الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أبحاث > قراءة في بعض السيرة النبويّة (3/3)

قراءة في بعض السيرة النبويّة (3/3)

الجمعة 9 تموز (يوليو) 2010
بقلم: محمد النجار  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

ذهب بعض الباحثين(1) إلى أنّ محمّدا لم يوجد وأنّه صناعة أسطوريّة متأخّرة حتّمتها الظروف العقائديّة والاجتماعيّة للإمبراطوريّة العربيّة الناشئة، فألّف كتبة السيرة قصّة تنهل من موروث الحضارات والبلدان التي فتحوها وأسقطوها كلّها على شخصيّة شخص أو قائد أو نبيّ سمّوه محمّدا، فمثله مثل عيسى أو موسى أو سليمان ليس لهم وجود إلاّ في المجال الدينيّ لا التاريخيّ.


ونحن إذ نتّفق معهم في كثرة الأساطير التي تزخر بها السيرة فإنّنا نختلف معهم بشأن وجود محمّد، حيث أنّنا لا نعتمد السيرة العربيّة وحدها والتي من المؤكّد أنّها تحرّكها أغراض دينيّة أكثر منها تاريخيّة، وإنّما ننظر أيضا إلى المصادر الخارجيّة الأجنبيّة المعاصرة لفترة بدايات الإسلام وهي تؤكّد أحداث السيرة في خطوطها العامة أو تنفيها أو تقدّم وجهة نظر أخرى، ومن هذه المصادر الأجنبيّة تاريخ سبيوس المكتوب باللغة الأرمينيّة سنة 660 ميلادي وهو نصّ معاصر للأحداث تقريبا يذكر محمّدا بالاسم ويشير إلى أنّه تاجر (2) وهذا يتّفق مع السيرة العربيّة في هذه النقطة، وكذلك توما القسّيس سنة 640 ميلادي متحدّثا عن معركة غزّة وذاكرا اسم محمّد(3) ويذكره أيضا تاريخ خوزستان سنة 660 ميلادي(4) ويعقوب الرهوي سنة 708 ميلادي(5) الخ..

فوجود شخص كان اسمه أو كنيته أو صفته "محمّدا" كمشرّع وقائد تؤكّده المصادر الأجنبيّة المعاصرة وتؤكّد أيضا على أنّ هذا النبيّ كان محاربا ويسفك الدماء بلا هوادة، مثلما جاء في دوكترينا جاكوبي سنة 640-660 ميلادي(6) فبدل أن ننفي وجود محمّد كونه تأسطر كثيرا، علينا أن نبحث عن محمّد التاريخيّ خلف هذه الطبقات من التراكمات الدينيّة والزيادات الأسطوريّة، وإن كنّا ندرك حجم الصعوبات الكثيرة التي تحيط بمثل هكذا أبحاث بسبب النقص الشديد في المعلومات الأركيولوجيّة في مكّة والمدينة ووقوعها تحت سلطة الرقابة الدينيّة.
تشير السيرة إلى أنّ النبيّ هو ابن عبد الله الذي توفّي عن عمر 25 أو 28 سنة(7) قبل ولادة النبيّ، فكان دوره في السيرة هو إنجاب النبيّ ثمّ الوفاة ولا توجد معلومات إلاّ نادرة عنه بينما يتوسّع الإخباريّون في الحديث عن عبد المطّلب جدّ النبيّ وعن هاشم جدّ عبد المطّلب وعن النبيّ بطبيعة الحال، لكن عبد اللّه كان دوره مثل أدوار "الكومبارس" فما عليه إلاّ أن ينجب محمّدا ثمّ يخرج من الصورة.


واسم عبد الله هو كنية وليس اسما حقيقيّا فكلّنا عباد الله ويمكن أن نسمّي أيّ شخص "عبد الله" ونلاحظ في النقوش وفي العملة في القرن الأوّل الهجري أنّ كنية عبد الله تقترن دائما باسم الشخص فنقرأ في نقش في الطائف: عبد الله معاوية أمير المؤمنين، وفي بعض العملات: عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، وفي نقش على عملة دمشقيّة: عبد الله الوليد أمير المؤمنين، وفي رسالة أمويّة: عبد الله سليمان أمير المؤمنين، وفي نقش في قصر الخير نقرأ: عبد الله هشام أمير المؤمنين(8) الخ… إلاّ عبد الله والد النبيّ فلم تقدّم السيرة لنا اسمه الحقيقيّ وربّما لم يكونوا يعرفونه خاصّة إذا ربطنا هذا الطرح مع ما جاء في الترمذي: عن ‏ ‏العباس بن عبد المطلب ‏ ‏قال ‏قلت يا رسول الله إن ‏ ‏قريشا‏ ‏جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك مثل نخلة في ‏ ‏كبوة ‏ ‏من الأرض فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏إنّ الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم من خير فرقهم وخير الفريقين ثم تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا، قال ‏ ‏أبو عيسى ‏هذا ‏حديث حسن(9).

وجاء في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: مثل نخلة في كبوة من الأرض، أي كصفة نخلة نبتت في كناسة من الأرض، والمعنى أنّهم طعنوا في حسبك(10) فالكبوة هي الشيء الذي يُكنس خارجا ونقرأ في لسان العرب: الكبة الكناسة من الأسماء الناقصة أصلها كبوة بضم الكاف مثل القلة أصلها قلوة والثبة أصلها ثبوة ويقال للربوة كبوة بالضم قال وقال الزمخشري الكبا الكناسة وجمعه أكباء والكبة بوزن قلة وظبة نحوها وأصلها كبوة وعلى الأصل جاء الحديث قال وكأنّ المحدث لم يضبطه فجعلها كبوة بالفتح قال ابن الأثير فإن صحت الرواية بها فوجهه أن تطلق الكبوة وهي المرة الواحدة من الكسح على الكساحة والكناسة وقال أبو بكر الكبا جمع كبة وهي البعر وقال هي المزبلة(11).

ولنا أن نتساءل ما الذي يجعل هؤلاء القوم من قريش يشكّكون في نسب النبيّ إلى بني هاشم إن كان معروفا عندهم؟ ونقرأ حديثا آخر أغرب منه في البخاري، وهو أنّ حمزة بن عبد المطّلب بعد غزوة بدر قتل ناقتين غنمهما عليّ بن أبي طالب، وكان حمزة في بيت أحد الأنصار يشرب الخمر ويستمع لقينة تغنّي فقالت هذه المغنّية: أيا حمز للشرف النواء، فملأ الفخر حمزة فأخذ سيفه وقتل ناقتين لعليّ فاشتكى عليّ للنبيّ: فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بردائه فارتدى ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن فأذن له فإذا هم شربٌ فطفق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرّة عيناه فنظر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصعّد النظر إلى ركبته ثم صعّد النظر إلى سرّته ثم صعّد النظر إلى وجهه ثم قال حمزة وهل أنتم إلا عبيدٌ لأبي فعرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه ثملٌ فنكص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على عقبيه القهقرى وخرج وخرجنا معه(12) ما الذي يدعو حمزة إلى أن يعتبر النبيّ عبدا لأبيه؟ يفسّرها ابن حجر في شرح البخاري أنّ الجدّ يسمّى سيّدا وحمزة أقرب إلى عبد المطّلب من محمّد فأراد أن يفخر بهذا الكلام، وهذا تبرير ضعيف وخاصّة إذا ربطنا الحادثة مع ما تقوّله بعض قريش مثلما أشرنا في سنن الترمذي، وكذلك اسم "عبد الله" الذي هو للديكور كما يبدو، فهل كان محمّد مولى لعبد المطّلب؟

وأودّ أن ألفت انتباه القارئ -الذي قد يُصطدم- إلى كون محمّد هو ابن عبد الله أو ابن شخص آخر أو مولى لعبد المطّلب فهو أمر لا يطعن في شخصيّته وقيمته فنحن نعرف أنّ لقريشا أسبابها السياسيّة التي تدفعها لجعل النبيّ منها، فكان الحديث الذي يقول: إنّ هذا الأمر [أي الحكم] في قريش لا يعاديهم أحدٌ إلا كبّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين(13) أو الحديث القائل: قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، لا يزال هذا الأمر في قريشٍ ما بقي منهم اثنان(14) وغير ذلك من الأحاديث التي ترفع من شأن قريش وتوطّد حكمها، وكلّها أحاديث صحيحة، أو جعلوها كذلك، فللملك أسباب ومنطق وللسلطان هوى وحيلة، وكان مصير كلّ من عارض حكم قريش القتل والصلب مثلما حدث مع غيلان الدمشقيّ الذي قال عن الإمامة أنّها تصلح في غير قريش(15) فضرب هشام بن عبد الملك عنقه، ولا ننسى أنّ السيرة التي وصلتنا مكتوبة في العهد العبّاسي فلا بدّ أن يكون النبيّ قريبا للعبّاس بقرابة دم وثيقة، فالأمر والحكم فيهم ومنهم، ونتذكّر قول طه حسين: لأمر ما اقتنع الناس بأنّ النبيّ يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانيّة كلّها. وأخذ القصّاص يجتهدون في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية وما يتّصل منه بأسرة النبيّ خاصّة(16).

ويروي ابن سعد في الطبقات: قيل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنّ هاهنا ناساً من كندة يزعمون أنك منهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنّما ذلك شيء كان يقوله العبّاس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب ليأمنا باليمن، معاذ الله أن نزني أمنا أو نقفو أبانا، نحن بنو النضر بن كنانة، من قال غير ذلك فقد كذب(17) وفي رواية أخرى: عن الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في وفد من كندة لا يروني أفضلهم، قال عفان: فقلت يا رسول الله إنّا نزعم أنّكم منّا، قال فقال: نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمّنا ولا ننتفي من أبينا. قال فقال الأشعث بن قيس: لا أسمع أحداً ينفي قريشاً من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد(18) ونحن اليوم نستطيع التأكّد-تقريبا- من عدم صحّة هذا الكلام، فإن كان هؤلاء القوم يقصدون أنّ قريشا يعودون إلى كندة في النسب، فهذا غير صحيح، لأنّ كندة في جنوب الجزيرة قرب حضرموت، وعندنا نصّ لكاتب سريانيّ يعود إلى سنة 485 ميلادي جاء فيه: غزوات أبناء هاجر [أي العرب] هي أشدّ عنفا حتّى من المجاعة (…) ونأسف لما يفعله أبناء هاجر وخاصّة قبيلة قريش الذين هم كالحيوانات(19) والمكان الذي يتحدّث عنه هو "بيت عرامايا" في غرب الشام، فقريش تسكن في تلك المنطقة بوصفها تغير على المناطق المحاذية بينما كندة بعيدة جدّا في الجنوب، ونجد بعض الصدى في السيرة لوجود قريش في الشام إذ أنّ قصيّا -جدّ النبيّ- كان يعيش هناك(20) والنبيّ نفسه كانت له أملاك في حبرى وبيت عينون في الشام(21) وهاشم جدّ النبيّ مات بغزّة في الشام(22) حيث نلاحظ علاقة قريش -أو على الأقلّ نسل قصيّ- بالشام في كلّ مرّة. أمّا إذا كان هؤلاء القوم يقصدون أنّ النبيّ فقط من كندة فهذا أيضا بعيد لأنّ كلّ المصادر غير العربيّة تذكر أنّ النبيّ خرج من يثرب، ولا تتعرّض إلى مكّة إطلاقا ناهيك على جنوبها، وعبد الله –إن وُجد- مات في يثرب وآمنة توفّيتْ أثناء العودة من يثرب وعبد المطّلب ولد في يثرب وهاشم تزوّج في يثرب ومات في الشام والنبيّ كما نعرف هاجر إلى يثرب، فالمنطقة الجغرافيّة لهذه الأحداث تشمل الشام شمالا ويثرب جنوبا، ثمّ مكّة، ونقرأ في شعر حسّان بن ثابت:
نصرنــــا وآوينا النبيّ محمّدا***على أنف راض من معدّ وراغم
بحي حريـــــد أصله، وذماره***بجابية الجولان، وسْط الأعــاجم
نصرناه لمّا حلّ وسْط رحالنا***بأسيافنـــــــــا من كلّ باغ وظالم(23)

فأصل النبيّ عند حسّان من الشام بمنطقة الجولان، بينما كندة ما زالت بعيدة في الجنوب ولا نجد صدى واحدا -ولو كان ضعيفا- لعلاقة النبيّ بها. ويمكننا ربط أبيات حسّان هذه مع كتاب "الهاجريّون" لباتريسيا كرون(24) التي أشارت إلى أنّ الدعوة انطلقتْ من الشام وليس من مكّة الحجاز، أو مع نصّ سبيوس بالأرمينيّة سنة 660 ميلادي، وجاء فيه: في ذلك الوقت اجتمع يهود الاثنتي عشرة قبيلة في مدينة الرها، وأخذوا طريق الصحراء ووصلوا إلى بلاد العرب عند أبناء إسماعيل وطلبوا نجدتهم وأخبروهم أنّهم أقارب حسب التوراة، فآمن [هؤلاء العرب] بهذه القرابة بيد أنّ اليهود لم يستطيعوا إقناع كلّ الشعب [القبائل] لأنّ ديانتهم كانت مختلفة(25)
وبتتبّعنا لشجرة الأنساب التي وضعها كتبة السيرة، رغم أنّها غير حقيقيّة في أغلبها وخاصّة حين يذكرون الجدّ العشرين-وربّما الجدّ رقم خمسين أيضا- لكلّ شخص ولا يتوقّفون عند ذلك بل يذكرون أسماء أمّهاتهم وأجدادهنّ وأمّهات أجدادهنّ وجدّات أمّهات أجدادهنّ وخالات أمّهات أجدادهنّ الخ.. والتي تعود إلى ألف سنة مضتْ وقت تدوينها، وربّما أكثر، وبالتفصيل المملّ وكأنّ كتبة السيرة يقرؤون الأنساب من دفتر للحالة المدنيّة بل ومخزّن في حاسوب أيضا، قلت بتتبّعنا لهذه الشجرة حيث أنّ قصيّا وزهرة أخوان نجد التالي:
قصيّ=عبد مناف=هاشم=عبد المطلب=عبد الله=محمد
زهرة=عبد مناف=وهب=آمنة أمّ النبيّ=محمّد

فآمنة هي من جيل عبد المطلب كما أنّها امرأة والنساء يتزوّجن مبكّرا في ذلك الوقت، وزهرة أكبر من قصيّ بخمس عشرة سنة على الأقلّ وهو ما يزيد هذا الحساب تعقيدا ويُبعد آمنة أكثر عن محمّد، بينما لو حذفنا "عبد الله" من السلسلة لاستقام الحساب، ولم أجد عمر آمنة في كتب التراث -على حدّ علمي- لكن نفهم من السيرة أنّها تزوّجتْ عذراء فكان عبد الله أوّل زوج لها ثمّ توفّيتْ بعده بستّ سنوات، لكنّنا نقرأ في سيرة ابن هشام أنّ آمنة تروي قائلة: ثمّ حملتُ به [أي بمحمّد] فوالله ما رأيت من حمل قطّ كان أخفّ عليّ ولا أيسر منه(26) فهي تذكر أنّ حملها بمحمّد هو أخفّ حمل، فهل لمحمّد إخوة؟ يمكننا تضعيف هذه الرواية أو تأويلها بيد أنّ هناك رواية أخرى واضحة جدّا يذكرها ابن سعد في الطبقات: قالت أم النبي، صلى الله عليه وسلم، قد حملتُ الأولاد فما حملتُ سخلة أثقل منه(27) ففي رواية أنّ حملها خفيف وفي أخرى ثقيل لكن ما يهمّنا هو قولها: قد حملتُ الأولاد، ويمكننا أن نتتبّع رواة هذا الحديث وهو حديث مرفوع يرويه ابن سعد عن عمرو بن عاصم الكلابي الذي أخبره همّام بن يحي عن إسحاق بن عبد الله عن آمنة، ولننظر ماذا يقول رجال الجرح والتعديل في تهذيب الكمال عن هؤلاء الرواة:
الراوي الأوّل إسحاق بن عبد الله: قال عنه يحي بن معين: ثقة، وقال أبو زرعة وأبو حاتم والنسائيّ: ثقة، وقال الواقدي: كان مالك لا يقدّم عليه في الحديث أحدا.
فرتبة الراوي الأوّل، وهو إسحاق بن عبد الله: ثقة حجّة.وهو من رجال البخاري ومسلم.
الراوي الثاني همّام بن يحي: قال عنه يزيد بن هارون: كان همّام قويّا في الحديث، وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثبت في كلّ المشايخ، وقال أحمد بن حنبل: همّام ثقة، وقال يحي بن معين: ثقة صالح، وذكره ابن حبّان في كتاب الثقات الخ…

فرتبة الراوي الثاني: ثقة، وهو من رجال البخاري ومسلم.
الراوي الثالث، عمرو بن عاصم، رتبته: صدوق حسن الحديث وهو من رجال البخاري ومسلم.
الراوي الرابع، محمّد بن سعد، رتبته: حسن الحديث.
لقد ذكرت تخريج سند هذا الحديث حتّى لا يطعن طاعن في رواته ويتّهمهم بالتدليس والتزوير، كما أنّ معناه "وهو أنّ آمنة حملت بأولاد آخرين" مذكور بأسانيد أخرى أيضا(28) وهي تقوّي بعضها بعضا، وإذ أنّه يستوي لدينا الحديث الصحيح والضعيف في البحث العلمي حيث نعتمد على تقاطعات النصوص العربيّة وغير العربيّة والأركيولوجيا والعملة فإنّنا اتّبعنا منهج رجال الحديث في الحكم على حديث آمنة أعلاه وهو: إسناده حسن.
أمّا من حيث المتن فهو منكر بطبيعة الحال لأنّ محمّدا يجب أن يكون وحيد أبويه، ويجب أن يتزوّج عبد الله لكي تحمل منه آمنة ثمّ يموت بعد أيّام أو أشهر من زواجه، فدوره محدّد في السيرة، وهو أن يكون أبا محمّد، ويجب أن تنجب آمنة محمّدا ثمّ تموت حين يبلغ ستّ أو سبع سنوات وتختفي من الصورة أيضا ليتمّ التركيز على عبد المطّلب ثمّ على أبي طالب.

لكنّنا نرجّح أنّ الصورة التي يجب تقديمها عن محمّد لم تكن قد اتّضحتْ بعد، فإسحاق بن عبد الله راوي الحديث كان قد توفّي سنة مائة واثنين وثلاثين هجري وهي بدايات مرحلة التدوين وكانت الروايات متعدّدة حدّ التناقض إلى أن وضعوا الصورة النهائيّة عن محمّد فيما بعد. ويبدأ ابن هشام السيرة موضّحا أنّه اختصر وزاد في سيرة ابن إسحاق ويقول: [إنّي] تارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب (…) وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث فيه، وبعض يسوء بعض الناس ذكره..(29).

فكلّ ما هذّبه ابن هشام واختصره وزاد فيه صار السيرة النبويّة المعتمدة، وهو قد اعتمد رواية البكّائي، بيد أنّنا نملك سيرة ابن إسحاق برواية ابن بكير ونعطي عيّنة عن حجم الاختلاف: عن ابن إسحاق قال: كنت جالسا مع أبي جعفر محمّد بن عليّ، فمرّ بنا عبد الرحمن الأعرج مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، فدعاه، فجاءه، فقال يا أعرج ما هذا الذي يُحدّث به أنّ عبد المطّلب هو الذي وضع حجر الركن في موضعه؟ فقال: أصلحك الله، حدّثني من سمع عمر بن عبد العزيز، يحدّثه أنّه حدّث عن حسّان بن ثابت يقول: حضرتُ بنيان الكعبة، فكأنّي أنظر إلى عبد المطّلب جالسا على السور شيخ كبير وقد عُصب له حاجباه، ، حتّى رُفع إليه الركن، فكان هو من وضعه بيديه، فقال: انفذ راشدا. ثمّ أقبل على أبي جعفر فقال: إنّ هذا لشيء ما سمعنا به قطّ، وما وضعه إلاّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده، اختلفتْ فيه قريش فقالوا أوّل من يدخل عليكم من باب المسجد فهو بينكم، فدخل رسول الله فقالوا: هذا الأمين، فحكّموه فأمر بثوب فبسط، ثمّ أخذ الركن بيده فوضعه على الثوب، ثمّ قال: لتأخذ كلّ قبيلة من الثوب بناحية وارفعوا جميعا…(30) فهناك من يحدّث في هذه الرواية أنّ عبد المطّلب هو الذي حمل الحجر الأسود ووضعه مكانه، وهي رواية منطقيّة أكثر إذا استثنينا عبد الله وجعلنا محمّدا مكانه فيكون عبد المطّلب حيّا وقتها، وتذكر بعض كتب السيرة أنّ حمزة كان أكبر من النبيّ بأربع سنوات(31) ولكنّها بالمقابل تذكر قصّة نذر عبد المطّلب ذبح أحد أبنائه إن أنجب عشرة أولاد وتشير في الوقت نفسه إلى أنّه تزوّج في اليوم ذاته مع ابنه عبد الله(32) من هالة بنت وهيب أخت آمنة وأنجب منها حمزة والمقوّم وحجل وصفيّة(33).

 كما أنّ عبد الله توفّي مباشرة بعد الزواج وهنا يوجد تناقض كبير فأبناء عبد المطّلب "الرجال"، حسب هذه الرواية، قبل وفاة عبد الله هم: أبو طالب والزبير والعبّاس وضرار والحارث وأبو لهب، فهؤلاء ستّة أشخاص ويصبحون سبعة إذا أضفنا عبد الله، فكيف حقّق عبد المطّلب نذره وحاول ذبح أحد أبنائه؟ فإمّا أنّ قصّة النذر خياليّة تدخل في باب التشويق الروائي فكما أنّ فرعون أمر بقتل المواليد الجدد ونجا موسى، وهيرودس أمر بقتلهم أيضا ونجا عيسى فها أنّ عبد الله أبا محمّد نجا من الموت أيضا ولكن القصّة على الطريقة العربيّة مع الإسهاب في عرض التفاصيل والشخصيّات حيث لا يعوزهم الخيال مطلقا، وإمّا أنّ عبد المطّلب تزوّج من هالة قبل ابنه عبد الله وأنجب حمزة والمقوّم وحجل ثمّ أنجب عبد الله في الأخير، فيصبح العدد عشرة، ولكن ما السبب الذي دفعهم لذكر زواج عبد المطّلب في اليوم نفسه مع عبد الله؟ وما السبب في ذكر أنّ حمزة أكبر من النبيّ بأربع سنوات فقط؟ يمكننا الإجابة أنّ حمزة أكبر من النبيّ بأربع سنوات وذلك لأنّ عبد الله لم يوجد، وهو شخصيّة وهميّة، وخاصّة إذا أشرنا إلى أنّ غزوة أبرهة كانت سنة 552 ميلادي، مثلما ذكرنا أوّل البحث، وربّما يكون محمّد مولودا فعلا في ذلك التاريخ.


قد يقول قائل: إن سلّمنا بأنّ عبد الله هو شخصيّة وهميّة وبأنّ محمّدا هو ابن عبد المطّلب بل ونسلّم أيضا أنّه ليس ابنه وتبنّاه وكفله، والله أعلم أين يضع رسالته، فما الذي يدعو كتبة السيرة إلى اختلاق شخصيّة عبد الله؟ كان يمكنهم كتابة أنّ محمّدا هو ابن عبد المطّلب مباشرة وهذا أكثر شرفا وأكبر مجدا، فما الداعي إلى أن ينزعوا عن محمّد هذا الشرف وهم في موضع البحث عن كلّ ما يرفع من شأنه؟


إن "حذفوا" عبد الله فسيكون عمر محمّد كبيرا –ثمانين سنة- بينما يجب أن ينزل الوحي في سنّ أربعين سنة فلمْ يختاروا هذه السنّ اعتباطا والتي تشير إلى اكتمال العقل في الموروث الشرق-أوسطي كقول القرآن متحدّثا عن الإنسان: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ..(الأحقاف، 15) وسيكون بين نزول الوحي ووفاته أربعون سنة وهذا كثير فلزم تقليص المدّة بجعل عبد الله بين محمّد وعبد المطّلب وتكون الدعوة عشرين سنة فقط، كما لا يخفى علينا الاختلاف الشديد بين الفترة المكيّة والفترة المدنيّة وكأنّهما شخصان مختلفان تمّ دمجهما في شخص واحد، فمحمّد المكّي يقول: قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودّة في القربى (الشورى، 23) بينما المدني يقول: يا أيّها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإنّ الله غفور رحيم (المجادلة، 12) فالأوّل لا يطلب أجرا بينما الثاني يطلبه مع التسهيل، والمكيّ يقول: خذ العفو وأْمرْ بالعرف وأعرض عن الجاهلين (الأعراف، 199) بينما المدني يقول: إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض (المائدة، 5) والأوّل يقول: ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن (النحل، 16) بينما الثاني يقول: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة، 29) إلى آخره من الأمثلة دون ذكر تدخّل القرآن المدني في كلّ مرّة لتطليق هذا وتزويج ذاك، والفرق واضح بين الشخصيّتين، في الرؤية وفي الأسلوب أيضا، فالقرآن المكّي يختلف أسلوبا وبناءً عن القرآن المدني وكلّ كاتب له بصمته الأسلوبيّة التي تختلف عن غيره وليس مقام هذا المبحث هنا.


وبمناسبة نزول الوحي تشير كتب السيرة اعتمادا على ابن إسحاق أنّ النبيّ كان في غار حراء حين تلقّى الوحي من جبريل، لكن إذا عدنا إلى تفسير مقاتل بن سليمان لسورة العلق (وهو معاصر لابن إسحاق) نقرأ التالي: سورة العلق مكية ، عددها تسع عشرة آية كوفى، قوله : (اقرأ باسم ربك ( يعني بالواحد ) الذي خلق ) يعني الإنسان ، وكان أوّل شيء نزل من القرآن خمس آيات من أول هذه السورة (…) وذلك أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دخل المسجد الحرام، فإذا أبو جهل يقلّد إلهه الذي يعبده طوقاً من ذهب ، وقد طيبه بالمسك، وهو يقول : يا هبل لكلّ شيء سكن ، ولك خير جزاء، أما وعزّتك لأسرنك القابل (…) فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ويحك، أعطاك إلهك وشكرت غيره، أما والله لله فيك نقمة، فانظر متى تكون ؟ ويحك، يا عم، أدعوك إلى الله وحده، فإنّه ربّك وربّ آبائك الأوّلين وهو خلقك ورزقك، فإن اتّبعتنى أصبت الدنيا والآخرة، قال له: واللات والعزّى ورب هذه البنية لئن لم تنته عن مقالتك هذه ، فإن وجدتك هاهنا ، وأنت تعبد غير آلهتنا لأسفعنّك على ناصيتك يقول: لأخرجنّك على وجهك، أليس هؤلاء بناته، قال : وأنّى يكون له ولد ؟ .فأنزل الله عز وجل: (علّم الإنسان ما لم يعلم ) والنبي، صلى الله عليه وسلم، يومئذٍ بالأراك ضحى.(34)

فآيات سورة العلق الأولى نزلت والنبيّ عند الكعبة، حسب مقاتل بن سليمان، بينما نزلتْ والنبيّ في غار حراء عند ابن هشام، وتبعه أهل التفسير، ويذكر مقاتل غار حراء ولكن بطريقة أخرى حيث يقول: (يا أيها المدثر ) يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنّ كفّار مكّة آذوه، فانطلق إلى جبل حراء ليتوارى عنهم، فبينما هو يمشي، إذ سمع منادياً يقول: يا محمّد، فنظر يميناً وشمالاً وإلى السماء، فلم ير شيئاً، فمضى على وجهه، فنودي الثانية: يا محمد، فنظر يميناً وشمالاً ، ومن خلفه ، فلم ير شيئاً إلا السماء (…) ففزع فزعا شديدا، ثم وقع مغشيا عليه ولبث ساعة. ثمّ أفاق يمشي وبه رعدة شديدة ورجلاه تصطكّان راجعا حتى دخل على خديجة، فدعا بماء فصبّه عليه، فقال: دثّروني، فدثّروه بقطيفة حتى استدفأ…(35)

بينما ابن إسحاق –برواية ابن بكير- يشير إلى أنّ النبيّ كان في غار حراء ومعه أهله، أي خديجة ومواليها، فنام فرأى جبريل في المنام يقول له اقرأ الخ… فخرج يريد أن ينتحر (قصّة محاولة الانتحار موجودة في البخاري أيضا) لكنّه رأى رؤيا أخرى فيها جبريل يثبّته فعاد إلى خديجة في الغار وحدّثها بما رأى فجمعتْ ثيابها وذهبتْ إلى ورقة بن نوفل(36).

 فقصّة نزول الوحي في غار حراء ومخاطبة جبريل النبيّ لم تكن قد توضّحتْ بعد، فدمجوا بعض الروايات ببعضها بعضا وزادوا عليها ووضعوها في صورتها النهائيّة. وقد تطوّرتْ صورة جبريل في المخيال الشعبيّ فصار له ستّمائة جناح وأحيانا يأتي لابسا عمامة من استبرق، راكبا على بغلة، وأحيانا يأتي في صورة شيخ يلبس البياض، وغير ذلك من الأساطير، بيد أنّ الروايات الأولى تشير إلى أنّ النبيّ كان يتلقّى الوحي في المنام وهو ما نراه أيضا في مصدر غير عربيّ عند يوحنّا الدمشقيّ في القرن الأوّل الهجريّ أثناء محاوراته مع المسلمين فيقول: نسألهم [أي المسلمين] كيف تلقّى نبيّكم الوحي؟ فيجيبون أنّه نزل عليه من السماء أثناء نومه.(37)

من الصعب تقديم سيرة علميّة حقيقيّة للنبيّ دون اعتماد الأركيولوجيا، وخارج روايات السيرة الدينيّة الموجّهة مسبّقا، بيد أنّ المعلومات الأركيولوجيّة نادرة في تلك المنطقة من الحجاز وتخضع للغربلة والفرز حيث أنّ هناك مناطق يُمنع البحث فيها فلا يتبقّى لنا إلاّ النصوص العربيّة والأجنبيّة للبحث عن أماكن التقاطع وربطها مع المعلومات الأركيولوجيّة الموجودة في مناطق أخرى لكن نظلّ دائما على مستوى الفرضيّات ما دمنا لا نبحث في منطقة الحدث مباشرة.

الهوامش:


1-René Marchand, Mahomet, contre enquête, Echiquier, Paris, 2006, p114 en citant : Morozov, Klimovitch, Tolstov, Bernard Requin etc..
2-Histoire d'Héraclius, l'Evêque Sebeos, tr: Frédéric Macler, Paris, IN, 1894, ch.30 ; A.L de Premare, Les fondations de l’islam, Seuil, Paris, 2002, p38
3- Seeing Islam as others saw it, Robert Hoyland, The Darwin Press, USA, 1997, p120; A.L de Premare, Les Fondations de L’Islam, op.cit, p147
4- Robert Hoyland, Seeing, op.cit, p549
5-Ibid., p165
6- Ibid., p57 ; A.L.Premare, Fondations, op.cit, p148
7- البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكار ورياض زركلي، دار الفكر، 1996، ج1، ص67
8- The Hidden origins of Islam, Karl-Heinz Ohling and Gerd-R Puin, Prometheus book, USA, 2010, Volker Popp, p30-31
9-سنن الترمذي، باب المناقب، فضل النبيّ، 3540
10-المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، تحقيق عبد الوهاب بن عبد اللطيف، المكتبة السلفيّة، 1963، ج10، ص 75
11-ابن منظور، لسان العرب، مادة "كبا"
12-الجمع بين صحيحي بخاري ومسلم، الحميدي، تحقيق د.علي حسن البواب، دار ابن حزم، لبنان، 2002، ج1، ص74 ويبدو أنّ تحريم الخمر متأخّر فيروي البخاري: عن جابر، قال اصطبح الخمر يوم أحد ناس ثم قتلوا شهداء [أي سهروا يشربون الخمر ثمّ في الصباح قاتلوا في معركة أحد وماتوا شهداء]
13-البخاري، الجمع بين الصحيحين، ج3، 311
14- المصدر السابق، ج2، ص198
15- الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمّد سيّد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، ج1، ص 143
16-طه حسين، في الأدب الجاهلي، مطبعة فاروق، 1933، ص138
17-ابن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق د.علي محمّد عمر، مكتبة الخانجي، مصر، 2001، ج1، ص 23
18-المصدر السابق.
19-Edouard-Marie Gallez, Le Messie et son prophète, t2, éditions de Paris, 2005, p272 réf. : Mingana Alphonse, Leave from three Ancient Kur’ans possibly pré-othmanic, Cambridge University Press, 1914, p 13
20-ابن سعد، الطبقات الكبرى، مصدر سابق، ج1، ص 48-49
21-ابن دريد، الاشتقاق، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1991، ج1، ص 377
22- ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق:مصطفى السقّا-الأبياري-شلبي، دار الكتب العلميّة، لبنان، 2004، ص115
23- ديوان حسّان بن ثابت، تحقيق: د.وليد عرفات، دار صادر، 2006، ج2، ص109
24- الكتاب موجود بالعربيّة بترجمة نبيل فيّاض.
25-Histoire d'Héraclius, l'Evêque Sebeos, op.cit
26- المصدر السابق، ص133
27-ابن سعد، الطبقات الكبرى، مصدر سابق، ج1، ص 98
28-ورد مع اختلاف في اللفظ في الروض الأنف والسيرة الحلبيّة وتاريخ الطبري الخ…
29-سيرة ابن هشام، مصدر سابق، ص 23
30-سيرة ابن إسحاق، تحقيق حميد الله، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، 1976، ص 88
31-ابن سعد، الطبقات، مصدر سابق، ج3، ص10/ ويذكر البلاذري في أنساب الأشراف، ج1، ص53: ثنا محمد بن عمر، قال: سألت عبد الله بن جعفر: متى كان حفر عبد المطلب زمزم؟ فقال: وهو ابن أربعين سنة. قلت: فمتى كان أراد أن يذبح ولده؟ قال: بعد ذلك بثلاثين سنة. قلت: قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجل، وقبل مولد حمزة.
32-ابن عبد البرّ، الاستيعاب، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجبل، بيروت، ج1، ص28
33-حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، مصر، 1987، ص 88
34-تفسير مقاتل بن سليمان، سورة العلق، تحقيق أحمد فريد، دار الكتب العلميّة، لبنان، 2003
35-المصدر السابق، سورة المدثر
36-سيرة ابن إسحاق، تحقيق حميد الله، مصدر سابق، ص 101-102
37-St Jean Damascène et son influence en orient sous les premiers Khalifes, par Félix Neve, Revue belge et étrangère, t12, 1861, p 15


قراءة في بعض السيرة النبويّة (3/1)

قراءة في بعض السيرة النبويّة (3/2)

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

صفاقس - عادل دمق
9 تموز (يوليو) 2010 00:50

لدراسة الظاهرة المحمدية لايجوز استبعادأي منهح كما لا يجوز اعتماد منهج وحيد وذلك لكثرة المعطيات و تنوعها.إذا اعتمدنا المنهج الذاتي فسوف نقف على أمر مذهل حقا:النبي هو أول من شك في ظاهرة النبوة؟ نقرأ في سورة يونس:"فإن كنت في شك مماأنزل إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ,لقد جاءك الحق من ربك فلا بكونن من الممترين"الاية94-كمانقرأ في سورة القصص:"و ما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك"ألاية86,لا رغبة, إذا لا كبت ,لا عقدة,لا لاشعور.


الرد على التعليق

رأس الخيمة - فادي العلماني
9 تموز (يوليو) 2010 10:10

كل الشكر للاستاذ النجار على هذه الدراسة النقدية الجريئة بصراحة لقد افادتني كثيرا واتمنى المزيد من هذه الدراسات وان كنت اخشى عليك ان تكون قد فتحت على نفسك باب جهنم..اتمنى لك التوفيق


الرد على التعليق

  • - محمّد النجّار
    10 تموز (يوليو) 2010 02:54

    تحيّة أستاذ فادي العلماني وشكرا لك.


    الرد على التعليق

Ruston, Louisiana - أحمد نظير الأتاسي
9 تموز (يوليو) 2010 19:59

الأستاذ محمد النجار، تحية طيبة.أولاً أشكرك على هذا المقال المليء بالأفكار والشواهد. لا أعرف ما هو اختصاصك لكن اسمح لي أن أعطي بعض النصائح كمؤرخ للفترة الإسلامية الأولى. أولاً أنا سعيد أنك تقرأ ابن سعد لأنه مليء بالمعلومات القيمة، لكن كالعادة يجب أن لاننسى أن أي خبر يرد في هذه الكتب قد يكون ملفقاً وهنا خطر استعمال الأخبار دون نقد للإسناد أو المتن (وهذا ينطبق أيضاً على من كتب بغير العربية). أنصحك أن تبحث عن النسخ المتعددة لأي خبر تستعمله بمساعدة محرك بحث المكتبة الشاملة مما سيعطيك فكرة عن من شارك في نشر هكذا خبر أو لأي سبب. ثانياً، مرة قال لي أستاذي: إذا لم تستطع إثبات نتيجة إيجابية فابحث عن نتائج سلبية فهي خطوة إلى الأمام وإن كانت قصيرة. فمثلاً لن تستطيع إثبات أن محمد كان كذا أو كذا لكن تستطيع أن تستخدم التراث نفسه لإثبات أن كثيرين من ناقليه كان لديهم شكوك بمحتوياته. هذا ما فعلته في مقالك أعلاه لكن الأفكار متسارعة ومفككة بعض الشيء. الشك بداية اليقين لكن لن نستطيع مع تراثنا أن نفعل إلا الشك فلماذا لا نفعله بطريقة منسقة. ليس من الضروري أن نقول هاكم هذا الخبر الذي يثبت غموض نسب محمد. لأنه لكل خبر عشرات تناقضه وبأسانيد أصح فهذا كان شغل المحدثين الشاغل، وضع أسانيد صحيحة. الأفضل برأيي أن نقول هاكم الرواية الرسمية وهاكم أخبار من ذات التراث تشكك بها فلماذا نأخذ هذه ونترك تلك؟ ولماذا شكك بعض الأخباريين بها إن كانت معلومات لا مراء في صحتها؟ ثالثاً، لا بد من معالجة كل فكرة على حدة في مقال منسق ومنظم يضمن الأثر المرجو وهو التشكيك وليس الإثبات. هناك أحاديث عديدة تؤكد أن نسب محمد في مضر ثم كنانة ثم قريش ثم بني هاشم، فلماذا لا تفرد لها مقالاً خاصاً توضح فيه أن الشك بنسب محمد كان شائعاً. وكذلك فكرة بنوة محمد لأبي طالب أو لعبد المطلب، أصله السوري وأصل قريش كذلك، عمر محمد، واسمه الحقيقي، وزيجاته. لاحظ مثلاً أن خديجة أنجبت عدة بنات بعد سن الأربعين وهذا نادر في ذلك الوقت وحتى في زمننا هذا. لاحظ أن عائشة كانت في الثامنة عشر عندما مات محمد فكيف روت عنه كل هذه الأحاديث وهي بالكاد ناضجة. حتى اسمها له دلالة رمزية وهناك أخبار كثيرة تحاول تأكيد حقيقتها وصدقها مما يعني أن بعض الناس شك بوجودها أو بصدقها (وكل هذا في ابن سعد). رابعاً، محاولة الإثبات ستثير غضب الكثيرين ولن تنجح فيها، لكن التشكيك بالتراث باستخدام التراث نفسه يجعلك تنسحب من الواجهة بعض الشيء وتترك مهمة التفكير للقارئ. لقد خطرت لي منذ فترة فكرة أن يكون محمد ابن لأبي طالب بالتبني، لا بل قد أذهب إلى اقتراح وجود فرقة دينية تنتقل زعامتها عن طريق التبني، وانتقلت زعامتها من عبد المطلب إلى أبي طالب إلى محمد ثم إلى زيد بن حارثة الذي مات في حياة محمد كما مات الإمام السابع إسماعيل في حياة أبيه جعفر الصادق. محمد هو الزعيم الذي غير مسار الجماعة عندما جاء بفكرة الرسالة ثم نشرها بالجهاد. لكن لا يوجد أي دليل على هكذا مقولات وكل ما يمكن أن نفعله هو التشكيك بالرواية الرسمية من خلال كشف تناقضاتها وإظهار روايات أخرى على أنها ممكنة. حظاً سعيداً.


الرد على التعليق

  • - محمد النجار
    10 تموز (يوليو) 2010 13:03

    الأستاذ أحمد نظير الأتاسي، تحيّة طيّبة. شكرا لك على المداخلة القيّمة. كان الإخباريّون واعين بهذه الروايات المتناقضة، أو كما تقول (لكل خبر عشرات تناقضه وبأسانيد أصح فهذا كان شغل المحدثين الشاغل) فقد أسّسوا "علم" الجرح والتعديل لفرز الروايات وتصحيحها أو تضعيفها، لذلك فإنّي أحاول قدر الإمكان الاعتماد على روايات البخاري ومسلم كي لا تكون هناك حجّة على الرسل، وابن سعد مثله مثل غيره من الإخباريّين قد يتضمّن روايات ملفّقة وخاصّة أنّه تلميذ الواقدي المعروف بالتدليس (مسكين الواقدي فقد ضعّفوه)وينقل عنه كثيرا، بيد أنّي وكما لاحظت يا سيّدي، حين أتعرّض إلى رواية جوهريّة عند ابن سعد (كلام آمنة عن حملها مثلا) فإنّي أتناول أسانيدها بمنهج علم الجرح والتعديل نفسه للحكم عليها من حيث السند، وإن كنت لا أعتبر الجرح والتعديل علما بأتمّ معنى الكلمة فإنّي أنقد الروايات الإسلاميّة من الداخل أي بأدوات رجالها.

    أمّا الروايات "الضعيفة" فيمكن أخذها بعين الاعتبار في حالة وافقت الأبحاث الأركيولوجيّة أو النصوص الأجنبيّة المعاصرة فتأخذ هذه الروايات مصداقيّة علميّة حتّى وإن كان السند ضعيفا، وكما تلاحظ فإنّي أعتمد محورين وهما النقد الداخلي بالأدوات التي يستعملها المحدّثون أنفسهم،(وهي بيني وبينك إلزام للحجّة أكثر منها تناولات علميّة) والنقد الخارجي وهو تقاطعات الأخبار مع الأركيولوجيا وغيرها من الطرق العلميّة.

    وقد تعمّدتُ عرض نقاط كثيرة، تبدو في ظاهرها متسارعة أو مفكّكة، بيد أنّ هدفي هو خلخلة يقين القارئ المطمئنّ الراكن إلى دعة الموروث، وكلّما زادت نقاط الشكّ زاد تأثيره، ففي هذه المقالات المتواضعة لا أريد تحليل نقطة بعينها وأقشّرها تقشيرا وأستنزفها بل التجوّل في أروقة الماضي وطرح أسئلة متتالية، كدعوة للتفكير.

    بالنسبة إلى وجود فرقة دينيّة تنتقل زعامتها عن طريق التبنّي فلا أخفيك أنّه خطر لي هذا الأمر وكنت ذكرته في كتابي الذي سيصدر لاحقا، وربّما نستطيع القول أنّها بالأحرى عائلة دينيّة تتوارث الدين، ويمكن ربط الفرضيّة مع النقش الذي ذكره جواد علي وجاء فيه (قصيو بن كلبو) على أنّه رجل دين، وقصيّ بن كلاب هو جدّ النبيّ، وهاشم -حسب الأخبار- له علاقة وطيدة بفلسطين وعبد المطلب كان يتحنّث في غار حراء -حسب الأخبار- ، بيد أنّ هذا النقش متقدّم جدّا في الزمن لذلك قد تكون عائلة تتوارث الدين والأسماء أيضا (مثل عائلة هارون مثلا في اليهوديّة) وكلّ هذه مجرّد فرضيّات كما تعلم، مثلما أشرت بنفسي في نهاية البحث.

    الحلّ الوحيد -حسب رأيي- والذي قد يتجاوز بنا مستوى الفرضيّات إلى مستوى الحقائق العلميّة هو الحفريّات الأركيولوجيّة، فانظرْ خيبر مثلا ألن نجد فيها ما قد يقلب أصلا معارفنا رأسا على عقب؟ أو الحصون اليهوديّة في المدينة؟ أو فلنذهب شرقا إلى اليمامة، مجال مسيلمة، وقد نكتشف اشياء لا تخطر لنا على بال.(أنت ترى أنّي ألمّح أكثر ممّا أفصح، وأعلم أنّك تفهمني)

    الحديث عن الإسلام المبكّر ذو شجون وكلّ له وجهات نظره المدعّمة وكلّ أيضا يشكو من بعض نقاط الضعف، مستشرقين كانوا أم عربا، والبحث العلميّ الأركيولوجيّ هو الوحيد القادر على وضع النقاط على الحروف كما أسلفت. وهذا أمر عزيز اليوم إن لم أقل مستحيل!

    تحيّاتي لك وشكرا مرّة أخرى.


    الرد على التعليق

دمشق - حمود حمود
11 تموز (يوليو) 2010 14:32

كل الشكر لك الأستاذ محمد النجار. أولاً أود أن تسامحني إن كنت تحمل في قلبك أي شيء عليّ فيما يخص انتقاداتي في الجزء الثاني. لقد قرأت مقالك بعناية. وحقيقة فوجئت بالرواية التي نقلتها عن ابن سعد فيما يخص حمل آمنة بـ "أولاد" غير محمد، وأعجبت باستخدامك النقدي لآلية الجرح والتعديل الإسلامية في نقد الرواية، لكن كما قلت أنت أن المنطق الديني السيري يتطلب كذا وكذا، فكان لا بد من كذا وكذا…الخ. فليس غريباً أن نقرأ إذن في نفس السياق الذي نقلت فيه الرواية في ابن سعد: «قال محمد بن عمر الأسلمي: وهذا مما لا يعرف عندنا ولا عند أهل العلم، لم تلد آمنة بنت وهب ولا عبد الله بن عبد المطلب غير رسول الله، صلى الله عليه وسلم». مهما يكن، لقد أشرت إلى أهمية الإركيولوجيا في الحفر في هذه المجالات، وبخاصة في الاعتماد على مصادر غير تراثية. لقد لاحظت أنك في هذه النقطة تعتمد على مصادر غربية هي إلى حد ما معاصرة. سؤالي لك الآن: ما هو عن المصداقية التاريخية لهذه المصادر الحديثة نفسها حتى تتم شرعنة استخدامها في الحفر داخل ثنايا التراث؟ (ولا أخفيك أنني لست مطلعاً على جلّ المصادر الغربية التي أشرت إليها). فكما تعلم أن الأرثوذكسي الإسلامي حينما تريد أن تكلمه بمنطق تراثي، يختلف تماماً الوضع عنده حينما تنقده أو تشكك بمسلماته بمصادر لا يؤمن بها أصلاً. أتمنى أن تجيبني على ذلك السؤال، إضافة إلى توضيح آلية عمل الإركيولوجيا في التراث كما تراها أنت. كل الشكر لك الأستاذ نجار. ومرة أخرى أتمنى أن تسامحني.*


الرد على التعليق

  • - محمّد النجّار
    12 تموز (يوليو) 2010 00:34

    الأستاذ حمّود حمّود، تحيّة طيّبة. لا عليك يا صديقي فدائما ما يحدث سوء التفاهم والمهمّ ان نتجاوزه ونتقدّم وإنّي أشكرك على حسن أخلاقك ورفعتها.

    تقول: (ما هو عن المصداقية التاريخية لهذه المصادر الحديثة نفسها حتى تتم شرعنة استخدامها في الحفر داخل ثنايا التراث؟) انتهى. إن كنت تقصد مصداقيّتها التاريخيّة من حيث معاصرتها للحدث فهي مثبتة فعلا وهناك كتاب مرجع في هذا الأمر جمع فيه كلّ ما كُتب في القرن الأوّل والثاني الهجري من المصادر غير الإسلاميّة من الكتّاب اليونانيّين والسريان والأرمن واللاتينيّين واليهود والفرس وحتّى الصينيّين. وهو كتاب مهمّ فيه مجهود جبّار بل هو دعامة لا غناء عنها -حسب رأيي- للباحث في بدايات الإسلام، وهذا الكتاب هو لـ Robert Hoyland بعنوان: Seeing Islam as others saw it صادر سنة 1997 في الولايات المتّحدة.وتقريبا أغلب الأبحاث الإستشراقيّة تعتمده اليوم. أمّا إن كنت تقصد بالمصداقيّة هو مدى صدق هؤلاء الكتّاب في نقل الحدث فهذا أمر يعود إلى ملكتنا النقديّة في فرز الرواية الموجّهة مسبّقا واستخلاص المعلومة منها، فمثلا نرى في تاريخ سبيوس (660 ميلادي) يستعمل كثيرا العهد القديم في تفسير الأحداث، أو سوفرونيس (639 ميلادي) يتناول الفتوحات من وجهة نظر قياميّة (أبوكاليبسيّة) وغير ذلك من الأمثلة، لكنّها تحتوي أيضا على معلومات عن تلك الفترة نستطيع تلمّسها بوضوح.

    قد يقول قائل: ما الفائدة؟ والجواب: الفائدة عظيمة جدّا، لأنّها تقدّم لنا رؤية الآخر للأحداث فنخرج من الرؤية الأحاديّة التي تفرضها علينا السيرة إلى الرؤية المتنوّعة التي تساعدنا في فهم الوقائع بصورة أشمل. وأشبّه الأمر بالكاميرا التي تقدّم لنا المشهد من زاوية رؤية معيّنة، لكن كلّما زاد عدد الكاميرات ونقلت لنا زوايا أخرى، زاد فهمنا للحدث، ويقترب بالتالي تحليلنا من الشموليّة.

    تقول: (توضيح آلية عمل الإركيولوجيا في التراث كما تراها أنت) انتهى. الأركيولوجيا هي قراءة علميّة للماضي كما تعلم، فنظريّا هو أن نستهدي ونستأنس يالنصّ المكتوب في تحديد مكان البحث، بيد أنّ مكان البحث ممنوع، فالذي يحدث واقعيّا هو أنّنا نقوم بتحليل ما اكتشفناه في مناطق أخرى وربطها بتلك النصوص، لكن في هذه الحالة قد تفضي بنا الأمور إلى فرضيّات ناقصة بعض الشيء (رغم أهمّيتها) وأعطي مثالا: نجد نقوشا في صحراء النقب تذكر اسم موسى وهارون (نقوش يهود-مسيحيّة) ونجد أنّه يمكننا قراءة النقوش على قبّة الصخرة بطريقة أخرى (رؤية مسيحيّة) ونجد أنّ اسم محمّد غير مذكور في أيّ نقش قبل عصر عبد الملك بن مروان، كما أنّ أوّل ضرب للعملة يوجد فيه اسم محمّد كان سنة 688 ميلادي فيكون عبد الملك هو الذي أعلن الديانة الإسلاميّة، لكن ها هنا تجاوزنا نقطة مهمّة وهو ماذا سنفعل بعملة عليّ بن أبي طالب؟ (انظرْ Henri Lavoix في catalogue des monnaies musulmanes) والعملة تعود لأربعين هجريّة مذكور فيها اسم محمّد وبالطريقة نفسها التي يذكرها عبد الملك، ففي هذه الحالة نعود إلى التراث لتبيّن الأمر فنقرأ في المحاسن والمساوئ للبيهقي قصّة تؤيّد -بطريقة غير مباشرة- ضرب عليّ للعملة وفيها اسم محمّد، أو نعود إلى المقريزي مثلا في شذور العقود بذكر النقود لتلمّس الأمر. فيكون عندنا نصّ مكتوب مدعّم بالدليل الماديّ. لذلك فإنّي لا أتسرّع في طرح الفرضيّات وإنّما تظلّ عيني على كتب التراث، لأنّي أؤمن إيمانا كاملا أنّها تحفل بالحقائق والأكاذيب على حدّ السواء.وإن وجدت فيها ما يتقاطع مع الحفريّات أو العملة أو النقوش أو النصوص المقارنة الأجنبيّة أكوّن حينها فرضيّتي، فذلك هو منهجي.

    لكن، (وتزعجني "لكن" كثيرا) هو أنّ الحفريّات أو النقوش ينبغي أن تنطلق من مكان الحدث وهو مكّة والمدينة، وهذا مستحيل، إذن فلا نكن جشعين ولنبحث في أماكن قريبة مثل خيبر واليمامة، وهذا أيضا صعب، وانظرْ مثلا إلى حصون خيبر تنعق فيها الغربان ولكن ممنوع البحث فيها. كما أنّه تمّ غلق الطريق أمام الباحثين الأجانب (إلاّ قلّة نادرة ولهم الحقّ فقط في الشمال حيث الآثار النبطيّة) ومنطقة الحجاز صارت بأيدي الباحثين السعوديّين أنفسهم، وهم مسلمون، ولن يتمّ إطلاقا نشر اكتشاف يتعارض مع الرواية الرسميّة.إلاّ ما تمّ جمعه من قبل في شكل نتف في منتصف القرن العشرين واستطاع النجاة.

    الأدلّة الماديّة -مهما كان نوعها- مهمّة جدّا حيث يستطيع الناقد المسلم أن يطعن في رواية معيّنة فإن جئناه برواية جاء بعكسها، ففي الأخير هو كلام مقابل كلام، لكنّه لن يستطيع إطلاقا الطعن في الأركيولوجيا والعملة والمخطوطات لأنّها وسائل علميّة وسأعطي مثالا أيضا: كان الأستاذ نبيل فيّاض قد نشر هنا على حلقات اختلاف المصاحف اعتمادا على الروايات، فعلّق أحد الأشخاص (لا أذكر من ولا في أيّ حلقة) قائلا: " إنّها مجرّد روايات وقد تخطئ وليس لنا دليل على صحّتها" وهذا المثال يدلّ على سهولة الطعن في الرواية رغم أنّ ما كتبه فيّاض صحيح، ويمكننا تدعيم هذه الروايات بذكر مخطوطات صنعاء التي تحتوي على هذه الاختلافات حيث استطاع Puin قراءة النصّ الممسوح تحت النصّ القرآنيّ المكتوب باستعمال أشعّة Ultra violet ووجد آية مكتوبة كما جاء في مصحف ابن مسعود (وإن كنت أرى أنّ الآية توافق مصحف أنس بن مالك أكثر) وقام الناسخ بمسحها وكتابة القرآن العثماني وهذا دليل أثريّ على صحّة تلك الروايات (انظرّ Puin و Ohlig في The Hidden origins of Islams الصادر حديثا) وهنا لا يمكن الطعن فيها لأنّنا صرنا نملك الدليل الماديّ على صحّتها مدعّما أيضا بكتب التراث.

    أو أعطي مثالا آخر خطر الآن على بالي بما أنّي أثرثر: نحن نعرف أنّ مسيلمة حطّموه تحطيما وقدّموه لنا في صورة كاريكاتوريّة، ورغم ذلك فالأخبار لم تخل من الإشارات السريعة إلى أنّه كان أميرا واتّبعه مائة ألف وأنّه ادّعى النبوّة قبل محمّد وأنّه كان شريفا في قومه (انظر البداية والنهاية والروض الأنف وغيرهما) فنجد (امسك أنفاسك)أنّ مسيلمة ضرب العملة باسمه، وجاء نصّ العملة: (بأمر أبي ثمامة، مسيلمة، رسول الله، أمير المؤمنين) وهي مكتوبة باليونانيّة-اللاتينيّة (مثل أغلب العملات في عهد هرقل) واستطاع Philippe de Saxe Cobourg فكّ رموزها، (انظرّ: Revue Belge de numismatique لسنة 1891 العدد 47) والغريب أنّ هذه العملة دخلت طيّ النسيان ولولا تصفّحي لكلّ مجلاّت العملة قديمها وحديثها ووقوعي عليها مصادفة لضاعت في خضمّ ما ضاع، وشأن مسيلمة هذا تؤيّده الأخبار التي وصلنا منها بعض الصدى في الكتب التراثيّة/ وبالمناسبة هو اسمه فعلا مسيلمة وليس تصغيرا له.

    وأظلّ أقول دائما: الحديث عن بدايات الإسلام هو حديث ذو شجون. تحيّاتي وشكرا لك على التواصل.


    الرد على التعليق

    • دمشق - حمود حمود
      12 تموز (يوليو) 2010 16:52

      إذن استاذي يبدو أنك على اطلاع على ما أثير من جدل حول ما ورد في مقالي عن تصغير اسم مسيلمة. في الواقع لقد قرأت هذا الكلام عند نولدكه، لكنه لم يثبت كلامه بأي دليل. واكتفى فقط بالإحالة للمبرد. الفضول طبعاً ركبني! وفعلاً قرأت للمبرد: أكان مسلمة الكذاب قال لكم … لن تدركوا المجد حتى تغضبوا مضرا لربما كما ذكرت أنت، من السهل الطعن في هذا، وخاصة إذا أدخل في الموضوع مسألة الأوزان. وفعلاُ لقد قدم الإسلاميون مسيلمة بأبشع صورة كاريكاتورية (وربما أنت على اطلاع بالرواية الفظيعة التي يقدمها الطبري عن مسيلمة والنبية سجاح!!). لكن دعك من هذا الآن، الدراسة التي ذكرتها والتي نشرت في أميركا لـ Robert Hoyland هل تحتوي على أسماء الكتب ومؤلفيها فقط ودرسها تاريخياً، أم أنها تشمل الكتب ذاتها؟ لأنك قلت: "جمع فيه كلّ ما كُتب في القرن الأوّل والثاني الهجري من المصادر غير الإسلاميّة " وشكراً على إطرائك لي وعلى مقالك مرة أخرى.*


      الرد على التعليق

      • - محمّد النجّار
        13 تموز (يوليو) 2010 12:50

        الأستاذ الفاضل حمود، تحيّة طيّبة، هي تشمل أسماء الكتب ومؤلّفيها ونبذة تاريخيّة عنها واقتباسات منها لكلّ ما له علاقة بالإسلام. أي أنّ الكاتب لا يذكر لنا كتبا تتحدّث في مجال آخر مثلا وإنّما فقط الكتّاب والكتب الذين تناولوا الإسلام ومحمّد -ولو بصورة عابرة- وكذلك يقتبس لنا ما قالوه، فلا ينشر كلّ كلامهم وإنّما فقط المقاطع التي تهمّنا ويبيّن لنا أيضا السياق الذي جاءت فيه حتّى لا نسقط في contextomy وهذا يغنينا عن البحث عنها ومراجعتها.

        إنّه يقدّم لنا ماذا قال الآخر المعاصر تقريبا لبدايات الإسلام.

        كلّ التقدير


        الرد على التعليق

السعودية - الخبر - ناصر محمد
13 تموز (يوليو) 2010 23:14

[لنبحث في أماكن قريبة مثل خيبر واليمامة، وهذا أيضا صعب، وانظرْ مثلا إلى حصون خيبر تنعق فيها الغربان ولكن ممنوع البحث فيها. كما أنّه تمّ غلق الطريق أمام الباحثين الأجانب (إلاّ قلّة نادرة ولهم الحقّ فقط في الشمال حيث الآثار النبطيّة) ومنطقة الحجاز صارت بأيدي الباحثين السعوديّين أنفسهم، وهم مسلمون، ولن يتمّ إطلاقا نشر اكتشاف يتعارض مع الرواية الرسميّة.إلاّ ما تمّ جمعه من قبل في شكل نتف في منتصف القرن العشرين واستطاع النجاة] كذلك الأمر بالنسبة لمنطقة نجران ذات التراث بالغ الوفرة ولعله الوحيد في جزيرة العرب الذي تنطبق عليه صفة "ثلاثي الأبعاد" (يهودي - مسيحي - إسلامي) يتم إحاطة المناطق الأثرية بالأسوار والحراسات ولا يسمح بالإطلاع السهل الحر فضلا عن البحث والتنقيب عن دلائل مادية من أي نوع.

عموما أجد أن من واجبي التعبير عن امتناني.. لكثرة ما قرأت في هذا الميدان توهمت لفترة ليست بالقصيرة أن لا أحد يستطيع الإضافة لمعلوماتي ما يستحق الإهتمام في هذا الشأن، لكن بعد متابعتي للأجزاء الثلاثة التي قدمها الأستاذ محمد النجار - خصوصا الجزئين الثاني والثالث - بالإضافة إلى تعقيباته الثرية على مداخلات القراء، شعرت حقيقة أني تلميذ للتو أنهى المرحلة الثانوية على أقصى تقدير.

أشكرك أستاذ محمد.


الرد على التعليق

  • - محمد النجار
    14 تموز (يوليو) 2010 21:54

    الأستاذ ناصر محمد، شكرا لك على تواضعك الجمّ وتسعدني متابعتك وتشرّفني وآراؤك. تحيّاتي لك.


    الرد على التعليق

اطلانتس - موسى داود سليمان
18 نيسان (أبريل) 2011 05:12


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter