أيريك آكسل كارلفيلدت Erik Axel Karlfeldt
من الضرورة بمكان قبل أن نلقي الضوء على الشعر السويديّ المعاصر والذي نقصد به شعر القرن العشرين بالتحديد، لا بدّ لنا من وقفة سريعة على البدايات الأولى للأدب السويديّ المكتوب بشكل عامّ، بتعبير آخر علينا أن نجيب على السؤال الذي يطرح نفسه هنا وهو إلى أيّ زمن تعود أولى هذه الكتابات أو بتعبير آخر أولى المخطوطات ؟ تعود أولى المخطوطات، كما هو معروف، إلى القرن الحادي عشر. إلا أنّ الكتابات الفعلية تعود بأصولها إلى العصور الكاثوليكية الوسطى. ومن المعرف أنّ النصوص الإلهامية التي سطرتها القديسة برغيتا(1303-1373) كانت قد لاقت انتشارا كبيرا في العالم. ثمّ جاء العمل الكبير لـ"إركسكرنكان" في القرن الرابع عشر والذي أرّخ لأحداث تاريخية هامّة مرّت بها مملكة السويد، بطريقة شعرية. كما أنّ معظم الكتابات السويدية الأخرى في تلك الفترة لم تكن لأغراض أدبية، ماعدا بضعة من القصائد الصغيرة المغنّاة التي تجدها هنا وهناك.
ويعود الفضل كذلك إلى "غوستاف فاسا" الذي قاد حملة الإصلاح في الكنيسة وقوانينها في القرن السادس عشر.ثم جاءت بعده ترجمات "أولاوس بتري" للإنجيل وأعمال الرسل، في الفترة الواقعة بين عامي 1526-1541 والتي ساهمت بشكل كبير في تطوّر اللغة السويدية. كما أنّ هناك عملا آخر له أهمية كبيرة في القرن السادس عشر وهو ما كتبه "أولاوس ماغنوس" تحت عنوان (تاريخ دول شمال أوروبا). وخلال هذه الفترة بالذات ظهرت أولى القصائد الشعرية للشاعر السويدي "لارس ويفاليوس"، وكذلك قصائد لشاعر آخر هو "جورج ستايرنهلم".ثم انتشرت الكتابات النثرية في القرن الثامن عشر وهو عصر التنوير وخلال فترة حكم الملك "غوستاف الثالث" بدأ التأثير الثقافيّ الفرنسيّ يمتدّ إلى السويد بأنماط أخرى.أولها فنّّ (الركوكو) وهو فنّ للعمارة والزخرفة والتزيين وقد راج في النصف الأوّل من القرن الثامن عشر. ثم امتدّ بعد ذلك تأثير الكتاب والشعراء والمفكرين والفلاسفة الفرنسيين والأوروبيين ليشمل معظم دول القارة الأوروبية بما فيها دول الشمال. وصولا إلى الفترة الرومانسية وانتشار المثل الليبرالية في القرن التاسع عشر لتأتي بعدها الواقعية في الأعمال النثرية التي كرست الوعي الاجتماعي متوجة بأعمال الشاعر السويدي-الفلندي "جون لودفيغ رونيبرغ"، وأشعاره الرومانسية التي تمجّد البطولة وتأثيرها العظيم على أدب الخطابة السويديّ. إلا أنّ الأثر الأهمّ في هذا القرن كان من حصّة أعظم كتّاب السويد وهو "اوغست سترايندبرغ"(1849-1912) الذي يعدّ بمثابة الأب للدّراما والرواية. وفي العودة إلى عالم الشعر نجد أنّ من أوائل الشعراء السويديين المعاصرين، الشاعر "بار لاغركفست" (1891-1974) الذي كتب قصيدته التعبيرية (ألم مبرح) في عام 1916 ليقدم للسويد القصيدة المغنّاة بشكلها المعاصر. كما أنّه حاول بأعماله الشعرية والنثرية الإجابة على الأسئلة الكبرى التي يواجهها الإنسان أي أسئلة الوجود والخلق والخالق ومعنى الحياة. وكان غالبا ما يختار عوالم قديمة لمواضيعه يطرح من خلالها وجهة نظره.وكان أيضا كاتبا مسرحيا، فقد كتب مسرحية (سرّ السماء) عام 1919 وكان لها حظّ طيّب في الانتشار بعد شبان)، والشعراء هم (آرثر لاندكفست، وهاري مارتنسن، وغوستاف ساندغرن،وارك اسكولاند، وجوزيف كيلغرن). وقد أصبحت هذه المختارات الشعرية بمثابة تحذير لما سيحدث في أعوام الثلاثينات.
ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الشاعر "آرثر لاندكفست" (1906-1991) كان شاعرا سرياليا والحرب العالمية الأولى. وبالتزامن مع الحداثة الأوروبية كان هناك شاعر آخر ذاع صيته في الفترة ذاتها هو الشاعر "برغر سيبرغ" (1885-1929) صاحب القصيدة التي شكّلت صرخة مدوّية عندما نشرت عام 1926 وهي تحمل العنوان المثير (أزمات وأكاليل)، وذلك لسببين أوّلهما لطريقة تركيب تعابيرها وصيغتها القلقة والسبب الثاني كون "برغر" قد صنع في وقت مبكّر اسمه في عالم الشعر باعتباره مؤلفا للتراتيل الدينية والتي اشتهرت شعبيا تحت عنوان (أغاني فريداس) منذ عام 1922. لكن الشاعرين "بار لاغركفست" و"برغر سيبرغ" وقصائدهما التي تدعو للعصيان والثورة قد تمّ تطويقهما لاحقا بقصائد عقدي الثلاثينات والأربعينات. وفي عام 1929 قام خمسة من الشعراء السويديين بطبع مختارات شعرية تحت عنوان (خمسة كاتبا غزير الإنتاج طوال حياته ولعب دورا محوريا في تعريف الأدب العالميّ للقارئ السويديّ. أما "هاري مارتنسن" (1904-1978) فقد ولد يتيما وعاش بحارا ووصف فترة طفولته المأساوية في قصيدة (تزهير نبات القراص) في عام 1935. وأصبح في أعوام الثلاثينات من اشهر شعراء الطبيعة في السويد. وكتب عام 1956ملحمته الشهيرة (إنيارا) والتي يصف فيها سباق التسلّح والتقدّم التقنيّ والتحرّر من الوهم، والتي تحوّلت فيما بعد من ملحمة إلى عمل أوبرا. وهناك أيضا شاعر لا يقلّ أهمية عن سابقيه وكانت قصائده ذات شهرة واسعة وكان السويديون يحفظونها عن ظهر قلب، وهو الشاعر "كارين بويه" (1900-1941) الذي اشتهر أيضا بكتاباته النقدية ضدّ ألمانيا النازية. وكان من أوساط الحداثويين الذين تأثّروا بمدرسة التحليل النفسيّ. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية ومدّت آثارها السلبية وساهمت في خلق النظرة التشاؤمية للحياة وانعكست بالتالي على الأدب بشكل عامّ وعلى الشعر والشعراء بشكل خاصّ فجاءت فترة الأربعينات وظهر عدد من الشعراء السويديين منهم "ارك لاندغرين" (1910-1968) الذي نشر قصيدة (رجل بلا طريق) من مجموعته(قصائد مبعثرة) والتي لم يفهمها معظم النقاد. وذلك لتأثّر معظم الشعراء السويديين في تلك الفترة بالمدرسة السوريالية الفرنسية وطريقتها الغامضة في التعبير وكذلك لتأثّرهم بكتابات (ت .س.اليوت) و(عزرا باوند).وكانت آخر مجموعة شعرية له عام 1958 حملت عنوان (طقوس الشتاء).
ظهر في فترة الأربعينات عدد من النساء اللواتي دخلن حلبة الأدب والشعر، وتأتي في مقدّمتهن الكاتبة والشاعرة "أليسا غريف" (1918- ) التي كتبت بأشكال عجائبية قصائد غاضبة حول كلّ شيء من الأمومة إلى تهديدات الحرب النووية، وكانت تستعير أبطالها من الميثولوجيا القديمة. وهناك شاعرة أخرى هي "روت هيللارب" (1914- ) التي خلقت السوريالية الآيروتيكية وأصبحت رمزا للأدب النسويّ في السويد. أمّا في عقد الخمسينات من القرن الماضي فقد تألق اسم الشاعر "توماس ترانسترومر" (1931 - ) بطريقة تصويره الجريئة منذ ديوانه الأوّل الذي حمل عنوان (سبعة عشر قصيدة) في عام 1954 وحتى آخر مجموعاته التي حملت عنوان ( جندول الصباح) التي نشرت في عام 1996.لقد حافظ الشاعر "توماس" على جذوة تصويره الجريئة حتى وهو يواجه الجيل الذي وصل أعتاب الألفية الثانية باندفاع نحو الانتشار بمختلف الجهات لأنّ عقد التسعينات وما تلاه لم يحدّد له وجهة معينة.باعتباره الجيل الذي تملي عليه طريقته في الحياة أسلوبا مختلفا عن الأساليب التي تمّت تجربتها في عقود خلت ولكي يواصل طريقه دون العودة إلى مرجعيات قديمة. ونختم هذه اللمحة عن الشعر السويديّ المعاصر بهاتين القصيدتين من ترجمة حميد كشكولي عن اللغة السويدية.
قصيدتان للشاعر السويدي أيريك آكسل كارلفيلدت Erik Axel Karlfeldt (1864-1931)
1
أغنية بعد موسم الحصاد
ها، يرقص " فريدولين"،
ثملا من النبيذ الحلو،
ومن ثمار حقل القمح، ومن عصير الأعناب،
ومن ألحان الفالس الصادحة.
انظرْ!، كيف يرقص ، مثيرا حرارة الرقص في كلّ فتاة في الحفل،
ورتوش المعطف تفترش كتفيه،
حتى تتكئ الفتاة على صدره،
مثلما الخشخاش على القصبة الذابلة،
هكذا تتعب الفتاة سعيدة على صدره….
هكذا يرقص "فريدولين"،
أسكره نبيذ الذكريات.
هنا كان الوالد والجد تمتعا يوما ما من عذب أنغام فيولين الفلاحين،
لكن الآن، ناموا! يا شيوخا مسنّين في ليالي العيد،
فقد تعبت الأنامل التي كانت تعزف على الأوتار،
وإنّ حياتكم مثل زمانكم، أمست أغنية همسات وهمهمات،
على ألحان الحسرات والأشجان.
لكن الآن، يرقص " فريدولين"، ابنكم الجميل والقويّ المكين،
إنه يتحدّث إلى الفلاحين بطريقتهم،
ويعبّر إلى المتعلّمين عن المسرّات باللاتينية،
يجري المحشّ حادّا في ذهبكم المزروع للتوّ،
يبتهج فريدولين مثلكم حين تمتلئ شونته،
ويرفع فتاته، مثل رجل من صلبكم، عالية، تجاه الطنجرة الحمراء لقمر الخريف…
2
لاشيء مثل أوقات الانتظار
لا شيء مثل أوقات الانتظار،
وأسابيع فيضانات الربيع، ومواسم التبرعم،
لا أيار ينشر نور النهار مثل نيسان الصفاء.
تعال إلى الانزلاق الأخير للمسار،
فالغابة تمنح برودتها اللطيفة النديّة،
إضافة إلى حفيفها العميق .
أريد أن أهدي شهوة الصيف إلى أوّل شعاع يلمع في وادي الصنوبرات المعتم،
وأغرودة أوّل شحرور.
لا شيء مثل أوقات الحنين،
وسنوات الانتظار، ومواسم الخطوبة،
لا ربيع ينشر البريق مثل قلب ولهان، يعشق في السرّ.
نادرا ما يكون لقاء،
والبعاد المحدق،
الحلم في كل جميل وخطير،
فالحياة تحمل في رحمها كلّ ذاك.
عسى الآخرون يهزّون الفاكهة الذهبية،
فأنا أريد الإطالة في تقديم القرابين،
وأن اسهر على جنة عدني،
بينما الأشجار تزهر هناك.
عيونك نيران
عيونك نيران وروحي قطران وراتينج.
ميلي عنّي قبل أن تشب ّ فيّ النار، مثل كومة فحم حالا!
معي كمَانٌ وكلّ أغاني العالم في صندوقه،
فاعزفي في كماني، ما شئتِ، وكيفما تشائين!
ميلي عني! احني عليّ، فأنني سألتهبُ، وابتغي أن أبترد.
أنا الشهوة، وأنا الشوق، في الحدود بين الخريف والربيع
الأوتار توترتْ كلها، دعيها تغنّي كلّ سِنِي عشقي وهيامي، سكرانة، وبجنون،
في آخر أغنية رائعة هزلية !
ميلي عليّ ! ميلي عنّي! دعينا نحترق مثل ليلة خريف!
فرحة العاصفة تسير خلل رايتنا من دم وتبر،
إلى أن تهدا، فأرى خطاك تتوارى في الغروب،
يا آخر من تبعتني في سبيل شبابي المتلهف !


