الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية


غسل الأب

الاحد 20 أيلول (سبتمبر) 2009
بقلم: باسط بن حسن  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

إلى عبد المؤمن في ذكراه الرّابعة

بدون دموع ولا رعشة

كنت أغسّل جسدك المستسلم للعراء

"انتبه..أفرك الذّراع بحنيّة".."أرح الرّأس بهدوء بين يديك..ما أحلى ابتسامته في الموت"..

يهتف قريبي الشّاب المتطوّع لغسل موتى القرية

بحزم من اختبر أصول النّهايات

روائح البخور

وإيقاع البسملات

ونشيج الأمّ المتقطّع

تتراقص في الغرفة مع عناصر الخريف

والماء الغزير يتدفّق في أقاصي

ورود الجسد الّسوداء

في الشّعر الملبّد زهرة وحيدة متبقّية

لم يدسها سعال آخر اللّيل

في المستشفيات الموبوءة

التي أطفأت زمرّدة حياتك

على قفص الصّدر،

مستودع شهقات السرّ وأحلام كثيرة،

تنفتح فضاءات للرّحيل

والأصابع الزّرق بعروقها المتجمّدة

أخالها تنفتح وتقبض روح الهواء.

حول جسدك الممدّد في العراء

تحلّق دهشتي مع تراتيل الحداد

أقتطع أجزاء من وجوه الغرباء الحزينة:

وجه أصفر لكآبة جذلانة

وجه أخضر لحقول بلا مواعيد للبذر

وجه أبيض لعلامات بلا معنى

وجه أسود لأنوار شريدة.

حين يغمرك ماء الموت

أرى جسدينا يلجان البحار الفجريّة

أرى ذراعيك تلامس الغيمة البحريّة

حين تلقي بي في لجّة غبطة

أسمع قهقهتك حين تبعثرني الموجة

وتداوي الرّمال خوفي

الغيمة البحريّة دون سواها

كانت لغة رقّتنا الوحيدة.

حين يمسح ماء الغسل جراحك

أسمع كلماتك تتنهّد في أيّامي

مثل بئر عطشى

ألمح بسمتك تحوم حول ذكرياتي

كفراشات تحرس لغات وحدتي

أرى ظلّك يغادر حكاياتي

يتسلّل إلى قبو بيتنا القديم وينام

مع ألعابي الطّفوليّة

ذلك النّعش الذي يحملك

إلى بدايات حياة الغبار

يتهادى فوق رؤوسنا كهودج فرح ودموع

عصافير لامرئيّة ترفع الكفن

تقطف عبق أسئلة الرّحيل

وتنثره على هامات الماشين

وأنت النّائم في انتظار حلم جديد

تترجّل عن أريكتك الباردة

وتمضي في حقول الأقحوان

حيث ترانيم الأجداد

تهدهد ألم الوقت

كم كان بودّي أن أسلمك يدي

أن أريح خدّي بين أخاديد راحتك

أن ألثم عطر الحبر الذي لوّث دفاتر أيّامك

ولكن بيننا طرق هجرة تائهة

وأزمنتي ما زالت تتشبّث بشوق

البقاء

ها نحن نتقدّم

داخلين إلى حزن بلا لقاء

نسير بين ظلال طفولتنا

مقبرة القرية لم تعد ساحة

لألعاب الصّبى الشقيّة

"هل تتذكّر يا محمّد.. ويا طارق هل تتذكّر أنت أيضا مغامراتنا بين القبور"..

"هل تتذكّران الزّهور التي كنّا نقطفها

من بين مفاصل سكون الموتى

ونبتة قرنبوش التي نلتهمها بنهم فوق رؤوس الشّاهدات"؟

أريد أن أقول لكما كم اغبرّت المقبرة

من فرط ترحالنا

وكم غطّت أدغال الشّوك أوهام عنفواننا

أريد أن أقول أنّنا هناك لم نغادر أبدا

مملكة الحنين والصّفاء

في كرامة الأرض أودعنا غيمة أخرى

ومضينا إلى غربة بدون عزاء.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

djerba - منجي
20 أيلول (سبتمبر) 2009 10:37

صديقي باسط علمت اليوم فقط بوفاة الوالد فعزائي اليك و لتكن ذكراه سلوى للأحزان و ضياء في الظلمات و منارة تهدي سواء السبيل صيقك المنجي


الرد على التعليق

- مختار الخلفاوي
20 أيلول (سبتمبر) 2009 14:01

اللّه اللّه يا باسط.. من أجمل ما قرأت عن صورة النعش يشقّ طريقه إلى حياة الغبار..طريق جرّبته - يا باسط - مرّات، ومشيت خلف نعوش أحبّة مضوا وخلّفوا في القلب حسرة وشعورا من الندم: كيف استطعنا أن نستأمن على من أحببنا شواهد القبور؟ أشكرك كثيرا على الشعور الإنسانيّ الرائع الذي وهبتنيه..


الرد على التعليق

tunis - hasan echi
20 أيلول (سبتمبر) 2009 22:43

وحدها الكلمات ترمم شروخ ذواتنا وتعيد لنا البعض من شتاتنا المبعثر….على ارصفة الزمن الخاوي. عزاؤك الوحيد في ذكراه انه مضى نحو حقول بأقواس قزح. شكرا صديقي .قصيدتك فيض من الصدق والحنين وعوالمها محببة لنفسي. حسن العشي Hsanechi11@yahoo.fr


الرد على التعليق

- العادل خضر
22 أيلول (سبتمبر) 2009 01:24

"بلوتني يا أبت بلوعة الغياب" هذا كلّ ما قلته في صفحة الإهداء من أطروحتي الّتي لم يشهد أبي مناقشتها.. قصيدتك يا باسط حرّكت لوعتي من جديد، ومع هذا لم أر عمل حداد بالشّعر بهذه الجودة أبدا فيما قرأت من الأشعار، بعض التّفاصيل تذكّرني بقصيدة "سيرة ذاتيّة" رحم الله سي عبد المؤمن


الرد على التعليق

tunis - montassar
23 أيلول (سبتمبر) 2009 00:12

ما أروع اكتشاف اللّغة الّتي يموت بها الانسان ويحيى. وما أشدّها على الموت حين تحوّله الى قصيدة في الحياة كما كتبت انت…امعانا في طلب الخلود الّذي لن يكون..لك الكتابة يا باسط بها تحيى وتحيي من تريد.


الرد على التعليق


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter