الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > فجأةً كانت الثورة!

فجأةً كانت الثورة!

ترجمة: مختار الخلفاوي

السبت 12 شباط (فبراير) 2011
بقلم: فتحي بن سلامة  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

لقد اندلعت الثورة من حيث لا نحتسب. ولذلك، فإنّ محاولة شرح أسبابها، اليوم، عبر المعطيات الموضوعيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة تبدو غير كافية. إنّ تفسيرات على هذا النحو ترتهننا لحتميّة وهميّة ضررُها محيق بعصر كلّ شيء فيه يبدو مبرمجا، كما أنّها تسلب الوجود الإنسانيّ مستقبلَه، عبر جعله، في نوع من الترف الاستعاديّ البارد، قدرا محتوما.


لا. إنّ الثورة التونسيّة مفاجَأَة لنا بل لمن أطلقوا شرارتها، وخاضوا غمارها. لقد اندلعت في زمن انسحب فيه مفهوم الثورة من فضاء تفكيرنا، منذ سقوط جدار برلين على الأقلّ. وإنّ احتدام انتفاضة التونسيّين بتلك القوّة، قد نبا عن عيون الجميع بدءا من عيون نظام بن عليّ، إذ انطلقت شرارتها من زاوية ميّتة هي منطقة خارج مجال مراقبته.

 

كيف يمكن أن نفهم هذه الزاوية الميّتة (angle mort )؟
لكي نفهم ذلك، علينا إيلاء معنى الشرارة في انطلاقتها قيمة مخصوصة تتجاوز التصوّر الميكانيكيّ للمراكمة والانقطاع. ينبغي أن نتدبّر هذه "الفُجاءة" التي تعني في اللّغة "ما هجم عليك من أَمر لم تحتسبه". فُجاءةٌ تستبدل، كلّيا وفي مدّة وجيزة، ما كان يبدو من خضوع بعصيان واضح معمّم. سيكون لهذه الشرارة، من بعد، اسم الفداء: محمّد البوعزيزي.


وعلى عكس ما قيل، لم يكن البوعزيزي من أصحاب الشهائد العاطلين. ولكنّه كان بائع غلال متجوّلا، حجز أعوان البلديّة بضاعته المعروضة، وتمّ صفعه، في الأثناء، من قبل موظّفة التراتيب. لم يشعل البوعزيزي النار في جسده احتجاجا على حرمانه من مورد رزقه فحسب، ولكنّه فعل ذلك، أيضا، لأنّ شكواه سُدّت أمامها الأبواب أو أنّ تظلّمه صُمّت عن سماعه الآذان. إنّ تزامن الحرمان المادّي مع عدم الاستماع إلى تظلّمه هو ما قاد إلى الفعل اليائس.


حينما نستمع إلى رجل الشارع في تونس، ونصغي مليّا إلى الكلمات التي يشرح بها هبّته في علاقة بما صنعه البوعزيزي، نتوقّف عند دالّ يتردّد لديه كاللاّزمة: القهر. إنّه لفظ مرعب ينتمي إلى سجلّ القدرة في أعلى درجاتها. القدرة على إخضاع شخص مّا، وإحالته إلى العجز التامّ. من جذر (ق. هـ. ر) اُشتُقَّ اللّفظ الذي يشير إلى الغالب الجبّار أو القهّار ( وهو من أسماء اللّه )، واشتقّ اسم القاهرة (بمعنى الحاضرة الظافرة). ومن الغريب أنّ مادّة (قهر) في العربية الكلاسيكيّة تعني، فيما تعنيه، "اللّحم إذا أخذته النار فسال ماؤه".

 

يمكن أن يقال: مصادفة دلاليّة جميلة أن يمتح التونسيّون، دوما، من لغة الضيق إذ تتعلّق بالإنسان في أقصى حالات عجزه المطبق، للإشارة إلى فعل البوعزيزي باعتباره مصدرا لتحديد مَن همْ قياسا إليه، وإلى ثورته أيضا. وليس من الغلوّ إنْ نحن عددنا نظام بن عليّ منظومة سلطويّة لخلق العجز الكلّي: تحييد التونسيّين عن السياسة، وتحويل الفاعلين العموميّين إلى دُمى، تنظيم بوليسيّ صارم ومتطوّر تقنيّا، ونهب للثروات العموميّة من قبل بطانته النهمة على مرأى من الجميع، قمعٌ للمعارضين جسديّا ومعنويّا، عجرفة وأكاذيب يوميّة.. وإلى ذلك كلّه، ثناءٌ على هذا النظام تزجيه الديمقراطيّات الغربيّة التي تزعم، كعادتها، جهلها بما يقترفه حقّا. 


إنّ فعل البوعزيزي قد أمدّ التمرّد بإمكانيّة إحداث انقلاب في الأمور، ببيان كيف أنّ الإنسان يمكنه أن يخلق من عجزه قدرةً، وأن يوجَد في غيابه، وأن يظهر حقّه ولو خسر كلّ شيء. مَثَل هذه المفارقة كمَثل حالة بن عليّ. لم يوجَد إلاّ بتغييب الآخرين. بذلك تشهد صوره المعلّقة على جدران البلاد.

البوعزيزي، إذن، هو انتقاضُ رجل ريفيّ فقير ينحدر من جهة معزولة على نرجسيّة "القهر". إنّه الرمز (باعتبار الرمز هو اللغة في طور الاشتغال) الذي أطلق مسارا من " التذويت" الجماعيّ يستند، بلا ريب، على شروط اقتصاديّة واجتماعيّة سابقة. ولكنّ تلك الشروط كان من الممكن أن تبقى في حالة كمون، ودون أنْ تتحوّل إلى مسار لا رجعة فيه على أيدي رجال ونساء استبدلوا، بغتةً، بالعجز قدرتهم على الرفض.


إن السيناريو الذي انطلقت منه الشرارة الأولى، أي التضحية بالنفس على ذلك النحو، ليست له سابقة في صلب الثقافة التونسيّة أو الإسلامية، بل ربما نجد فيه صدى لما حفظناه صغارا عن ظهر قلب بخصوص ما صنعته زوجة "صدر بعل" وهي ترتمي في النار صائحة: "النار ولا العار" لتتجنّب "قهر" الرومان لقرطاج.


من بين الذخائر الأيقونيّة للثورة على موقع "الفايس بوك" صورة قائمة على اللّصق (الكولاج) قُطِع فيها رأس بن عليّ، وهو في زيّ رئيس الجمهوريّة، وأبدل برأس البوعزيزي. إنّ الأطروحة الفرويديّة عن التشكيل الليبيديّ للجموع هي أطروحة شديدة الراهنية: في سياق التماهي والتغاير، تحتاج مجموعة من الأفراد إلى رمز موحّد يؤمثل ذواتهم. على أنّ البوعزيزي، هنا، لم يكن قائدا، بل كان امرأً فردا متفحّما بغيابه ألهبَ حماسة الكثرة.
لا يمكن للّاوعي، والحال هذه، أن لا يكون سياسيّا.



-  خصّ الكاتب الأوان بنصّه تحت عنوان (Soudain la révolution !)، قبل أن ينشره في اللّيبراسيون الفرنسيّة libération بعنوان آخر: Soudain l’immolation
http://www.liberation.fr/monde/0101…

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

Ruston, Louisiana - أحمد نظير الأتاسي
14 شباط (فبراير) 2011 07:10

الشكر للكاتب وإن كنت أعتقد أن فكرته تستحق مقالة أطول. الشكر للأستاذ الخلفاوي على هذه الترجمة المتأنية. وأعترف أني لم أفهم بعض الجمل وأعتقد أن فيها بعض من الإفراط في التفصيح. وهذا ما نقع فيه حين نكنّ للكاتب والنص احتراماً شديداً. أوافق الكاتب تماماً على فكرة أن التفسيرات الإقتصادية والإجتماعية غير كافية وتؤدي حتماً إلى نوع من الحتمية التاريخية، ولهذا السبب أجد من الضرورة إدخال عناصر أكثر عشوائية مثل التشكيل الليبيدي للجموع. وإن ملاحظته أن "القهر" هي الكلمة الأكثر وروداً في تصريحات الناس الذين شاركوا في إنتفاضة ملاحظة رائعة وكنت أستعد لكتابة مقالة حولها وأشكر الكاتب على فكر الليبيدو الجماعي لأنها لم تخطر ببالي. ويقابلها في المثال المصري كلمة "الكرامة". وهاتان الكلمتان وجهان لعملة واحدة. فعلى عكس الشرف والعرض، الكرامة (وعكسها الذل والقهر) تعبّر جيداً عن الأنا الجماعية للشعوب العربية. إن هاتين الثورتين أدخلتا العرب في عالم انتجت أوروبة رموزه (والتي أصبحت كونية تتخطى حدود أوروبة)، لكن أدخلتاه بطريقة أكدت هوية الطبقات الوسطى العربية بشكل مبهر. وأود لو نربط هذه الثنائية "القهر/الكرامة" بثنائية أخرى أعتقد أنها موجودة بوضوح في كلتا الثورتين وأقصد ثنائية "فقدان/إستعادة الوطن". إن المنحى الوطني المثالي لخطاب الشباب الثائر في مصر يحيرني. لماذا خرجنا؟ الجواب من أجل الكرامة، حقنا، ومن أجل مصر. أفهم ارتباط الكرامة بالإستحقاق لكني لا افهم المعنى الرمزي لهذه الوطنية الغائمة.


الرد على التعليق

  • Toronto - أحمد غريب
    14 شباط (فبراير) 2011 16:18

    أضم صوتي لصوت صاحب التعليق الأول، بأن يزيدنا كاتب المقال لأن شرحه ممتع، والأحداث ضخمة وبها الكثير مما يحتمل تطبيق هذه الأسلوب التحليلي للرموز.


    الرد على التعليق

    • damas-syrie - dolly massamiri
      14 شباط (فبراير) 2011 19:43

      شكرا للأستاذ بن سلامة,وأرجو أن تعطي تفسيرا تحلينفسيا بإسهاب أكثر لأنه في كل حدث تدخل دوافع لاواعية فهنا مثلا نجد انقلاب الأبناء على الأب الرمزي فجأة وطرده أو قتله رمزيا ؟ثم هل لفقدان/استعادة الوطن دلالة رمزية أخرى إن اعتبرنا أن الأب استباح الوطن الذي يعني الأرض/الأم؟وشكرا


      الرد على التعليق

المغرب - حسن طويل
16 شباط (فبراير) 2011 13:16

لقد قمت بتعليق على حوار مع الدكتورة رجاء بن سلامة حول الثورة التونسية في موقع الحوار المتمدن ولقد وجدته مناسبا للتعليق على المقال المهم للدكتور فتحي بن سلامة. عرفت تو نس إنتفاضة شعبية بدأت شرارتها الأولى بإنتحار الشاب البوعزيزي عبر حرق نفسه , إحتجاجا على القهر الدي تجسد في شيئين و هما :-حرمانه من قوت يومه(القهر الإقتصادي المادي)-الصفعة التي تلقاها من الشرطية و اللامبالاةالتي قابلت شكايته(القهر المعنوي النفسي).يتميز فعل الإنتحار بعدة دلالات يجعل منه رمزا لما يمكن تسميته "التقربن الأرضي":
- لايحمل أيةرسلة دينية كما في العمليات الإنتحارية التي يقوم بها الإرهاب الإسلامي
- هدا الإنتحار لا يقوم بإشراك الآخر في التقربن عبر قتل الأبرياء (كما الإرهاب الإسلامي)بل هو يطلب مشاركة الآخر عبر جدلية التمايز و الإلغاء ؛فالشهيد البوعزيزي قام بفعله في الشارع العام و ليس في مكان منعزل ليقول "ألغي الانا أمامكم يا جماعة عبر إحراق الجسد الدي يميزني كفرد عنكم "
- يتميز فعل الإنتحار - و لو في ضل الرفض الأقصى- تمديد القهر إلى حالته الحدي ,في إطار ما يمكن إعتباره"أنا مقهور و أرفض هذا القهر بتمديده إلى حده الأقصى بإلغاء الانا المقهورة ليبقى القهر"
- هناك التضحية الصارخة "أنا أضحي بالأنا لأرفض لا لمطلب أرضي او سماوي -فعل الإنتحار بدون أدلجة دينية حرام-"
- فعل الإنتحار هو تغليب للحياة بمفهومها الثقافي و ليس البيولوجي على الموت بإعتبارها تستبدل الزمبية-الحي الميت- إلى -الميت الحي-(كنتيجة للحراك بعد الأنتحار حيث بوعزيزي رمز لإرادة الحياة)
- الموت عبر الحرق هو إستحضار الإختياري لجهنم (إرتباط النار بجهنم)لتغييب "جهنم الأرض " و هو قلب للسماء بالأرض في حديهما السلبيين(الجهنمين) و هنا رمزية الفعل الدالة
- هدا الفعل يتجسد و يستمر بشكل رمزي في شباب الثورة عبر جدلية الإستحضار و الغياب (هي ثورة الكل و ضد الكل وجود المرجعيات و غيابها,,,) التضحية بالتميز و سيادة منطق المشاركة و ليس الإشراك


الرد على التعليق

مدنين - تونس - المختار الشويخي
18 شباط (فبراير) 2011 15:03

المقال عميق من حيث منطقه الداخلي. لكن يُعترض عليه بالتساؤل عن مدى إمكان اعتبار ما حدث قد فاجأ الجميع. إذ بتحليل سياسي بسيط يمكن أن نعتبر أنّ ما حدث كان متوقّعا. والمشكل يتمثّل في أنّ بعض الناس ظلوا سجناء "البرج الأكاديمي" الزائف…. أعرف أناسا توقّعوا ما حدث بناء على معطيات من الواقع، مع ملاحظة بسيطة وهي عدم القدرة على تحديد الوقت بدقة … هذا رأيي بكل تواضع والسلام


الرد على التعليق


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter