 22:53

    هذا ما دفع كثير من الكتاب الغربيين إلى الانتهاء إلى تقرير أن ما يبدو من أمر العرب أنهم شعوب غير قابلة للتطور ولا يمكن أن تحكم إلا من خلال أنظمة استبدادية..! وهو ما يقترب من أحكام قطعية، كتلك التي أطلقها أرنست رينان في منتصف القرن التاسع عشر، وإن كانت دونها من حيث القطعية.. بلغ المشروع الاسلاموي ذروته في 2001 لينجم عنه ما هو معروف في أفغانستان والعراق وآثاره على كل العالم.. ومنذ ذاك الحين والمشروع في انحسار. حتى إذا انفجر الربيع العربي وسجل الراحل البوعزيزي مفاجئة العالم بأسره، وجد الأسلامويون أنفسهم كما وجدت كل النخب أنهم مسبوقون.. بل غافلون! صرخات الشوارع العربية كانت واحدة رغم تباين اللهجات.. الحرية العدالة الكرامة دولة المدنية والقانون.. وأبداً ليس أي من خلافة أو حكم إسلامي أو… إلخ. تاريخ العرب الحديث في القرن العشرين لم يكن إلا صفحات مريرة مما أسميه باللعنة الخلدونية. لقد اكتشف عبقري الأجيال ابن خلدون أنماط تلك الدول الأهلية المتناحرة، ووضعنا على أول الطريق لاستقراء أسباب تعثر مسيرة المجتمع المدني عربياً وإسلامياً، وفشل أي تحول من الدولة الأهلية السلطانية إلى الدولة المدنية القانونية.. هنا تحتفظ ذاكرتي بمشاهدات مباشرة في الشوارع العربية، ومنها مدينتي حمص التي تهيبت قوات الأمن ذات مرة في نيسان الفائت من الصدام مع حشود المتظاهرين في حي الوعر، وهم من أصول بدوية، فاستعانوا بأحد كبار مشايخ القبيلة النافذين.. المفارقة أن المتظاهرين وهم في أغلبهم من الشباب لم يعرفوا الشيخ. وبدا بعضهم وكأنه أمام معضلة غير قابلة للفهم عندما كان الكبار يشرحون لهم الواقع القبلي.. والنتيجة كانت أن حطموا سيارة الشيخ النافذ وأسعوه ضرباً.. هذه الملاحظة وعشرات من أمثالها تجعلني أتساءل بشوق، لكن دون تفاؤل مفرط، كم قطعنا من المسافة على الطريق الطويلة من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، من الأهلية إلى المدنية..؟!! وإذا كان كتاب غربيون وعرب قد توقعوا قيام الثورات العربية بالتواكب مع ثورات أوربا الشرقية والاتحاد السوفياتي منذ أواخر الثمانينيات.. فلما خاب توقعهم وصفوا حال العرب بما وصفوه من عدم قابلية للتطور والتقدم و.. فهل سيعولون اليوم في تعاطيهم مع الحراك العربي على أسهل الوسائل وأبسطها وأكثرها تسكيناً للعقل كالمؤامرة؟ أم سيكتفون بتسجيل تقرير عن فضل من يحضر متأخراً على من لا يحضر أبداً..؟! يحضرني هنا مشهدين أثيرين يلحان عليّ بالمقارنة. الأول وهو مشهد إعدام تشاوتشيسكو والثاني هو احتراق الراحل البوعزيزي. وبنتائج كل منهما سيبدو أننا إزاء حراكين كبيرين حقاً. لكن وهذا الأهم أن لكل منهما بوصلة مختلفة إلى حدّ التضاد مع الآخر.. فهل تأخر العرب فعلاً..؟ الحراك الأول جاء في مطلع عصر العولمة أما الثاني فقد جاء، ولا أقول تأخر، بعد عشرين سنة.. وعلاقة كل منهما من خلاله أهدافه مع العصر مختلفة تماماً.. في النهاية الحراك العربي جاء خياراً أخيراً صدحت به حناجر ملايين من الشعوب العربية الصامتة. خيار بعد إخفاق خيارات البرلمانية التقليدية فالدولة الثورية فالإسلاموية.. من هنا أفهم عبارة سعيد (أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير وحقوق الإنسان لن ينتج غير الهمجية) على أن فشل ربيع العرب، ولا قُدر ذلك ولا كان، هو كارثة عالمية بكل المعايير قد تمتد آثارها الوخيمة لأكثر من جيل. نحن فعلاً مسبوقون. ونحتاج بحق إلى إعادة اختبار كل ما حسبناه حقائق عن مجتمعاتنا التي فاجأتنا كما فاجأت غيرنا.. لذا أجدني أنضم إلى دعوة العزيز إدريس لفتح ملفات، بدت وكأنها قد أُشبعت درساً وتمحيصاً، فلما أطلت رياح الربيع شعرنا أننا لم نفتح منها شيئاً.. لتكن البداية من المجتمع المدني، ولعلي أستطيع كعضو الجمعية التاريخية السورية أن أقدم شيئاً علّه يكون ذا قيمة في هذا الموضوع الحساس. بل أقترح على موقعنا فتح المراجعات الفكرية الملحة.. وأسرة التحرير في الحقيقة لا تقصّر.. ولذلك أنا أهمس هنا بكل المحبة لصديقنا حميد بأن من الفضيلة أن نساوي في المعاملة ومن الحكمة أن نوازن في النظر.. بمعنى أن حكاية عصر النهضة الأوربية والخروج من ربقة العصور الوسطى قد جلبت سيولاً من الدماء والآثام على نحو مروع إلى الأبد، لكن على نحو متوقع، وسيبقى متوقعاً دائماً ممن ظل يعيش دهوراً تحت الوصاية فإذا به يخرج للاستقلال بنفسه.. ظهور الصوت الإسلاموي؟!! ماذا يعني هذا؟ ما هو غير الطبيعي فيه؟ هل أجدني هنا مضطراً لاستعراض كل ما نجم عن الثورة الفرنسية من رجعية وتطرف يمكن أن يكون مكافئاً للتطرف الإسلامي..؟! يا صديق حميد لا يمكن لنا أبداً أن نحكّم الموازنة الثنائية الجامدة.. أنظمة القمع والاستبداد أو أنظمة العمائم واللحى.. لقد فات الأوان كثيراً على هذه الموازنات.. نحن حقاً اليوم أمام مجتمعات وصل انسداد الأفق الحضاري فيها إلى درجة مواجهة الدبابة بصدر عارٍ واستعذاب الموت بشكل مختلف تماماً عن استعذابه عند التكفيريين.. لنترك قومنا يأخذون حظهم من الخطأ إذا كنا نريدهم أن يبلغوا أعلى مراتب الصواب. لنعترف لهم بحقهم في المحاولة كما اعترفنا لغيرهم.. ولو بقينا إلى الأبد نقرأ عليهم أبلغ الخطب عن تخلف الإسلاموية وعجزها عن مواكبة الزمن لما أثرنا بشيء قدر تأثير فشل تجربتهم وتقييمها في إطار واقع ممارستهم وبالتالي اكتشافهم بأنفسهم للواقعي وتمييزه عن الخيالي.. كنت أتمنى حقاً لو تُرك الإسلاميون في الجزائر 1992 ليتذوقوا مرارة التجربة السياسية.. ربما لكان للحركات الإسلاموية اليوم شأن آخر.. في النهاية أعتذر عن ثرثرتي الطويلة هذه، سيما وأني داعبت ذات مرة صديقنا أخا اليمن عقيل لطول مداخلته، وكنت قد طلبت منه مقالاً، وثيق الصلة بما نحن بصدد اليوم، عن مقولة حرق المراحل. أردت في النهاية أن أشارككم بالأفكار كما أشارككم بالأحلام والآمال. شكراً جزيلاً سعيد، حسن، إدريس، حميد.. شكر موصول للأوان ولكل الأصدقاء.. ولتكونوا بخير.


    الرد على التعليق

    • موسكو - عقيل صالح بن اسحاق
      1 كانون الأول (ديسمبر) 2011 07:39

      الأصدقاء جمعيا لكم تحية طيبة من موسكو التي اليوم تعيش حالة غليان ليس اقل من الوطن العربي , بل قد أصبح وضع محرج للسلطة يحكها فرد(دكتاتوريه استخباريه ) وحزب واحد , هنا اسم هذا الحزب هو حزب اللصوص والمحتالين مثل الأحزاب في الوطن العربي في ظل الأنظمة الدكتاتورية ,معروف ان الدكتاتوريات جميعها ومنها المتنورة وان اختلفت أشكالها, إلا ان في جوهرها واحد , أي كان مصدرهم عسكري او قومي او عنصري . أقدم لكم ما جرى قبل أيام في موسكو, صراع حاد شارك كلا من الأصدقاء رائد جبر ومازن عباس هم صحفيين محترفين ومعروفين هنا من جانب وفي الجانب الأخر المستشرقين الروس . من سابق كانت لي مع عدد كبير من أمثالهم صدامات بخصوص اليمن الجنوبية, بخصوص مرحلة استعمارها لجنوب والعبث الذي جرى لهذا الشعب الطيب والساذج وعد بحرق التاريخ, هذه أكذوبة عظيمة , أثبتت الأيام ان الاتحاد ألسوقيتي هو اكبر أكذوبة عرفها التاريخ , قبل أيام الشباب العرب اقصد أخوننا أنفا الذكر قد شرفوا العرب والثورة والشباب, دافعوا عن من دمائهم أمس واليوم وغدا تهدر من اجل الحرية والكرامة و تغيير الوطن العربي , أي الخروج من العبودية والاستبداد الذي كان يقف خلفه الاتحاد السوفيتي بشكل رئيسي , على هذا الرابط (http://orientpro.net/orientpro-165.htm).

      عزيزي فراس النجار!

      انا لم أنساك, والعدنيين يقولوا بهذا الخصوص (ينساك الموت ), انا احضر ما طلبته بإمكانياتي المتواضعة اللغوية , لهذا عندما اكتب لا اكتب ولكن أحارب , اعد بشكل جيد العتاد العسكري والرصاص وأتفقد المدفعية والذخيرة… لأنني ليس محترف إنما متطفل , واهم شيء المدرسة السوفيتية التي يتطلب قبل الكتابة الإعداد بالتواريخ والأرقام والخ , من اجل ان يكون القصف شامل, ومدمر , هذا بسبب النظام التعليمي الذي تلقيته في بداية الثمانينات هنا , هو كان مأخوذ من الألمان والفنلنديين , فنظام التعليم الفنلندي اليوم احد الأنظمة الممتازة , الذي في تطور دائم , وأصبح من أفضل الأنظمة تقريبا , رغم ان فنلندا كانت ضمن الإمبراطورية الروسية حتى بعد الثورة , " لينين " أعطى لها الاستقلال الكامل , للخدمات التي قدمت له, وهو العبور فوق أراضيها قادما من ألمانيا بقطار خاص محمل بالأموال من اجل قيام و دعم الثورة في روسيا, أي نعود للعلاقة الداخل بالخارج , اليوم هم المستشرقين وهم شيوعيين الجذور لا يريد ان يتغير الوطن العربي من اجل الركود الكلي , ومن اجل ان يبيعوا للأنظمة الدكتاتورية المتخلفة أسلحة تقليدية عفى عليها الزمن مكدسة في روسيا منذا ايام الاتحاد السوفيتي. كما هو معروف يتحصل بوتين كرئيس ورئيس وزراء نسب مئوية مع كل صفقة بيع أسلحه متخلفة صناعيا للدكتاتوريات العربية , التي هي متخلفة عقلا وروحا اليمن وسوريا وليبيا… في نفس الوقت روسيا تشتري من الغرب أسلحة حديثة لأنها انتهى عصر التقدم الصناعي العسكري الذي كان الاتحاد السوفيتي رائد فيه , هكذا نرى اليوم الروس قيادة ومستشرقين تسيل منهم دموع التماسيح على ألقذافي ومبارك والأسد وصالح وبن علي , اليوم هم يقفوا ضد الحق المشروع للشعوب العربية في أن تعيش بكرامة . لا أقول الوداع إنما حتى اللقاء!

      ملاحظة أخيرة: أبارك الصديق سعيد ناشيد في الانتقال من الإلحاد وأقصى اليسار إلى التفكير عبر العقل والقلب !


      الرد على التعليق


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter