السبت 4 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > عن كردستان والأوطان التي لا تبنى بالبندقية فحسب

عن كردستان والأوطان التي لا تبنى بالبندقية فحسب

الاثنين 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2007
بقلم: رستم محمود  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

ستران عبد الله، ناشر ورئيس تحرير جريدة "ئاسو" الكردية اليومية السياسية شبه المستقلة، والمدعومة من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ( حزب جلال الطالباني) فُصل، حسب أنباء موثقة، من منصبه قبل فترة قصيرة على خلفية مادة صحفية نشرت في دوريته، تناولت معلومات تفيد: بأن هناك صراعا داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني ( الحزب المنافس والمشارك للاتحاد الوطني في الإقليم)، بين تيارين داخله، الأول يقوده رئيس الحزب مسعود البارزاني وأبنه مسرور البارزاني، والآخر يقوده رئيس حكومة الإقليم الحالي نيجيرفان بارزاني، أبن أخ مسعود البارزاني وزوج ابنته. كاتب تلك المقالة " داد علي" كان قد استفاد من معلومات قد نشرتها دورية "الأيكونوميست" قبل تلك المقالة بفترة قصيرة، حيث توقعت في ريبورتاج مطول عن إقليم كردستان، احتدام الصراع بين الجيل الجديد من عائلة البارزاني وخصوصا بين أبناء العمومة، نيجيرفان ومسرور … الخ .

لا تمثل حالة ستران عبد الله حدثا استثنائيا في المنظومة السياسية الكردية هناك، بل هي أقرب للسياق العام للعلاقة بين السلطة السياسية بكل تمظهراتها وبين المجتمع المدني بكل تعبيراته. فالرغبة الجامحة من الأولى في الاستحواذ على الثانية، بطرق لا تعد ولا تحصى، بدءا بالأغراء المالي من خلال الرعاية والتمويل وانتهاء بالتحييد الجسدي والإقصاء المعنوي، تشكل الجسم الرئيس من ذلك السياق المحدد للعلاقة بين السلطتين. ولم يكن التغاضي شبه التام من قبل الأوساط الثقافية والفنية والمجتمعية هناك، عن تلك الحادثة – باستثناء بعض الأقلام التي تقيم خارج الإقليم – إلا أحد البراهين على ذلك الاستحواذ الذي تمارسه السلطة التنفيذية على قوى المجتمع المدني.

بل يمكننا الذهاب أبعد للقول: ينتمي إقليم كردستان العراق كحالة سياسية وككيان صاعد، إلى الكيانات التي يمكن أن تسمى كيانات ما بعد الاستبداد. وهي بحالها تلك تكون، أو بالأصح يجب أن تكون السلطة فيها أكثر تباينا مع النظام الذي قامت على أنقاضه. كمثال شبيه للحالة التباينية بين سلطة حديثة وأخرى منقرضة، نذكر الدول العربية، المشرقية والمغربية وبدرجات متفاوتة. فهذه الكيانات كانت منتجات مرحلة ما بعد الكولونيالية، أي أنها بنت نفسها كأشكال سياسية نقيض للحالة الاستعمارية، وبذلك كان خطابها الدولاتي في كل مجالاته ( في السياسة والتربية والإعلام .. ) مناقضا للشكل الاستعماري. وبذا فقد كان حمالها السياسي – أو الحجة الجديدة التي يقدمها الحاكم للمحكوم ليدربه على مكانيزم الخضوع، حسب تعبير ميشيل فوكو- يُهندس على مفاهيم الوطن والتحرر والولاء للأرض، كونها مناقضة للحالة السياسية السابقة، الاستعمار.

لكن الإقليم الكردي الذي خضع خلال فترة طويلة لنير السيطرة الاستبدادية لا الاستعمارية. حيث كانت الأحزاب الكردية العراقية، طوال تاريخها النضالي، ترفع شعار: "أن المشكلة الكردية في العراق ليست مشكلة شعب محتل، أو مشكلة شعب كردي مع آخر عربي، بل أن المشكلة تنحصر في سلطة قمعية باطشة تمارس الاستبداد بشعب العراق عربا وكردا . والخلاص يكمن في القضاء على تلك العلة الاستبدادية". ونتيجة للمقدمة، تلك كانت "صرخاتها" السياسية تتأسس على مفاهيم الحرية والرأي الحر والمجتمع الحيوي … ولأجل تلك الشعارات سالت دماء زكية، قال عنها مسعود البارزاني يوما: أنها لكثرتها تكفي لتحرير أربعين شعبا .. .

حصل في تجارب شتى أن انقلبت المقاومات على الدولة التي كانت تريد أن تبنيها، فالدولة باعتبارها دولة أولا، تتناقض مع رغبة المقاوم في أخذ جزاء مقاومته، المادي أحيانا والمعنوي أحيانا، لذا كان الانقلاب – انقلاب المقاوم على دولته – شكلا من أشكال حل ذلك التناقض، بين الدولة ومقاوميها السابقين. لكن حالة كردستان العراق تبدو أكثر فجاجة. فالحزبان الكرديان هناك (السلطة) يبدوان غارقين في المشروع الأميركي الذي يتبنى دمقرطة الدولة، ولا يتوقفان لحظة في نقد السلوكيات الاستبدادية للدولة المحيطة بحق شعوبها، ويعرضان تجربتهما كحل لمجمل العراق، ولا يتحفظان في نشر تلك التجربة على عموم الشرق الأوسط! . بينما ينجرفان كسلطة تسعى إلى تعزيز سلطتها بالثروة، وكدولة مصبوغة بأحزاب فحسب، وكمدنية مطعمة بروح العائلات والعشائر.

لكن تبقى أكثر صور تلك الحادثة قتامة، أن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الممول والداعم للجريدة المذكورة (ئاسو)، والمنافس المفترض للحزب الديمقراطي الكردستاني سياسيا، فصل ستران من مركزه، نزولا عند رغبة الحزب القرين له . مما يعني أن العملية السياسية في الإقليم الكردي تحاكي التغاضي المتبادل بين القرينين السياسيين، ومنه تغدو الدولة مزرعة أو أقل.

في المرات القليلة التي كان كاتب هذه السطور يتصل برئيس تحريره ستران عبد الله، حينما كان يعمل مراسلا في أحد مكاتب جريدته، كان يسمع منه: " كاكا رستم والله إنا بكركوك والوضع الأمني صعب وسوف أذهب إلى بغداد غدا والطريق خطرة وسوف أعود إلى السليمانية… لكن شو بدو يساوي الواحد لازم يتحمل منشان تقدم الجريدة والصحافة بكردستان " . وقتها لم يقل كاتب السطور لرئيس تحريره : "كاكا ستران الأوطان لا تبنى بالأمنيات فقط، كما أنها لم تبن بالبندقية فقط ….. كاكا ستران المسألة مسألة تاريخ".

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- Shahin
2 آذار (مارس) 2008 12:20

ما من قارئ و عارف بتاريخ الشعوب و نشوء الدول يجهل كم من صعوبات عانتها تلك الدول والشعوب حتى ثبتت أقدامها و أرست الديمقراطية في بلدانها و قد تحقق لهم ذلك بمرور سنين طويلة , ولا أعتقد ولا أعتقدأن وجود خلافات بين القادة الكرد هو عيب أوعار فالديمقراطية تؤمن باختلاف الوجهات وفي نفس الوقت تؤمن بالحوار أيضاًمع أعترافنا بوجودعيوب و منغصات بالتجربة الكردية و لكن هذا لا يعيب التجربة الكردية كونها بدائية وتعيش وسط ظروفاًإقليمية صعبة ( متآمرة ) وماالعدوان التركي الإيراني المستمر على الأقليم إلا أكبر دليل على ذلك وهي رغم كل ذلك لم تفرض على شعبها قوانين الطوارئ كما في بعض دول الإقليم .


الرد على التعليق

- anitos
2 آذار (مارس) 2008 12:21

سأتفق معك بداية على الخطوط العامة للمقالة الهامة التي كتبت لكنني سأختلف معك فيما يتعلق بتمظهرات المجتمع المدني التي ذكرت والتي أعتقد بانها ضمن الظروف الاقليمية الحالية اضافة الى المناخ القائم الآن في الداخل الكردي من صراع على السلطة، فهي بكل تأكيد غير مؤهلة وغير قادرة أن تكون مشاركةأوفاعلة في العمل السياسي الكردي الا عندما تكون محسوبة على أحد التيارين الرئيسيين أما فيما يتعلق بحديثك عن التاريخ في نهاية المقالةفمرور الزمن لا يفيد ايضا في بناء الأوطان الا بقدر التراكم الايجابي للتجربة السياسية في الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان وبناء المؤسسات، فتجربة الخمسينات في سورية مثلا كانت أفضل بكثير مما نعيشه الآن بعدالألفين.وشكرا


الرد على التعليق


Zeng Chuanxing (الصين)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter