ورقة جديدة من شجرة الإبداع الفني المصري سقطت برحيل يوسف شاهين المثقف الوطني الفنان والإنسان، كتب عنه الكثيرون وتحدث عنه الشرق والغرب حتي تكاد تصعب الإضافة خاصة بعد هذه الأيام القليلة التي انقضت علي غيابه، لكن المتتبع لهذا الفنان العظيم ولمسيرته في عالم السينما المصرية سيجد - كلما نقب وبحث وتذكر - شيئًا جديدًا قديمًا في نفس الوقت لكنه يلقي الضوء علي عمق وعي يوسف شاهين ونضج إحساسه باللحظة التاريخية التي يمر بها الوطن أو المواطن أو كلاهما معًا.
وأتوقف اليوم عند أحد أعظم أفلام يوسف شاهين (الأرض) والذي يعتبره كثيرون إحدي قمم نضجه الفني، تاريخيا أعقب هذا الفيلم الهزيمة العسكرية المصرية عام ١٩٦٧ والتي كانت مفاجأة ثقيلة وحزينة للناس وللمثقفين وللفنانين الذين كان معظمهم يؤمنون بالثورة وبقائدها التاريخي وبإنجازاتها وتوجهاتها العربية والعالمية علي الأقل في سنوات الخمسينيات وبداية الستينيات حتي جاءت النكسة العسكرية كصاعقة علي الجميع أعقبها نوع من استرداد الوعي والقدرة علي التفكير الموضوعي بعيدًا عن شعارات الفترة وأناشيدها الوطنية وعن كاريزما جمال عبدالناصر، ضاعت الأرض وعم الإحساس العام بالهوان في نفس الوقت الذي تصاعدت فيه الروح المعنوية أو بدأت تتصاعد خاصة مع تسرب أنباء حرب الاستنزاف وبعض الانتصارات التي حققها جنود مصريون في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبدت قيمة استرداد الأرض كثمن للكرامة الوطنية تعلو في النفس، وأصبحت كلمة الأرض والتراب الوطني والوطن من مفردات هذه اللحظة التاريخية وإن كان الحلم بالاسترداد مازال صعبًا أو مستحيلاً.
هنا وبوعي تاريخي ووطني نادر المثال اختار يوسف شاهين قصة الكاتب الروائي الكبير عبدالرحمن الشرقاوي الأرض التي نشرت عام ١٩٥٢ وكانت أحداثها تدور في الثلاثينيات من القرن الماضي، وقدمها في فيلم باسمها الأصلي (الأرض) الذي عرض عام ١٩٧٠، وبدا الفيلم في ذلك الوقت وكأنه نداء للنضال والكفاح والمقاومة من أجل استرداد أرض الوطن وعدم الركون إلي الاستسلام والضعف،
ومازالت أصابع الفنان العظيم محمود المليجي التي تتشبث بالأرض ومن أجلها من اللقطات النادرة المعبرة المؤثرة بشدة لكل من رآها عندما عرض هذا الفيلم من ثمانية وثلاثين عامًا أو كلما أعيد عرضه بعد ذلك وحتي الآن، ولنا أن نتصور وقع أحداث هذا الفيلم علي الجمهور العام في إطار هذه الفترة التاريخية في بداية السبعينيات أي بعد الهزيمة وعند بداية المقاومة فيما يسمي بحرب الاستنزاف وقبل تحقيق الانتصار العسكري المصري الباهر في أكتوبر ١٩٧٣،
وهنا نعود إلي جدوي العودة بالفيلم السينمائي أو أي منتج فني خاصة إذا ما كان جماهيري الطابع يشاهده الجمهور العام ولا يخصص للصفوة أو الأقلية كفن السينما - إلي المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ولد من رحمه، وهذه الفترة من تاريخ مصر، وهذا كلام للأجيال التي لم تعاصرها، كانت فترة عصيبة صعبة يسودها الإحساس بالانكسار والضياع واللاجدوي من المقاومة واليأس من الانتصار علي عدو لا يقهر، كما أن ضياع الشرف سيكون بلا نهاية وضياع الأرض هو حقيقة يصعب الحلم بغيرها.
لذلك فعندما يأتي فنان كبير، وطني المقصد ناضج الفكر مؤمن بقدرة المصريين علي المقاومة وعلي المواجهة وعلي الانتصار، ويقدم هذا الفيلم بالذات من هذه القصة بالذات التي تحكي عن الكفاح والنضال والاستبسال رغم السجن والقهر والسحل للتمسك بالأرض إلي حد الموت فداء لها، فإن الدعوة التي يتضمنها لم تكن اختيارًا عشوائيا من جانب يوسف شاهين في ذلك الوقت ولم يكن الفيلم مجرد فيلم سينمائي جديد يضاف إلي قائمة أفلامه لكنه كان نداء لاستنهاض الهمة لاسترداد الأرض، وكان إيمانًا بالقدرة علي الكفاح والانتصار الذي كان يبدو وقتها ضربًا من الخيال والأوهام وجاء نصر أكتوبر كتحقيق لنبوءته ودعوته.
شاهين هذا هو الفنان العظيم الذي أدرك مغزي هذه اللحظة التاريخية في التاريخ المصري، وبالنضج والوعي والاختيار والإيمان بالمصريين، ولهم صنع هذا الفيلم (الأرض).
5/8/2008
نشر في جريدة المصري اليوم

