يزداد خلال شهر رمضان إقبال الصائمين المسلمين على مشاهدة التلفزيون بشكل يبلغ حدّ الشطط. كأنّ هذه المشاهدة أضحت من فرائض اكتمال الصوم. وتنشط في هذا الصدد برامج بعينها هي البرامج التي "ينشّطها" نجوم الوعظ والفتوى في العالم العربي. فترى هؤلاء الشيوخ (تقليديّين أو مودرن بل سوبر مودرن)، يتزاحمون في سوق أضحت واحدة من أضخم أسواق بيع "المنقولات" في العالم العربي. فرمضان كريم، وأكرم ما فيه – من جهة- سيولة "نقد" و"قيم" الجزاء والثواب –ومن جهة أخرى- جزالة "العطاء" الذي يناله هؤلاء الشيوخ/النجوم، والذي ليس عطاء ربانيا خالصا يصرف بالحسنات المضاعفة، ولكنه عطاء بشريّ مادّيّ يصرف بالعملات الخليجية أصلا. وعليه يتفنّن كلّ شيخ/نجم في "بيع" صورته وبضاعته بين من يطلق اللحية ويلبس العباءة ويبكي في حرقة واقع المسلمين المزري وفظاعة العقاب في الآخرة، ومن يحلق اللحية ويلبس البذلة ويبتسم سعيدا باهتدائه هو شخصيا وهداية الناس جميعا إلى الصراط المستقيم. وبين هؤلاء وأولئك فئة تزمجر وتتوعّد.
والمشاهد المسلم الكريم يبكي ويفرح ويجزع منتظرا – في لهفة- آذان المغرب، أو ساهرا في كسل إلى وقت السحور. وتبلغ هذه البرامج الرمضانية الكريمة ذروتها مع الشيوخ/النجوم المتخصّصين في تقديم الفتاوى…ما كبر منها وما صغر: من فتوى دخول المسلم الحمّام: هل عليه تسبيق الرجل اليمنى أم اليسرى، إلى فتوى أفضلية النقاب على مجرّد الحجاب. وهؤلاء المفتون "الجهابذة" يقدّمون أنفسهم وتقدّمهم القنوات المتعاقدة معهم والتي تحتكر "عملهم الدعويّ" "حصرا" بمقتضى عقود تصل إلى مئات الألوف من الدولارات سنويا (بالمناسبة: ما قول الإسلام في هذا النوع من التعاقد؟ أفتوني يرحمكم الله ويجزيكم خيرا)، على أنهم – وحسب- "وسطاء" يدلّون المسلم على ما ينفعه في دنياه وينجيه في آخرته. وهذا الأمر يذكّرني - ولا أعرف كيف إلا أن يكون من وسوسة الشيطان الرجيم- بحادث قديم حدث في التاريخ الأوروبي "الكافر" لما كان القساوسة الباباويون (نسبة إلى البابا الأجلّ رئيس الكنيسة الكاثوليكية المقدّسة)، ينجزون نفس العمل "الدينيّ"، بل ذهبوا إلى حدّ بيع صكوك الغفران للمؤمنين، فثارت ثائرة قسّ عفيف اسمه مارتن لوثر، فصرخ في وجه الجهاز الكهنوتيّ الرهيب مردّدا ما معناه: كيف تستغفلون الناس وقد خلقهم الله كائنات حرّة عاقلة. وأضاف: ليكن كلّ مؤمن قسّيس نفسه. وأعرف بأنّكم ستردّون بأنّ الإسلام ولله الحمد دين لا يعترف بأيّ وسيط بين العبد وربّه وخال من الكنائس والرهبانية.
أنا أقول:آمين، وأضيف: المشكل ليس معي ومع أمثالي من المؤمنين بأنّ الدين هو مسألة خاصة بين الإنسان والله. المشكل هو مع هؤلاء الذين نصّبوا أنفسهم ونصّبهم الحكام ومموّلو القنوات الدينية/الإشهارية أوصياء على الإسلام والمسلمين، مدّعين احتكار معرفة "الخطأ" و"الصواب"، وبالتالي، احتكار فعل نهي المؤمن عن "المنكر" وأمره بـ"المعروف". فهؤلاء الشيوخ/الكهنة/القساوسة هم الذين أقاموا "كنيسة" في قلب الإسلام لها جهازها الكهنوتيّ بعضه ظاهر وأغلبه سرّيّ. وعليه، أنا أتساءل: متى ينتصب مؤمن مسلم في وجه هذا الجهاز الكهنوتيّ الرهيب ويصرخ: كيف تستغفلون الناس وقد خلقهم الله كائنات حرّة عاقلة. ويضيف: ليكن كلّ مسلم "قرضاوي" نفسه! فتنطلق حركة الإصلاح الدينيّ الأولى والكبرى في الإسلام الحديث والمعاصر.



الرياض - فيصل سليمان ن.
19 أيلول (سبتمبر) 2009 07:24
أود أن أضيف بأن الشيخ الكريم يوسف القرضاوي هو صدقا يختلف عن جميع ما أوردت من ألوان وأطياف الوعظ الديني، وهو (أعني القرضاوي) باختلافه مُعلما لكل كتائب الجيش المعروض على التلفاز، اعترفَ رجالات الجيش بزعامته أم لا، فهُوَ هو، كبيرهم وأكبرهم. لا أخفي إعجابي سطوة مفردات وصرخات وأهداف وطرق الشيخ على أدوات كل هؤلاء الرجال (والنسوة أيضا!)، إلا أن السؤال الهادئ للشيخ الكريم والعظيم هو: لو بُعث النبي محمد، وصادق على العلمانية (اقتصادا وسياسة وتعليما وقانونا.. تعاملا وقيما)، هل ستوافقه أم هو الرفض وفقط؟ أقسم بمحمد العظيم، شيخنا العظيم، أن محمد لن يرفض فكرة أجمل وأقوى من الفكرة القائلة بالهدوء النفسي والمعرفي. المشكل الرئيس في الشيخ، أنه يعلم أن محمد لن يموت بالهدوء، كما أنه لن يموت أيضا بالقتل، فالحياة كـُتبت للنبي العظيم وفقط. إعجابي موصول لكاتب المقالة، لانتباهه أن الشيخ يوسف القرضاوي هو أكبرهم، وهو ما علينا كباحثين ودارسين أن ندرسه أكثر، ونفكك مفرداته، وأقواله، وما يريد وما لا يريد، فالشيخ شئنا أم أبينا نبي عصرنا المريض والألم. أخيرا، الحملة التي ابتدأها كاتبنا جميلة وحسنة، سأسعى إلى نشرها ما استطعت، مرددا: ليكن كل مسلم "قرضاوي" نفسه. ليكن.. ليكن، ليكن. والحب كله.
الرد على التعليق
- عثمان أشقرا
19 أيلول (سبتمبر) 2009 09:03
ليس المهم أن نتفق على كل شيء.المهم هو تحرر المسلم والإنسان عامة من كل سطوة إلا سطوة الضمير اليقظ والعقل المستنير. تحياتي
الرد على التعليق