الثلثاء 7 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > كتابة > منافع التطيّر من الحاضر

منافع التطيّر من الحاضر

السبت 7 حزيران (يونيو) 2008
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

 من قال إن ما قيل في العهود الخوالي، أو قيل إنه قيل ، أو قيل لقد قيل إنه قيل، أهم وأنفع مما يقال الآن ، وممّا يمكن أن يقال فيما لو سمح للأحياء بقول ما يودّون قوله، دون تعطيل عقولهم وألسنتهم بفرامل وكوابح حديدية هي، في الأصل، مصنوعة للتحكم في عجلات العربات والدراجات والدبابات والطائرات، وليس لضبط لغة الناس وأخيلة البشر مخافة أن تدفعهم الظنون والاستيهامات إلى حد تصور أن الحرية يمكن أن تتحول من مفهوم إلى واقعة عينية ؟!
الذين قالوا بذلك، من سكان الحاضر..وما أكثرهم، يكونون قد وهبوا حياتهم للماضي السحيق الأكثر ظلاما وتلعثما، وتنازلوا عن أحلامهم مقابل السماح لهم بمزيد الذكر والتذكر والتذكار داخل حوانيت القداسة وزادوا..فحشروا رؤوسهم داخل عمائم، وأجسادهم وسط جلابيب، ثم رغباتهم الجنسية في أكثر من ورك امرأة واحدة، وما تبقى من عقولهم في معلبات لغوية من نوع : نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ونلعن الإنسان المتفكر الحكيم .. مرورا بتمجيد السلف الصالح وترذيل الخلف الطالح دون التفطن إلى أن عكس الألقاب يمكن أن يكون صحيحا أيضا خصوصا إذا علمنا أن مهمة تجاوز أخطاء الماضي موكولة للخلائف وليس للأسلاف : الأسلاف الذين تنام عظامهم طي قبور لم يعد معظمها معلوم البلد والزمان والسند والمكان !
 
 والذين لم يقولوا بذلك لم يتوصلوا، بعد، بالرغم من قرابتهم بالآلهة (الآلهة الشرقية في أغلبها)إلى إضافة ولو مفردة يتيمة إلى مدونة الحداثة الكونية التي بدأت بالأنوار ثم بالثورات لتستقر على نظام ليبرالي من الناحية الاقتصادية وديمقراطي من الناحية السياسية..معلية بذلك من شأن النسبية بدل مواصلة الوثوق بالإطلاقية والتوتاليتارية التي لم تنتج، طيلة تاريخها المشؤوم، سوى كتاب واحد هو: كتاب الدماء !!
 إنهم مازالوا يتلعثمون، عن قصد، ملوحين بجلالة ما يفكرون فيه ولا يستطيعون التصريح به، فيما هم محصنون،بحكم تكوينهم الاجتماعي العقدي، ضد أي منهج أو نسق بإمكانهما منع الماضي من أن يمد عظام رجليه لمسافة أطول من القبر الذي خصه به الفناء، وخصته به حاجة اللاحقين إلى الاعتبار والتذكر.. من باب تفاخر الجهلاء بمزايا الهوية الخالصة التي لم يصل مضاربها بريد ولم تطر من خيامها حمامة!
 
 بين هؤلاء وأولئك ما زال التوفيقيون يتحكمون في شؤون الأمة خوفا عليها من التفكك والتلاشي هي التي لم يعد مفصل يشدها إلى مفصل، وعظم يشدها إلى عظم، ومصلحة تشدها إلى مصلحة، وكابوس يشدها إلى حلم، هي التي لم تكن أمة إلا عندما كانت تنفذ مشروعها الإمبراطوري التوسعي قبل أن تدور عليها الدوائر وتتقلص إلى حجم ظلها النحيف ،المحاط بوابل من التخلف وبفساد جمّ، في عصر ثروة سوداء يتوقع جميع الخبراء أن تنضب قبل خمسين عاما. 
 
في عصر تبديد الثروات والتنازل التدريجي عن أجزاء شاسعة من الأراضي والأنهار والبحار، فضلا عن إرغام السكان على الهجرة أو الموت فقرا، لا نكاد نعثر في الأفق الملوّح بمناديل الاستسلام، على إجابات مطمئنة حول مصائرنا المشكوك في أنها مشتقة من فعل : صار!
 
 وحدها الطائرات، التي لم نساهم في اختراعها، تحمل مثقفي الأمة إلى هذه العاصمة أو تلك، لحضور تلك الندوة أو تلك، وهي ندوات مخصصة في غالبها الأعم لمناقشة أحد أمرين: إمّا مزايا الماضي أو مساوئ المستقبل أو الأمرين معا.. وكأنّ التفكّر في أمر الحاضر هو بمثابة إخلال بآداب الضيافة !
 
 ما نخشاه حقيقة، وهذا ليس من باب الشماتة، هو أن تسقط طائرة أو طائرتان أو خمس طائرات مرة واحدة، في فيافي الصحراء أو في عرض البحر، فنفجع في كمية لا بأس بها من مثقفينا الرائحين إلى والعائدين من هذه الندوة أو تلك .. فتبقى الأمة خالية من الرؤوس الفقهية والابستمولوجية على حد السواء !!!

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

ابو ظبي - الشريف الراشدي
15 أيلول (سبتمبر) 2009 23:43

انا تونسي مقيم بابو ظبي ،ابتليت بقراءة كتابات اولاد احمد الشاعر التونسي الذي اجاد اللعب و اللهو بالكلمات كما اني لما اتصفح مخطوطاته ادرك جيدا و ان هذا الرجل له باع و عتاد و ذو شخصية شعرية تصل الى سدرة المنتهى….اشكرك يا اخي صغير…من ابن سبيطلة الشريف الراشدي….ابو ظبي


الرد على التعليق

  • ابو ظبي - الشريف الراشدي
    16 أيلول (سبتمبر) 2009 03:56

    اردت من خلال مداخلتي و تعليقي البسيط الانف ذكره ان انوه بعبقرية و صلابة كتابات اولاد احمد دون ان اتوغل في تفسيرها لانه رجل فذ و صعب المراس لغويا و يقسو على اي كان ان يتشابك معه او ينقد اولاد احمد و في الاصل ان قرات لاولاد احمد تتمتع بكلام " ذو شجون " و تخرج دون محصول نقدي…بالتوفيق لاولاد احمد….من ابن سبيطلة الشريف الراشدي….ابو ظبي …الامارات


    الرد على التعليق


christian raffin (فرنسا)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter