الخميس 18 كانون الأول (ديسمبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > مقالات > كتاب هشام جعيط حول السيرة النبوية: العقل الوضعي قارئا للإسلام

كتاب هشام جعيط حول السيرة النبوية: العقل الوضعي قارئا للإسلام

الأربعاء 18 تموز (يوليو) 2007

بقلم:

سامي براهم  

شارك اصدقاءك هذا المقال



أثار الجزء الثّاني من مشروع الدّكتور هشام جعيّط في السّيرة النّبويّة والموسوم بـ“تاريخيّة الدّعوة المحمّديّة في مكّة” من جديد السّؤال عن المناهج التي نتوسّل بها لمقاربة مسائل الدّين، خاصّة تلك المتعلّقة بما تعدّه الأديان خوارق ومعجزات تشدّ التّاريخ إلى عوالم ماورائيّة متفلّتة عمّا تعتبره فلسفة العلم الوضعي شروطا موضوعيّة ضروريّة تحكم العالم الأرضي بكلّ ظواهره الطبيعيّة والإنسانيّة. و بقيت “الموضوعيّة الوضعية” منذ نشأتها معول هدم للإيمان الدّيني لأنّ الحقيقة في المنظور الوضعي تتوقّف على قابليّة الظّواهر للتّعقّل ضمن شروط التّاريخ، فلا مجال للتّعويل على أسباب ومؤثّرات تحرّكها قوى ومعطيات من خارج العالم الأرضي أو من داخله إذا استعصت على الاختبار.

في خضمّ هذا السياق المعرفي الذي كرّسته فلسفة الحداثة القائمة على مركزيّة العقل والذّات المتعقّلة، تتنزّل المباحث التي تقارب مسائل الدّين والموزّعة على مجالات معرفيّة متعدّدة كعلم الأديان المقارن والمقاربات السوسيولوجية و السيكولوجيّة و الأنثروبولوجيّة و الماديّة التّاريخيّة... و كانت مدارس الاستشراق على اختلاف توجّهاتها و خلفيّاتها الثّقافيّة والفلسفيّة والإيديولوجيّة امتدادا لهذا الأفق المعرفي الذي تحوّل من منهج نظري للفهم والتّحليل إلى حركة مناضلة تحمل رؤية للوجود و إيديولوجيا كونيّة. وانكبّت هذه المدارس على تمحيص المدوّنة الإسلاميّة كما لم يحصل منذ قرون حيث توقّف إنتاج المعرفة عند المسلمين على ثقافة التّقليد ممثّلة في الشّروح والتّلاخيص والمختصرات والمتون و الرّسائل المدرسيّة. لذلك، ومهما كانت تحفّظاتنا على نتائج الدّراسات الاستشراقيّة، فالثّقافة العربيّة والإسلاميّة مدينة لها بتدشين مرحلة جديدة لإنتاج معرفة عن الإسلام وتاريخه وعلومه أشبه بعصر تدوين معاصر.

ويعتبر الكتاب الأخير للدّكتور جعيّط امتدادا للأفق النّظري الذي يتحرّك فيه الإستشراق المعاصر عموما رغم نقده الشّديد و الصّريح لترّهات الكثير من المستشرقين ، لكن تبقى المقاربة الوضعيّة قاسما مشتركا بين أعمال الدّكتور جعيّط وأعمال المستشرقين. و نحن في هذا المقال، و إن كنّا لا نصدر عن موقف إيمانيّ أو فلسفي مسبق من المدرسة الوضعيّة، فإنّنا نريد من خلال تناول هذا الكتاب أن نسائل المنهج الوضعي ونختبر نتائجه المتعلّقة بمباحث ما أصبح يعرف بالإسلام الأوّل أو الإسلام التّأسيسي.

مصادرة غير علميّة

إنّ أوّل مفارقة تصدر عنها مقاربة الدكتور جعيّط هي وضع البحث الذي يروم الموضوعيّة العلميّة في تمثّل الإسلام الأوّل والنصّ التّأسيسي بين خيارين اثنين لا ثالث لهما : إمّا الإقرار بألوهيّة القرآن و نبوّة محمّد، فتنتفي بذلك مبرّرات البحث العلمي ويتوقّف الباحث لصالح مسلّمات العقيدة الدّينيّة، أو الإقرار بعلمانيّة الظّاهرة القرآنيّة والنّبويّة ونشوئهما ضمن الشّروط التّاريخيّة الموضوعيّة. وطالما أنّ الثّقافة الجاهليّة لم ترتق إلى مستوى المعارف الدّقيقة التي رافقت نشأة الإسلام ــ نظرا لضعف الوسط الذّهني و الثّقافي الذي ظهر فيه حسب عبارة جعيّط ــ فإنّ التّأثيرات الخارجيّة في صياغة الخطاب القرآني والسّيرة النّبويّة هي ما يجب أن نبحث عنه لتكون معرفتنا علميّة.

إنّ هذه المصادرة القائمة على خيار “مانوي إثنيني” نور/ظلمة ، عقل/لاعقل ، علم/أسطورة ... هي مصادرة، حسب تقديرنا، تناقض مبدأ الموضوعيّة العلميّة لأنّها تستبق مسار البحث العلمي وتفترض نتائجه مسبقا وقد تدفع إلى التّعسّف على المادّة التّاريخيّة وتوجيهها وافتعالها أحيانا عبر الانتقاء أو التّضخيم أو توهّم التّناصّ بين النّصوص و تناسل الخطاب وهجرة المعرفة. نعم، لا يحقّ لنا انطلاقا من المقاربة الموضوعيّة أنّ نصادر بشكل وثوقي مسبق على نفي أيّ تأثيرات صاحبت تأسيس الإسلام تحت تأثير المسلّمات الدّينيّة، خاصّة وأنّ الاعتقاد الدّيني الإسلامي نفسه قائم على مبدأ تواصل الحقيقة التّوحيديّة بتصديق السّابق والهيمنة عليه وإكمال الدّين وإتمام مكارم الأخلاق ووضع اللّبنة الأخيرة كما ورد في الكثير من الآيات والأحاديث (وهو ما دعّم به جعيّط أطروحته في تأثير المسيحيّة السّوريّة على بناء الخطاب القرآني)، ولكن في المقابل لا يمكن لنا أن نصادر وبنفس المنطق الوثوقي الاستباقي على حتميّة وجود التّأثير الخارجي تناغما مع فلسفة العقل الوضعي الذي لا يؤمن بأيّ فعل خارج إكراهات الزّمان والمكان التي لم تثبتها الواقائع ولا يثق بطاقات خارقة للإنسان إلاّ في ضوء ما تثبته التّجربة والاختبار، بينما الفيصل في المبحث التّاريخي حسب تقديرنا ليس القناعات الفلسفيّة والوجوديّة، بل وحدَها الوثيقة التّاريخيّة هي التي يعود إليها تحديد مقدّمات البحث التّاريخي ومساره وآفاقه ونتائجه سواء كانت افتراضيّة أو تقريريّة.

أمّا إذا غابت الوثيقة فلا يمسّ من مصداقيّة المؤرّخ في شيء أن يتوقّف عن الحكم والتّقرير والمصادرة و يعلن أنّ المعطيات الآنيّة تعوزه للتّوصّل إلى تفسير موضوعيّ للظّاهرة ويترك إلى حين مجال التّأويل للفلسفات والإيديولوجيّات والثّقافات.

إنّ الصّدور عن مسلّمات العقل الوضعي في مبحث تاريخ الأديان الكتابيّة، ولاسيما الإسلام يوهم أنّ الانطلاق من الإقرار بألوهيّة النصّ المؤسّس يستحيل معه إنتاج معرفة علميّة موضوعيّة عن الدّين، و هو حكم تفنّده الحركة العلميّة التي نشأت حول النصّ، تستكشف بنيته اللغويّة والحجاجيّة والمفهوميّة وتستفهم معانيه ودلالاته لتنتهي ــ بعيدا عن سياق الحجاج الدّيني العقائدي ــ إلى فرادته وانسجامه الدّاخلي ، كما لم يمنع ذلك الفيلسوف وعالم اللاهوت الفرنسي من التّأريخ للأديان انطلاقا من تمثّل نظام الخطاب وفائض المعنى ضمن علم الهرمينوطيقا. وفي المقابل، ساهمت الدّراسات التّاريخيّة الصّادرة عن بشريّة النصّ ضمن ما يسمّى بـ“الإلحاد المنهجي” في المزيد من الحيرة والتّناقض والاضطراب العلمي.

فلو سلّمنا مثلا بالتاريخيّة الخالصة للنصّ المؤسّس ــ وهو ما عجزت جميع المقاربات التّاريخيّة عن أن تقيم الدّليل الموضوعي عليه ــ بما تعنيه من أنّ جملة من الشّروط الموضوعيّة ــ التي لم تحدّدها بدقّة أيّة دراسة علميّةــ توفّرت لتشكيل “الظّاهرة القرآنيّة” وظاهرة النّبوّة، فلماذا توفّرت تلك الشّروط في ذلك الزّمان وذلك المكان بالذّات؟ ولماذا اصطفت ذلك الشّخص بعينه؟ ألم تكن بيئات أخرى ــ مثل الحواضر الطّائفيّة المحيطة بالجزيرة العربيّة ــ وأشخاص آخرون في ذلك الزّمان أكثر قابليّة و جاهزيّة ــ بالمنطق الموضوعي ــ للقيام بأدوار رائدة في تشكيل ظاهرة النّبوّة و صياغة نصّ دينيّ متفرّد؟ و هل هذه الشّروط موقوفة على مرحلة تاريخيّة ولّت وأشخاص لن يتكرّروا؟ ومن ثمّ ما هي المبرّرات الموضوعيّة لختم النبوّة و توقّف التّاريخ عن إنتاج الأنبياء منذ 14 قرنا؟ ولماذا فشلت كلّ محاولات التنبّؤ القديمة ــ بعد ختم النبوّة ــ و الحديثة في استعادة مجال النبوّة باعتباره مسلكا من مسالك إنتاج المعرفة؟...

جميع هذه الأسئلة غير ميتافيزيقيّة وطرحها على المبحث التّاريخي مشروع . و لكن أنّى للعقلانيّة الوضعية أن تتصدّى لهذه الأسئلة وهي مقيّدة بمركزيّة العقل المحكوم بقوانين المادّة في مقاربته للظّاهرة البشريّة، وأنّى للمبحث التّاريخي الذي استعاض عن منهج تحليل الوثيقة بافتراضات قائمة على أطروحات فلسفيّة أو مستقاة من مناهج علوم أخرى لها منطقها الدّاخلي ومسلكها الاستدلالي والحجاجي الخاصّ، بينما لعلم التّاريخ، كما نتصوّر، خصوصيّته وتميّزه عن بقيّة العلوم.

ومع ذلك، فنحن نتساءل مع الدّكتور جعيّط إن كانت المقاربات التي تصدر عن هذا المنطق الموسوم بالعلميّة وفيّة للمبادئ التي تنطلق منها: فلماذا يعذّ التّوقّف في المبحث التاريخي عند غياب الوثيقة ــ ويستتبع ذلك في موضوعنا عدم الإقرار بالتّأثير المسيحي الذي لم تثبته الوثيقة ــ سقوطا في المسلّمات الإيمانيّة ، بينما لا يعتبر ذلك كذلك عندما يتوقّف عالم البيولوجيا والجيولوجيا عند ظاهرة يعجز عن تفسيرها؟ لماذا لا يستنكف الطّبيب مثلا من التصريح بعجزه عن تعليل أمراض عديدة لغياب المعطيات الموضوعيّة عن إدراكه؟ وكذلك يفعل العلماء الذين يدرسون الظّواهر الطّبيعيّة و يتوقّفون عند الكثير من الكوارث وتقلّبات الكون و حركة الكائنات، ولا يعدّون ذلك التّوقّف أو العجز منقصا من قيمة مجهوداتهم ولا مدعاة للتّورّط في تأكيد المسلّمات الدّينيّة التي تصبّ في إثبات نظريّة الخلق الإلهي وخضوع الطّبيعة للإرادة الإلهية المطلقة ؟

إعادة إنتاج الاستشراق

إنّ أقصى ما توصّلت إليه المقاربة التّاريخيّة الموضوعيّة في تفسير ظاهرة النبوّة، هو ما صاغه المستشرق الألماني تويودور نولدكه ( 1836 / 1930 م ) في مؤلّفه الضّخم “تاريخ القرآن” الذي أصدره سنة 1860 و ترجم إلى العربيّة في طبعته الأولى سنة 2004 م و قد تبيّن بعد هذه التّرجمة أنّ الجميع عالة عليه في ذلك. و ملخّص هذه المقاربة أنّ “جوهر النّبيّ يقوم على تشبّع روحه من فكرة دينيّة ما تسيطر عليه أخيرا فيتراءى له أنّه مدفوع بقوّة إلهية ليبلّغ من حوله من النّاس تلك الفكرة على أنّها حقيقة آتية من الله ...” (ص 5)، وقد كانت تعتريه في وحدته وغربته أثناء التحنّث في الجبال والكهوف حالات من الغيبوبة والاضطراب النّفسي المرضي تنزاح به إلى عالم الأحلام والرّؤى ولكن “أعوزته القدرة على التّجريد المنطقي إعوازا شبه تامّ . لهذا السّبب اعتبر ما حرّك نفسه أمرا موحى به منزلا من السّماء ولم يختبر اعتقاده إطلاقا بل اتّبع الغريزة... اعتبر هذه الغريزة صوت الله الذي أتاه وهذا ما ينتج الفهم الحرفي الظّاهر للوحي الذي يقوم عليه الإسلام ...” (ص 6).

واعتبر نولدكه “أنّ الإسلام في جوهره دين يقتفي آثار المسيحيّة أو بعبارة أخرى أن الإسلام هو الصّيغة التي دخلت بها المسيحيّة إلى بلاد العرب كلّها” (ص 8)، كما اعتبر أنّ أفضل ما في الإسلام نشأ على منوال التّعاليم اليهوديّة والمسيحيّة فـ“إنّ محمّدا حمل طويلا في وحدته ما تسلّمه من الغرباء وجعله يتفاعل وتفكيرَه ثمّ أعاد صياغته بحسب فكره حتّى أجبره أخيرا الصّوت الدّاخلي الحازم على أن يبرز لبني قومه...” (ص 4).

ولا نجد في ما ورد في كتاب الدّكتور جعيّط خروجا عن هذا السّياق النّظري والمفهومي والمنهجي . والمفارقة التي نريد تسجيلها أنّ الانطباع الذي حصل لدينا إثر الاطّلاع على الجزء الثّاني من مشروع الدّكتور جعيّط عن السّيرة النّبويّة أنّ الجزء الأوّل كان أكثر انخراطا في المنهج التّفهّمي الذي حاول من خلاله أن يفهم ظاهرة النبوّة من داخل سياق النصّ التّأسيسي ونصوص السّيرة مع حسّ نقدي عميق ومجهود فكري ذاتي فذّ ودون الارتهان إلى المصادرات التي تنزع إلى الوضعنة. لكنّه في هذا الجزء الثّاني لم يستطع أن يستوعب إمكان قيام ظاهرة نبويّة تصدر عن نصّ ديني خارج سياق ثقافي مؤثّر ليس فقط في تشكيل العوالم الكوسميّة والإسكاتولوجيّة بل كذلك في بنية الخطاب الحجاجيّة وحقوله الدّلاليّة، وتلك مسألة كان على الدّكتور جعيّط أن يستنفر فيها معارف وعلوم لغويّة تساعد على اختبار وجاهة الكثير من الفرضيّات التي وجّهت البحث.

فلا يمكن حسب تقديرنا التّسليم بالتّناصّ بين القرآن وغيره من النّصوص أو المصادرة على هجرة النّصوص وتناسلها دون بحث جدّي في بنية كلّ نصّ ومنطقه الدّاخلي وأساليبه وعوالمه الدّلاليّة. ويتطلّب ذلك توظيف مناهج علوم النصّ وتحليل الخطاب والحجاج ... و لعلّ عدم الانفتاح على هذه المعارف هو الذي أدّى مثلا إلى اعتبار أن آية “وأمرهم شورى بينهم” (الشورى 38) أضيفت إلى النصّ لأنّها “لا تنسجم مع نسق الآية التي وضعت فيها ... لا نرى ما يكون أمرهم هذا أي حكم المسلمين لأنفسهم في زمن النّبي” (جعيّط ص 23)، وهو نفس المنطق الذي قاده إلى اعتبار الآيات التي تحيل على مفهوم الشّرك في المرحلة القرآنيّة الأولى ــ مرّة في سورة الطّور ومرّة في سورة القلم ــ “إمّا فلتة أو منضافة” (جعيّط ص 200)، ذلك على اعتبار أنّ المفهوم الغالب في تلك الفترة عن الكفر هو كفر الجحود أو كفر النّعمة ثمّ تطوّر المفهوم في الفترة المدنيّة تحت تأثير المثاقفة والمناكفة مع أهل الكتاب ليصبح دالاّ على الشّرك. كما أدّى بالباحث إلى أن لا يستبعد “أنّ آيات قرآنيّة أعيد ذكر بعضها مرّتين خصوصا وأنّ في القرآن تكرارا بسبب صيغته الشّفويّة في الأوّل” (جعيّط ص 23).

إنّ هذه الأحكام المتعجّلة كان يمكن اختبارها في ضوء ما أنتجه علم المناسبات مثلا من معارف متقدّمة في مجال البحث عن الانسجام الدّاخلي للنصّ وتناسق مكوّناته الخطابيّة والدّلاليّة ونظمه.

و رغم إقرار الدّكتور جعيّط “أنّ التّأثير المباشر السّوري أيضا يدخل في مجال التّخمينات والافتراضات و ليس لنا أيّ شاهد على ذلك” (جعيّط ص 174)، فقد انخرط في رصد المتشابهات اللفظية والمضمونيّة بين القرآن و نصّ إنجيلي عربي مفترض اعتبر من الصّعب تاريخيّا نفي اطّلاع الرّسول عليه، وذلك بناء على المصادرة التي انطلق منها أنّ “من دون المسيحيّة الشّرقيّة- السّوريّة لم يكن ليظهر محمّد وإلاّ فلا نرى كمؤرّخين حلاّ للإشكال ... بالنّسبة للمؤرّخ الموضوعي لا يمكن الانفلات من إقرار هذا التّأثير و هو ليس بالتّأثير السّطحي وإنّما العميق والمستبطن بقوّة وإلاّ عاد محمّد غير ممكن في بلده وفي زمانه أو وجب على المؤرّخ الإذعان والإقرار بألوهيّة القرآن مبدئيّا ونهائيّا والتوقّف عن كلّ بحث” (جعيّط ص 164).

و لم يتوقّف التّأثير المسيحي على القرآن بل تجاوزه إلى كتب السّيرة التي نسجت على منوال الأناجيل. و هو إقرار متسرّع حسب تقديرنا طالما لم يستثمر مباحث الخبر باعتباره أداة تواصل ثقافي قبل الإسلام وجنسا أدبيّا عربيّا أصيلا له مقوّماته، وليست السّيرة إلاّ ضربا من ضروب الخبر ينسحب عليها ما ينسحب على الأخبار من قضايا كالمشافهة و التّدوين والإسناد ومراتب التّحمّل والسّرد ...

النصّ المعجز

إنّ كلّ ما أوردناه من تساؤلات ونقد للمنهج الوضعيّ قارئا للإسلام الأوّل لا تقلّل من الجهد العلمي الفذّ الذي قام به الدّكتور جعيّط في تنقية السّيرة النّبويّة من القصص الأسطوريّة التي علقت بها ومحاولته ترتيب الأحداث وفق منهج تاريخي موضوعي يعتمد القرآن باعتباره الوثيقة التّاريخيّة المدوّنة الوحيدة المتزامنة مع الأحداث، كما وصف ــ في تقديمه لكتابه بكليّة 9 أفريل (الجامعة التونسيةـ “بالسّخيفة” البحوث التي تنكبّ على تحقيق مصحف مخطوط وجد باليمن يزعم أصحابها أنّ حجم اختلافه مع المصحف العثماني يصل حدّ تغيير نظرة المسلمين للمرأة والجهاد والمختلف الدّيني .

غير أنّنا نقدّر أنّ المعرفة العلميّة تقوم على تراكم العلوم وتثاقفها في ما بينها (وهو ما اعتمده جعيّط بانفتاحه على علم الأنثروبولوجيا)، غير أنّنا نتصوّر أنّ المعارف اللسانيّة القديمة والمعاصرة والفتوحات المعرفيّة التي أفضت إليها لا غنى عنها في مقاربة القضايا والإشكاليّات التي تحوم حول النّصوص الدّينيّة المقدّسة في كلّ الثّقافات (وهو ما كان غائبا في مبحث جعيّط). كما نعتقد أنّ الظّواهر الموسومة بالخارقة كالوحي والنبوّة ليست خارقة بإطلاق طالما أنّ همّة المرء لو تعلّقت بما وراء العرش لناله على تعبير الحديث القدسي، فهي خارقة للمعطيات الموضوعيّة المتوفّرة ولمعطيات العقل الوضعي الرّاهن المكبّل بحدود الزّمان و المكان، و لكنّها حسب تقديرنا تخضع لمنطق سببي موضوعي خاصّ لم تدركه العقول بعد وربّما تدركه كلّما تخفّفت من الأشكال والصّور إلى المعاني والدّلالات .

إنّ هذا النصّ المعجز الذي تأسّس على استثمار دلالاته الاجتماعُ البشري في مناطق شاسعة من المعمورة نصّ إلهي محفوف بالبشريّة من كلّ جوانبه: فمادّته المعجميّة بشريّة، نشأت داخل التّواضع البشري، إذ نزل بلسان عربي مبين، و قد استدعته حاجات بشريّة بعضها ظرفي محلّي و الآخر إنساني، وأداة فهمه وتنزيله بشريّة وهي العقل البشري ... إنّ كلّ هذه المعاني تؤكّد أنّ وجه الإعجاز في هذا النصّ و في الظّاهرة النبويّة لا يكمن في مبدأ الخرق والعلويّة بل في العلاقة الجدليّة التي ينشئها بين الغيب والطّبيعة ، بين الإنسان والله، بين عالم الخلق الشّاسع وخرم الإبرة الذي نقيم فيه ونرتهن لمركزيّة أبعاده في إنتاجنا للمعرفة وتمثّلنا للوجود، بينما تتفلّت الكثير من العوالم المتّسقة والمبهرة والقريبة منّا من ضوابط القوانين المخبريّة وادّعائها “دون حياء علمي” أنّها المسلك الأوحد للحقيقة...

لقد كان كتاب الدّكتور جعيّط فرصة ثمينة لطرح هذه الإشكاليّات المؤرقة في سياق معرفيّ عالمي يحاول ضبط معايير جديدة لإنتاج المعنى.


مقالات أخرى حول كتاب هشام جعيط:

* جديد هشام جعيط: محمّد ودعوته من وجهة نظر تاريخية وانتربولوجيّة (3)

* جديد هشام جعيط: محمّد ودعوته من وجهة نظر تاريخية وأنثروبولوجيّة (1)

* جديد هشام جعيط: محمّد ودعوته من وجهة نظر تاريخية وأنثروبولوجيّة (2)


شارك اصدقاءك هذا المقال

عبد الوهّاب المؤدّب :

ولد سنة 1946 واختطفته يد الموت في صبيحة اليوم، 6 نوفمبر 2014. كان كاتبا روائيّا وشاعرا وباحثا ومترجما ومقدّما لبرنامج “ثقافات الإسلام” بإذاعة فرنسا الثّقافيّة... لهذا السّبب ربّما طلب منّي أن أضع صفة “أديب” أمام اسمه، في أحد البيانات التي شاركنا في صياغتها وتوقيعها طيلة السنوات الأربع الأخيرة. أديب، أي يحسن القول والفكر ويحترم آداب المجالسة، ويحتفي بالأصدقاء والقرّاء، فيقدّم لهم “مأدبة” من الحديث (...)
الفيسبوك
تويتر