الأربعاء 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > إصدارات وقراءات > في كلّ منزل كوردي بافي طيّار، حيث للكوميديا نكهتها

في كلّ منزل كوردي بافي طيّار، حيث للكوميديا نكهتها

الجمعة 28 أيلول (سبتمبر) 2012

بقلم:

ألجي حسين  

شارك اصدقاءك هذا المقال





من جديد، يخرج بطل الكوميديا الكورديّة المحليّة في مدينته القامشلي (إحدى المدن السوريّة) “Bave Teyar”، أو “بافي طيّار” بفيلم جديد حمل اسم “بافي طيّار، سمسار النّساء”، ليدخل في دهاليز قضيّة تزويج الفتيات السّوريات الكورد، العازبات والمطلقات والأرامل، و“تصديرهنّ” إلى تركيا، حيث العجائز والشّباب، ليتولّى دور الوسيط في هذه الظّاهرة الاجتماعيّة غير القديمة… ومن هنا، سيكون لأفلامه مع طاقمه الدّور المجتمعي الهام.

وهذا الطّاقم لا يشبه أبطال مدرسة “دوغما” السينمائيّة، بل هم مجموعة تمثيليّة ناجحة ترعرعت في ظلام مميت وإمكانيات متواضعة جداً، وأبدعت في ظروف هي الأقسى من نوعها، وأحدثت بالتّالي التّأثير المطلوب.

ولأنّ اتّجاه “دوغما”، وكما هو معلوم تيّار سينمائي، يعتمد على إمكانيات وأمكنة فقيرة للغاية وينحو نحو التّجريد، فالمقصود هو ظاهرة لا تبتعد في كونها أحدثت تأثيراً في مئات الألوف وعرفته الملايين من النّاس، ما جعلها مادةً غنيّة للصحافة بكلّ مداراتها.

فـ “جمعة خليل إبراهيم”، المعروف بـ “بافي طيار”، اسم يعرفه المجتمع الكوردي جيداً؛ ممثّل مسرحيّ قبل أن يمثل أفلاماً تلفزيونيّة تأخذ مكاناً واسعاً لها داخل البيوت الكورديّة، التي تفهم من لغتها، كونها أداتها الرئيسيّة.

ولأنّ بافي طيار أي “أبو طيار” أحدث تأثيره الكافي في عدد لا محدود من الشّرائح الاجتماعيّة كافة، من الأهميّة بمكان النّظر إلى تجربته الفقيرة للغاية والغنيّة في المضمون والتّأثير. وفي هذه الأثناء، هو شبيه بقائد رأي عام كما هو معروف في الدّراسات الإعلاميّة، باعتباره خرج من بيئة تُعد متوسطة ثقافياً “القامشلي” (منطقة سوريّة ذات أغلبيّة كورديّة تتبع لمحافظة الحسكة)، وهو ممثل كوردي من لحم ودم شاهده أبناء جلدته يتحدّث بلغتهم المعهودة، ما أدّى إلى الاعتراف به ممثّلاً من الطراز الرّفيع لديهم.

لم يدرس الفنّ أكاديمياً، ولم يُكمل تعليمه أيضاً، إنّما اختار المسرح بدايةً لبريقه في أعياد “نوروز” التي يحتفل بها الكورد في 21 آذار من كلّ عام. ووقتئذ، كان في “الجماهيريّة الليبيّة” يُقدّم أوّل عروضه، ابتداءً من عام 1989 ولغاية 1997، وكان يحمل على عاتقه همّ الغناء والرقص وغيرها من الفنون الأدائيّة.

وإلى تلك اللّحظة، لم يكن شهيراً بما فيه الكفاية، فكان أن توجه إلى التلفزيون معتمداً على سيناريوهات تلفزيونيّة كتبها له ثلاثة كُتّاب هم: “لازكين كدو”، و“عبد السّلام بركو”، و“عبد الباسط نافيان”، وأخذ دور البطولة في أفلام تجاوزت العشرة إلى الآن.

“انطلقنا ولا نزال من إمكانيات ضعيفة، معتمدين على كاميرات تصوير الأعراس بتمويل شخصي”، لكن بعض الجهات وجهّت اللّوم إليه عندما مثّل أفلاماً اعتمد فيها على الطّابع الإعلاني، مثل الإعلان عن “مجموعة السيّد علي التجاريّة” و“شركة دجلة” و“شركة هفال”، وظنّ الكثيرون أن بافي طيار “قبر الفقر” كما يُقال، لكنه يعقّب قائلاً: “نعم اتّجهت للإعلان كون أفلامي تحتاج إلى تمويل، ولم أربح من أفلامي شيئاً إلى الآن سوى محبّة جمهوري التي لا تُقدّر بثمن”.

ويستغل بافي طيّار الفرصة، لأن اللوم وجهه إليه أكثر من جهة، “وأنا أيضاً أوجه اللوم إلى الفضائيات الكورديّة، فهي رغم كثرتها وعلى أساس أنّها حملت على ظهرها الهمّ الثقافي والفني الكوردي، إلا أنّها أدارت لي ظهرها ولم تتبنّ أعمالي المهمّة”. ويضيف غاضباً: “أربعون مليون كوردي يشاهدونني ويعرفونني، والاعتراف بتجربتي أمرٌ مفروغ منه، لكن يا لعتبي على فضائياتنا التي تمتهن الفنّ الهابط، فما الذي يضرّها لو أنعمت علينا بكاميراتها ومستلزمات التّصوير لديها؟”

بافي طيار مع مجموعته المهمة “عيشو، فاتو، طيار، بلبلو، أوصمان، كوندي، زليخة…” يشاهده كورد سوريّة والعراق وتركيا وإيران وأوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة كما يذكر، وهو إذ يرى أنّ أقراص الـ DVD, CD وصلت إلى بقاع العالم، فنادراً ما تدخل منزلاً كوردياً دون أن تجد له فيلماً أو أكثر. لذلك لا تخرج المواضيع المطروحة من إطار القضايا الاجتماعيّة المتعارف عليها، والتي يعاني منها سكّان المنطقة الشماليّة الشرقيّة في محافظة الحسكة السوريّة، ومن هذه المشكلات تعدّد الزّوجات، والفهم الخاطئ للدّين، وإشكاليّة اللغة الكورديّة وذوبانها في اللغات الأخرى، والأعراس الكورديّة، وقضايا الفساد، وقضايا المرأة والرّجل، مع بعض القضايا السّياسيّة.

 ففي فيلم “سوفي خلف” أي “الشّيخ خلف”، يُعد الفيلم الثاني له، نراه شيخاً لم يفهم من الإسلام إلا القشور ولم يحفظ من الآيات إلّا التي تتماشى مع رؤاه، في حين اتّجه في باكورة أفلامه إلى توصيف نظام سياسي معيّن. وفي الوقت الذي نراه يتزوّج الزّوجة الرّابعة في فيلم “بافي طيار وجنة جارا” أي “بافي طيار والزّوجة الرّابعة” نلحظه يغوص في الضّمير الإنساني الغائب الذي غلبت عليه المادة في فيلم “فتوى بافي طيار.”

تنوّعت المضامين إذاً، وجميعها تندرج تحت الهمّ الاجتماعي، ولكم يفرح المجتمع الكوردي حين يتلمس مشكلاته المستعصية التي لم تعالجها الدراما السوريّة بكثير من المصداقية، على التلفزيون. وأثناء صدور فيلم جديد له في الأسواق، يُلاحظ الإسراع في اقتناء نسخة منه “نعتمد على نصوص جاهزة للكتاب الثلاثة، لكي تكون قريبة من بيئتنا ومن مجتمعنا، بطريقة كوميديّة غير مبتذلة في الأداء، رغم عدم وجود جهة إنتاجيّة معينة، فكل استوديو فنّي يضع اسمه على الفيلم”.

* لكنك تنحو في أدائك إلى الانفعال بشكل لا يستدعي ذلك؟

** “أنا لست أكاديمياً في النّهاية، والمَشاهد التي تحتاج إلى انفعال أنفعل فيها، ثم إنّ هذه الطريقة هي الأقدر على تثبيت الفكرة في ذهن المتلقي”.

ومن الملاحظ سيطرة مضامين وتصرّفات بافي طيار على سلوكيات الأطفال أكثر من الكبار، وكثيرة هي الأمثال التي يتداولها الصّغار مستقاة من سيناريوهات مزروعة على ألسنة شخصياتها.

طيار

ولعلّ البطل الأكثر محبة بعد “بافي طيار” هو “عمر حسن محمد” الشّهير بـ “طيار”، الابن الذي يعاني في الواقع من القزم، وربّما استغلال موضوع الإعاقة لديه وطوله القصير نسبياً قد أدّى إلى شعبيته المقبولة، فيمكن رؤيته في “شارع البلديّة” في القامشلي كونه يعمل صانعاً “إسكافياً” في دكان لتصليح الأحذية، ليحصل على أجر يومي من “معلّمه” بمبلغ 200 ليرة سوريّة (4 دولارات) قبل أن تهبط قيمة العملة السوريّة الآن. يقول: “أصرف مائة ليرة لشراء الدّخان والساندويتش والشّاي وأجرة السرفيس، وأحتفظ بالمائة ليرة المتبقية”.

هو ممثّل مهم وعلاقته معروفة ببافي طيّار منذ زمن بعيد، وهو إذ دخل عامه التّاسع والعشرين، إلا أنّه لم يتمم الصف السّادس، ويعتبره الجمهور “ممثل بارع ومهضوم”.

وعلى الرّغم من أن بافي طيار نفسه يعمل في معرض للأدوات المنزلية بجانب ساحة السّوق، هو إلى الآن لم يحصل على “عمل كريم” كما يقول، رغم أفلامه التي حملته من بيئته “القامشلي” إلى أوروبا بعدما قدم مسرحيّة “بافي طيار في أوربا” هناك.

لذاك، يرى جمعة خليل، 52 عاماً، أنّ “الشّعب الكوردي يحتاج لتوعية اجتماعيّة…

وأفلامي تجيب عن أسئلة كثيرة قد تُثار في ذهن المشاهد، وأعتمد على الكوميديا والمتعة والمعلومة”.

“قد يتراجع فنّي، وقد يموت، إذا بقيت أعمل بهذه الإمكانيات”.

يقول بافي طيار بكثير من اللوعة.



شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر