الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > عرب أكراد أكراد عرب: وقائع ضد الوهم القومي

عرب أكراد أكراد عرب: وقائع ضد الوهم القومي

السبت 1 أيلول (سبتمبر) 2007
بقلم: رستم محمود  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

حين تجالس غسان دريعي، تستطيع أن تتبادل معه أطراف الحديث باللغة الكردية وبالذات باللهجة الآشيتية، أيا كان الشأن الذي تتحدثان فيه، فهو يجيدها ببراعة لا توصف. وإن كان الشأن سياسيا فلن تشعر إلا أن هذا الشخص كردي. فبالإضافة إلى أفكاره وطموحاته السياسية القريبة حد الملاصقة للرؤى الكردية القومية، تبدو تفاصيل حياته كلها من الزي إلى المسكن والمأكل وطريقة الإشارات الإيمائية، إن لم نقل نوع الضحكات ونظرات العيون، شديدة القرب من الاجتماع الكردي. وإن وجد نفسه محاصرا بأسئلة لجوجة عن مواضيع "الأصل والفصل"، يرفع يديه بعد ابتسامة مازحة ويقول: " يا أخي أنا نسيب آل البرزاني".

قد تُمضي ساعات وأياما مع غسان هذا دونما أن تكتشف أي شيء من لا كرديته. فغسان الذي ينحدر من عشيرة الدليم العربية التي تسكن المنطقة المحيطة بمدينة الموصل بالعراق، هاجر أهله قبل عدة عقود إلى الشمال السوري، وسكنوا في قرية "تربسبية" التي كان جل سكانها من الكرد، واختلطوا بأهلها. تزوجوا منهم وزوجوهم، وتعلموا اللغة الكردية، حتى أنك اليوم لا تميز بينهم وبين أي واحد من سكان القرية، فهم يشبهون الآخرين حتى في الأحلام التي يرونها.

وفي قرية "تربسبية"، تلك كان ثمة رجل كردي يدعى محمد شريف حاجو، كان أبن مالك القرية بكاملها . وحين رُزق بابن سماه محمد سعيد، ووضعه لدى مرضعة عربية. بعد أسابيع عدة جاء خبر بوفاة الطفل الرضيع ذاك، فطلب محمد شريف دفنه حيث هو. الحقيقة كانت أن الذي توفي هو أبن المرضعة لا محمد سعيد ابن محمد شريف حاجو، لكن روح الأمومة غلبت المرضعة فزينت لها نكران الحقيقة. تدور الأيام ويكبر محمد سعيد "الكردي" في بيئته العربية البدوية تلك، ويتعلم العربية بلفظ الظاء ظاء لا زاياً كما ينطقها الأكراد حين يتكلمون العربية، لكن عيونه الزرقاء ظلت تلاحق أمه المربية سنوات إلى أن باحت له بالحقيقة بعد خمسة وعشرين عاما، فعاد إلى أهله الأولين. ومن أهله، لا يشبع المرء عن سماع حكايات ذلك الشاب العربي ذي العيون الزرقاء الذي أكتشف بعد ربع قرن أخوته الكرد، وكيف عاش معهم بلغة وعادات أخرى . لكن ما لا ينسى البتة، هو "الندبة" العربية التي عقدتها أمه وخالاته العربيات حين وفاته بحادث أليم، بعيد عودته بوقت قصير. وكيف أن أمه الكردية كانت تطلب من أمه العربية أن تصبر على مصابها.

في تلك القرية، وفي كل مكان من ذلك التماس الديموغرافي بين الكرد والعرب، قد تجد حكايات شبيهة بتلك . حيث قد ترى كردا مثل غسان لم يكونوا قبل جيل واحد كذلك، أو عربا بالرضاعة والحياة مثل محمد سعيد، حيث لم ير أهله أفضل من مرضعة ومربية عربية له . لكنها في الراهن تبقى تلك حكايات من الماضي ليس إلا. لأن حزب البعث وأمثاله حين سيسوا العروبة بعد ذلك، أساءوا لها، فحولوها إلى آلة تريد تلوين المكان بلون واحد، فغيروا أسم القرية إلى "القحطانية" وإن يكن في القرية كلها شخص واحد ينتسب إلى قحطان. ومنعوا عن أهلها الكلام والغناء والتفكير بغير ما تشتهي أيديولوجياتهم الجافة، وفي مرحلة لاحقة سحبوا الجنسية "العربية السورية" من بعض أهلها، بدعوى أنهم مهاجرون حديثون، ثم أخذوا الأرض من كردها ووزعها على عرب استقدموهم من مكان غير قريب، داخلين لعبة التغير الديموغرافي، صانعين من لاشيء أحقادا لا تحصى، أحقادا تنزل بها التفاعلات والفاعليات الاجتماعية السياسية درجة الصفر المطلق، وتلك غاية من يريد المكان صامتا كالقبور. وبذا أصبح عرب المكان عربا لأن غيرهم كرد وكرد المكان باتوا كردا لأن غيرهم عرب، بعد أن كانوا قبل ذلك كردا وعربا بغير ولغير ذلك.

لا تتوقف الحكايات عند أشخاص أو عائلات بعينها. بل تتعداها إلى جماعات بأسرها لا تعرف لنفسها تحديدا قوميا. فـ"المحلميون" الذين يسكنون الشمال الشرقي من سورية مثلا، يتواترون بين الشعور القومي الكردي والشعور القومي العربي. فقد ترى في عائلة واحدة منهم من يدعي أنه كردي وآخر يدعي أنه عربي. وكذلك هم "التات" الذين يسكنون الشمال الغربي من سورية. بالمجمل، كان البشر هنا قبل صعود الإيدلوجيات القومية بشكلها السياسي، نتاج تفاعلات إنسانية أقل ذرائعية في التعامل مع التاريخ مما نفعله اليوم، أو ما نظن أننا نفعله. حيث جيء بالناس إلى الوعي القومي، ولم يذهبوا إليه، أو لم يكتشفوه بأنفسهم، فلوث براءتهم في وعي الإنسان، الإنسان ككائن ليس له أي معطى قبلي ثابت، فأُريد للقومية أن تكون في جغرافيتنا أحد تلك المعطيات القبلية، أحد تلك الأوهام!

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- سالم الأمير
1 آذار (مارس) 2008 02:52

اخي رستم موضوعك واقعي وهو موجود في كل مكان وزمان ولا ينحصر في فئة معينة او عرق او ملة . وكما ذكرت هناك بعض الاقليات او الجماعات او الافراد من الذين يتأثرون بثقافة الاغلبية التي يعيشون وسطها من لغة وعادات وتقاليد كما حصل للاكراد في دمشق و الذين لم يبق من كرديتهم الا اسماء عوائلهم في بعض الاحيان ولكن في النهاية عاد هؤلاء الى كرديتهم بمحض ارادتهم وهاهم اليوم يعتزون بكرديتهم ومنهم الاستاذ محمد كرد علي الذي قال وانا كردي من عرق آري لا يقبل النزاع مع انه لم يكن لديه ما يشير الى كرديته إلا لفظة كرد علي الذي ينتمي اليه ولم يجد من العرب من يفرض عليه العروبة فرضا ولم ينسب نفسه للعرب مع انه كان عربيا في كل شيء اللغة والعادات والتقاليد ولكن كرد علي نفسه هو من اختار ان يظل على كرديته مع انه قد يكون منتميا الى اهل الشام بالشعور والاحساس وهذا بالطبع لا يكفي فقرر التخلص من مؤثرات هذا الشعور بأدب وهذا لم يكن حاله لوحده وانما حال اغلب اكراد الشام . ونفس الشيء بالنسبة لبعض المحلمية الذين عاشو في وسط الاكراد في الجزيرة السورية وتأثروا بالثقافة الكردية والتي حاصرتهم من كل الجهات ولم يبق من عروبتهم الا كلمة محلمي العربية التي لا تقبل الجدال واصبحوااكراد بالشعور حالهم حال اكراد الشام الذين استعربوا ويدعم هذا القول المؤرخ الكردي محمد امين زكي عندما قال (وأما فريق من المتوطنين الكرد والمستقرين في منطقة ما ، فقد مثلوا سكان تلك المنطقة من غير العنصر الكردي تمثيلا قوميا كاملا فجعلوهم أكرادا من كل الوجوه ) وهنا الفرق بين العرب والاكراد طبعا باستثناء بعض الاكراد الذين لبسوا الثوب المحلمي للحصول على الهوية السورية التي منحت للمحلمية فقط في زمن الوحدة والتي كانت المحلمية بالنسبة لهم ثوب فقط وليس جلدا وعلى عكس المحلمية الذين عاشوا بين الاكراد ولبسوا الثوب الكردي في حين بقيت المحلمية والعروبة جلدهم ولا يمكن للجلد ان ينزع . فلن يغضب المحلمية من اي محلمي يميل بالشعور الى جهة اخوته الاكراد إذا كان ميله بمحض ارادته وإذا كان هو من اختار لا ان تفرض علية الكردية فرضا ولكنه في النتجة سيبقى محلمي عربي مهما طال هذا الزمان او قصر وهذا ما حصل بالنسبة لاغلب هؤلاء المحلمية الذين استكردوا مع اني شخصيا اتمنى (والله ) لوكنا نحن المحلمية اكرادا ومن هذا المنبت الطيب .

سالم الامير - سوريا


الرد على التعليق


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter