من خلال توظيف المفهوم الخلدوني عن النشأة المستأنفة، بما تنطوي عليه من معنى القطيعة والاستمرارية في آن معاً، يسلط هذا الكتاب ضوءاً باهراً على عملية إعادة تأسيس الإسلام القرآني في إسلام حديثي، وذلك طرداً مع التحول الموازي من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ ، ومن إسلام " أم القرى " إلى إسلام الفتوحات.
فعلى حين أن إسلام الصدر الأول قد ركّز كل مجهوده " الإبستمولوجي" على تثبيت الخطاب القرآني في نص مؤسس أول، فإن الإسلام القرون التالية قد صرف كل جهده بالمقابل إلى تثبيت السنة، أي الحديث المنسوب إلى الرسول، في نص مؤسس ثانٍ من خلال المقولة الشهيرة التي ما فتئ يرددها بصوت واحد الإمام الأوزاعي في القرن الثاني والإمام الشاطبي في القرن الثامن من أن السنة جاءت قاضية على الكتاب ولم يجئ الكتاب قاضياً على السنة.
والخطورة في هذه النقلة في المرجعية في الإسلام من القرآن إلى الحديث تتمثل أولاً في ما تمخضت عنه من انقلاب خطير من المنظور التشريعي: ففي القرآن لم يكن هناك من مشرِّع سوى الله وحده ولم يكن من نصاب للرسول سوى أنه مشرَّع له . ولكن مع الحديث لم يحوَّل الرسول إلى مشرِّع فحسب، بل إن أولئك الذين أباحوا لأنفسهم أن يضعوا الحديث على لسانه قد نصّبوا أنفسهم في الواقع مشرِّعين له كما لله. ثم إن عدد الأحكام الملزمة للمكلّف في القرآن محدود للغاية ؛ أما المدوّنة الحديثية، التي حكمها قانون التضخّم المتسارع، فتتضمن آلافاً وآلافاً من الأحكام . وعلى هذا النحو يكون المكلّف في الإسلام قد تحوّل إلى ما يشبه الإنسان الآلي الذي لا يتحرك في كل نأمة من نأماته إلا بالنصوص التي تتحكم بكل ما جلّ ودقّ من شؤون حياته العامة والخاصة. وبما أن الفرضية اللاهوتية التي انتصرت في الإسلام هي فرضية الشافعي القائلة إن الرسول لاينطق إلا عن وحي حتى عندما لا ينطق بالقرآن، فقد أُنزلت الأحاديث التي وُضعت على لسان الرسول بعد وفاته منزلة الوحي الموحى، وتواضع أهل الحديث والفقه على اعتبار السنة، كالقرآن، تشريعاً إلهياً متعالياً. وككل ما هو إلهي ومتعالٍ، أو مفترض فيه أنه كذلك، انعتقت السنة وأحكامها من شروط المكان والزمان، وصارت ملزِمة للمكلّف - كما يقول ابن حزم- "إلى يوم القيامة" : فلا يتغير فيها، ولا يجوز أن يتغير فيها شيء مهما تغيرت الأحوال والوقائع وشروط التاريخ . وهذا ما حكم على العقل العربي الإسلامي ابتداء من القرن الخامس الهجري بالانكفاء على نفسه وبالمراوحة في مكانه في تكرار لا نهاية له ؛ وهذا أيضاً ما سدّ عليه الطريق إلى اكتشاف مفهوم التطور وجدلية التقدم وما يستتبعانه من تغيّر في الأحكام الوضعية ذات المصدر البشري لا الإلهي ؛ وهذا ما أسّسه أخيراً في ممانعة للحداثة تنذر في يومنا هذا بالتحوّل إلى ردّة نحو قرون وسطى جديدة.
وبهذا الكتاب الذي يرصد الآليات الداخلية لإقالة العقل في الإسلام يختتم جورج طرابيشي مشروع " نقد نقدِ العقل العربي ".
من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث... النشأة المستأنفة
تأليف: جورج طرابيشي
- الأوان
9 أيلول (سبتمبر) 2010 20:17
نأسف لتسرّب تعليقات على هذا المقال مشحونة بالطّائفية والتّعصّب. سياستنا واضحة في نشر التعليقات وقد أكدنا عليها أكثر من مرة، لاسيما في "كلمة الأوان".لكلّ رقيب غفوة، وسنتوخى المزيد من الحذر في المصادقة على التعليقات، لكننا نرجو من معلقينا احترام آداب المحاورة، وعدم التعريض بالأشخاص في تقديم آرائهم، ونرجو منهم نبذ الطائفية والعنصرية وكل ما لا يخدم الفكر النقدي النزيه. هيئة التحرير.
-
عدن - شهاب القاضي
12 كانون الأول (ديسمبر) 2010 00:05لم اقرأ كتاب المفكر الكبير العربي الجليل جورج طرابيشي الا انني من القراءة المنشوره على موقعكم الاصيل والبارز في حقل التقافة العربية العقلانية اجدني اتفق كل الاتفاق مع استاذ الجيل الذي تتلمذنا علىكتبة الاصيلة او المترجمة : من ان اسلامنا السني الارتوذكسي النصوصي والذي يتمظهر في اسوأ تجلياته في المذهب الوهابي اومايسمى بالسنة والجماعة قد تركوا القران الكريم وتمسكوا برواة الاحاديث كالبخاري وابومسلم والكتابات المريضة لابن تيميةفي تعليقاتة وهوامشة التي تركت لنا اسلاما مشوة احال الانسان المسلم والعربي الى مجرد عطالة لاغير
تونس - ابن عاشور المتوحد
23 شباط (فبراير) 2011 19:01
- نزيه كوثراني
10 نيسان (أبريل) 2011 12:57
قرات الاجزاء الاربعة الاولى وكانت غنية وممتعة وانتظرت الجزء الخامس بفارغ الصبر لكن فوجئت بسبات العقل الذي كان ممتعا للغاية في جزئه الاول اما خلاصاته فكانت ضعيفة جدا .ولم اتسرع في الكتابة في انتظار الجزء الخامس . واليوم اجدنفسي مضطرا كالعادة شراءه في مكتبات الكتب المستعملة لان ثمن عال جدا ومن اين لشاب عاطل بثمن الكتاب في وقت تنتشر الكتب الصفراء بارخص ما يكون شكلا ومضونا مع تحياتي للكاتب


- عادل دمق
5 أيلول (سبتمبر) 2010 18:06
"فقد أُنزلت الأحاديث التي وُضعت على لسان الرسول بعد وفاته منزلة الوحي الموحى، وتواضع أهل الحديث والفقه على اعتبار السنة، كالقرآن، تشريعاً إلهياً متعالياً. وككل ما هو إلهي ومتعالٍ، أو مفترض فيه أنه كذلك، انعتقت السنة وأحكامها من شروط المكان والزمان،…" هذه التأكيدات تستدعي ملاحظات متأكدة : -1 رؤية من … إلى.. . تبدو متهافتة, فالتنزيل يحيل إلى الرسول نصّا :" و ما أتاكم الرسول فخدوه , وما نهاكم عنه فانتهوا " . فالرسول هو القدوة و الأسوة . هو المفعل للهدي الإلاهي : "لكل منكم جعلنا شرعة و منهاجا" . وهذا مستقر العادة . -2 السنة, في بعض الحالات , تشريع متعال ولكن ليس في كل الحالات . وقد اهتم علماء الأصول بمكانة السنة و حجيتها ومراتبها.المستصفى للغزالي , الفروق للقرافي , الموافقات للشاطبي و مقاصد الشريعة الإسلامية ل محمد الطاهر بن عاشور الذي صنف السنة اثنتي عشرة منزلة, من التشريعية إلى العادات الخاصة التي لا تلزم أحدا.
الرد على التعليق