الخميس 2 أيلول (سبتمبر) 2010
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > مقالات > كيف يحفر الغرب قبره؟

كيف يحفر الغرب قبره؟

الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009
بقلم: حميد زناز  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

نستطيع محاربة الديمقراطيّة من الداخل، لكنّ الديمقراطيّة لا تستطيع محاربة الإسلام، أو لا تستطيع الجهر بذلك على الأقل. هكذا صرّح أحد روّاد الأصوليّة ذات عام، وربّما وضع يده على أصعب مشكلة تواجه الديمقراطيّات الغربيّة، إذ وجدت البلدان الأوروبيّة نفسها في مأزق غير مسبوق جرّاء المصاعب التي يخلقها لها الإسلاميّون اليوم في عقر دارها. فهل تسامح حائط الديمقراطيّة أغرى لصوص الأصوليّة؟ هل يستغلّ الإسلام المناضل الحرّيّة وجواز السفر الأوروبيّ والإعانات الاجتماعيّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان المتاحة في الغرب لينقلب على نعمة الحداثة؟ إلى متى تبقى الجاليات الإسلاميّة المتواجدة في الغرب حصان طروادة الذي يمتطيه المتشدّدون في هجومهم على الحرية؟

وهل تكون فرنسا، ومعها الغرب كلّه، في طريق الـتأسلم؟ أم لا يتعدّى الأمر مجرّد ’خوف مرضيّ’ من الإسلام يجتاح أوروبا وأمريكا اليوم جرّاء ما يفعله الإسلاميّون من مناكر؟ هل يندمج المنحدرون من أصول عربيّة وإسلاميّة في المجتمعات الغربيّة الديمقراطيّة العلمانيّة؟ أم يعملون تحت ضغط النشطاء الأصوليين وإرشاد ’المجلس الأوروبيّ للإفتاء’، وكثير من المنصّبين أنفسهم أوصياء على الإسلام، على افتكاك الاعتراف بخصوصيّاتهم الثقافيّة وما ينجرّ عنها من مطالبات بقوانين خاصّة بهم مستمدّة من الشريعة الإسلاميّة؟ هل يكتفون بما تمنحه العلمانيّة من حرّيّة اعتقاد أم يطالبون بالمزيد، إلى حدّ التحالف مع أعدائها من أصوليين مسيحيين ويهود ومتطرفين يساريين ويمينيين للإطاحة بها نهائيّاً وإقامة الشريعة على الأقل في مرحلة أولى في المناطق التي يشكّلون فيها أغلبية؟

أمام رحى الجماعة الإثنيّة والدينيّة التي ما انفكّت تحاول ربط وإذابة المغترب الآتي من بلاد الإسلام في جماعة إسلاميّة وفصله ثقافيّاً عن المجتمع المضيف، كيف تتصرّف آلة الحداثة التي تعمل على إدماجه في المجتمع بجعله فرداً حراً مستقلاً؟

مع بداية ثمانينيّات القرن الماضي، بدأ يظهر على الشبّان ذوي الأصول المغاربيّة والهندو- باكستانية المولودين في أوروبا نوع من التديّن الجديد، يختلف جذريّاً عمّا كان سائداً لدى آبائهم. لم يكن تديّنهم، وعلاقتهم بالإسلام عموماً، مجرّد استمرار لذلك التصوّر التقليديّ الذي كان يحمله الجيل الأول من المغتربين. ذلك التصوّر الموروث شفهيّاً، الآتي مع الحقائب من البلد الأصليّ، ابتداء من منتصف القرن المنصرم، والذي كانت تبني عليه جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ لاحقاً احتكارهما لدور الدعوة بين صفوف المهاجرين إلى بداية التسعينيات.

تحت ظروف معيشية وتأثيرات خارجية وابسيكولوجية عديدة ابتدع الجيل الثاني، واستورد في آن واحد، حركات سلفية متنوعة كانت مهمّشة في البداية أمام حركة الإخوان المنسجمة تنظيمياً وفكرياً، وعلى الخصوص مالياً. بدأت سلفيةً عبادية لكن سرعان ما تفرعت عنها سلفية سياسية أنجبت بدورها في نهاية التسعينيات سلفية جهادية متعددة المشارب بل متناقضة المذاهب، تختلف من بلد أوروبي إلى آخر، فرضت نفسها كشريك أساسي في أسلمة أوروبا، وهكذا أصبحت تمول في العلن بأموال النفط وجمع الأموال في المساجد في كل أنحاء أوروبا إلى أن ضربت ضربتها العظمى في بلاد العم سام في الحادي عشر من سبتمبر2001، غزوة نيويورك التي باركها المسلمون في مغارب الأرض ومشارقها.

تتباين العلاقة التي تقيمها السلفية مع مجتمعات "دار الحرب" التي تنشط فيها إذ تتكيف مع قانون كل بلد، تفتك رخصة استثنائية من هنا، تفتح منفذاً في جدار اللائكية من هناك، ويفجر أحد أفرادها نفسه ليقتل أعداء الله من مستعملي القطار والمطار وحيثما وجد الكفار.. لكنها تبقى في مجموعها هادفة وممولة في السر وبأشكال تمويهية مختلفة إلى غاية واحدة هي التمكين لدين الله لتسهيل إقامة شرع الله على المسلمين في أوروبا، في انتظار تعميمه على الأوروبيين أجمعين.

من ابن حنبل (780-855) الذي عاش صراعات عصره واقتتال المسلمين فيما بينهم، مروراً بابن تيمية (1263-1328) الذي عايش غزو المغول لبلاد المسلمين ووصولا إلى محمد ابن عبد الوهاب (1720-1792(، المتسلح بفكر سابقيه، المتسائل عن ضعف المسلمين و تفوق الأوروبيين، يعلمنا التاريخ أنه كلما وجد المسلمون أنفسهم في أزمة معيشية أو مذهبية أو أي فتنة كانت، كان فقهاؤهم ينادون إلى العودة إلى إسلام السلف الصالح حتى أصبحت هذه الفكرة وإلى اليوم فلسفتهم الوحيدة بل غدت دواء لكل علة.

لكن إذا تفهم الدارس الأمر بسهولة حينما يكون متعلقا بالنشطاء الذين يعيشون في أرض الإسلام أو الذين جاؤوا منها، يصعب عليه أن يجد تفسيراً لعودة من وُلدوا في الغرب إلى سلف صالح مفترض، آملين أن يجدوا لديه وصفة لحل مشاكلهم اليوم! كيف يمكن أن يتهافت شبان يعيشون في قلب الحداثة الأوروبية على فتاوى يصدرها ويرسلها لهم شيوخ دين يعيشون في دول عربية متخلفة تخلفاً مريعاً، فقهاء وكتاب يبدو من أقوالهم وكتاباتهم أنهم من البشر الذين لم يبرحوا المرحلة اللاهوتية بعد؟

تتفق كثير من الدراسات الديمغرافية على أن نسبة السكان المنحدرين من أصل إسلامي قد وصلت في بداية هذا القرن إلى 5 بالمائة من سكان أوروبا وتتنبأ بعض دراسات مستقبلية أخرى أنها ستصل إلى حوالي 15 بالمائة في حدود سنة 2025. أحياء بكاملها أصبحت اليوم إسلامية قلباً وقالباً يشعر فيها الفرنسيون غير المسلمين كأنهم غرباء في بلدهم بل غير مرغوب فيهم أصلا! أحجبة وأنقبة وبوركات وتجار حلال في كل مكان .. طُرد لحم الخنزير وكل لحم غير مذبوح على الطريقة الإسلامية، واستبدلت الجعة وخمر بوردو اللذيذ في مقاهي تلك المناطق المؤسلمة بالشاي المنعنع وحمود بوعلام ومكة كولا وغيرها من السلع الخارجة عن مراقبة أجهزة الدولة التي أصبحت تغمض عينيها مقابل سلم اجتماعي هش!

هل ستكون الجاليات المنحدرة من "الثقافة الإسلامية" هي مشكلة الغرب الأولى في القرن الحادي والعشرين، كما يتنبأ كثير من المفكرين؟ هل ستسود الشريعة أوروبا كما يحلم كثير من المسلمين؟ وكيف يعمل الأصوليون منهم في تحقيق ذلك الهدف؟ وما هو رد الأوروبيين المحتمل على هذا الغزو الإسلامي؟

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- خالقك
9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 13:33

"يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ" "أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "


الرد على التعليق

  • باريس - عماد
    9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 15:37

    يا أيها المعلق الكريم (1) دعك من السجع القديم (2) ما نفعكم سجعكم و لا انتم له عاقلون (3) كلا بل له مكررون (4) دون فهم و كأن على عقولكم غمامة للخلف سائرون (5) و لسوف تعلمون (6) ثم سوف تعلمون (7) أنكم متناقضون (8) حتى مع انفسكم كقرآنكم و حديثكم الذي انتم له مصدقون (9) كلام على السريع من قارئ نفخته له تعليقاتكم البيدون (10) ه .


    الرد على التعليق

    • - عبدالعزيز
      9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 17:19

      الا تقلقوا - اوروبا لن تسمح للمتأسلمين والعفن الاصولي بالتغلغل - سيواجهونهم ويؤدبونهم ليصبحوا اوادم بعيد عن نفايات السلف وكراهيتهم للآخر.


      الرد على التعليق

    • Lyon - أبو الجود
      10 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 11:31

      أيها المعلق الكريم هذا ليس بشعر بل هو قرآنٌ كريم ، لا يفهمه إلا من وهب البصر و العقل الحكيم ، هو شوكة في حلوقكم إلى يوم الحشر العظيم ، فدعك من المجابهة فلن تقدر مع هذا الفكر العقيم ، إنه الإسلام يا عزيزي هداني الله و إياك إلى الصراط المستقيم ، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العرش العظيم


      الرد على التعليق

      • Lyon,France - احمد الجوهري
        11 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 01:29

        لي تعليق اولا ولما لا سواء تاسلم المجتمع الغربي او لا هذا لا يضر العلماني من شيء فالتاسلم او ذيادة عدد المسلمين لا يعني شيء واظنك تخشى من الاسلام السياسي او تاثير الدين على التطور البشري وهذا شيء ربما ليس بالضروري ولا تنسى ان العلمانية ليست دين منافس بل ربما لها مواقف منافسه لكن لها مواقف مؤيدة ايضا ثانيا موضوع دار الحرب هذا قديم و معظم السلفيين الان وغير السلفيين من المسلمين يفهمونه على انها بلد الاعداء ولو انا عراقي ساعتبر كل البلاد التي حاربت في العراق دار حرب و هكذا هذا شيء اقرب منه للنظم المجتمعاتية و ربطها بالاسلام ثبت ضعفها فبالتالي ارى ان الزج بها في الموضوع لم يخدم الغرض منه


        الرد على التعليق

Lyon,France - أحمد الجوهري
11 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 01:31

ثالثا ايضا لم افهم ورود اسم الاخوان مرتبطا بالحركات السلفية الاخرى كيف يخدم هذا المبحث لا اعرف فالاخوان في بعض الاحيان اكثر علمانيه في نظري من كاتب هذا المقال رابعا اظنني لا اعيل هما برد الغرب على اسلمة اوروبا ليس لكوني مسلم او لربما جهلي لما تريد ان تقول ولكن لان اوروبا ستكون تغيرت بالفعل و بالتالي ردود افعالها تعنيها هي في المقام الاول واتفهم دفاعك عن قيم اوروبا العلمانية و لكن ان كتب الله او كما يقال العلم او التطور البشري عليها بالسقوط فلتسقط فاكيد هناك نظام اخر ربما علماني ايظااو غير علماني سيظهر اقوى و هكذا لم استشعر من مقالك بخطر حقيقي على الغرب كانسان عربي


الرد على التعليق

دبي - عمار العباسي
11 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 20:28

عندنا هنا أزمة حرية، نريد حرية دون ترك الحرية للغسلام أن ينتشر.. إن كان بعض الإسلاميين مخطئين عندما يرون أن الديمقراطية كفر لكنهم يدخلون فيها لإصلاحها الأمر الذي يبث مخاوف لدى مخالفيهم أنهم سيقصون الديمقراطية إن بلغوا الحكم.

فالأمر ذاته مع علماني يطالب يمجد حرية دون حرية الإسلام..!

الناس بكفيها تسلم وتتدين.. أحرااار

المرء يعجب من بعض ما يكتب هنا.


الرد على التعليق

- أحمد
17 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 14:06

رغم كوني من خصوم المتأسلمين وخاصة أولئك الذين يعيشون في أوربا لأني ألتقي بهم في المناطق العامة كثيرا ويغيضني تدينهم الزائف في بلاد الكفار و أشعر بالإهانة كلما رايت إمرأة ترتدي النقاب. أقول رغم هذا فإني أجد المقال المنشور تحريضي منسوخ مما يكتبه اليمين الأوربي وجماعات النازيين الجدد. نعم, هناك مشكلة في الغرب هي المتأسلمون ولكن للغرب خبرة هائلة بالتعامل مع الكنيسة التي كانت أقوى بكثير من هؤلاء المتأسلمين. ولا يجدر بنا أن نرى الموضوع من وجهة نظر الأوربي اليميني وإنما من وجهة نظر عربية إسلامية لأن هؤلاء بإمكانهم إفادة مجتمعاتهم الأصلية التي أتوا منها بإنجازات علمية أو فكرية. هؤلاء المسلمون الذين يعيشون في الغرب هم فرصة لمجتمعات مغلوبة على أمرها بسبب الثقافة السائدة والدكتاتورية والفقر والجهل.


الرد على التعليق


Leonor Fini (إيطاليا)

ملف جديد

تمثّل وسائل الإعلام سلطة ما، ربّما تكون رابعة، بالنّظر إلى استعمال توكفيل لهذا المصطلح في السّياق الأمريكيّ، فالصّحافة حسب رأيه سلطة تضاف إلى السّلطة المركزيّة الفيدراليّة والسّلطة المحلّيّة، والسّلطة الجمعيّاتيّة، وربّما تكون رابعة بالنّظر إلى الاستعمال الفرنسيّ، فهي سلطة تضاف إلى السّلط الثّلاث التّقليديّة : التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة. طبعا لم تعد السّلطة الرّابعة تقتصر على الصّحافة (...)

Warning: touch() [function.touch]: Utime failed: Operation not permitted in /home/alawan/public_html/ecrire/inc/genie.php on line 81