الثلاثاء 2 أيلول (سبتمبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > أبحاث > مدخل إلى مشكلة الحقّ في الفلسفة الكانطية

مدخل إلى مشكلة الحقّ في الفلسفة الكانطية

السبت 18 كانون الأول (ديسمبر) 2010

شارك اصدقاءك هذا المقال




 مشكلة الحقّ مشكلة أبدية، لا تقتصر على البحث في العلاقات الإنسانية في جانبها التاريخي فحسب، بل تمتد لتتناول جوانب سياسية وأخلاقية وقانونية ...، فهي بوصفها مشكلة إنما تحتضن كل تاريخ العلاقات الإنسانية من نشأة المجتمعات السياسية، وأصل الحكومات، ومشروعية السلطة السياسية، ومصدر الإلزام القانوني، وعلاقات الدولة بالأفراد، ومفاهيم الواجب والقانون والمسؤولية . فمشكلة الحقّ مشكلة فلسفية بامتياز، بحكم تداخلها وارتباطها الوثيق بالوجود الإنساني، وبماهية هذا الوجود الحرّ، وبطبيعة العلاقات الإنسانية.

 وما بحث عمانوئيل كانط في مفهوم الحقّ إلا محاولة لإعادة بناء العلاقة ما بين الحق والقانون عبر توسط الواجب الأخلاقي فهدف كانط إنما هو تبيان الحقّ في ذاته من خلال «تفسير طبيعته وأصله الميتافيزيقي»(1)، في محاولة لحل مشكلة الفلسفة السياسية الحديثة المتمثلة في التعارض بين الشرعية والأخلاقية أي بين الحق) بوصفه حقاً قبلياً فطرياً جوهرياً لا يمكن المساس به و القانون بوصفه السلطة المشرعة لحقوق الأفراد في الحالة المدنية، ومن ثم البحث في الصلة بين الإلزام القانوني الوضعي و بين الحق والواجب الأخلاقي بوصفه حداً وسطاً بين الأخلاق نظرية الحقّ والسياسة الممارسة العملية للحقّ.
 يبني كانط مذهبه الأخلاقي انطلاقاً من البحث في تصور الإرادة الخيرة في ذاتها عبر تصور الواجب فالإرادة الخيرة لا ترتبط بمنفعة أو ميل بل هي مستقلة عن أي فائدة أو أثر كما يصفها (كانط)« تلمع بذاتها لمعان الجوهرة مثل شيء يحتفظ في نفسه بكل قيمته»(2)، ومن ثم يفحص (كانط ) فكرة الواجب للاستدلال على خيرية الإرادة فاتفاق الفعل أو الميل مع الواجب إنما يكون نابعاً من شعور حقيقي بالواجب فقط منـزهاً عن أي ميل لتحقيق سعادته الذاتية فلا يقع تحت تأثير الميل الباطني ولا لموضوع خارجي. والواقع أن (كانط) يعرّف الواجب بأنه: «هو ضرورة القيام بفعل عن احترام للقانون»(3)، وهو ينشأ بدافع من العقل ومبادئه الحقة ووليد احترامه الكلي للواجب عينه .

 أن مبدأ الإرادة والصورة القانونية العامة للأفعال، أي ما يسميه بـ"القانون في ذاته" إنما يكمن في المسلمة الأساسية لهذا القانون أو «الأمر الكلي للواجب»(4.)

 وهكذا، فإنّ القانون في ذاته والصورة القانونية للأفعال إنما تستمد شرعيتها من الأمر الكلي (للواجب) المستند بدوره على الحق الطبيعي، فعبر تأكيد (كانط) على نظرية الحق في بعده الأخلاقي وممارسة الحق في بعده القانوني السياسي، إنما يعيد بناء العلاقة ما بين الحق والقانون على أساس التكامل : فكلاهما وجهان لعملة واحدة لا انفصال بينهما عبر توسط مفهوم الواجب المؤسس للقانون في الدولة .

 إذ، ينطلق (كانط) في معالجته لمفهوم الحقّ من الحالة الطبيعية لا بوصفها فرضاً ذهنياً أو تاريخياً مؤسساً للحق المدني حيث العقد الاجتماعي الذي ينقل الأفراد إلى الحالة المدنية الوضعية بل باعتبارها «تساؤلاً أخلاقياً» (5)، شغل (كانط ) هو ( لما وجب ترك حالة الفطرة الأولى التي يعيش فيها الفرد الطبيعي)؟ بوصفه كياناً مستقلاً «خيراً وشريراً في آن واحد»(6)، في رغبة لامحدودة وحرية مطلقة لا متناهية دون حد أو قسر على إرادته. إن ( الحق ) في الحالة الطبيعية حق للأقوى فإرادة الفرد في نزاع دائم لنفي وإلغاء حقوق الآخر ولإرادته ولملكيته إذ يتم إقرار (الحق) بواسطة الحرب.

 فـالحرب هي التي تحدد «ما هو لي وما هو لك»(7)، و الحق السائد في الحالة الطبيعية هو مايسميه (كانط) بـ«الحق الخاص أي العلاقات القانونية الخاصة القائمة بين الأعضاء»(8) حيث لا ضمان لاستمرار الحق الخاص ولقسر إرادة الأفراد على الالتزام بقانون الطبيعة الحرية بوصفه «الحق الفطري الوحيد» (9) المؤسس للحرية الفطرية.

 إن انتقال الأفراد للعيش في مجتمع الدولة هو بمثابة ضرورة تقتضيها طبيعته واستعداداته الفطرية مستفيداً من التعارض القائم داخل الحالة الطبيعية، وهذا ما دلل عليه (كانط) في كتابه "ميتافيزيقا الأخلاق" مميزاً بين قانون الطبيعة والقانون الوضعي العقلي المحدد لقوانين الأفعال والملكات الإنسانية «فمن ناحية انتمائه لعالم محسوس يخضع لقوانين الطبيعة (التنافر) وهو من ناحية انتمائه لعالم معقول يخضع لقوانين مستقلة عن الطبيعة غير تجريبية بل قائمة على أساس العقل وحده» (10).

 إن هذا الانتقال لايتم إلا عبر تخلي الأفراد عن الحرية الطبيعية المطلقة للانتقال من حالة القصور-ومن هنا التنوير العقلي عند كانط -إلى حالة يتم فيها «الإذعان لإلزام القوانين العامة»(11)،جاعلاً من العقل مصدراً وضمانةً للسلام بوصفه « المصدر الأعلى لكل تشريع أخلاقي» .

 فبموجب هذا العقد الأصلي تتحد إرادة الفرد مع الإرادة الكلية لمجموع الأفراد المتعينة في دولة (القانون الوضعي المدني )، دون التنازل عن الحرية الفطرية للفرد بل الدخول في هيئة قانونية وضعية حامية لهذه الحرية. ففي الانتقال إلى الحالة المدنية العقلانية والأخلاقية تبدأ الذات بوعي إرادتها الحرة من خلال سنها للتشريع واحترامها لمبدأ القانون الكلي، بوصفه معبراً عن الحرية التي هي «الفكرة الوحيدة من جميع فكر العقل التأملي التي تعرف إمكانياتها معرفة بدئية وذلك لأن هذه الفكرة هي شرط القانون الأخلاقي الذي نعرفه»(12)، إن الحق الوضعي في الحالة المدنية ما هو إلا قانون الحرية المتمثل في الدستور الجمهوري الدستور الوحيد المجسد لمبادئ الحق الخاص العقد الأصلي والضامن للسلم ولأنه الدستور الوحيد الذي يعامل الفرد كقيمة أخلاقية يتمتع بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية استناداً إلى التشريع الوضعي بوصفه شرط تعين المواطنة في الدولة المدنية .

 يرى (كانط)، إن استمرار حالة السلم بين الأفراد في الدولة المدنية إنما يتأسس على القوانين الأخلاقية المطلقة والضرورية بوصفه إلزاماً قانونياً يمارس على إرادة الفرد لاقسراً خارجياً على هذه الإرادة، بل باعتباره إلزاماً ذاتياً أخلاقياً نابعاً من شعور الفرد بالواجب الأخلاقي حيث الأخلاق ( نظرية الحق ) تصبح بعداً أساسياً للسياسة فهو يقول : «لاينبغي أن نطلب إلى الأخلاق تنظيم الدولة تنظيماً سياسياً صالحاً بل ينبغي أن نتوقع من النظام السياسي الصالح تثقيف الشعب تثقيفاً أخلاقياً صالحاً » (13).

 هكذا، يعطي (كانط) لمفهوم الحق أهمية قصوى في مذهبه بوصفه توسطاً بين السياسة والأخلاق أي بين الممارسة العملية للقانون والحق وبين النظرية العامة للحق فبتعين مفهوم ( الحق) في الدولة ينتفي التصادم بين الأخلاق بوصفها ما ينبغي أن تكون وبين السياسة أي ماهو قائم، ويرى (كانط) أن خطأ الفلاسفة في تناولهم لمشكلة انقسام الذات بين ( الحق الطبيعي) و( الوضعي) و بين (الأخلاقية) إنما هو ناجم عن فهمهم لطبيعة الإلزام القانوني باعتباره قسر خارجياً على الإرادة لا فعلاً نابعاً من إرادة الفرد ذاته.

 وجه (هيغل ) أشد النقد لمذهب (كانط ) النقدي، إذ يرى أن فلسفته تقتصر على البقاء في دائرة الفكر التجريدي الذاتي والاستقلال الحر الصوري دون أن يستطيع إضفاء طابع الموضوعية على فكره، ففي معرض تعريف (كانط )، (لمفهوم الحق) يستند في تصوره للحرية على الاختيار الإرادي الذاتي الأمر الذي يجعل من تعين الحرية لديه تعيناً سلبياً مجرداً لا يتحدد بأي مضمون، فحتى في الجانب الايجابي لهذا التعريف المتضمن في الطابع الكلي للأمر الأخلاقي المطلق للواجب إنما يستند إلى تصور كلي صوري فارغ من أي مضمون أو معيار يحدد هذا التعين بوصفه مسوغاً لكل سلوك أخلاقي حر فهو قائم على فعالية ذاتية مجردة تؤسس للتناقض والجوازية

 فـ(كانط )، برأي (هيغل) لم يخرج من دائرة الفكر التجريدي الذاتي . فتصوره للقانون الأخلاقي إنما يقتصر على الواجب الصارم بوصفه تعيناً ذاتياً داخلياً ومجرداً يتحدد بالامتناع عن القيام بفعل ما، فتعين (الحرية والحق) يطغى عليه الجانب السلبي للواجب القاسي دون أن يتعين موضوعياً، لذا فهو برأي (هيغل) بقي في دائرة الصورية والشكلية المجردة دون أن يميز الاختلاف الجوهري بين الأخلاق والأخلاقية الموضوعية بوصفها تضفي على (الحق والإرادة) تعينات أكثر تشخيصاً وواقعية، إذ يقول (هيغل) :«أما اللغة الكانطية، فتفضل استعمال كلمة أخلاقية، وكما تتحدد المبادئ العملية لهذه الفلسفة أيضاً، تحدداً كاملاً بهذا المفهوم، وتجعل من وجهة نظر الأخلاقية الموضوعية ذاتها مستحيلة، فإنها تلاشيها،وتحاول هدمها »(14).

 هكذا يؤكد (هيغل)، أن (كانط) يبني على أساس فكرته عن الإرادة الذاتية والحرية الصورية (حق) الشخص أولاً بوصفه (حقاً) لإرادة حرة مستقلة، الأمر الذي يحيل جميع العلاقات الروحية إلى دائرة الشيئية فيقيم علاقات الزواج وعلاقات الدولة وحتى علاقات الحرب والسلام بين الدول على التعاقد الإرادي الذاتي لا بوصفه تعيناً (للحق) موضوعياً، إذ «إننا لا نستطيع إذن، أن ندخل الزواج في مفهوم العقد، أن هذا الإدخال مقرر لدى كانط، في كل بشاعته، كما ينبغي لنا أن نقول، كذلك، لا تقوم طبيعة الدولة على علاقات تعاقدية » (15).

 بيد أن (هيغل )، على الرغم من ذلك لا ينكر فضل (كانط) في تأسيسه لمبادئ الإرادة الخالصة وتعيناتها المجردة في صورة واجب أخلاقي لكنه يبقى بوصفه واجب من أجل (الواجب) فقط دون أن يخرج من دائرة الصورية والذاتية «فـالاعتراف، بالإرادة قد انتظر الفلسفة الكانطية، من أجل أن يكتسب أساسه المكين، ونقطة انطلاقه كذلك»(16).

 من هنا، فـ(كانط ) يؤسس لحل يوفق بين (الشرعية القانونية ) أي إلزام الإرادة المتعينة بوصفها خيرة في ذاتها وحد على حرية الفرد المطلقة واستقلاله الذاتي وبين (الأخلاق) بوصفها (قوانين للحرية) وغاية تطلب لذاتها وضمانة للسلم بين الأفراد .

ومن المؤكد أن النتيجة التي توصل إليها كانط في دراسته للحق ما تزال تستحق مناقشتها والعودة إليها، والتعلم منها وخاصة في مجتمعات مل مجتمعنا الذي لم يعترف للفرد بعد حتى بحقوقه الطبيعية دع عنك الدرجات المدنية للحق والأخلاق والقانون.


 


الهوامش:


1 - لالاند : موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الأول، تعريب خليل أحمد خليل، بيروت / باريس، منشورات عويدات، ط1، 1996، ص305 .
2 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص19.
3 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي،القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص27.
4 - المصدر السابق : ص30 .
5 - أحمد : محمود سيد : دراسات في فلسفة كانط السياسية، القاهرة، دار الثقافة، 1988 ص30 .
6 - العراقي، سهام محمود : فلسفة كانط في التربية، الإسكندرية، مطبعة الجهاد، 1984 ص15 .
7 - المرجع السابق : ص6 .
8 - المرجع السابق : ص13 .
9 - المرجع السابق : ص32 .
10 - كانط عمانوئيل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، قدم لها وترجم عبد الغفار مكاوي، راجعها عبد الرحمن بدوي،القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1980 ط 2، ص115 .
11 - كانط، عمانوئيل، مشروع للسلام الدائم، ترجمة عثمان امين، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، 1952، ص58 .
12 - كانط، عمانوئيل : نقد العقل العملي، ترجمة أحمد الشيباني، بيروت، دار اليقظة العربية، 1966 ص18.
13 - المصدر السابق : ص 78- 79 .
14 - المصدر السابق : ص 83 .
15 - المصدر السابق : ص121
16 - المصدر السابق : ص170 .


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر