مساء الجمعة السادس من جوان الجاري انطفأت شمعة الأستاذ محمّد الشرفي أحد أعمدة التنوير بعد رحلة غنيّة ومضنية مع النضال الفكريّ والحقوقي والسياسيّ خاضها ببسالة وجرأة إلى آخر لحظات عمره.
كان محمّد الشرفيّ الأستاذ المبرّز في القانون منذ الستّينات وأحد وجوه اليسار المؤسّسة لمجموعة " آفاق" التونسيّة، وأحد مؤسّسي أوّل رابطة في العالم العربيّ وإفريقيا هي الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان ورئيسها من 1981 إلى ،1989 والوزير السابق في حكومة الرئيس بن علي للتربية والتعليم العالي من 1989 إلى 1994، والرجل الشجاع والثوريّ سواء من خارج السلطة أو من داخلها، والمفكّر في قضايا الإسلام والتاريخ والعلمنة والديمقراطيّة في عدد من الآثار التي أضحت من المراجع الأساسيّة في فقه القانون والحداثة وحقوق الإنسان والمواطنة.
لعلّ تاريخ تونس الحديث لا يمكن، بأيّة حال، أن يقفز على مشروعيْن ثوريّيْن رائديْن في صناعة العقول هما مشروع محمود المسعديّ في إصلاح التعليم في الخمسينات من القرن الماضي، ثمّ مشروع محمّد الشرفي في نهاية القرن نفسه. فسي محمّد الشرفي هو من أدخل، حين تولّى حقيبة وزارة التربية والتعليم العالي في تونس، أكثر الإصلاحات جرْأة وشجاعة في برامج التعليم في العالم العربيّ والإسلاميّ نحو مزيد من العقلنة والتحديث والتنوير وكونيّة حقوق الإنسان، وهو الذي عمل بثقة في مشروعه الفكريّ والوطنيّ وباستعداد بطوليّ لتحمّل السهام القادمة من كلّ اتّجاه، على تخليص برامج المدرسة التونسيّة وفي موادّها الإنسانية والأدبيّة والاجتماعيّة خاصّة من التعصّب والخرافة والغوغائيّة وفوبيا الآخر والارتجال والنوستالجيا المرضيّة، الأمر الذي ألّب عليه خصومه من المحافظين داخل الحكم كما ألّب عليه " أعداءه " الأيديولوجيّين من العروبييّن والإسلامييّن الذين اكتفوا بتلخيص مشروعه الإصلاحيّ بعبارة مبهمة اُسْتُلّت من سياقها لترسّخ ذهنيّة التآمر هي: سياسة تجفيف المنابع !
أجاب سي محمّد الشرفي سائله في أحد المنتديات الحوارية على الأنترنيت عن سرّ التحاقه بحكومة الرئيس بن عليّ سنة 1989 فأجاب بثقة : " لكيْ أطبّق مشروعي في إصلاح التعليم، ولوقاية شبابنا من التعصّب..". أمّا لماذا غادر كرسيّ الوزارة فقال بالثقة نفسها وبلا أيّ شعور بالحسرة أو الألم : " لأنّه قد بات واضحا أنّ النظام قد انخرط في مسار استبداديّ.."
ترك سي محمّد الوزارة سنة 1994 وبعيْد الانتخابات الرئاسيّة التي قيل عنها الكثير مستقيلا كما يؤكّد هو في كلّ حين ومُقالا كما تقول دوائر الحكم وكبشَ فداء للسياسات الرسميّة التي تحسب أنّ استنبات قيم الحداثة ممكن في بيئة تفتقد شعور المواطنة كما يمكن أن نقول نحن. بعد راحة المحارب، يستأنف سي محمّد مسيرته الفكريّة والسياسيّة والحقوقيّة، ويعيد حبال الوصل التي شابها الوهن مع الأوساط الديمقراطيّة والتقدّميّة حتّى كان بيان 2002 المشهور حول رفض التمديد للرئيس بن عليّ في الحكم وهو البيان الذي جعل الشرفيّ وأكثر من أمضى معه عرضة لحملات إعلاميّة لم تنته إلاّ منذ مدّة قليلة حين اعتلّ جسدُ ذلك المحارب الشرس وبعث الرئيس بن علي مَن يعوده على فراش المرض.
محمّد الشرفي أحد المفكّرين الشجعان القلائل الذين اختاروا بوعي ومسؤوليّة محنة أنْ يكون للمرء فكر وعقيدة ومبدأ إلى آخر لحظة من العمر.
محمد الشرفي: فقيد الفكر الحر، مصلح برامج التعليم بتونس (1) محمّد الشرفي ( 1936 – 2008 ): رحيل أحد أعمدة التنوير
- فتحي من تونس
8 حزيران (يونيو) 2008 02:59
رحم الله الرجل ولكن لا ننسى أنه تعمّد الصراع مع الإسلاميين بمهاجمتهم لتقوية موقعه داخل السلطة فالإصلاح ليس استفزازا بل هو عمل في العمق ولا ننسى أنه ضرب بفضل أتباعه العمل النقابي في الجامعة التونسية ..ولا ننسى أنه هو الذي منع العمل السياسي في الجامعة وحاصر العمل النقابي الطلاّبي ..ولا ننسى أنه هو الذي وضع الميثاق الوطني ايدعّم نظام بن علي الذي اتهمه بالاستبداد في ما بعد …ولا ننسى أنه هو الذي ساهم بقوّة في تقديم صك أبيض للنظام حين بدأ ىمواجهة الظلاميين لا ننسى هذا وغيره الذي لم أذكره حتى لا نظلم التاريخ رحمه الله مرة أخرى
-
تونس - عادل دمق
25 تموز (يوليو) 2010 19:38."محمد الشرفي، من عناوين المواجهات بين الفكر العقلاني، الذي هو منه، والفكر الرجعي بكل تلويناته… ".لم وحدت الفكرالعقلاني ولونت الفكر الرجعي ? ما هي معالم العقلانية? ماذا لو تبين أن العقلاني رجعي ، والرجعي عقلاني? يطالع مقالي "من العقلاني?"عادل دمق تونس


- قارئ بعيد
7 حزيران (يونيو) 2008 10:05
شكرا للسيد الخلفاوي على كلماته. بالفعل كان محمد الشرفي مثقفا شجاعا وملتزما بالمعنى الثقافي والإصلاحي للكلمة، وهنا يتنزل مشروعه في إصلاح التعليم التونسي وتنقيته من منابع التعصب والتطرف والنقل الهاذي التي هيمنت طويلا على المدرسة التونسية بالرغم من المحاولات الإصلاحية المبكرة، والتي خلقت لنا هذا المجتمع التائه. مشروعه الإصلاحي الرائد مكن إلى حدّ آلاف الطلاب من حرية استعمال العقل و منهج علوم الإنسان في قراءة النص الديني، وهي تجربة إصلاحية رائدة في العالم العربي. ولولا انحطاط السياسة وضيق أفق البيروقراطيين وخوف المثقف لكان تونس الآن في وضعية أفضل، ولما تحولت كذبة " تجفيف منابع التدين" إلى شهادة تاريخية معلقة على حوانيت التراجيديين المتحالفين مع الأصولية. أرجو أن أقرأ المزيد عن الأستاذ الشرفي وياحبذا لو اقترحت عليناأسرة تحرير الأوان مقالات حول حقيقة وخلفية موقف الإسلامويين من برنامجه الإصلاحي والتنويري المعبر عنه في المقولة التضليلية الشهيرة" تجفيف منابع التدين". شكرا للكاتب مرة أخرى، وشكرا لأسرة التحرير.
الرد على التعليق