مازلت أعتقد أننا أمة مراثٍ، وفجائع، ونكبات مستمرة، وكلما مات منّا شاعر دلقنا الحناجر للصراخ، وروينا حكايات بعضها غريبة وأخرى صادقة عن الشاعر الراحل، وعندما مات الدرويش الفلسطيني محمود، تكرر الأمر، وجاء الشعراء من كل فج عميق حاملين دلاءهم، ودموعهم وخيالهم بكذبهِ وصدقه وأطالوا الوقوف على الموت وأشبعوه طعنا و ندبا، حتى كأن حِمام الموت قد اختار واسطة عقد أبنائهم، والحق أن محمود درويش يمتلك قامة شعرية وإنسانية وسياسية، بالإمكان اقتسام ميراثها على الراثين قسمة عادلة، فالبعض من " الرُثاة" قد أستبد به الوهم والوهن وتصور محمود درويش صديقة الصدوق ومعلمه الأول وراح يشق ثياب القول " ويصخّم" الكلمات ويسوّد الصفحات.. وآخر أعلن عن يُتم الشعر والشعراء بعده، ولم يبق شاعر أو متشاعر، متشائم أو متشائل، أو حامل مباخر الشعراء والزعماء، إلا وأتحفنا بما في إنائه… وهذا ليس عيبا على الشاعر وليس سبّة على الراثين! كما يشير الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت إلى "أن اختلاف آرائنا لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر، وإنما ينشأ من أننا نوجه أفكارنا في طرق مختلفة، ولا ينظر كل منّا فيما ينظر فيه الآخر، لأنه لا يكفى أن يكون للمرء عقل، بل المهم هو أن يُحسن استخدامه. وإن أكبر النفوس لمستعدة لأكبر الرذائل مثل استعدادها لأكبر الفضائل". كما أن الموت يستوقفنا حقا كظاهرة بوضوحها وغموضها معا. ولكن أن يصبح موضوع موت شاعر مهنة نشحذ بها هِمم الحناجر، ويصبح الحديث عن الموت وعظة حمقى، واستعراضات مجانية، فتلك مسألة أرى أن نتوقف عندها بهدوء ونعطي لكلً ذي موتٍ موته وحياته معا.
الموت والشعراء
ربما لا يعلم البعض من الذين يدمنون المراثي" بشقوقها وجيوبها ودهاليزها ومنافعها أيضا"، أن الشعراء أكثر الناس احتفاء بموتهم، لعلّة في محيطهم ولغربة دائمة يعانون منها، ولحبهم للعزلة، وإيثارهم للخلود الروحي، وكما يصرح الشاعر الألماني ريلكه "إن الحياة، هي الخبرة الأولى للموت"، أو يتحدث مبدع أخر عن الكتابة بوصفها " تحدًّ للموت وانتصار عليه في آن واحد".. وهكذا كان جدنا نوح يعالج الطوفان والموت بفكرة شعرية عالية " بغض النظر عن مسميات نوح في الميثولوجيا أو العقائد الدينية أو مصدر أفكاره للانتصار على الموت". لقد أنتصر بفلك شعري، وكذا يحدثنا التاريخ عن أزمة الشعراء مع السلطة والرموز والآلهة والأساطير، وفي كلّ مرة ينتصر الشاعر وُيهزم الموت.. ليس بسبب قدرات الشعراء الميتافيزيقية على الخلود الجسدي، وإقامة المعجزات، ولكن لأنهم فعلا يحسوّن بالموت كفعل نهائي لوجود الجسد بقدرته الفيزيقة والبايولوجية المحدودة، لذا فهم على معرفة تماما بحدود معنى وجودهم الروحي والمادي معا، هم يعرفون المدى اللامحدود للأول والنهاية المحتومة والأفول لسلطة الثاني.
ففي الشهادت الأولى التي كتبها الشاعر أدونيس، الغريم والند" وتحت عنوان مهم جدا " أحب أن أبكي"
عن درويش، قائلا " بين ضوء الكلام، وظُلمة الزمن، عاش محمود درويش. الأول أسنده إليه الفلسطينيون والعرب لكي يُطفئ الجحيم بماء الفراديس. جعلوا منه مَطْهَراً يتجاوزون به خيبة العدل والسياسة، ورمزاً يلجئون إليه لكي يحنّوا ويتذكروا حيناً، ولكي يستشرفوا ويأملوا، حيناً آخر. وهو عبء احتضنه، وإن كان طاغياً عليه، وهذّبه وارتقى به، وقرَنَ فيه بين الألم المرير والمتعة العالية، وبين الفجيعة والجمال. وفي ذلك صارع العبءَ الآخرَ، عبء الزمن، وآخاه واحتضنه كذلك… غير أن الخيط الذي يصل الضوء بالضوء لم ينقطع بيننا أبدا. الآن، أحب أن أبكي" .
في شهادة أدونيس التي نشرتها " جريدة الحياة " تلمّستُ مكرا وذكاءً وإنسانية ضخّها أدونيس مرّة واحدة ، وهو بهذا يمرّ على الموت الجسدي مرورا يليق بالشعر والشاعر معا، ويحصر الشاعر درويش بين ضوء الشعر وظلمة السلطات،.. فدرويش عندما كان أسيرا لمهمات " خارج إبداعية" والتي استمرت طويلا تستنزف قدرة الشعر الصافي بمبررات لا تصمد أمام مهمة الشاعر إزاء الشعر أولا.. كان تحت سطوة وسلطة " خارج الضوء" لذا آثر أدونيس أن يحتفي بالشاعر بإشارة جد مهمة " غير أن الخيط الذي يصل الضوء بالضوء لم ينقطع بيننا أبدا" أي أن درويش لم يكن شاعرا عندما تلبسته حمى وظيفة القائد والمنقذ والضرورة، إذ صح تأويلي. أدونيس أنتصر للشعر في الشاعر أولا وأحب البكاء عليه إنسانيا ربما متماهيا مع جَده الشعري السومري جلجامش في مسيرته مع إنكيدو " خلّه الوفي، وخصمه معا "! .. أُرجّح أن أدونيس كان يريد البكاء على نفسه جسدا، وهو الآخر سيتوارى، وليس على الشعر بوصفه نقطة ضوء لا متناهية الحياة.
المرثية أو الشهادة الثانية، التي كتبها الناقد صبحي الحديدي والتي جاءت محملّة بتفاصيل تشير إلى علاقة الناقد بالشاعر زمنيا وإبداعيا، ولكن من زاوية مختلفة، أثار الناقد حديدي فينا سلطة محمود درويش مفتتحا صفات الراحل بالفرادة والنفوذ بقوله " يحتلّ محمود درويش موقعاً فريداً قلما حظي به شاعر في الثقافة العربية ويضيف" كان الشاعر أشبه بنبيّ الأمّة، والناطق المعبّر عن كيانها، وعرّافها الذي يستبصر أقدارها الماضية والحاضرة، وتلك الكامنة في مجهول لا يرى معلومه سواه، في السموّ والانتصار كما في الانكسار والهزيمة"، ولكي يضفي على الراحل هذه الهالة الفريدة لابد أن يستدعي مبررات من تاريخ الأمم والشعوب الأخرى لبروز ظاهرة محمود درويش وتبريرها، بقوله" وفي ثقافات الأمم تكررت على الدوام تلك البرهة الاستثنائية التي تُلقى فيها على عاتق شاعر مهمة كبرى مثل التقاط الوجدان الجَمْعي للأمّة، وتحويل الشعر إلى قوّة وطنية وثقافية، روحية ومادية، جمالية ومعرفية.
ولقد توفّرت للشاعر أسباب موضوعية وأخرى ذاتية لبلوغ هذا الموقع،".. ولكي لا تكون قراءتنا لمرثية" شهادة" صبحي حديدي مجتزأة فسنورد بعض الفقرات التي تشير إلى قدرة الشاعر للإمساك بقدرة التكامل والتوازن بين مهمته كنبي شعب وأمة وبين مشروعة الشعري، التوازن هنا يعني برأيي يعني رغبة الشاعر درويش في تمثيل وتقمص دور المنقذ " المخلص"، إذ يشير حديدي "وحدث أحياناً أن كان التفاعل بين هذين النوعين من الأسباب في صالح مشروع درويش الشعري في حصيلته، كما حدث في أحيان أخرى أنّ ضغط الشروط الموضوعية ألزم الشاعر بدفع برنامجه الجمالي إلى الصفّ الثاني والسماح للمهمة الوطنية باحتلال الصفّ الأول. ولكنه في الحالتين أثبت حساسية فائقة تجاه تطوير لغته وأدواته وموضوعاته، خصوصاً في العقدين الأخيرين من مسيرته الشعرية حين استقرّت كثيراً معادلة العلاقة التبادلية الوثيقة بين تطوير جمالياته الشعرية وتطوّر نفوذه الأخلاقي والثقافي في الوجدان العربي." .. ينتصر هنا الناقد إلى السياسي في محمود درويش والى القوى الموضوعية التي جعلت الشاعر يتخلى عن مشروعه الجمالي لصالح السياسي، ويبدو لنا أن الناقد قد وضع يده على جرح درويش الشعري الناتئ، يوم كان سياسيا بجبة شاعر وشاعرا بمهمة نبي!
فقد اتكأ درويش على قضية فلسطين وتزوجها وصار لها رسولا وكاهنا يستخدم الشعر وليس شاعرا له رسالته الشعرية الخاصة، وضخّ ساسة فلسطين شحنة " القائد والمنقذ " في قوام الرجل حتى صار منهم، و من صحنهم يعيش. ولو رجعنا إلى كتاب " يوميات الحزن العادي" لوجدنا اعترافا مهما لدرويش عند حديثه عن "الموت المجاني" الذي كان يعيشه الشاعر في داخل الأراضي الفلسطينية قبل خروجه، ففي بواكير نضج الشاعر هناك بوصلة شعرية تحدد له مسارات حياته اللاحقة.
مراحل استحالة درويش
وإذا ما أردنا أن نستعرض مراحل تطور المسيرة الشعرية لدرويش فسوف نستعير من صبحي حديدي توصيفه : ’’ 1 ـ مرحلة الطفولة الشعرية وتمثّلها مجموعة عصافير بلا أجنحة (1960) التي سيتخلّى عنها درويش سريعاً 2 ـ المرحلة الثورية وتمثّلها مجموعته أوراق الزيتون (1964)، حين انتقل درويش من الهمّ الذاتي إلى الهواجس الجماعية، والحلم الثوري، والتغنّي بالوطن، وتثبيت الهويّة (كما في قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية"، التي ستشتهر باسم آخر هو السطر الاستهلالي فيها: سجّل أنا عربي..، 3 ـ المرحلة الثورية ـ الوطنية، وتمثلها مجموعاته عاشق من فلسطين (1966)، وآخر الليل (1967) والعصافير تموت في الجليل (1969) وحبيبتي تنهض من نومها (1970). وفي هذه المرحلة كان شعر درويش قد أصبح جزءاً أساسياً من الحركة التي عُرفت في العالم العربي باسم شعر المقاومة.. 4 ـ مرحلة البحث الجمالي، لقد أراد البرهنة على أنّه شاعر صاحب مشروع جمالي منذ البداية وقبل أيّ تصنيف آخر، وأنّ اقتران تجربته بـ شعر المقاومة لا يعني أنه لم يكن يسعى إلى تطوير موضوعاته وأدواته ولغته الشعرية على نحو يتفاعل مباشرة مع حركة الحداثة الشعرية العربية ويغني تيّاراتها. 5 ـ المرحلة الملحمية، وهي التي تعقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت سنة 1982 وخروج الفلسطينيين من لبنان إلى بحر جديد وتيه جديد. وفي هذه المرحلة كتب درويش قصيدته الطويلة الشهيرة مديح الظلّ العالي (1983) ومجموعة حصار لمدائح البحر (1984) التي احتوت على قصيدة بيروت بوصفها العمل الشعري الطويل الثاني الذي يكمل ملحمة الخروج الفلسطيني من لبنان. 6 ـ المرحلة الغنائية 7 ـ المرحلة الملحميةـ الغنائية،. 8 ـ مرحلة الموضوعات المستقلّة، وتشمل مجموعتَي لماذا تركتَ الحصان وحيداً (1995) ومجموعة سرير الغريبة (1999). هذه هي مرحلة التفات درويش إلى شؤون نفسه كشاعر وإنسان، بعد أن غادر مرحلة البطولة وانتقل إلى مرحلة اليوميّ والعاديّ. . 9 ـ المرحلة الراهنة في شعر درويش تستأنف برنامج البحث الجمالي والفنّي… هذه هي السمة الكبرى في مجموعتَي لا تعتذر عمّا فعلت (2004)، وكزهر اللوز أو أبعد (2005)، وكانت النماذج المبكرة لهذا البحث الجمالي والفنّي قد تبدّت كذلك في سرير الغريبة (1999)، لكنها لا ريب تبلغ ذروة دراماتيكية في كتاب درويش الأخير في حضرة الغياب (2006) الذي شاء الشاعر أن يطلق عليه صفة نصّ. وأمّا عمله الشعري الأخير أثر الفراشة، 2008، الذي يجمع بين التفعيلة والنصوص النثرية، فقد كان أكثر أعمال درويش اقتراباً من قصيدة النثر.
آثرت نقل مراحل استحالة درويش الشعرية من مقال ناقد كان لدرويش صديقا ولصيقا ومبشرا، لكي أبرهن على صحة حدوسي وفروض الشاعر أدونيس الشعرية الخالصة، مراهنا على أن ما يبقى من درويش ليس هو العلاقة مع " الزعيم ياسر عرفات" مثلا ..، ولا أريد أن أكرر ما حدا بالشاعر يوم كان يعيش حياته الذهبية في كنف القائد "الختيار" وما بلغت به السطوة والسلطة حتى بمخاطبة فنان مبدع مثل " ناجي العلي"، بجفاء وغطرسة، أو كما حصل له من" في باريس" عندما زعل عليه " الختيار" وقطع عنه الماء والكهرباء على حد قول العراقيين كناية عن الحصار الذي واجهه الشاعر في لحظات تمرده الإنساني والشعري وطلاقه الطوعي مع جبّة السياسي! إن الثقافة هي ما يتبقى ..
ألا تلاحظوا معي أن محمود درويش كان شاعرا حقا في ما أنتجه من شعر صافٍ في " لماذا تركت الحصان وحيدا، لا تعتذر عمّا فعلت، وكزهر اللوز أو أبعد، سرير الغريبة، وفي حضرة الغياب،… وأثر الفراشة" ؟
إن الشاعر في درويش لم يذهب إلى ضوء الشعر ويتحرر من شرانق وعباءات وأغطية " اللاإبداعي" إلا بعدما وجد نفسه كشاعر، أولا وصاحب رسالة شعرية صافية لا تشوبها أغراض " الواقع الموضوعي" وموجبات الرسالة" النضالية". صار درويش شاعرا حقا عندما تقاعد من مهنة المغني التراجيدي، وإذا ما بدا الشاعر مغنيا وصوتا جمعيا مؤمما لصالح الهم التراجيدي الموضوعي فإنه انتهى إلى صوته الخاص.. "باق على قيد الحياة، يقاوم في صيغة آدمي من لحم ودمّ وليس في صيغة أسطورة ملحمية ورمز بطولي".
صوت الشعر ونقطة الضوء… عندما تنتقل حنجرة الشاعر من الغناء بوصفة طقسا جماعيا إلى الكتابة الذاتية بوصفها مشروعا فرديا، هنا فقط يمكن أن نحصي ثمرات الشاعر من شجرة الشعر.
من مات حقا الشاعر محمود درويش أم السلطة ؟..


