الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > "عودة الابن الضالّ" في الثقافة العربيّة

"عودة الابن الضالّ" في الثقافة العربيّة

الاحد 9 آب (أغسطس) 2009
بقلم: عمر قدور  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

"عودة الابن الضالّ" هو أيضاً عنوان فيلم للمخرج المصري يوسف شاهين. يبدأ الفيلم بخبر عودة ابن الإقطاعيّ بعد مغادرته إقطاعيّة أبيه إثر خلاف حادّ بين الاثنين؛ الأب ظالم وقاسٍ، والابن ينحاز إلى قضايا المسحوقين في الإقطاعيّة. يستبشر الناس بعودة الابن مع دنوّ أجل الأب، لكنّ الابن يتكشّف عن صورة مغايرة تماماً للصورة التي رحل بها، ويُظهر قسوة تفوق قسوة الأب. كأنّ الموت الفعليّ للأب، في فيلم شاهين، يؤذن بانتهاء المحاولة الرمزيّة لقتله، وبهذا يكون التمرّد الجيليّ صراعاً على السلطة يتقنّع بأيديولوجيّات مختلفة مؤقّتاً، أي إلى حين حسم النزاع، أو تسويته بالتنازلات التي يقدّمها الابن على الأغلب.

* * *

سيناريو آخر "مكرّر ومملّ" من الواقع: أب متزمّت متديّن، ربّما لم يكن الأب هكذا في شبابه، وابن شاب يتململ من القيود المفروضة عليه. يخرج الابن عن إرادة أبيه؛ يسكر، يقيم علاقات غراميّة "غير شرعيّة"، وقد ينتمي إلى تنظيم سياسيّ يتعارض جذريّاً مع ميول الأب، وربّما يتطرّف في أفعاله هذه إلى حدٍّ يضطرّ فيه إلى مغادرة بيت العائلة، على الأرجح بعد شجار ينتهي بطرده من قِبل الأب. يتدخّل أحد من الأقرباء أو الأصدقاء في محاولة لرأب الصدع، فيحاول إقناع الأب بالتسامح مع "طيش" الشباب الذي يمرّ به الابن، ومن جهة أخرى ينصح الابن بـ"التعقّل"، وإذا لم تنفع النصيحة يُستحسن ابتزازه بدموع الأمّ التي لا بدّ أنّها انسكبت كثيراً في هذه الأثناء. المطلوب هو عودة الابن واعتذاره من الأب، مع وعد معلن أو مضمر بالإقلاع عن "الطيش". لا نتوقّع من الابن التراجع الفوريّ، ولا بأس بالانتظار لسنوات كي نراه بصحبة أبيه يدخلان الجامع، ويصلّيان وراء الإمام الذي صلّى وراءه الجدّ من قبل.

* * *

بين الخمّارة والجامع مساحة يسهل قطعها، مساحة لا تستغرق من الوقت سوى لفظنا لكلمة سحريّة هي: التوبة. التوبة في الإسلام فعل محمود، لأنّ الله يحبّ من عباده الخطّائين التوّابين. أي أنّ الإسلام، في ذروة تسامحه، يجيز للمسلم ارتكاب الأخطاء، على ألا تصل به إلى المعصية، وعلى نيّة التوبة عنها لاحقاً. والحقّ أنّ "ارتكاب الأخطاء" والعودة عنها، من وجهة النظر هذه، ضروريّ كأمثولة ردع مستمرّة، فالمثال الأخلاقيّ لا يستقيم إلا بنقيضه الذي يثبت عجزه على الدوام. في سياق متّصل تمنح المجتمعات التقليديّة فترة سماح لأبنائها، هي فترة المراهقة والشباب الأوّل، حيث تتساهل في خلالها مع نوازع التمرّد لديهم. لكنّ هذا التسامح على الأغلب مشروط زمنياً، أي أنّ ما يُقبَل على مضض في مرحلة محدّدة من العمر يصبح مستهجناً حين تجاوزها. ولا يلزمنا الكثير من التعمّق لنلحظ أنّ التسامح في الحالتين، الدينيّة والاجتماعيّة، وتضافرهما هو بمثابة صمّام أمان يحافظ على رسوخ القيم التقليديّة، ويحيل الممارسات المنافية لها إلى غياب الاتزان العقليّ "الطيش".

سبق لكاتب هذه السطور أن أشار إلى ظاهرة التوبة، في سياق مقال عن ظاهرة النكوص السياسيّ الجذريّ لدى أدباء سوريّين، إلا أنّ هذه الظاهرة قابلة للتعميم في الثقافة العربيّة، سواء بالمعنى العامّ لكلمة ثقافة أو بالمعنى الخاصّ لها، إذا جاز الفصل بينهما. وإذا كان التغيير حقّاً محفوظاً لكلّ فرد فما يلفت الانتباه في الثقافة العربيّة هو دائريّة التحولات، لا تعرّجها؛ أي العودة إلى نقطة الانطلاق أو إلى ما يقاربها. بهذا المعنى تبدو الثقة ضئيلة بأيّة انطلاقة جديدة، مهما بلغت من العنفوان، لأنّ النهاية المتوقّعة تنذر بالعودة، ولا ريب في أنّ عوامل عدم الثقة هذه تُفقد الانطلاقة سنداً هي بأمسّ الحاجة إليه.

بوسعنا تذكّر أسماء كثيرة، في الحقل الثقافيّ العربيّ، تنتمي إلى ظاهرة "عودة الابن الضالّ"، ولعلّ أكبر موجة هي التي ترافقت مع انهيار المنظومة الاشتراكيّة، إذ شهدت تلك الفترة انتقالات فكريّة دراماتيكيّة لمثقفين يساريّين، فمنهم من تحوّل إلى الليبراليّة الجديدة، ومنهم من عاد إلى أصوليّة فكريّة. ولا يكفي في هذا الصدد أن نعزو التغيّر إلى ظروف خارجيّة أو موجة عالميّة، أو أن نردّ الأمر إلى استبدال حاضنة بحاضنة أخرى، لأنّ قسماً كبيراً من التغيّرات طال المكتسبات الفكريّة الجوهريّة التي لا يفترض بها الانهيار مع ظرف سياسيّ محدّد. وإذا سلّمنا بأنّ التخلّي عن اليساريّة هو شأن محض سياسيّ فهذا لا ينطبق على التخلّي عن منجزات الحداثة، وإن أتى أحياناً مقنَّعاً بمقولات مجتزأة تدّعي الانتماء إلى ما بعد الحداثة ونقض المركزيّة الأوربيّة.

لم يبتعد رأس الهرم في بعض الأنظمة العربيّة عن العدوى، وباستعراض سريع لسيرة الرؤساء الذين تولّوا السلطة مع نهاية ستّينيّات القرن الماضي وبداية سبعينيّاته نجد بداية حكمهم اتسمت بالانفتاح على مظاهر الحداثة، وبالوعد بالتغيير والتخلّص من الرواسب التقليديّة، بينما نجد في أواخر حكمهم صورة "الرئيس المؤمن" الذي ينافس في تقليديّته خصوم الأمس. والمشكلة في ظلّ الديكتاتوريّات العربيّة أنّ التغيير لا يطال شخص الحاكم كفرد، بل ينعكس مزاج الحاكم على حاشيته، وعلى أداء المؤسّسات العامّة، الإعلاميّة منها خاصّة، ويصبح لزاماً على الشعب كلّه أن يتمثّل "حكمة" القائد، وتكتمل النهاية "السعيدة" بأنّ نسبة مؤثّرة من هذا الشعب تحتفي بالقائد "الضالّ" الذي عاد إلى "القيم الأصيلة" أخيراً. لقد بلغ ذلك بأحدهم "الرئيس المصريّ السابق محمد أنور السادات" أن يعتكف أيّاماً للعبادة، ثم يطلع بأفكار من وحي تلك الخلوة كان أشهرها ما سُمّي آنذاك بقانون العيب!. أمّا الرئيس "المؤمن" صدّام حسين فقد نصّب نفسه قائداً إسلاميّاً وعروبيّاً في أواخر عهده، وقد لا يكون من المصادفة أن تفوق نسبة المصلّين المنتظمين في الفترة ذاتها الـ80% من العراقيّين.

ربّما يصحّ القول، نسبيّاً، إنّ التراجعات مهما بلغ حجمها لا تلغي واقعة التمرّد، ويتجلّى هذا خاصّة في المجال الأدبيّ، فعلى سبيل المثال ما يزال يُنظر إلى نازك الملائكة كرائدة من روّاد الشعر الحديث، على الرغم من تراجعها الشخصيّ عن هذا الشعر وتصريحاتها المتأخّرة المضادّة لحركة الحداثة في الشعر. مع ذلك، وفي مجال الشعر أيضاً، تبرز المفارقة في أنّ التعايش لم يستتب بين الأصوليّة الشعريّة والحداثة الشعريّة بعد مرور أكثر من نصف قرن، إذ بقيت الأولى متشبّثة بـ"تكفيرها" للثانية، وملوّحة بسيف المتنبي أو "امرؤ القيس". لم "يمت" المتنبي، أو يأخذ مكانه في ذمّة التاريخ، حتّى الآن، ويراد له أن يبقى أباً، وكأنّ سلالة الشعر على مدار مئات السنين لم تفلح في قتله، أو في اصطناع آباء جدد!.

ليس من المتوقّع بالتأكيد أن يبقى المرء على حاله، ومن الطبيعيّ أن تختلف الاستجابات الانفعاليّة بين مراحل مختلفة من العمر، وبالمقارنة العابرة مع المجتمعات الحرّة؛ نلحظ أيضاً حدوث انزياحات بين مرحلة وأخرى، لكن تقلّ الانقلابات التي تصيب الفرد، وتدفعه إلى التخلّي النهائيّ عن التراكم الذي أنجزه من قبل. وعلى العموم لا تشكّل هذه القلّة، عندما توجد، نسبة فاعلة تدفع بمجتمعاتها إلى النكوص الجذريّ عن مكتسبات الحداثة. إنّ ثقافة التوبة، إذا جاز التعبير، تنبع من مسلّمات راسخة، وتتناقض جذريّاً مع نزعتي التجريب والشكّ المرافقتين للحداثة، لذا تصبح الأخيرة مشروع "هجرة" إلى الخارج، ويبقى الأصل هو الداخل الذي يرجع إليه المهاجر.

عندما تبلغ ظاهرة، كظاهرة "عودة الابن الضالّ"، أن تصبح نمطاً ثقافيّاً/اجتماعيّاً معتاداً فهي تتحوّل إلى مدخل إضافيّ لمناقشة الأسئلة الثقافيّة الأوسع. وقد نقرأ بدلالتها أيضاً، لا بدلالتها فقط، بعض الأسئلة المزمنة، بدءاً من أسئلة النهضة العربيّة التي ما فتئت تتكرّر بالصياغة ذاتها طوال قرن. وفق هذا المنظور؛ سيكون مفهوماً بقاء الأسلاف بلحمهم ودمهم في الساحة، بينما تصعب مهمّة القادم الجديد، إذ لا يتعيّن عليه قتل أبيه فقط، بل قتل أسلافه الذين ما يزالون أحياء جميعاً!.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

موسكو - عقيل صالح بن اسحاق
9 آب (أغسطس) 2009 12:17

عودة الابن الضال موضوع صراع ابدي, إباء مع أبناء ومن ثمة نفس الأبناء مع أبنائهم في وقت لاحق بدون انقطاع. وأدا وسعنا المفهوم فهو صراع "الإباء والأبناء", فكل جيل- شاب- في مرحلة معينيه يناقض مع العرف والقوانين التي سنها جيل -الشيوخ -سابق, أي صراع الجديد مع القديم . في الوقت الذي الصراع بينهم يتحول أحيانا إلى درامه حقيقية , و أسطع نموذج هو القيصر الروسي "ايفان جرو زني ( 1532-1584 )" وهو معروف بالقسوة الشديدة جدا ضد أعداءة وخصومة . في لحظة غضبة الشديد الذي كان يناوبه دائما قتل ابنة, وندم عن دلك ندم شديد, ومن ثمة اعتكف ومات مع حزنه بعد دلك الحادث بوقت قصير جدا .


الرد على التعليق

منوبة - عادل بن عبد الله
10 آب (أغسطس) 2009 23:54

يثير هذا المقال العميق للأستاذ عمر قدور جملة من الأسئلة التي سأطرحها باعتبارها مجرد فرضيات قد تساهم في تعديل بعض ما جاء من أطروحات جادة 1-"عودة الابن الضال"هو استعمال مجازي يجد أصوله في قاع كتابي( حيث يضرب يسوع هدا المثل في الانجيل و حيث يبدأ في التشكل مفهوم الاله-الاب باعتباره أبا للمخلص ومن ورائه لكل من امن به)و هي ملاحظة تدفع الى التسؤل عن مدى كفاية ثنائية الأب/الابن في فهم العوامل المتحكمة في انتاج النماذج السلوكية المهيمنة على الفضاء العربي-الاسلامي حيث يبدو أن التفكير من داخل ثنائيات تفسيرية أخري هو أمر أكثر وجاهة و ذلك من مثل الله/المسلم أو الجماعة/الفرد المعبرين عن عمق اللاتكافؤ من جهة و على مديونية المعنى من جهة أخرى 2-اذا ما أردنا توظيف الاطار التفسيري الفرويدي فانني أرى -من جهة الافتراض-أن المتحكم في الثقافة العربية الاسلامية هو عقدة قتل الابن لا الأب وذلك واضح على الأقل في المستوى العميق للقيم التربوية و نظام التوريث في تمظهراته الفقهية و السلطانية المختلفة.حيث يحجب الظاهر النفعي ما يحكم هذه العمليات


الرد على التعليق

منوبة - عادل بن عبد الله
11 آب (أغسطس) 2009 00:13

من رغبة لا واعية في تعميم الأساس البيولوجي للتوريث وذلك بجعل الأبناء مجرد امتدادات للأنا الأبوي. اننا أمام عملية وأد أو قتل للابن يتم تمريرها عبر جملة من الأوامر الأخلاقية و الأعراف الاجتماعية التي تكسبها ضربا من البداهة وتجعلها في مناى عن النقد و المساءلة 3-ان العودة الى القيم المشتركة أو التوبة حسب المصطلح الديني لا تعبر عن مراجعات حقيقية لمسارات الأنا الفردي بقدر ما تعبر عن الهيمنة اللاواعية للأنا الجماعي الذي يطفو الى السطح في الاختيارات الحدية الكبرى مسنودا في دلك بالثبات الكبير للبنيةالتقليدية للمجتمع في مستوى المخيال و العقائد الفرعية الموجهة للفكر والسلوك


الرد على التعليق


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter