الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > أبحاث > قصيدة أبوكاليبتية يهودية حول الغزوات العربية

قصيدة أبوكاليبتية يهودية حول الغزوات العربية

الجمعة 15 أيار (مايو) 2009
بقلم: نبيل فياض  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

قصيدة " في ذلك اليوم " منشورة في¯ Mélanges d’islamologie، عدد مهدى لذكرى أرمان أبيل، تحرير بيير سالمون، لايدن 1974، ص‎ص 197 – 200.

التقديم بقلم: برنارد لويس

القصيدة العبرية التالية نجدها محفوظة في إحدى كسرات الغنيزا من مجموعة شختر Schechter، في معهد اللاهوت اليهودي في أمريكا. وكان أول من نشرها لويس غنزبرغ Louis Genzberg عام 1928(1). وهي مكتوبة على ورقة مفردة، 11 × 8 سم، بالخط الرباني الشرقي.

القصيدة تأخذ شكل نبوءة أبوكاليبتية، تصف زمن مشاكل ومعارك في فلسطين قبل مجيء المسّيا. وهي تتألف في أحد أجزائها من مادة مشتركة عند هذا النمط من الأدب، وفي جزئها الآخر - كما هي العادة في هذا النوع من الكتابات - من نبوءة حصلت ما بعد الواقعة تتعلق بالأحداث الجارية. إن تحديد هذه الأحداث يشكل مشكلة ضخمة - وهامة - في مثل تلك النصوص.

لم يتردد لويس غنزبرغ، مكتشف تلك الوثيقة والمحرّر الأول لها، في نسبها إلى حقبة الحملة الصليبية الأولى، وبشكل أكثر تحديداً إلى العام 1104م، حين أخذ الصليبيون عكا. واعتقد أنّ « ملك الغرب وملك الشرق »، كانا يمثلان بوضوح الصليبيين والمسلمين، مثلما هي الحال بالنسبة « لأدوم وإسمعيل ». ومن معارك عديدة لأجل عكا في الحقبة الصليبية، اختار غنزبرغ هذه المعركة، كونها المعركة الوحيدة التي يمكن ربطها مع صراع معاصر لها للاستيلاء على إنطاكية، مذكور أيضاً في القصيدة.

اعتمد تفسير غنزبرغ على افتراض شائع لكنه خاطئ - افتراض يقول إنّ «الغرب»، بالنسبة للكتاب الشرق أوسطيين في العصور الوسطى، كان يعني أوروبا أو المسيحية. لكن هذا غير صحيح. فعادة التحدث عن المواجهة بين الإسلام والمسيحية على أنها مواجهة بين «الشرق» و«الغرب» هي عادة ذات أصول أوروبية شبه معاصرة، ولا توجد لها سابقات في الكتابات الإسلامية أو اليهودية من العصور الوسطى(2). وما أن نترك جانباً افتراضاً كهذا، حتى نرى أن تاريخاً أكثر قدماً - أي زمن الغزوات العربية الأولى - سيكون مناسباً أكثر لتعاقب الأحداث كما هي مقدّمة في القصيدة. لقد اقترح ذلك التاريخ جوزيف ماركوس، الذي أصدر طبعة محسّنة من النص عام 1933(3). واستخدم ماركوس البراهين الأدبية إضافة إلى البراهين التاريخية. فالسطر الأول من القصيدة يتطابق حرفياً مع سطر من إحدى مجموعات البيوطيم (قصائد ليتورجية) التي اكتشفها هو ذاته في الغنيزا، وقد عزاها إلى البيطان الشهير العازار بن ها-قلير.

البرهان الأدبي ليس حاسماً. فمحاكاة وإعادة محاكاة سطور وعبارات من إحدى الكسرات الأبوكاليبتية لكسرة ابوكاليبتية أخرى أمر متكرر وهو بحد ذاته ليس دليلاً يمكن اعتماده عموماً. كذلك فإن تاريخ ها-قلير محط نزاع، ومع أنّ مراجع عديدة تقول إنّه عاش في القرن السابع، إلا أنّ هذا غير مؤكّد بالمطلق. لكن البرهان التاريخي أكثر قوة، ولا يترك شكّاً بأن القصيدة أُنتجت خلال حقبة توقع مسياني سبّبته الأحداث الأبوكاليبتية للغزو العربي. على ضوء هذا التفسير، فإن معركة «ملك الغرب وملك الشرق» تشير إلى آخر معركة عظيمة بين بيزنطة وفارس، وتنتهي - على نحو صحيح - بنصر بيزنطي. ثم يأتي غزو فلسطين من قبل العرب وهزيمة البيزنطيين وطردهم. هذه الأحداث تحديداً هي التي ألهبت الآمال المسيانية عند المؤلّف، وبدت له وكأنّها تنذر بالقدوم الوشيك للمسّيا. ولابد من الافتراض بأن القصيدة أُلِّفت خلال الانتصار العربي أو بعده مباشرة. وبما أنه لم يذكر سقوط القدس أو قيصرية، يمكن أن تكون القصيدة سبقت حصار هاتين المدينتين.

النص التالي هو ترجمة لتلك القصيدة:

في ذلك اليوم حين المسّيا، ابن داود، سوف يأتي

إلى الشعب المُداس

سوف تُرى هذه الآيات في العالم، وسوف تُظهر:

الأرض والسماء سوف تذويان،

والشمس والقمر سوف يُشوهان،

والساكنون في الأرض(4) سوف يأخذون وضعية الصمت.

***

ملك الشرق وملك الغرب

سوف يتطاحنان أحدهما ضد الآخر،

وجيوش ملك الغرب سوف تحكم قبضها في الأرض(5).

***

وسوف يظهر ملك في أرض يقطان(6)،

وسوف تأخذ جيوشه الأرض،

سوف يحاكم ساكنو العالم،

وسوف تمطر السماوات غباراً على الأرض،

وسوف تنتشر الريح في الأرض(7).

***

سوف يُمرض يأجوج ومأجوج أحدهما الآخر،

ويشعل الرعب في قلوب الأغيار.

***

وسوف تتحرر إسرائيل من كل ذنوبها،

وسوف لن تُجعل بعيدة أكثر من ذلك عن بيت الصلاة.

سوف يُغدق عليهم بالبركات والتعزيات،

وسوف يُنقشون في سفر الحياة.

لن يعود هنالك المزيد من الملوك من أرض أدوم(8)،

وسوف يثور شعب أنطاكية ويقيم السلام(9)،

وسوف تُواسَى معوزيا(10) وسامريا،

وسوف تُرى الرحمة لعكا والجليل.

سوف يتحارب الأدوميون والإسماعيليون في سهل عكا(11)،

حتى تغوص الخيول في الدم وتصبح مسعورة.

سوف تُرجم(12) غزة وبناتها

وسوف تُضرب عسقلون(13) وأشدود بالرعب.

سوف تخرج إسرائيل من المدينة(14) وتستدير نحو الشرق،

ولا تذوق خبزاً لخمسة وأربعة أيام.

***

وسوف يُكشف عن مسياهم وسوف يُعزّون،

وسوف يشاركون ملكهم بالأسرار المبهجة،

وسوف يرفعون الحمد لملكهم؛

وكل الأشرار سوف لن يقوموا في الدينونة.

الهوامش:

 النص العبري لفي ذلك اليوم، موجود في: L. Ginzberg, Geniza Studies in memory of Doctor Solomon Schechter, vol. I, N.Y 1928 , pp. 310 - 312 .

(1) ل.عنزبرغ، دراسات غنيزا في ذكرى الدكتور سولومون شختر Genizah Studies in memory of doctor Solomon Schter ، نصوص ودراسات لمعهد اللاهوت اليهودي في أميركا ، المجلّد 7 ، نيويورك1928 ، 310-312.

(2) قارن:النص السابق،تفسير القسم الثاني.

(3) J.Marcus,”Rabbi El’azar be-Rabbi Qalir u-fiyytav hahadashim”,in Horeb i (1933-1934),New York,21-29;idem,Litugical and Secular Poetry of the foremost mediaeval poets from the Genizah collection in the Library of the Jewish Theological Seminary of America,Liturigical Poetry,Book i , New York, 1933,28-29. من أجل طبعات لاحقة للنص وتحاليل له، أنظر: ي. ابن شموئيل (كاوفمان). مدرشه غئولا، تل ابيب، 1943، 154 - 160؛ س. أسّاف ول. ماير، سفر هايشوف، 2، القدس 1944، 70؛ ب. دي - نور، تولدوت يسرائيل، v، يسرائيل با-غولا i/i (طبعة ثانية محققة)، تل ابيب، 34 - 36.

(4) فلسطين.

(5) تشير هذه السطور الثلاثة إلى الصراع بين هرقل والفرس، والذي انتهى بسيطرة قوية للبيزنطيين على فلسطين.

(6) أي شبه جزيرة العرب. قارن: سفر التكوين 10: 26 وما بعد. جرت العادة على مماثلة يُقطان مع قحطان العربي، والذي هو الجد المفترض لقبائل جنوب شبه جزيرة العرب.

(7) إشارة إلى الأوبئة التي ألمت بفلسطين وسوريا في هذه الحقبة.

(8) حكم أدوم - لقب عبراني شائع يطلق على روما وبيزنطة - يُنهى أخيراً، ويترك الحكام البيزنطيون البلد.

(9) استولى الفرس على أنطاكية عام 602 وعام 611، ثم استردها البيزنطيون، وبعدها أخذها العرب بين عامي 637 - 638.

(10) طبرية. تبدو في ذلك إشارة ضمنية إلى أن المستوطنات اليهودية في الشمال سوف تنجو من السيطرة البيزنطية، ولا تتأثر بالحروب.

(11) ربما في ذلك إشارة إلى الحروب بين القوات البيزنطية والعربية، مع أنه لم يسجل اشتباك هام « في سهل عكا ».

(12) بحسب المصادر العربية فقد ذبحت حامية غزة بعد الاستيلاء على المدينة، واقتراح كاوفمان بأن هذه العبارة تتضمن استخدام أسلحة حصار يبدو غير محتمل.

(13) كانت عسقلون واحدة من المدن الأخيرة في فلسطين التي سقطت أمام العرب. ويقال إن معاوية استولى عليها عام 640، مع أنها قد تكون احتلت من قبل عمرو بن العاص لفترة قصيرة في تاريخ أبكر.

(14) ربما القدس. والسطور الأخيرى تتضمن مادة إسكاتولوجية مألوفة.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

فيينا - نادر قريط
15 أيار (مايو) 2009 13:39

مرة ثانية أسجل الشكر للأستاذ فياض على جهده وسعيه لرفع اللثام عن الماضي المبكر. وأرجو ان يتسع صدره لبعض النقد: إن النص الشعري للجنيزا القاهرية تعرض للتأويل وإعادة التأويل من برنارد لويس، والإجهتاد في تزمين أحداثه .. وهذا يقود إلى علموية تلفيقية.. والسيد لويس ضالع بهذه الأمور، ربما لميول سياسية وليست بحثية.

. وإعتماد نص شعري كهذا يزيد من متاهة البحث .. ويشبه محاولة فهم تاريخ تونس من خلال قصيدة لنازك الملائكة

ثانيا: ألف نظر الكاتب إلى نصوص الجنيزا اليهودية تحتوي على 15000 وثيقة وكسرة أغلبها من العصر الفاطمي وما بعده والقليل يصل إلى القرن الثامن.. وجميعا؟؟ لم يتعرض للفتح العربي ..أليس هذا مدعاة للتأمل مع التقدير


الرد على التعليق

دمشق - عماد الزير
16 أيار (مايو) 2009 00:27

تعليق غير قصير: أعترف بادئ ذي بدء أني من تلاميذ الأستاذ فياض السابقين، الذين لم يستطيعوا تحمّل الجديّة الهائلة والعزلة القاتلة اللتين عرف بهما هذا الباحث. لإضافة إلى أن شخصيته تقتل الذي أمامه، فيعود يتكلّم بطريقته ويفكّر بطريقته. ولا يكون ثمة طريقة للحفاظ على الذات غير الهرب. لكني لا يمكن غير أن الاعتراف أن ظروف هذا الرجل الفريدة هي التي جعلت منه هذا الباحث الفريد. نبيل فياض، ابن العائلة البورجوازيّة، الذي يعيش وحيداً بالمطلق للبحث والدراسات، والذي يعمل أساساً في الصيدلة والتصنيع الدوائي بسبب دراساته العلميّة، يصرف من دخله الخاص على عمله البحثي، بل يمكن أن يسافر من أجل كتاب أو مخطوط. وهذا نادر هذه الأيام. ,انا أعرف أيضاً أن نبيل فياض سافر إلى الغرب فقط من أجل لقاء باحثين بارزين، مثل برنارد لويس وغيره. لكنه حافظ على موقفه المستقل، وهذا يبدو واضحاً من هذه السلسلة في حال إكمالها. أعرف كذلك أن هوس نبيل فياض بالمعارف الإسرائيليّة لا يحدّه حد. وقد حدثني مراراً عن علاقته الأكثر من حميمة بحاخام دمشق السابق، إبراهيم حمرا، وكيف كان الحاخام يلجأ للباحث من أصول إسلاميّة لحل قضايا لاهوتيّة أو تشريعيّة يهوديّة استشكل عليه حلّها. بل أعرف أنه لولا هجرة حمرا إلى إسرائيل، لكان الإثنان في الطريق إلى إنجاز مجموعة أعمال يهوديّة باللغة العربيّة، وأولها الشولحان عاروخ. حين بدأ نبيل فياض العمل في التراث اليهودي قبل أكثر من 25 عاماً، كان شتم اليهود السمة شبه الوحيدة للباحثين العرب. وأعتقد أن أحداً حتى الآن لم يقدم على ترجمة شيء من التلمود بعد أن ترجم نبيل فياض رسالتي العابودا زارا والحاغيغاه. أثناء تتلمذي على يديه، كنت أثور من كثرة من يكفّره أو يشتمه أو يحاول التقليل من شأن ما يعمل. وكان يرد بهدوء إنه في بداياته كان هو أيضاً يميل إلى الانتقاد. لكن بعد كل هذا النضج لا يمكن أن يسمح لنفسه بانتقاد أحد أو الرد على من ينتقده حتى لا يقلل من قيمة بحثه بالضياع بين صغائر الأمور. بل حين قدّم أحد الكتاب السوريين عملاً ضخماً اتهم فيه نبيل فياض بكل التهم المقذعة، بما فيها اعتناق اليهوديّة؛ قال لي الأستاذ فياض إنه لا يمكن أن يرد عليه حتى لا يكبره. بل إنه حين اتصل به إعلامي سوري هام وقال له إرفع عليه دعوى والمثقفون كلّهم يقفون معك، رد نبيل فياض بأن هذا الرجل يريد فقط الشهرة، وحين أرفع عليه دعوى أقدم له ما يريد على صينيّة من فضّة. الآن بعد تحرري من أسر التلمذة، أستطيع القول فقط، إن من يريد أن ينتقد نبيل فياض في مجالات عمله التي يندر من يفهم بها هذه الأيام، عليه أن يبحث 25 عاماً على الأقل. ومن بعدها يكتب ما بدا له. عماد الزير


الرد على التعليق


Jean-Jacques Gailliard (بلجيكا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter