السبت 30 آب (أغسطس) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > إصدارات وقراءات > قراءة جديدة للفتنة الكبرى

قراءة جديدة للفتنة الكبرى

الجمعة 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

بقلم:

رضا كرعاني  

شارك اصدقاءك هذا المقال



مثّلت الفتنة الكبرى حدثا رئيسيّا في تاريخ الإسلام المبكّر، وقد استأثر هذا الموضوع باهتمام المؤلّفين العرب القدامى وكُتبت فيه مؤلّفات عديدة بلغات مختلفة في عصرنا الحاضر، ومازال هذا الموضوع يلقى اهتمام المؤلفين لما له من أهميّة ولحضوره البارز في صناعة أحداث عصرنا، وكما يظهر من العنوان سعى محمّد المختار العبيدي لتقديم قراءة جديدة للفتنة الكبرى، وقد جاء الكتاب في خمسة فصول: الفصل الأوّل اجتماع السقيفة وبداية التصدّع، الفصل الثاني استخلاف عثمان أو الشورى الموجّهة، الفصل الثالث خلافة عليّ واستفحال الفتنة، الفصل الرّابع ما بعد صفيّن، الفصل الخامس مقتل عليّ. دأب المؤرّخون على القول إنّ الفتنة الكبرى بدأت أواخر عهد عثمان بن عفان الخليفة الثالث، ويخالف المؤلف هذا الرأي، ويرى أنّ الفتنة الكبرى بدأت منذ اجتماع السّقيفة الذي جرى بعد وفاة النبيّ محمّد مباشرة، فقبل أن يوارى النبي التراب اختلف المسلمون في من سيخلفه، وارتفعت أصواتهم، وتبادلوا التّهم والتهديد بالقتل، وانقسم المسلمون إلى عدّة مجموعات أهمّها مجموعة الأنصار تحت قيادة سعد بن عبادة ومجموعة المهاجرين تحت قيادة الثالوث القويّ أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجرّاح، وبسبب ما كان بين قبيلتي الأوس والخزرج من عداوات في الجاهلية لم يتوحّدوا حول سعد بن عبادة، فآل الأمر إلى المهاجرين وكان أبو بكر الصدّيق أوّل الخلفاء، ورغم أنّ اجتماع السقيفة لم يشهد سفك دماء فقد زرع في نفوس قسم من المسلمين شعورا بالحقد والبغضاء، فظل فريق من الأنصار يشعرون أنّ القرشيين قد استأثروا بالحكم، وظل فريق من بني عبد مناف يشعرون أنّ حقّهم في وراثة النّبي محمّد قد غلب عليه رجل من عشيرة تيم.

ما هو خطير في اجتماع السقيفة أنّه خلق انقسامات داخل النخبة الإسلاميّة التي ساهمت مع النّبي محمّد في تأسيس الإسلام والذّبّ عنه. ونظرا لقرب عهد النبوّة استطاع أصحاب محمّد أن يمنعوا الأمور من أن تتطور نحو الأسوأ، وانشغل المسلمون بحروب الردّة، وأخضعوا كامل الجزيرة العربية لسلطاتهم، وبعد أقلّ من سنتين توفّي أبو بكر الصديق، وتولّى الخلافة بعده عمر بن الخطاب الذي وجّه طاقات المسلمين إلى الفتوحات، فقضوا على الإمبراطورية الفارسية، وغلبوا على جزء هامّ من أراضي الإمبراطورية البيزنطيّة.

غادر المسلمون الجزيرة العربيّة، واستقروا في الأمصار المفتوحة، وأسّسوا عدّة قرى أشهرها البصرة والكوفة، وفي صفوف المقاتلين تكوّنت مجموعة سيعرف أفرادها بعد ذلك بالقرّاء، عرفوا بالورع والتقوى وشدّة الارتباط بالنّصّ القرآني. وسيكون لهؤلاء القراء الدور الأكبر في قتل عثمان بن عفان الذي تولّى الخلافة بعد عمر بن الخطاب.

و قد عاب الثائرون على الخليفة عدّة أشياء أهمّها استعمال السفهاء من قرابته وتحريف كتاب الله... طلبوا منه أن يخلع نفسه، فرفض، فقتلوه، وبقتله توسّعت الفتنة، وانخرطت فيها عناصر كثيرة، لم يجمع المسلمون على خلافة علي بن أبي طالب، وطالب عدد من كبار الصحابة بقيادة عائشة بنت أبي بكر وزوج النبي محمّد بدماء عثمان، فكانت واقعة الجمل. ولم يمض زمن طويل على هذه الواقعة التي انتهت بانتصار عليّ بن أبي طالب حتّى أعلن معاوية بن أبي سفيان والي الشام منذ عهد عمر بن الخطاب مطالبته بدم الخليفة المقتول، وبدأت الحرب بينه وبين علي بن أبي طالب الذي انتقل إلى الكوفة، عرف الصراع بين الرّجلين مراحل عديدة، وتعدّدت الوقائع بين أتباعهما، ومثّلت واقعة صفّين حدثا مهما في مسار هذا الصراع، فبعد هذه الواقعة خرج عدد من أتباع علي بن أبي طالب عنه لقبوله التحكيم، وأخذوا يتعرّضون لأتباعه، فقاتلهم علي بن أبي طالب، وانتصر عليهم يوم النّهروان، ومن أجل الثأر لقتلاهم ولوقف الفتنة سعى الخوارج إلى قتل المتسبّبين فيها، ونجحوا في قتل علي بن ابي طالب، وتنازل الحسن بن علي عن حقّه في الخلافة التي آلت إلى معاوية بن أبي سفيان، وبذلك انتهت الفتنة في مظهرها العسكريّ، وتفرّق المسلمون إلى طوائف ستظلّ تتصارع إلى يوم النّاس هذا.

تتمثّل إضافة محمّد مختار العبيدي في أنّه أرّخ لبداية الفتنة بحادثة السقيفة التي مثّلت في نظره بداية التصدّع بين المسلمين رغم أنّها لم تشهد سفكا للدّماء، والنّاظر في أحداث السّيرة النّبويّة يجد أنّ الاختلافات بين المسلمين كانت موجودة منذ عهد مبكّر، ففي أكثر من حادثة اختلف المسلمون والرّسول بينهم، وتبادلوا التهديد، ويشهد النّصّ القرآنيّ أنّ فريقا من الأنصار دعوا إلى إخراج المهاجرين من يثرب ( سورة المنافقين الآية 8 ).

لم يكن اختلاف المسلمين يوم السّقيفة سابقة في التاريخ الإسلاميّ، وقد مرّ هذا الحدث دون أن يترك مخلّفات كبيرة، فالأسوأ قد وقع تجنّبه، واستطاع الكيان الإسلاميّ أن يقضي على حركة الردّة، وأخضع بقوّة السّلاح القبائل التي خرجت عنه، ولم يعتبر المؤرّخون القدامى حروب الردّة جزءا من الفتنة الكبرى رغم أنّها قد شهدت قتل المسلم لأخيه المسلم، ففريق هامّ من المرتدّين لم ينكروا نبوّة محمّد، بل كان لهم فهم آخر لطبيعة الإسلام، واستطاعت السلطة المركزيّة أن تقضي على الخارجين عليها، ولم يكن للمرتدين أتباع يقدّمون رواية أخرى لما وقع، ولهذا حصل إجماع عند المسلمين أنّهم كفار، ولم يقع إدراج حروب الردّة ضمن أحداث الفتنة الكبرى، ويتبنّى محمّد مختار العبيدي نفس هذا الموقف.

حاول المؤلف البحث عن الأسباب العميقة التي أدّت إلى ظهور الفتنة، واعتمد عدّة مرّات التأريخ الأخلاقيّ الذي يفسّر الأحداث ببعض المعطيات النفسيّة والأخلاقية ( دهاء عمرو بن العاص وتفاهة ابن ملجم وسذاجة أبي موسى الأشعري)، وتبنّى رواية أهل السنّة (إجبار الخوارج عليّا بن أبي طالب على قبول التحكيم... ) ودافع عن رموزهم، وأدان ما قام به الخوارج، ولم يعتمد الكثير من مصادرهم القديمة والحديثة ( أبو القاسم بن إبراهيم البرادي: الجواهر المنتقاة في ما أهمله كتاب الطبقات) ولم يعتمد بعض مصادر أهل السنّة التي كانت أكثر جرأة في الحديث عن الفتنة الكبرى، وأشهر هذه المصادر كتاب الإمامة والسّياسة لابن قتيبة (أو المنسوب إليه).

قراءة جديدة للفتنة الكبرى: محمّد المختار العبيدي

تقديم محمّد الطاهر المنصوري

دار الانتشار العربي ( لبنان ) دار محمّد علي الحامي ( تونس ) الطبعة الأولى 2008


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر