الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > صراع على الحرية بين الدينيين والعلمانيين

صراع على الحرية بين الدينيين والعلمانيين

الجمعة 7 أيلول (سبتمبر) 2007
بقلم: لؤي حسين  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

تشكل مسألة الحرية جذرا معرفيا رئيسا في الخلاف بين العلمانيين والدينيين. فعلى الرغم من أن النزاع على السلطة، الذي يشكل مآلا لأغلب الصراعات بين التيارات الثقافية المعنية بالقضايا الاجتماعية والسياسية، شكل دوما ميدان الصراع بين هذين الفريقين، إلا أن جوهر الصراع بينهما يتركز على حرية الإنسان في تفكيره واعتقاداته واختياره للتشريعات حسب ما يراه أصلح لحياته. وقد كانت هذه الحرية دوما منطلقا لتصدي العلمانيين للدينيين، بغض النظر إن امتلك هؤلاء الأخيرون كنيسة أو مؤسسة دينية أو بقوا ضمن سلطات مبعثرة، تقوى حينا وتضعف حينا آخر حسب النظام السياسي القائم في كل بلد.

فبينما تقتصر رؤية الدينيين للحرية على أنها في أحسن أحوالها حرية الاختيار بين الخير والشر حسب ما هو مُنزل في النصوص الإلهية، يعتقد العلمانيون أن الإنسان يستحق أن يمتلك حرية مطلقة في ما يتعلق بالتفكير والاعتقاد والضمير، وحرية نسبية مقننة على صعيد السلوك الاجتماعي، محدودة بحدود حريةالأفراد الآخرين المتساوية. فإن كان بالإمكان إيجاد تسوية، ولو صعبة، بين هذين الفريقين على صعيد الحرية المسلكية، تعتمد الاتفاق على وضع حدود تحول دون التسبب بالأذية للآخرين المتشاركين في الكيان الاجتماعي المحدد، فإن حرية الاعتقاد، وخاصة الديني، مازالت عصيّة على تسوية كهذه، وهي بحاجة للكثير من الحوار، وللصراع أيضا، شرط أن يكون صراعا سلميا.

فالدينيون في بلداننا يتهربون دوما، عند طرح مبحث حرية الإنسان، من التطرق إلى حرية الاعتقاد ويحرفون البحث صوب السلوك والنشاط الاجتماعي فقط. ذلك لأنهم ينظرون للإنسان على أنه كائن مسلكي وليس كائنا عاقلا قادرا على التفكير وتمييز الصالح من الضار له، وقادرا على تفسير الأمور والظواهر وإيجاد عللها وسننها. فالعقل بالنسبة لهم ليس أكثر من ملكة لحفظ التعاليم والوصايا المُنزلة أو المقدسة تحت سطوة العقاب والثواب الدنيويَّين أو الأخرويين. والإنسان، عندهم، ليس قادرا على إنشاء المعرفة، وأقصى ما يمكنه هو السعي في تفسير معرفة ناجزة، منصوصة وسابقة لوجوده. وحتى هذه المقدرة على التفسير ليست معطاة أو متاحة لجميع الناس بل تختص بها نخبة مصطفاة.

هذا التصور أو الموقف نجد له مثالا جليا في مقال الأستاذ أبو يعرب المرزوقي المنشور في هذا الموقع بعنوان "تعقيب على ياسين الحاج صالح: انتهت الدولة العلمانية كما انتهت الدولة الدينية". فالحرية عنده صنفان: علمانية مذمومة تقتصر على انفلات من النواظم والضوابط المسلكية الاجتماعية، وإسلامية محمودة تقرّها الدولة الدينية حيث تتيح حرية العبادة لغير المسلمين و"تتيح" للمسلمين الاختيار بين المذاهب الفقهية الإسلامية. نقرأ ذلك في ما قاله "مصححا" للعلمانيين "وهمهم" بوجود "شبكة الأحكام في الدولة الدينية وخلو الدولة العلمانية منها" (!!)، و"وهمهم" بوجود "دولة دينية […] كل شيء فيها مقنن ودولة علمانية […] تعتمد على الحرية المطلقة!" (!!). كذلك فإنه لا يجد تمايزا في طبيعة مصدر هذه الأوامر وفي طبيعة علاقة الفرد معها، في إطار مقارنته بين الدولة الدينية والعلمانية، حيث يعتبر أنه لا "وجود لنظام سياسي بدون شبكة من الأوامر والنواهي" (!!)، وما يراه من فارق بينهما واقع "باختلاف الوظيفة وليس باختلاف الطبيعة". ويؤكد على هذا التماثل مرة ثانية، في إطار محاججته للعلمانيين في رأيهم بقسرية الدولة الدينية وأحكامها، فلا يرى فارقا على هذا المستوى بين الدولة الدينية، حيث مصدر الأحكام والتشريعات فيها إلهيا، وبين الدولة العلمانية ذات المرجعية التشريعية البشرية، ويعتبر "أن نسبة الدولة العلمانية إلى القوانين التي تضبط سلوكهم لا تختلف في شيء عن نسبة الدولة الدينية إلى الشرائع التي تضبط سلوكهم". فبرأيه أن الفارق في مشاعر الناس تجاه الدولة الدينية والدولة العلمانية عائد لتربيتهم على هذه الأحكام واعتيادهم عليها: "أليس عدم الشعور بوطأة تلك الشبكة الضابطة [في الدولة العلمانية] علته تحوُّل تلك القوانين إلى تربية وتقاليد أو عوائد تجعل المرء لا يشعر فيها بالفرض الخارجي؟ لكن هل ينفي عدم الشعور الناتج عن التربية طبيعتها، أعني كونها شبكة من الأوامر والنواهي مثلها مثل فقه الدولة […] الإسلامية؟ فلم لا نقترض نفس الشيء بالنسبة إلى الأوامر والنواهي الفقهية لو ربي عليها الناس تربية تجعلها من الأمور المعتادة فلا يشعر الناس بطابعها القسري؟"، مضيفا أن "الشعور بها قبل التربية أمرا خارجيا مفروضا عليها والشعور بها بعدها أمرا ذاتيا مقبولا بحكم العادة والتربية"، بل ويؤكد مرة أخرى أن "الفرق لا يتعلق بوجود الأوامر والنواهي وعدم وجودها، بل باختلاف مجالات التشريع أولاً وبكونها صارت من العادات أو لم تصر". فهو بكل هذا التأكيد يصر على إقالة العقل من دوره المناط به، ويحرم الإنسان مقدرته على التفكير والتمييز، جاعلا منه كائنا قابلا للتدجين من قِبل أشخاص تمكّنوا من الوصول إلى السلطة بطريقة ما، ولو عبر تداول يتوقع له المرزوقي ألا يدول بعد تدجين الشعب وتعوّده على الأحكام القسرية.

أعتقد أنه يصعب على المرزوقي، وعلى الدينيين عموما، القبول معنا بأن فارقا مهما وكبيرا يقوم بين الطبيعة الإلهية المقدسة لمصدر الأحكام والتشريعات وبين طبيعتها البشرية. وهذا الفارق لا يتأتى من مسألة التربية، رغم أن فارقا آخر يقوم بين أهداف الدينيين من التربية وأهداف العلمانيين: فالدينيون يريدون منها (حسب المرزوقي أعلاه) تدجين الناس وقمع ملكة التفكير عندهم، بعكس العلمانيين الذين يريدون منها تعزيز حرية التفكير والحكم. وأما الطبيعة الإلهية المقدسة لمصدر الأحكام والتشريعات فإنها تحول دون تمكن الإنسان من البحث فيها، فكيف بالاعتراض عليها أو محاولة تغييرها بما يراه مناسبا لحياته ومعاشه. وبالتالي فإن الإنسان في هذه الحالة يكون فاقدا حريته. أما في الحالة الثانية، حيث المصدر البشري للتشريعات والأحكام، فللإنسان كامل الحق بإنتاج وبإعادة إنتاج كل القوانين والتشريعات في الدولة التي يعيش فيها، وبسبب هذه الطبيعة البشرية غير القدسية سيكون مباحا له انتقاد كل التشريعات القائمة وإعادة صياغتها بما يخدم الاتساع في حريته.

ليست حرية الإنسان ولا حرية الاعتقاد محور مقال المرزوقي، بل كان يجتهد في تطوير مقولة للتسوية بين العلمانيين والدينيين أو الإسلاميين (طبعا لن أجاري المرزوقي في استخدامه مصطلح "الأصلانيين" لعدم نزاهته المعرفية) كان اقترحها ياسين الحاج صالح، محاولا إيجاد تسوية سلمية للصراع بين العلمانيين والدينيين من خلال إقامة "كونفدرالية اعتقادية" (وكون مقالة الحاج صالح جاءت كـ"تمرين للتفكير" فهذا يحد من إمكانية تناولها، لكن يمكن ملاحظة أن تغيّرا في آرائه بدا في هذا البحث، وفي هذا الموقع، وفي قراءته للقرضاوي، وأنه يمكن الاتفاق معه على أغلب الحيثيات التي ساقها خدمة لفكرته). وكان اجتهاد المرزوقي، الذي راقت له الفكرة، أنه من الأفضل أن يتم ذلك عبر تداول الدولة بين سلطتين دينية وعلمانية. لكن وبغض النظر عن أن فكرة هذا التداول للدولة (وليس فقط للسلطة) لا تستأهل البحث والتعليق، لكون عوامل بناء الدولة بعيدة كل البعد عن هذه الحسابات، إلا أن موضوع تسوية هذا الصراع بين التيارين تستحق الاهتمام والاقتراح.

أعتقد أن هذه التسوية لا تجد في الحقل السياسي "الحزبي"، حيث المؤسسات والقوانين والسلطات، بيئة مناسبة لها، بل في الحقل الثقافي حيث الاعتقاد والرأي والحوار. ففي هذا الحقل ليس من غضاضة من بقاء هذا الصراع واستمراره في إطار معرفي حتى لو كان الموضوع سياسيا. فهنا التسوية تكتفي بالاتفاق على سلمية الصراع وليس على رسم الحدود والتخوم. وبالتالي فإن الأمر هنا يقع على عاتق الإسلاميين الذين مازالوا يشرّعون العنف في مواجهة الكافر والمرتد، وليس فقط في مواجهة الظالم والمستبد.

إن الفكر العلماني ينطلق أساسا من مقولة حرية الإنسان المطلقة ومواجهة كل ما من شأنه أن يحدها. ولا يشتمل هذا الإطلاق الحرية السلوكية بل يقتصر على حرية التفكير، وخصوصا حرية الاعتقاد الديني، التي لا يمكنها أن تشكّل انتهاكا أو اختراقا لحريات الآخرين في تفكيرهم واعتقاداتهم. لهذا اعتبرنا دوما أن قبول الإسلاميين بحرية الاعتقاد سيكون فاتحة لأي تسوية، لكنهم مازالوا يتهربون من مجرد النقاش فيها، كما فعل المرزوقي في مقاله. واعتبرنا أن لحرية الاعتقاد أهمية حياتية ومجتمعية راهنة وملحة، على الأقل في سوريا حيث نخشى من أن يؤدي الإحساس بالطغيان أو بالجور السياسي والحقوقي على أساس المعتقد الديني أو المذهبي أو الطائفي إلى إضعاف الاجتماع السوري، بعد أن تمكنت سوريا من العيش فترات مهمة من تاريخها ضمن مناخ من التسامح الديني والحرية الاعتقادية، حيث راج بين أفراد شعبها القول: "كل مين على دينو الله يعينو"، أي أن لكل شخص الحق بممارسة اعتقاداته الدينية من دون أن يترتب تجاهه موقف تكفيري. وإذ كنا نوقن أن الموّلد للفرقة الدينية الراهنة مصدره الحقل السياسي، إلا أننا نلحظ أن التفكير الديني هو الذي يدفع بثقافة الناس نحو انتهاك حرية الاعتقاد، وهو الذي يفرّط بمبدأ التسامح الديني. من هنا فإن الحراك العلماني في سوريا ليس منشغلا بقضية فصل الدين عن الدولة أسوة بالنموذج الغربي، لعدم وجود مؤسسات دينية مهيمنة على السلطة السياسية، بل ما لدينا هي سلطات دينية متوزعة بين مؤسسات الدولة وبين مرجعيات دينية تتنامى في الحقل العام، وهي ليست متعاونة بنشر ثقافة حرية الاعتقاد، التي من شأنها، في حال اتسع نطاقها أكثر بين أوساط المؤمنين، أن تحد من الغلو الديني الإسلامي المتطرف.

ولا تقتصر رؤيتنا إلى أهمية حرية الاعتقاد على الجانب الديني فقط، بل نرى الحاجة إلى حرية الاعتقاد الفكري عموما في مواجهة انتشار الثقافة التكفيرية على مجمل ثقافاتنا وخطاباتنا، حيث يتوافر العديد ممن يكفّر صاحب رأي مخالف لرأيه في أي موضوع كان، خاصة السياسي. وقد نجد من بين دعاة أو مطالبي حرية الاعتقاد، مؤخرا، من يرى في طرح القول العلماني في سوريا "ردة" عن الفكر القويم والصالح إلى خدمة السلطة المستبدة. فهؤلاء اللاعلمانيون مازالوا محكومين بتفكير جمعوي يحرّم على الفرد تفرده باعتقاد غير ما تعتقد به الجماعة الواحدية، ويحكمون على أي منشق عنها بحكم المرتد. هذا الحكم الذي لم يُقم إسلاميا، كما بات معروفا، على أساس الاختلاف العقيدي بل على أنه انشقاق عن الجماعة وإضعاف لها.

إن دولة تحتمل بين مكوناتها وجود علمانيين ودينيين كاملي الحقوق ومتساويها، وتقبل لنسائها أن يتساوين حقوقيا بشكل مطلق مع رجالها، وتعتبر الشعب هو مصدر التشريع فيها، لا شك أن دولة كهذه ليست ما يقصده العلمانيون بالدولة الدينية، ولا تحتاج لسلطات تداولية بين العلمانيين والدينيين. فمثل هذا التداول أو "التجازر" على أساس الاعتقاد أو الدين هو من اشتغال الفكر الديني، فوحده الذي يمكنه تصور قيام الاجتماع البشري على بُنى اعتقادات الناس، وينظر إليهم على أنهم مجرد مؤمنين أو غير مؤمنين، ويعجز عن صياغة أي علاقة تشاركية بينهم، فيلجأ إلى اعتماد آليات فصل بينهم، يقبل بأن تكون سلمية من دون أن ينبذ عنفيتها.

يزعم الفكر العلماني بإمكانية إقامة دولة محايدة عقائديا، تُحترم فيها حرية الاعتقاد وتكون من أهم أركانها، دستوريا وإجرائيا، وأنها قادرة على أن تكون دولة لجميع أفرادها، بغض النظر عن اعتقاداتهم مهما تطرفت وعن تفكيرهم مهما شط (مع التفريق هنا بين حرية الاعتقاد والضمير وحرية التعبير). ويعتبر هذا الفكر أن الدولة العلمانية الغربية، بما أنتجته من تنوع في صيغها، وبسعيها المستمر لتحقيق هذا الزعم، يمكن أن تشكل مثالا صريحا لهذه الإمكانية، بغض النظر عن مأخذ الإسلاميين على جوانب الأخلاق العامة في الغرب، وخاصة ما يتعلق منها بوضع المرأة وأحوال الجنس، كون نظرتهم إلى الحرية قاصرة ومقتصرة على مثل هذه الجوانب. فيعتبرون أن هذا هو مجمل المنجز العلماني، لعدم تمكّنهم من رؤية حرية الاعتقاد، التي لا يقدّروها ولا يقبلون بها أساسا.

 تشكل مسألة الحرية جذرا معرفيا رئيسا في الخلاف بين العلمانيين والدينيين. فعلى الرغم من أن النزاع على السلطة، الذي يشكل مآلا لأغلب الصراعات بين التيارات الثقافية المعنية بالقضايا الاجتماعية والسياسية، شكل دوما ميدان الصراع بين هذين الفريقين، إلا أن جوهر الصراع بينهما يتركز على حرية الإنسان في تفكيره واعتقاداته واختياره للتشريعات حسب ما يراه أصلح لحياته. وقد كانت هذه الحرية دوما منطلقا لتصدي العلمانيين للدينيين، بغض النظر إن امتلك هؤلاء الأخيرون كنيسة أو مؤسسة دينية أو بقوا ضمن سلطات مبعثرة، تقوى حينا وتضعف حينا آخر حسب النظام السياسي القائم في كل بلد.

فبينما تقتصر رؤية الدينيين للحرية على أنها في أحسن أحوالها حرية الاختيار بين الخير والشر حسب ما هو مُنزل في النصوص الإلهية، يعتقد العلمانيون أن الإنسان يستحق أن يمتلك حرية مطلقة في ما يتعلق بالتفكير والاعتقاد والضمير، وحرية نسبية مقننة على صعيد السلوك الاجتماعي، محدودة بحدود حريةالأفراد الآخرين المتساوية. فإن كان بالإمكان إيجاد تسوية، ولو صعبة، بين هذين الفريقين على صعيد الحرية المسلكية، تعتمد الاتفاق على وضع حدود تحول دون التسبب بالأذية للآخرين المتشاركين في الكيان الاجتماعي المحدد، فإن حرية الاعتقاد، وخاصة الديني، مازالت عصيّة على تسوية كهذه، وهي بحاجة للكثير من الحوار، وللصراع أيضا، شرط أن يكون صراعا سلميا.

فالدينيون في بلداننا يتهربون دوما، عند طرح مبحث حرية الإنسان، من التطرق إلى حرية الاعتقاد ويحرفون البحث صوب السلوك والنشاط الاجتماعي فقط. ذلك لأنهم ينظرون للإنسان على أنه كائن مسلكي وليس كائنا عاقلا قادرا على التفكير وتمييز الصالح من الضار له، وقادرا على تفسير الأمور والظواهر وإيجاد عللها وسننها. فالعقل بالنسبة لهم ليس أكثر من ملكة لحفظ التعاليم والوصايا المُنزلة أو المقدسة تحت سطوة العقاب والثواب الدنيويَّين أو الأخرويين. والإنسان، عندهم، ليس قادرا على إنشاء المعرفة، وأقصى ما يمكنه هو السعي في تفسير معرفة ناجزة، منصوصة وسابقة لوجوده. وحتى هذه المقدرة على التفسير ليست معطاة أو متاحة لجميع الناس بل تختص بها نخبة مصطفاة.

هذا التصور أو الموقف نجد له مثالا جليا في مقال الأستاذ أبو يعرب المرزوقي المنشور في هذا الموقع بعنوان "تعقيب على ياسين الحاج صالح: انتهت الدولة العلمانية كما انتهت الدولة الدينية". فالحرية عنده صنفان: علمانية مذمومة تقتصر على انفلات من النواظم والضوابط المسلكية الاجتماعية، وإسلامية محمودة تقرّها الدولة الدينية حيث تتيح حرية العبادة لغير المسلمين و"تتيح" للمسلمين الاختيار بين المذاهب الفقهية الإسلامية. نقرأ ذلك في ما قاله "مصححا" للعلمانيين "وهمهم" بوجود "شبكة الأحكام في الدولة الدينية وخلو الدولة العلمانية منها" (!!)، و"وهمهم" بوجود "دولة دينية […] كل شيء فيها مقنن ودولة علمانية […] تعتمد على الحرية المطلقة!" (!!). كذلك فإنه لا يجد تمايزا في طبيعة مصدر هذه الأوامر وفي طبيعة علاقة الفرد معها، في إطار مقارنته بين الدولة الدينية والعلمانية، حيث يعتبر أنه لا "وجود لنظام سياسي بدون شبكة من الأوامر والنواهي" (!!)، وما يراه من فارق بينهما واقع "باختلاف الوظيفة وليس باختلاف الطبيعة". ويؤكد على هذا التماثل مرة ثانية، في إطار محاججته للعلمانيين في رأيهم بقسرية الدولة الدينية وأحكامها، فلا يرى فارقا على هذا المستوى بين الدولة الدينية، حيث مصدر الأحكام والتشريعات فيها إلهيا، وبين الدولة العلمانية ذات المرجعية التشريعية البشرية، ويعتبر "أن نسبة الدولة العلمانية إلى القوانين التي تضبط سلوكهم لا تختلف في شيء عن نسبة الدولة الدينية إلى الشرائع التي تضبط سلوكهم". فبرأيه أن الفارق في مشاعر الناس تجاه الدولة الدينية والدولة العلمانية عائد لتربيتهم على هذه الأحكام واعتيادهم عليها: "أليس عدم الشعور بوطأة تلك الشبكة الضابطة [في الدولة العلمانية] علته تحوُّل تلك القوانين إلى تربية وتقاليد أو عوائد تجعل المرء لا يشعر فيها بالفرض الخارجي؟ لكن هل ينفي عدم الشعور الناتج عن التربية طبيعتها، أعني كونها شبكة من الأوامر والنواهي مثلها مثل فقه الدولة […] الإسلامية؟ فلم لا نقترض نفس الشيء بالنسبة إلى الأوامر والنواهي الفقهية لو ربي عليها الناس تربية تجعلها من الأمور المعتادة فلا يشعر الناس بطابعها القسري؟"، مضيفا أن "الشعور بها قبل التربية أمرا خارجيا مفروضا عليها والشعور بها بعدها أمرا ذاتيا مقبولا بحكم العادة والتربية"، بل ويؤكد مرة أخرى أن "الفرق لا يتعلق بوجود الأوامر والنواهي وعدم وجودها، بل باختلاف مجالات التشريع أولاً وبكونها صارت من العادات أو لم تصر". فهو بكل هذا التأكيد يصر على إقالة العقل من دوره المناط به، ويحرم الإنسان مقدرته على التفكير والتمييز، جاعلا منه كائنا قابلا للتدجين من قِبل أشخاص تمكّنوا من الوصول إلى السلطة بطريقة ما، ولو عبر تداول يتوقع له المرزوقي ألا يدول بعد تدجين الشعب وتعوّده على الأحكام القسرية.

أعتقد أنه يصعب على المرزوقي، وعلى الدينيين عموما، القبول معنا بأن فارقا مهما وكبيرا يقوم بين الطبيعة الإلهية المقدسة لمصدر الأحكام والتشريعات وبين طبيعتها البشرية. وهذا الفارق لا يتأتى من مسألة التربية، رغم أن فارقا آخر يقوم بين أهداف الدينيين من التربية وأهداف العلمانيين: فالدينيون يريدون منها (حسب المرزوقي أعلاه) تدجين الناس وقمع ملكة التفكير عندهم، بعكس العلمانيين الذين يريدون منها تعزيز حرية التفكير والحكم. وأما الطبيعة الإلهية المقدسة لمصدر الأحكام والتشريعات فإنها تحول دون تمكن الإنسان من البحث فيها، فكيف بالاعتراض عليها أو محاولة تغييرها بما يراه مناسبا لحياته ومعاشه. وبالتالي فإن الإنسان في هذه الحالة يكون فاقدا حريته. أما في الحالة الثانية، حيث المصدر البشري للتشريعات والأحكام، فللإنسان كامل الحق بإنتاج وبإعادة إنتاج كل القوانين والتشريعات في الدولة التي يعيش فيها، وبسبب هذه الطبيعة البشرية غير القدسية سيكون مباحا له انتقاد كل التشريعات القائمة وإعادة صياغتها بما يخدم الاتساع في حريته.

ليست حرية الإنسان ولا حرية الاعتقاد محور مقال المرزوقي، بل كان يجتهد في تطوير مقولة للتسوية بين العلمانيين والدينيين أو الإسلاميين (طبعا لن أجاري المرزوقي في استخدامه مصطلح "الأصلانيين" لعدم نزاهته المعرفية) كان اقترحها ياسين الحاج صالح، محاولا إيجاد تسوية سلمية للصراع بين العلمانيين والدينيين من خلال إقامة "كونفدرالية اعتقادية" (وكون مقالة الحاج صالح جاءت كـ"تمرين للتفكير" فهذا يحد من إمكانية تناولها، لكن يمكن ملاحظة أن تغيّرا في آرائه بدا في هذا البحث، وفي هذا الموقع، وفي قراءته للقرضاوي، وأنه يمكن الاتفاق معه على أغلب الحيثيات التي ساقها خدمة لفكرته). وكان اجتهاد المرزوقي، الذي راقت له الفكرة، أنه من الأفضل أن يتم ذلك عبر تداول الدولة بين سلطتين دينية وعلمانية. لكن وبغض النظر عن أن فكرة هذا التداول للدولة (وليس فقط للسلطة) لا تستأهل البحث والتعليق، لكون عوامل بناء الدولة بعيدة كل البعد عن هذه الحسابات، إلا أن موضوع تسوية هذا الصراع بين التيارين تستحق الاهتمام والاقتراح.

أعتقد أن هذه التسوية لا تجد في الحقل السياسي "الحزبي"، حيث المؤسسات والقوانين والسلطات، بيئة مناسبة لها، بل في الحقل الثقافي حيث الاعتقاد والرأي والحوار. ففي هذا الحقل ليس من غضاضة من بقاء هذا الصراع واستمراره في إطار معرفي حتى لو كان الموضوع سياسيا. فهنا التسوية تكتفي بالاتفاق على سلمية الصراع وليس على رسم الحدود والتخوم. وبالتالي فإن الأمر هنا يقع على عاتق الإسلاميين الذين مازالوا يشرّعون العنف في مواجهة الكافر والمرتد، وليس فقط في مواجهة الظالم والمستبد.

إن الفكر العلماني ينطلق أساسا من مقولة حرية الإنسان المطلقة ومواجهة كل ما من شأنه أن يحدها. ولا يشتمل هذا الإطلاق الحرية السلوكية بل يقتصر على حرية التفكير، وخصوصا حرية الاعتقاد الديني، التي لا يمكنها أن تشكّل انتهاكا أو اختراقا لحريات الآخرين في تفكيرهم واعتقاداتهم. لهذا اعتبرنا دوما أن قبول الإسلاميين بحرية الاعتقاد سيكون فاتحة لأي تسوية، لكنهم مازالوا يتهربون من مجرد النقاش فيها، كما فعل المرزوقي في مقاله. واعتبرنا أن لحرية الاعتقاد أهمية حياتية ومجتمعية راهنة وملحة، على الأقل في سوريا حيث نخشى من أن يؤدي الإحساس بالطغيان أو بالجور السياسي والحقوقي على أساس المعتقد الديني أو المذهبي أو الطائفي إلى إضعاف الاجتماع السوري، بعد أن تمكنت سوريا من العيش فترات مهمة من تاريخها ضمن مناخ من التسامح الديني والحرية الاعتقادية، حيث راج بين أفراد شعبها القول: "كل مين على دينو الله يعينو"، أي أن لكل شخص الحق بممارسة اعتقاداته الدينية من دون أن يترتب تجاهه موقف تكفيري. وإذ كنا نوقن أن الموّلد للفرقة الدينية الراهنة مصدره الحقل السياسي، إلا أننا نلحظ أن التفكير الديني هو الذي يدفع بثقافة الناس نحو انتهاك حرية الاعتقاد، وهو الذي يفرّط بمبدأ التسامح الديني. من هنا فإن الحراك العلماني في سوريا ليس منشغلا بقضية فصل الدين عن الدولة أسوة بالنموذج الغربي، لعدم وجود مؤسسات دينية مهيمنة على السلطة السياسية، بل ما لدينا هي سلطات دينية متوزعة بين مؤسسات الدولة وبين مرجعيات دينية تتنامى في الحقل العام، وهي ليست متعاونة بنشر ثقافة حرية الاعتقاد، التي من شأنها، في حال اتسع نطاقها أكثر بين أوساط المؤمنين، أن تحد من الغلو الديني الإسلامي المتطرف.

ولا تقتصر رؤيتنا إلى أهمية حرية الاعتقاد على الجانب الديني فقط، بل نرى الحاجة إلى حرية الاعتقاد الفكري عموما في مواجهة انتشار الثقافة التكفيرية على مجمل ثقافاتنا وخطاباتنا، حيث يتوافر العديد ممن يكفّر صاحب رأي مخالف لرأيه في أي موضوع كان، خاصة السياسي. وقد نجد من بين دعاة أو مطالبي حرية الاعتقاد، مؤخرا، من يرى في طرح القول العلماني في سوريا "ردة" عن الفكر القويم والصالح إلى خدمة السلطة المستبدة. فهؤلاء اللاعلمانيون مازالوا محكومين بتفكير جمعوي يحرّم على الفرد تفرده باعتقاد غير ما تعتقد به الجماعة الواحدية، ويحكمون على أي منشق عنها بحكم المرتد. هذا الحكم الذي لم يُقم إسلاميا، كما بات معروفا، على أساس الاختلاف العقيدي بل على أنه انشقاق عن الجماعة وإضعاف لها.

إن دولة تحتمل بين مكوناتها وجود علمانيين ودينيين كاملي الحقوق ومتساويها، وتقبل لنسائها أن يتساوين حقوقيا بشكل مطلق مع رجالها، وتعتبر الشعب هو مصدر التشريع فيها، لا شك أن دولة كهذه ليست ما يقصده العلمانيون بالدولة الدينية، ولا تحتاج لسلطات تداولية بين العلمانيين والدينيين. فمثل هذا التداول أو "التجازر" على أساس الاعتقاد أو الدين هو من اشتغال الفكر الديني، فوحده الذي يمكنه تصور قيام الاجتماع البشري على بُنى اعتقادات الناس، وينظر إليهم على أنهم مجرد مؤمنين أو غير مؤمنين، ويعجز عن صياغة أي علاقة تشاركية بينهم، فيلجأ إلى اعتماد آليات فصل بينهم، يقبل بأن تكون سلمية من دون أن ينبذ عنفيتها.

يزعم الفكر العلماني بإمكانية إقامة دولة محايدة عقائديا، تُحترم فيها حرية الاعتقاد وتكون من أهم أركانها، دستوريا وإجرائيا، وأنها قادرة على أن تكون دولة لجميع أفرادها، بغض النظر عن اعتقاداتهم مهما تطرفت وعن تفكيرهم مهما شط (مع التفريق هنا بين حرية الاعتقاد والضمير وحرية التعبير). ويعتبر هذا الفكر أن الدولة العلمانية الغربية، بما أنتجته من تنوع في صيغها، وبسعيها المستمر لتحقيق هذا الزعم، يمكن أن تشكل مثالا صريحا لهذه الإمكانية، بغض النظر عن مأخذ الإسلاميين على جوانب الأخلاق العامة في الغرب، وخاصة ما يتعلق منها بوضع المرأة وأحوال الجنس، كون نظرتهم إلى الحرية قاصرة ومقتصرة على مثل هذه الجوانب. فيعتبرون أن هذا هو مجمل المنجز العلماني، لعدم تمكّنهم من رؤية حرية الاعتقاد، التي لا يقدّروها ولا يقبلون بها أساسا.

 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- احمد الطائي
17 حزيران (يونيو) 2008 07:04

يقول الكاتب ان العلماني ينطلق من حرية الإنسان المطلقة ومواجهة كل من شأنه ان يحددها ويقول ان الدينيون يترددون من مبحث الحرية ويقول ان سبب اعتراضنا عليهم هو ان الإنسان غير قادر على انشاء معرفة بل مجرد التفسير ونحن نتساءل من يحدد دائرة الحريات والحقوق والواجبات من حيث اتساعها او ضيقها هل العقل ام الله او نعبر عنه بمعنى اخر الوحي ام العقل أذن نقطة الصراع من له الحق في إنشاء وتحديد الحريات والحقوق والواجبات فان قلنا عقل الإنسان هو الذي ينشأ هذه الأمور معناه ان الإنسان يمكن ان يوسع من دائرة الحريات او الحقوق او والواجبات ويمكن ان يضيقها لذلك نرى ان الفكر العلماني يوسع من هذه الدائرة لتصل الى ان الإنسان له الحق بالتصرف بما يشاء في التوسعة او التضييق سواء في نفسه حيث يسمح او يتغافل او يتساهل حول مسألة الانتحار مثلا باعتبار ان الانتحار حق شخصي فهنا الفكر العلماني يؤسس حكم يوسع من دائرة هذا الحق وكذلك المسألة تنطبق حول حرية المعتقد لذلك يسمح الفكر العلماني بحرية المعتقد حتى لو كان الإنسان يمارس عبادة الأوثان باعتبار العبادة حق شخصي وهكذا يسمح للإنسان بممارسة الحرية الجنسية بمختلف أشكالها لأنها حق شخصي وكذلك بمسألة مساواة الرجل والمرأة وإلغاء مفهوم الذكورة والاتوثه وتأسيس مفهوم النوع الإنساني بدل عنه وهكذا يمكن للفكر العلماني ان يتدخل في كل الجزئيات ويزاحم الحق الإلهي في هذه الدائرة وكذلك في المقابل قد نرى قد تضيق دائرة الحريات من قبل البعض كما في الحكام المستبدين ان التوسعة والتضييق مرفوضة في الإسلام والسبب في رفضنا في إنشاء حكم تأسيسي من قبل العقل البشري فذلك لان الله تعالى هو المنشأ والمبدع والمصور لهذا الكون والإنسان والحيوان والنبات والجماد فلو كانت العلمانية هي التي أنشأت هذا الكون بما فيه جميع الموجودات لقلنا تفضلوا ونحن المطيعون لكم واحكموا وانشاءوا ما تشاءون من حريات وحقوق وواجبات وان تصرف العلماني بهذا القضايا أشبه بالشخص الذي اخترع اختراعا وحصل على شهادة عليها وإذا بشخص أخر أتى وسرق هذا الحق وقال ان هذا الاختراع أنا أتصرف به ما أشاء ولي حق في ذلك ويبقى ذلك الشخص صاحب الحق الأصلي محروما ومسلوبا من هذا الحق وبذلك يكون ذلك الإنسان قد مارس ظلما وعدوانا وطغيانا وتمردا وعصيانا وتغافلا ونسيانا لذلك الحق فالقضية كذلك تنطبق على مسالة الحق الذي يملكه الله تعالى فكل من يمارس هذا الدور الذي يجب ان يقوم به الله تعالى لا غيره فيكون عدوانا وعصيانا وتمردا وطغيانا صريحا من قبل الغير مهما كانت المسميات وهكذا لا يجوز لأي مخلوق بهذا الكون مهما كان ان يتصرف بهذا الحق في التصرف بالحقوق والحريات والواجبات ما يشاء لذلك كانت نقطة الصراع بين الفكر الإلهي والفكر العلماني حول مسألة السيادة فالمسلم يعتقد بان السيادة لله او الوحي أم غيره أي العلماني يعتقد ان السيادة للعقل الا ان الله تعالى لن يسمح لاي مخلوق في هذا الكون حتى الملائكة والجن والإنس ان يتصرف الا بأذنه ومشيئته وإرادته وباعتبار ان أرادة الله هي الحاكمة والمهيمنة على الكون كله لذلك لا مشروعية ولا حرية ولا حق ولا واجب الا من قبل الله ولا يزاحم الله في المسألة احد الا بأذنه لذلك نقطة السماح فقط هو أذن الله لذلك أعطى الله المشروعية والاذن للأنبياء والأئمة والعلماء الذي عبر عنه السيد الصدر بخط الشهادة ولو فرض ان الله كذلك لم يسمح لهذه الفئات الثلاثة كذلك لا يجوز لها ان تتصرف اذن لا مشروعية الا بأذن الله وبذلك نرى السيد الصدر استطاع ان يستنتج نظرية دستورية حول خط الشهادة ودورها في هذه الحياة في كتابه الإسلام يقود الحياة لذلك ان تصرف الإنسان بنفسه من خلال الإقدام على الانتحار لا يسمح له في الإسلام وكذلك الحرية الجنسية في الفكر العلماني لا يسمح لها وفق الفكر الإلهي من خلال توسعة الفكر العلماني للدائرة هذا الحق والحرية وهكذا في كل الجزئيات لا يسمح خصوصا المسائل التي تتعلق بالحريات والحقوق والواجبات والعبادات والمعاملات ولكن هذا لا يعني إلغاء دور العقل البشري نهائيا بل ان الفكر الإلهي قد أمضى لكثير من تصرفات العقلاء كما في باب المعاملات حيث أمضى الله تعالى كثير من العقود التي كانت في زمن الجاهلية وألغى البعض ووضع شروط للقسم الأخر كذلك اليوم هناك الكثير من مكتسبات العقل البشري في كل النواحي وما وصل اليه العقل البشري من تحقيق كثير من المكتسبات في كل المجالات خصوصا في مجال فصل السلطات والسلطة الرقابية الرادعة من تصرف الحكام بالإضافة الى سلطة الإعلام وغيرها كثيرا من انجازات العقل البشري تعتبر من مكتسبات العقل البشري المعاصر ولكن كذلك هذه الأمور تحتاج الى الإمضاء من قبل الشرع بشرط ان لا تخالف أي شرط من الشروط الشرعية كي تكتسب شرعيتها لذلك ان المدرسة التجديدية بزعامة السيد محمد باقر الصدر وما يمثلها اليوم من علماء أمثال السيد محمد حسين فضل الله والمطهري والمرحوم شمس الدين وغيرهم تعمل على التوافق بين مكتسبات الدين ومكتسبا ت العقل البشري وتجعل العلاقة بين الوحي والعقل من خلال ان العقل لا يهتدي الا بالوحي والوحي لا يستغني عن العقل نعم هناك من أصحاب الفهم السلفي الذي يفهم النص فهما حرفيا كثيرا ما يخل في دائرة الحريات والحقوق والواجبات فقد يوسع او يضيق لذلك لا مشروعية لهذا الفكر حسب التصور الإلهي لأنه ألغى دور العقل وكذلك أصحاب الفهم الناقص الذين يستخدموا أدوات ناقصة في فهم النص الشرعي من خلال الاعتماد على الظن فان اعتمادهم على جملة من الأدلة التي لا تثبت شرعيتها كما في الأخذ بمطلق القياس أي حتى بالكليات العقلية الناقصة بخلاف الفكر الشيعي الأمامي الذي لا يأخذ الا بالكليات العقلية الكاملة في هذا المجال وكذلك اعتمادهم على الاستحسان ومطلق حجية قول الصحابي مع التساهل الكبير في هذا المجال وقد توسع البعض في الأخذ من هذه الأمور وغيرها وقد يضيق كما عند الشافعي الذي لم يأخذ بالقياس والاستحسان ويعتبرها أدلة ظنية


الرد على التعليق

  • targuist - abdennasser el kassri
    1 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 02:42

    الحرية لا تعني الفوضويةكما اشار الاخ الطائي وليس بتلك التبسيطية المبتدلة اد ان الحرية تلغلي القيم الاجتماعية وتعم العبثية داخل المجتمع وكان القوانين الوضعية كلها اباحية ومستهطرة بالمجتمع ومثال الانتحار ليس له مسوغ فهدا الجدال لان الاعمار بيد الله وحسب الفهم الاهوتي لا يمكن لاي انسان ان يتخطى اجله المحتوم والمسجل في اللوح المحفوظ وانه سبق في علم الله زمن وطريقة موت الشخص وام قلنل العكس فاننا نجدف بالعلم الالاهي سؤال الا يحق للانسان اختيار معتقده ما دام هدا الاعتقاد لا يمس الاخرين اليس هدا هو الكنه الالاهي من تعدد الديانات لوشاء ربك لامان كل الناس لما دائما نحاجج حين تمس مصلحنا الدنيوية ونتدرع بالدينية لنصبغ عليها القدسية والرعبة


    الرد على التعليق


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter