الاربعاء 23 أيار (مايو) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > إصدارات وقراءات > مسألة منهج في كتاب "السنة والإصلاح" لعبد الله العروي

مسألة منهج في كتاب "السنة والإصلاح" لعبد الله العروي

الاحد 21 كانون الأول (ديسمبر) 2008
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

ربما لا تتطلّب مؤلّفات الأستاذ عبد الله العروي من قارئها أن يقتصر على إيجاز معانيها، أو أن يعارض بعض قضاياها بهدف إبراز الاختلاف في هاته النقطة أو تلك. وعلى كلّ حال فالمؤلّف نفسه يعفينا من ذلك إذ يؤكّد أنّه لا يرمي إلى إقناع أحد بقدر ما يهدف إلى " ترتيب أفكاره"(ص5). إنّ شساعة الاطّلاع، وعمق التفكير، وأهمّ من هذا كلّه، صدق المعاناة، كلّ هذا يفرض على قارئ الأستاذ العروي صعوبات نوعية لا شكّ أنّ جلّ القراء يجمعون عليها.

إلا أنّ المؤلف الذي بين أيدينا يتميّز، فضلا عن ذلك كلّه، بصعوبات مضافة علّها ترجع، فيما ترجع إليه، إلى الشّكل الذي كتب به. ولعلّ التوقّف عند مسألة الشكل هاته لإثبات أنّها ليست مجرّد مسألة شكلية عند مفكّر يعلن اعتناقه للتاريخانية، منهجا وموقفا، من شأنه أن يكون مدخلا تمهيديّا للكتاب.

هذا الكتاب من الكتب التي تستدرج قارئها لا لتأمّل محتواها فحسب، ولا لبذل جهد مضاعف لاستجلاء معانيها بقراءتها وإعادة قراءتها، وإنّما من الكتب التي تدعوك لإعادة كتابتها، بحيث لا يكفي القارئ أن يسترسل في القراءة كي يستخلص ما يمكن استخلاصه، وإنما هو مضطرّ، في أغلب الأحيان، للرجوع القهقرى لتوليد المعنى. هذا الرجوع ربّما لا يكفي تفسيره بعجز القارئ عن التمثّل المباشر لمعاني الفقرات، وإنما مردّه، فيما أعتقد إلى أنّ أطروحات الكتاب لا تشكّل قضايا تتوالد عن تحليل فتركيب، بقدر ما تتساكن كي تحيل إلى بعضها البعض. المعنى لا يؤلّف هنا عبر متابعة نموdéveloppement، بقدر ما يركّب بالإحالة إلى معاني أخرى متفرّقة لا تخضع لتراتب أو تسلسل ينمّ عن كون المعاني تتقدّم عندما تتراكم، إلى حدّ أننا لا نستطيع أن نجزم بأنّ السابق في هذا الكتاب يحدّد اللاحق، وهو ما يفترضه كلّ موقف تاريخاني.ّ

يدفعنا هذا الأمر إلى التساؤل عمّا إذا كان منهج العرض في هذا الكتاب يكرّس مفهوما عن الزمان قد لا يكون هو المفهوم ذاته الذي يفترضه الموقف التاريخانيّ، وهو مفهوم لا يكتفي في بعض الفقرات بأن يسكن منهج العرض، وإنما يغدو أداة تحليل: فنحن نقرأ في ص20 على سبيل المثال، موقفا من الفلسفة لا ينبني على تحليل تاريخيّ، بقدر ما يدعو إلى الاستغناء عنها بالاستغناء عن تاريخها.

بناء على ذلك فقد يخطر ببال قارئ كتاب الأستاذ العروي أن يسأل مؤلّفه: ألا يعتمد هذا الكتاب منهجين، لا يقتصر الأوّل منهما على أن يكون منهج العرض ليتكفّل الثاني بالكشف، وإنّما هما منهجان يوظّفان معا حتّى في التحليل، ويتّضحان بكيفية أكثر جلاء عند الحديث عن السنّة، حيث لا يكتفي الكتاب، كما يقول في ص165 " برصد الروابط والعلاقات..صحبة الاجتماعيين"، ونهج تحليل تاريخانيّ للسنّة نلفيه في الصفحات التي تلي ص129، حيث يوضع السؤال: كيف تكوّنت السنّة؟ وإنما هو يسلك نهجا آخر نلفيه أساسا ابتداء من ص 170، حيث تغدو العلائق هذه المرّة، ليست علاقات الاجتماعيين، وإنّما علائق المناطقة، فيتحوّل الأمر إلى رصد منطق السنّة التي، كما نقرأ في ص170 " قد يقال عنها كلّ شيء سوى أنها تفتقر إلى المنطق والاتساق. إنّها في الواقع غاية التناسق. كلّ جزء منها يأخذ برقاب الأجزاء الأخرى"، وهو الأمر نفسه الذي أكّدت عليه ص133 التي، بعد أن تثبت الفكرة ذاتها، تسعى إلى رصد بنية، أقول بنية الفكر السنّي لتردّه إلى مجموعة مبادئ.

قد يقال لا ضير في ذلك، في أن يؤالف المحلّل بين الدياكرونيّ والسانكرونيّ، بين البحث عن منطق التطوّر ومنطق الانتظام، بين الكشف عن علائق الاجتماعيين، وإبراز علائق المناطقة، إذ لا أهمّية كبرى في اعتماد تحليل دون آخر، أو إلى جانب آخر، وأنّ المسألة لا تعدو أن تكون مسألة منهجية، لكن يبدو أنّ المسألة المنهجية تأخذ هنا على الخصوص قيمة عظمى وتترتّب عليها معان ذات شأن غير يسير. ويكفي دليلا على ذلك، الإشارة إلى أنّ اعتماد المدى الطويل la longue duréeفي التحليل يجعل الإسلام نقطة تحوّل وليس نقطة بدء.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- zahradaghoughi
30 كانون الأول (ديسمبر) 2008 04:03

أشكر الاستاد والمفكر على كل مقلاته الشيقة و العميقةفي تعميق الفكر الانساني.


الرد على التعليق


William Bouguereau (فرنسا)

سياسة المراحل عند (...)

نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك (...)
alawan on facebook
alawan on twitter