الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > عزوف عن السياسة أم إضراب ولامبالاة؟

عزوف عن السياسة أم إضراب ولامبالاة؟

الاحد 27 كانون الأول (ديسمبر) 2009
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

هل هناك حقاً عزوف عن السياسية في سورية؟ العزوف فعل إرادة واختيار، يعني الانصراف الطوعي عن الاهتمام بالشأن العام، وعن المشاركة في الحياة السياسية وفي حياة الدولة، مثلما هي المشاركة السياسية فعل إرادة واختيار؛ ومن ثم فإن العزوف والإقبال، على السواء، يتوقفان على توافر الشروط اللازمة والكافية لاختيار المشاركة أو عدم المشاركة. لذلك لا يستطيع المرء أن يحكم في مسألة هل في سورية عزوف عن السياسة أم نوع من إضراب عن السياسة أم نوع من لامبالاة. وأخمن تخميناً أن الوضع مزيج من إضراب ولامبالاة، إضراب مفتوح ولامبالاة فاضحة، إضافة إلى عزوف لا يمكن استبعاده، عندنا وعند غيرنا، ولكنه ليس الظاهرة الأبرز، ولا الظاهرة التي تبعث على القلق. وسبب التخمين يرجع إلى عدم وجود دراسات علمية وميدانية في هذا الموضوع أو بيانات إحصائية واستطلاعات رأي، أو بسبب عدم اطلاعي ما هو موجود منها، إذا كان موجوداً، ونسب المشاركة المعلنة في الانتخابات المحلية والتشريعية غير موثوقة، فلا يعتد بها.

الإضراب عن السياسة المباشرة امتناع احتجاجي، أو نوع من معارضة سلبية، تشمل معظم الفئات المدينية الغنية من تجار وصناعيين ورجال أعمال ووسطاء ووكلاء شركات، وعائلات ميسورة كانت قد تضررت من التأميم ومن الإصلاح الزراعي، منذ أوائل ستينات القرن الماضي. وتشمل أيضاً الأحزاب السياسية المعارضة، خارج الجبهة الوطنية التقدمية، التي يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي، وأعداد غير قليلة من سياسيين ومثقفين "مستقلين"، كان معظمهم من أعضاء هذه الأحزاب.

أما اللامبالاة فهي الظاهرة التي تستحق التوقف عندها، ولا يجوز إدخالها في باب العزوف، وذلك لارتباطها بأبرز خصائص النظام السياسي القائم، أعني الخصائص الشمولية، فهي ظاهرة ملازمة للظاهرة الجماهيرية التي بدأت تتشكل منذ عام 1958، وبلغت ذروتها في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي وأوائل تسعيناته، وتجلت في المسيرات المليونية ومهرجانات الفرح، والمبايعة بالدم، والرقص المسعور في الساحات والشوارع والمدارس والجامعات وسائر مؤسسات الدولة. وتشمل اللامبالاة الكتلة الجماهيرية الكبرى ومثقفي السلطة الذين هم قوام أجهزتها الأيديولوجية والإعلامية والإدارية.

اللامبالون هم جمهور الحركة التوتاليتارية، من فقراء الريف وفقراء المدن إلى العمال والموظفين وصولاً إلى المثقفين والتقنيين المرتبطين بالسلطة، وهو جمهور مستعد للانفضاض عن السلطة أو الانقلاب عليها، عندما تسقط، كما حدث في غير مكان، من الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية إلى العراق.

يحيل مفهوم الجماهير على كتلة سديمية تتشكل عادة بفعل عاملين أساسيين: التعبئة الأيديولوجية والإرهاب. وعلى الرغم من الطابع الكتلي الظاهر للجماهير إلا أنها في واقع الأمر أشبه بكثبان من الرمل يمكن أن تحركها أي ريح، ولا يربط بين أفرادها أي رابط سوى الخوف والشك والارتياب. والخوف، كما هو معروف، من أعمق الغرائز البشرية، التي تسيطر على الأفراد، أن لم يسيطروا عليها. وهو ما يطلق الأنانية من أي عقال، اجتماعي أو سياسي أو أخلاقي، ويدفع بالفرد إلى البحث عن خلاصه الشخصي، ولو على حساب أقرب المقربين. أليس تزايد أعداد المخبرين وتفشي ظاهرة الوشاية دليلاً كافياً على ذلك، ناهيك عن الاستهانة بحياة الآخرين وحقوقهم وحريتهم وكرامتهم، وعن الرشوة والفساد والنصب والاحتيال وارتفاع معدلات الجريمة؟

ومن ثم، فإن ظاهرة اللامبالاة، بجميع أبعادها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، مقترنة بضمور أو تلاشي مفهوم العمومية، وضمور أو تلاشي مفهوم الشأن العام والمصلحة العامة. هذه الظاهرة العجيبة هي بنت "السياسة" ومناقضة لجميع مبادئ السياسة، في الوقت عينه. ومن خلالها يتبدى خطر الشمولية أو الاستبداد المحدث على حاضر المجتمع ومستقبله. هل يمكن تفسير تهتك العلاقات الاجتماعية وانحلال عرى العقد الاجتماعي وانتعاش الهويات ما قبل الوطنية، واستشراء الفساد والانحلال الأخلاقي بمعزل عن هذه الظاهرة، ظاهرة تحويل الأفراد إلى كائنات توتاليتارية جوفاء مستعدة لارتكاب جميع الموبقات؟

السؤال الرئيس اليوم: هل في سورية حياة سياسية عامة؟ صفة العمومية هنا هي الأساس؛ إذ ليس بوسع أحد أن ينفي وجود حياة سياسية ما، ولكن هل هذه الحياة السياسية عامة؟ لا يمكن أن يكون هناك حياة سياسية عامة إذا لم يكن هناك فضاء وطني عام ومشترك بين جميع المواطنين، بلا استثناء، يتيح فرصاً متكافئة ويوفر ضمانات دستورية وقانونية للمشاركة أو عدم المشاركة في الحياة السياسية، بوجه عام، وفي حياة الدولة، بوجه خاص. المشاركة في حياة الدولة تعني حق المشاركة في المؤسسة التشريعية وفي السلطتين التنفيذية والقضائية لجميع المواطنين البالغين والمواطنات البالغات، على قدم المساواة، وفق مبدأ الانتخاب، في الأولى، ومبدأ المباراة أو المسابقة في الأخيرتين. هذا ما كان معمولاً به في سورية قبل عام 1958، أي قبل اغتيال جنين الدولة الوطنية، والثورة على الدولة وعلى المجتمع المدني الذي كان آخذاً في التشكل.

الأحزاب المعارضة هي التي تمارس الإضراب السياسي؛ والجماهير، بحصر المعنى، هي من تمارس اللامبالاة، على الرغم مما يبدو "مشاركة" في المسيرات المليونية، بل بسبب هذه المشاركة القسرية. اللامبالاة صفة ملازمة للجماهير، وفق التحليل الصائب والعميق الذي أجرته حنة أرندت للنظم الشمولية أو الكليَّانية (التوتاليتارية). ولكن ما يحتاج إلى دراسة متأنية هو الإضراب المفتوح عن السياسة، بل العزوف عن السياسة، الذي مارسته المعارضة، منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولا تزال تمارسه إلى يومنا وساعتنا.

على كل حال، الأحزاب العقائدية السورية لم تمارس السياسة، بعد عام 1958، وهي لا تمارسها اليوم، بل تمارس نوعاً من طقوس عقائدية، منها التنديد بالسلطة، ما هيأ الفرصة لسيطرة العسكر على مقاليد الأمور. (قبل ذلك التاريخ كانت الأحزاب تمارس السياسة في المجتمع وتحت قبة البرلمان، بحكم منطق الدولة وسيادة القانون، وقد استبسلت غير مرة في مواجهة الدكتاتورية).

الأحزاب المعارضة تتحدث عن "عزوف المجتمع عن السياسة"، لتبرر انفضاض جماهيرها وجزء مهم من عضويتها عنها، وعدم مبالاة المجتمع بوجودها أو عدم وجودها، لأنها لا تريد أن تعترف بعوامل قصورها الذاتي، وتراوغ حين تقوم ببعض المراجعات السطحية. فهل نصدقها ونعتبر أن وصفها للواقع صحيح، بلا أي بينة؟ واللافت هنا أن الأحزاب المعارضة نفسها عازفة عن المشاركة في الحياة السياسية عن سابق قصد وتصميم، إلا إذا اختزلنا السياسية إلى اجتماعات سرية ونشرات سرية وبيانات ساخطة، لم تسفر على مدى ثلاثة عقود على الأقل سوى عن تضحيات جسيمة صبغت حياة الكثرة الكاثرة من السوريين بالحزن والألم، ولا يملك المرء إلا أن يقدرها حق قدرها.

أجل، ثمة شيء شبيه بمثابرة الجماعات الدينية على تقديم الأضاحي، وهو أقرب ما يكون إلى موقف استشهادي. ومن تقدم الضحايا له أو من أجله لا يأبه، لأنه من نسيج الوهم، أعني الوحدة العربية والأممية البروليتارية والخلافة الإسلامية أو حاكمية الله، التي كانت ولا تزال تقنع المصالح الخاصة العمياء!

كان أحرى بنا أن نبدأ بتعريف السياسة لينجلي الأمر؛ السياسة بالتعريف هي مشاركة طوعية في الشؤون العامة وفي الحياة السياسية وفي حياة الدولة، وهي صفة ملازمة للمواطن، بوصفه عضواً في الدولة؛ (المواطن كائن سياسي وأخلاقي وشخص قانوني من طبيعة الدولة ذاتها) والعضوية في الدولة تعني جملة من الحقوق والحريات الخاصة والعامة التي يتمتع بها المواطن، وتعين جملة من المسؤوليات والالتزامات الملقاة على عاتقه، فلا حقوق بلا واجبات والتزامات ولا حرية بلا مسؤولية. ومن ثم فإن المشاركة السياسية تفترض الحرية أولاً، وتفترض المواطنية أو العضوية في الدولة ثانياً، وتفترض المساواة وتكافؤ الفرص ثالثاً. من دون هذه الافتراضات أو الشروط لا يمكن الحديث عن السياسة إلا بالمعنى المستقر في الوعي الشعبي وفي الثقافة التقليدية السائدة، أي بمعنى الأمر والخضوع، وتداول السلطة والمال بالقوة. ولا يخلو أن يحيل هذا المعنى من معاني السياسة على الحيلة والمكر والدهاء. جميع الفنون أنتجت روائع إلا هذه السياسة فقد أنتجت مسوخاً.

نبسط الأمر كثيراً حين نبحث عن أثر "الاقتصاد" وتدني مستوى المعيشة وتآكل دخول أكثرية المواطنين في ركود الحياة السياسية أو في "العزوف عن السياسة"، وننسى أو نتناسى تدني مستوى الحياة وتدني نوعيتها، بفعل ما كنا نسميه "التحويل الاشتراكي"، أي سيطرة السلطة التنفيذية المشخصنة على عملية الإنتاج الاجتماعي برمتها وبجميع منطوياتها: المادية والروحية، واعتبار ما يسمى القطاع العام "القطاع القائد" للاقتصاد الوطني، حتى يومنا. فقد آن الأوان لنقد الاشتراكية القومية واقترانها بسلطة الحزب الواحد أو القائد وكشف ما جرته على بلادنا من خراب. هذا هو الأساس؛ والمسائل الأخرى تابعة. هل هذه دعوة إلى الخصخصة واقتصاد السوق؟ أجل، ليس ثمة خيار أفضل، في المدى المنظور. الخيار الصيني يناسب الصين بشروطها التاريخية، وإلا فأهلاً وسهلاً بالمافيات والاقتصاد المافياوي المحمي بأيديولوجية الاشتراكية القومية وحكم الحزب الواحد. نقول ذلك ونحن ندرك أن سورية تسير في هذا الاتجاه، ولكن بكثير من التردد والاستحياء وهدر الوقت والموارد.

ليست السلطة الأمنية وحدها من جفف ينابيع السياسة، بل الأحزاب العقائدية الحاكمة والمعارضة، التي كلما شريت مرة من هذه الينابيع كانت ترمي فيها حجراً.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

اوركيش - اللامنتمي
27 كانون الأول (ديسمبر) 2009 03:26

اظن الاستاذ الجباعي متشائماجدااااااااااا فهكذاسياسةوتاريخ سياسي مسخ لبلد امسى ظلا لحلم حرمنا من رؤيته وشعب مبرمج على الدبك والتصفيق ومواطنة هي كل شيء ماعدا مواطنة حقيقيةوناس كلها مصابة باضطراب كولون لاسباب نفسية!!لك يا دكتور فالج لا تعالج؟؟؟؟


الرد على التعليق

- محمد نعيم
27 كانون الأول (ديسمبر) 2009 19:08

أوافق السيد الجباعي على تشخصيه لأعراض المشهد السياسي السوري، وأكاد أجزم أن نفس الأعراض تسري على الواقع العربي في مجموعه، لكن أختلف معه كليا فيما يتعلق بالحل السحري المقترح والمتمثل في "الخصخصة". فلنتأمل واقع الدول العربية التي كانت الرائدة في هذا الاختيار، ولا أسمي بلدا بعينه، الفساد والانحطاط في أبشع صورهما، وصعود فئات اجتماعية، ولا أقول طبقات، جمعت بين الثراء الفاحش غير المشروع طبعا، لأن تفويت المؤسسات العمومية يتم بذهنية القبيلة أو الطائفة أو الرشوة، وبين البداوة فكرا وسلوكا. فلننظر إلى هؤلاء "الأثرياء الجدد" ما هي القيم التي ينشرون و في ماذا يستثمرون؟ وكيف يتصرفون؟ هل يحترمون المؤسسات وسيادة القانون؟ هل يشجعون الثقافة والفكر الحر؟ إنهم هم الذين سخروا إمكانياتهم الهائلة لنشر قيم المتاجرة بالدين وبكل القيم، وأفرغوا السياسة من كل مضمون علمي بتحويلهم الأحزاب السياسية إلى مجرد تجمعات قبلية و دينية أو إلى جماعات من المرتزقة تعمل على نشر ثقافة "الانتهازية" واستغلال العامة وتحويلهم إلى كائنات انتخابية، والمتاجرة في ذممهم.


الرد على التعليق

- محمد نعيم
27 كانون الأول (ديسمبر) 2009 19:11

فكانت المحصلة من ذلك، يا أستاذ، هي التطرف في اتجاهين متقابلين، وهما في حقيقة الأمر وجهان لعملة واحدة، التطرف الديني والاعتقاد أن الخلاص فردي ويتجلى في طلب الآخرة ونعيمها بعد الحرمان من الدنيا وملذاتها، أوالتطرف الأخلاقي المتمثل في التمركز على الذات والدوس على كل المبادئ والقيم الإنسانية من أجل الربح السريع، وطرق كل السبل: الرشوة، التملق،الغش الكذب النفاق وللنظر في ما يترتب ..عن ذلك من أثار اجتماعية وأخلاقية ( لا أقصد بالأخلاق المعنى الميتافيزيقي وإنما اقصد السلوك المدني المسئول). ليس المشكلة في "الخصخصة" ولا في التأميم، بل المشكلة في الثقافة التي تؤطر الذهنية العربية وفي السلوكات الناتجة عنها، لذلك فالحل في تقديري هو تبديل ثقافة تقليدية بأخرى تنويرية تهدف إلى خلق من أسميتَه بالمواطن ككائن سياسي وأخلاقي وكشخص قانوني، فهل تعتقد أن في بلداننا العربية نظاما تعليميا علمانيا هدفه خلق المواطن بالمعنى المذكور؟ هنا مربط الفرس، وهذه مهمة كل مثقف متنور، فلنناضل من أجل هذا، أو فإن الحالة كما نرى جميعا، نستنكرها ونلعن الأنظمة لأنها في نظرنا هي المسئولة، لكن حتى لو استبدل نظام بآخر، لن تتغير الحال ما لم يتغير النبع الذي يرتوي منه الجميع، أي الثقافة التقليدية.


الرد على التعليق

أبوظبي - العين الساهرة
27 كانون الأول (ديسمبر) 2009 23:09

- 1- هناك علاقة وثيقة يا أستاذ جباعي بين سلطة شمولية هيمنت على مقاليد الحياة في مجتمع ما ، وكتمت أنفاسه ، وأحالت كل شيء فيه إلى امتداد لها وخادمٍ لوجودها ، وبين حاملٍ اجتماعيٍّ مغلوبٍ على أمره ، ومشاركٍ في تأبيد هذه السلطة نفسِها ، سواءٌ بقبوله لها ، أو مساهمته في استمرارها ، أو انخراطه في خدمتها ، أو عزوفه عن المشاركة في تغييرها . وليست اللامبالاة أو العزوفُ عن المشاركة سوى شكلٍ سلبيٍّ من أشكال المشاركة السياسية ( لأنها اتخذت شكلا مقلوباً على رأسه لا على قفاه ) ؛ لأنَّ تركَ الفضاء العام للسلطة الشمولية تفعل به ما تشاء ، وتحيلُه إلى ملكية لها لا يشاركها فيه أحدٌ ، هو مناصرةٌ لهذه السلطة نفسها في البقاء ، وما أظنُّ الأحزابَ ، التي تسمِّيها معارضة ، سوى نموذجٍ فاقع لهذه المشاركة السلبية ؛ لأن هذه الأحزاب - كما تعرف - رضيتْ بأن تعيش في ظل السلطة ، وبأن تقتات من فضلات موائدها أحياناً ، وبأن تصدر من المنشورات الهزيلة ما يعبر عن هذا الرضا ، ولو كانت هذه الأحزاب أحزابَ معارضة فعلاً - كما تسميها - لما كان حالها اليوم كما نعرفُ من هزال ، ولما كان حالُ وطننا الجميل سورية كما نعرف أيضاً من ضعف .


الرد على التعليق

أبوظبي - العين الساهرة
27 كانون الأول (ديسمبر) 2009 23:10

- 2- وأنت تعلم معي ، أيضاً ، أنَّ بعض هذه الأحزاب لم يفلح في أن يتجذَّر في البنية الاجتماعية السورية ، أو يجد قبولا له في نسيجها بسبب الآلية التي اتكأ عليها في تفاعله مع الفضاء العام ، إذ استعار في طريقة تفاعله مع هذا الفضاء شكلين من أشكال الخطاب : الأول ، سلفي متزمت يرى الحل في العودة إلى الماضي ، ويدير ظهره إلى الحاضر متشبثاً بما في بطون الكتب وأدمغة السلف الصالح من اقتراحات منهجية لمواجهة تيار الحياة المتجدد ، وقد لقي هذا الخطاب تجاوباً محدوداً في أوساط الجيل الجديد من السوريين ؛ لأن هذا الجيل لم يكن قد نفض يديه من السلطة الشمولية نفسها التي طرحت في بداية تسلمها للسلطة شعارات " تقدمية " و" ثورية" تعبر عن مصالح الغالبية العظمى من السوريين ، وتتوافق مع مثلهم العليا وطموحاتهم السياسية . ولم تكن السلطة الشمولية قد كشفت عن " المخبوء" من أهدافها السياسية " المستورة " ، أو كشرت عن أنيابها ، أو أظهرت ما تخفيه من ديماغوجية في استثمارها للشعارات التي طرحتها في بداية تسلمها للسلطة .


الرد على التعليق

أبوظبي - العين الساهرة
27 كانون الأول (ديسمبر) 2009 23:11

- 3- وكان السوريون ، ولا سيما الشباب منهم ، مأخوذين بهذه الشعارات ، ولذلك اصطفوا خلف " القيادة التاريخية" للرئيس حافظ الأسد ، وهم يأملون بأن تحقق لهم كل ما هفت نفوسهم إلى تحقيقه من أحلام وأمانٍ سياسية واجتماعية . ولم يتبينوا حقيقة هذه السلطة وجوهرها المتوحش إلا بعد أن ثبَّتتْ أقدامها جيداً ، وأمسكت بمقاليد الحكم بيد من حديد ، وحين اختاروا العنف سبيلا لمواجهتها ضربتهم السلطة بعنف ووحشية ، ومزقت شملهم شر ممزق بأشكال مختلفة . وأنت تعلم ، أيضاً ، أن الإخوان المسلمين ، الذين يمثلون هذا الخطاب ، اضطروا في نهاية الأمر إلى انتهاج الحوار مع السلطة لإيجاد موطئ قدم لهم في الحياة السياسية السورية ، وارتضوا لأنفسهم مكرهين سبيل النضال السلمي متعاونين مع شخصيات سياسية سورية أو أطراف خارجية قد لا تكون مصلحة الوطن وشرائحه المهمشة في مقدمة أولوياتها .


الرد على التعليق

أبوظبي - العين الساهرة
27 كانون الأول (ديسمبر) 2009 23:13

- 4- أما الخطاب الثاني الذي اختارته الأحزاب السياسية للتأثير في الفضاء العام فكان خطاباً طفولياً يسارياً ، استعار من الخارج قالبه المعرفي ومقترحاته الأيديولوجية وآلية حواره مع بنية بطركية محدثة ، ولم يراع هذا الخطاب معتقدات الناس الدينية وتقاليدهم الاجتماعية ، واختار الهجوم على هذه المعتقدات سبيلا للتفاعل معهم والتأثير فيهم ، دون أن يهيئهم لذلك بما يقتضي ، أو يخاطبهم بما يتوافق مع عقولهم أو منهجهم في التفكير ، وكان احتقار " الدين" وإدارة الظهر إلى طقوس العبادة ، التي يحرص عليها أبناء هذا الفضاء ، شكلا من أشكال الحوار معه ، وسبيلا من سبل مواجهة البنية الفكرية فيه ، وكان من الطبيعي أن يخفق هذا الشكل من أشكال الخطاب في إحداث أي تأثير في وعي الناس أو دفعهم إلى الاصطفاف وراءه ، بل إنني أزعم أن السلطة نفسها استثمرت الشكل المغلوط ، الذي اختاره ممثلو هذا الخطاب في التوجه إلى الناس ، لإضعافهم وصرف القطيع من العامة عنهم ، وجعلهم يعيشون على هامش الحياة الفكرية والسياسية في سورية ، بعد أن وجهت إليهم تهمة العمالة للخارج ، وأقنعت القطيع من العامة بأنهم " عملاء" للاتحاد السوفيتي ، وليسوا أبناء مخلصين لسورية ، وأظنك تعرف أنني أقصد هنا جماعة رياض الترك .


الرد على التعليق

أبوظبي - العين الساهرة
27 كانون الأول (ديسمبر) 2009 23:15

- 5- ولم تكتف السلطة الشمولية السورية في توجيه أصابع الاتهام لهم بالعمالة للخارج ، بل زجتهم في السجون دون محاكمة سنوات طويلة ، ولم يأسف العامة من الناس على ما قامت به السلطة ضدهم ، بل قابلوا ذلك بالشماتة بهم ، لأن هؤلاء لم يحسنوا مخاطبتهم أو إقناعهم بأنهم يدافعون عن مصالحهم ، أو يعبرون عنهم فيما اتخذوه من خطاب أو تبنوه من مبادئ . ولذلك ظل أنصار هذا التيار نبتة غريبة في الحياة الاجتماعية السورية ، مع أنهم الشريحة الاجتماعية والسياسية التي ضحت أكثر من غيرها في سبيل مستقبل سورية ، وتعرضت أكثر من غيرها لغضب السلطة وإجراءاتها التعسفية .


الرد على التعليق

دمشق - ظافر الأسدي
28 كانون الأول (ديسمبر) 2009 20:28

أما من تعليق تبديه يا أستاذ جباعي على ما قاله قراؤك ؟ أم نعتبر سكوتك علامة على الرضا والموافقة ؟


الرد على التعليق

  • - عماد البشاري
    28 كانون الأول (ديسمبر) 2009 21:15

    أستاذنا الجباعي أخشى ان يصدق فيك قول الشاعر: سَكَتَّ فَحامَ حَولَكَ كُلُّ ظَنٍّ وَلَو صَرَّحَت لَم تُثِرِ الظُنونا مع خالص التحيات للكاتب وللمعلقين


    الرد على التعليق

    • أبوظبي - العين الساهرة
      2 كانون الثاني (يناير) 2010 00:28

      أنت يا أخ عماد تسوغ للأستاذ جاد صمته ، ونحن رغبنا في دفعه إلى الكلام لننعم بجواهره ، ولكنه عزف عن ذلك ، وأدار ظهره إلينا قانعاً من الموقع بنعمة نشر مقاله وسماع آرائنا ، لكأنه يقول : ما عندي قلته ، وما عندكم قلتموه ، ويكفي ذلك . ونحن في الواقع لم نقل كلَّ ما عندنا ، وإنما قلنا بعضه فقط ، ولو تكلم لأفضنا بما عندنا ، وزدنا عليه بما صرحنا به وأكثر ، ولكنه دفعنا إلى السكوت حين اختار الصمت سلاحاً لمواجهة اختلافنا عنه .


      الرد على التعليق


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter