الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > ملفات > ما العقلانيّة، أيّ عقلانيّة؟ (1)

ما العقلانيّة، أيّ عقلانيّة؟ (1)

أيّها العقلانيون لا تتوقّفوا!

الثلثاء 21 كانون الأول (ديسمبر) 2010
بقلم: سعيد ناشيد  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

 أيّ عقلانية نريد؟

 بهذا السؤال، الذي اقترحته أسرة الأوان ملفاً للكتابة ومحوراً للتفكير، نشعر كما لو أننا أمام لحظة توقّف للتأمّل والتساؤل حول الحال والمآل : من نحن؟ وماذا نريد؟

 قد يكون التوقّف خيانة للعقلانية، ربّما، لذلك سيكون تقويمنا حركيا فلا نضطر إلى التوقف ولو قليلا.

 لا بأس.

 هل يكفينا أن نقول بأننا عقلانيون وبأننا نريد العقلانية ونبتغيها ما استطعنا إليها سبيلا؟

 هذا الانتساب الإجمالي إلى العقلانية لا يقنع من خبروا بأن العقلانية ليست مجرّد انتماء بالجملة، وإنما هي انخراط في التفاصيل. وفي التفاصيل تسكن الشياطين، وهي لا تسكن إلا بصيغة جمع الكثرة والتكثير.

 أليس كذلك؟

 يجعلنا هذا الملفّ نشعر كما لو أننا أمام مرحلة من إعادة التأسيس، وأن نصوصا سيكتبها الكتاب، قد تضعنا في حالة "ولادة ثانية"، بلغة البروتستانت الأمريكيين.

 سنرى، وستكون لنا عودة إلى التقويم.

 إلى ذلك الحين..

 أمّا الآن فما مبرّر السؤال؟

 لنحاول أن نعرض، ولو بنحو إجماليّ، لأهمّ التيارات الفكرية التي تقدم نفسها وكأنها أحد أقصى مظاهر العقلانية وتجلياتها :

 التقنوقراطيون، البيروقراطيون، البراغماتيون، الميكيافيليون، الوضعانيون، الشيوعيون، المحافظون الجدد، جميعهم، وغيرهم كثير، يزعمون بأنهم أعلى مراحل التفكير العقلاني، ولكن..

 هل هناك ثابت مشترك بين كل هذه التيارات؟

 لن نكون من المجازفين إذا أجبنا بالنفي.

 من هنا يكون سؤال الملف مبرراً، بل وراهنيا : أي عقلانية نريد؟

 لا يدعونا هذا الملف إلى المنافحة عن العقلانية، كما جرى دأبنا، وإنما يدعونا إلى أن ننتقل مباشرة إلى الخطوة التالية وهي التوضيح : ما الذي نقصده بالعقلانية؟

 "التوضيح" (l’explication) هو عنوان كتاب صدر مؤخرا عن منشورات (lignes) الفرنسية (2010). وهو عبارة عن حوار بين الفيلسوف اليساري ألان باديو والفيلسوف اليميني المحافظ ألان فانكيلكروت. يتعلق الأمر بسجال بين نمطين من العقلانية :

 - عقلانية مغلقة يمثلها فانكيلكروت، عبر دفاعه عن جود قيم عقلانية قطعية ونهائية ولا تقبل أي تغيير أو صيرورة أو مساومة، ومن هنا موقفه من الهوية والأقليات والمهاجرين ونحو ذلك.

 - وعقلانية مفتوحة يمثلها باديو، من خلال ربطه بين العقلانية وبين حاجتنا إلى التغيير الدّائم والتحوّل باستمرار نحو واقع إنساني أفضل.

 تحيل العقلانية، عند فانكيلكروت، إلى وجود قيم ثابتة وراسخة، وهي مثل "السرّ الأسطوري" الذي يمتلكه البعض، لأسباب حضارية أو عرقية أو دينية، دون أن يمتلكه الآخرون إلا قليلا. وهي تحيل، عند باديو، إلى القدرة على تدبير التغيير وقيادته من أجل واقع إنساني أفضل بصرف النظر عن أوهام الهوية وثوابت العقل والمرجعيات الفكرية والثقافية.

 وفي كل الأحول تظل مساءلة العقلانية دليل عنفوان عقلاني؛ ليس لأن كانط يعلمنا بأن نقد العقل هو إحدى أهم وظائف العقل، وإنما لأن العقلانية المرتبطة بالتغيير لا تشترط أيّ ولاء لأيّ شيء يزعم الثبات، حتى ولو كان العقل نفسه أو قواعد العقل أو مبادءه أو شيئا من هذا القبيل. ومن هنا نفهم لماذا نجحت الكنيسة الغربية في استغلال منطق أرسطو، خلال العصر الوسيط، وجعلته في خدمتها. ذلك أن العقلانية المغلقة، التي تزعم وجود قيم وقواعد ثابتة، عادة ما كانت تنتهي إلى إنتاج نظم محافظة ومغلقة.

 هذا ما يتهدّد المجتمعات الغربية التي تشهد نوعاً من الانتكاسة الجماعية نحو الهوية المغلقة، جرّاء شيّوع خطاب يدّعي وجود قواعد قطعية ومطلقة للسلوك العقلاني.

 وليس ثمة من شك في أن المآسي التي اقترنت بالعقلانية الصناعية إبان القرن العشرين، من حروب عالمية وإبادة على خلفية مفهوم الدولة الوطنية، وقنبلة ذرية وتدمير للبيئة على خلفية مفهوم سيطرة الإنسان على الطبيعة، وأنظمة شمولية على خلفية التخطيط والبرمجة والتحكم، كل ذلك قاد إلى مساءلة العقلانية الشمولية في علاقتها بإنتاج العنف.

 وهكذا سيتميز النصف الثاني من القرن العشرين بمناخ فلسفي متسم بنقد الأنماط المغلقة من العقلانية والتنقيب عن الألغام المبثوثة داخل العقلانية الصناعية والتي تجعل من إضفاء طابع الحساب والتقنية والتخطيط والبرمجة مدخلا إلى العنف وتشييء الإنسان وضياعه. وهكذا عثر مشيل سير على بعض تلك الألغام في المنهج الديكارتي والذي حدّد غاية العلم في سيطرة الإنسان على الطبيعة، وعثر عليها كارل بوبر في مفهوم الحتمية (سواء في شقها العلمي أو التاريخي)، وأما هابرماس فقد عثر عليها في مفهوم العقل الأداتي، وفتش عنها مشيل فوكو في مفهوم الحقيقة… في حين أن ليو شتراس سيزعم العثور على تلك الألغام المنتجة للعنف في مفهوم النسبية كما تبلور داخل في خطاب الحداثة السياسية منذ ميكيافيلي.

 وإن كانت منظورات بوبر وهابرماس وفوكو وسير وغيرهم، من شأنها أن تساهم في الخروج من دائرة العقلانية المغلقة، إلا أن منظور ليو شتراوس، في نقده لمفهوم النسبية، قد ساهم في تثبيت الرّؤية المحافظة والعودة إلى أنماط العقلانية المغلقة، بل والأشد انغلاقا. وهو ما يتراءى لنا عندما نتفحص الخطاب الناقد لنسبية القيم والذي يحمله كل من الفاتكان والمحافظين الجدد ومرشد الثورة في إيران، فضلا عن رؤساء دول من رموز اليمين المحافظ، أمثال بيرلوسكوني وستيفن هاربر وطوني بلير وجيمي كارتر ونحوهم.

 طبيعي أننا، وكما نتساءل "أي عقلانية نريد؟ يجب علينا أن نتساءل أيضا "أي نقد للعقلانية نريد؟" : هل هو النقد الذي يقوض "العقلانيات الشمولية" ليقود إلى بناء المجتمع المفتوح، كما يريد كارل بوبر؟ أم هو النقد الذي يرفض مفهوم النسبية ليقود إلى بناء مجتمعات تصبح، بدعوى حماية الديمقراطية، أشدّ انغلاقاً، كما يريد ليو شتراوس؟

 فبدعوى حماية قيم الديمقراطية، يناضل اليمين المحافظ في كل من النمسا وسويسرا وهولاندا وفرنسا وغيرها، من أجل نمط من العقلانية المغلقة التي لا تقبل أي حوار أو تسوية أو مساومة أو توافق ولا تجد نفسها معنية بأعباء عقلنة "الآخر" سواء بالحكمة أو المؤهلات أو التضامن، وإنما تكتفي بتسييج الذات "العقلانية"، بنحو عصابي أحياناً، ما يُهدد الغرب نفسه بالعودة إلى مجتمعات أشدّ انغلاقاً.

 قبل بضع سنوات ألقى أحد أصدقاء جاك ديريدا (وهو مفكر نمساوي لا أتذكر اسمه) محاضرة بفاس حول التفكيك، وردّا على بعض الأسئلة فقد أسرّ للحاضرين أثناء المناقشة، بأن أخشى ما كان يخشاه جاك ديريدا، هو أن يتحول التفكيك ويصير أداتا في يد قوى محافظة جديدة.

 وإذا كان انطباع ذلك المحاضر صادقا، فلعل ديريدا كان على بينة مما يخشاه؛ إذ سبق لأرسطو أن تحول إلى أداة في يد الكنيسة الغربية طيلة العصر الوسيط، وتحول ماركس نفسه من فيلسوف ثوري إلى أحد أكثر الفلاسفة محافظة وانغلاقا على يد الأنظمة الستالينية، وكادت النازية تجعل من نيتشه أداة فاشية وعنصرية، إلخ.

 والسؤال :

 ما الذي يأمن لنا عدم تحول أي فكر عقلاني أو علماني أو تحرّري إلى أداة في يد نظم محافظة ومغلقة، كما سبق أن حدث مع معظم الأفكار، وكما خشي ديريدا على مصير فكره، ربما؟

 مبدأ واحد قد يحمينا جميعا :

 ليس فقط أن نكون عقلانيين وعلمانيين وتنويريين، وإنما أن نعتبر كل شيء خاضعا للصيرورة وللتغيير بما في ذلك قيم العقل وقواعد العلمانية ومبادئ التنوير.

 سيكون تعريف العقلانية، باعتبارها القدرة على تدبير التغيير وقيادته، ترياقاً ضدّ كل ما هو محافظ.

 فيا أيها العقلانيون لا تتوقفوا.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- محمد رحال
21 كانون الأول (ديسمبر) 2010 03:43

هذه المرة نجد أنفسنا بحق أمام موضوع فكري فلسفي لا تقل حكمته عن شاعرية كاتبه . ذلك لأنه ظل ، حتى الختام، حاضنا حلما متفائلا، في دعوته العقلاء للانفتاح على اللا منتهى و رفض كل الحواجز دونه ، في حركية سرمدية لا تمل التغيير، لأن التغيير قانون الحياة و الإبداع كما أن التوقف قانون الممات و الفناء.


الرد على التعليق

- أمير الغندور
21 كانون الأول (ديسمبر) 2010 23:10

- نص جيد .. لولا نقطة واحدة بسيطة ..
- ذلك أن نداء: "أيّها العقلانيون لا تتوقّفوا!" يبدأ بتصنيف مجموعة من الناس على أنهم عقلانيون .. ما يعني أن غيرهم هم لاعقلانيون.
- وبهذا نكون في مجال استقطاب بين عقلانيين ولاعقلانيين - أو بالأحرى مجانين يجب إجبارهم ومعاقبتهم ومراقبتهم في زنزانات يشيدها العقلانيون.
- وهنا نعود مرة أخرى إلى الفرز الاستقطابي الذي يبطل أي حديث جدي عن العقلانية.
- حيث وفقا لهذا التصنيف تصبح العقلانية سمة خاصة بفئة محددة من الناس وحدهم هم المطالبون بعدم التوقف. بينما غيرهم يجب أن يتوقف إن لم يتم إيقافه وتوقيفه.
- وهنا نعود مرة أخرى إلى ذات التفكير الذي يقسم العالم إلى صنفين متعارضين من البشر: صنف عقلاني لا يجب أن يتوقف؛ وصنف آخر لاعقلاني يجب أو يتم إيقافه.
- ناهيك عن الدلالات السياسية التي تهدد بتحول هكذا نداء إلى سيناريوهات كالتي يرفضها الكاتب بصدد الإنحرافات عن الماركسية والأرسطية…
- وهكذا نعود إلى نقطة الصفر: كيف نفصل بين العقلاني و السياسي.
- كيف نضمن ألا يتم إساءة استغلال السمة العقلانية لتمرير أجندات سياسية.
- وهذه المسألة لا يكفيها النداء الذي قدمه سعيد: أيّها العقلانيون لا تتوقّفوا!.
- بل أظن هذا النداء نفسه هو أفضل ذريعة لتحوييل أفكار ناشيد المطروحة في هذا المقال إلى عكس مقاصدها.


الرد على التعليق

  • - الهادي المزوغي - تونس
    23 كانون الأول (ديسمبر) 2010 16:42

    كتابة سعيد ناشيد تحمل في طياتها - على الدوام -نداء للمزيد من التفكر والتدبر والنظر في دلالته التي تمحضت في الثراث الفلسفي العربي .بل أكثر من ذلك تمثل الكتابة خطابا نقديا يستوعب اللحظة الراهنة في شتى أبعادها الماضية والحاضرة و الآتية يحث على التجاوز من خلال موقف يتطلع إلى صياغة رؤية تنشد آفاقا اخرى غير السائدة وتصبوإلى تمثل صورة جديدة للوافع . وصيغة المقال من بدايته إلى نهايته سؤال وتساؤل ومراجعة تنطلق من واقع مسار الفكر الإنساني في محطاته ومنعرجاته التي اتخذت قوالب تكاد تكون نهائية في تعبيراتها الاصطلاحية وصياغاتها المتداولة واستدل سعيد بنماذج منهاوهي كلها تنطوي على دلالة صريحة علنية ولكنها تخفي في بواطنها دلالات لايتجرأ -إلا القليل من الاقراب منها وكشف الغطاء عنها واستخراجها من مكامنها الغائرة فيها. والحصيلة من هذه الممارسة التأملية والمراجعة النقدية الدائبة " بلا توقف "للعقلانية تؤدي إلى تبين أن العبارة في سياق التوظيفات المختلفة لها قد تجردت من معناها وفقدت فاعليتها التي استمدتها من وضعها في صيغتها الأصلية .ولذلك طرح سعيد سؤالا : ما العقلانية ؟ و أقدم على طرح جواب على السؤال :" إنهاالقدرةعلى تدبير التغيرو قيادته ..ضد المحافظ ".ولذلك أفهم لماذا قال " ايها العقلانيون لاتتوقفوا ؟..والصياغة تمثلا نداء رغم كل ما جرى للمفهوم من تحولات أصابته في الصميم ودعوة للمضي قدما في مسار آفاق أخرى أي يدفع باستمرار المسار العقلاني في القيام بمسؤوليته . وتخامرني شتى الخواطر في هذا المقام بالذات : الموقف الذي اتخذه الكاتب يمثل موقفا عقلانيا فعلا .ولكنه يفتح الآفاق في اتجاهين متناقضين كالانخراط في الممارسة السياسية اوتبني موقفا عدميا لا يؤمن بقيمة من القيم الثابته لأن التغيير صيرورة دائمة ؟ ويراودني احساس أننا في الأصل بحاجة إلى صياغة اصطلاحات جديدة غير منقولة لكي نستبصر حقيقة ما يجري في واقعنا ..


    الرد على التعليق


William Bouguereau (فرنسا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter