السبت 4 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > أبحاث > من النبيّ الأُمِّي إلى النبيّ الأُمَميّ

من النبيّ الأُمِّي إلى النبيّ الأُمَميّ

السبت 22 أيار (مايو) 2010
بقلم: جورج طرابيشي  
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

 هذا التحوّل من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ، أي من الإسلام الذي كان الرسول بموجبه مشرَّعاً له إلى الإسلام الذي صار الرسول بموجبه هو الشارع، يقترن بتحول آخر ذي خطورة لاهوتية وليس فقط تشريعية، هو ذاك الذي أعطى هذا الكتاب عنوانه: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. وقد يكون أوّل ما ترتَّب على هذا التحوّل الخلاف التأويلي الذي نشب حول «أُمِّية» الرسول، وحول المرجعية التي ينبغي اعتمادها في هذا التأويل: أهي إلى القرآن نفسه أم إلى الحديث؟

 فمعلوم أنّ صفة «الأمِّية» وردت في القرآن ستّ مرّات: مرتين بصيغة المفرد «أمِّي» وأربع مرات بصيغة الجمع: «أمِّيين». ورغم كلّ الالتباس الذي اكتنف هذه الكلمة وحرَّف معناها ممّن ينتمي إلى الأمّة التي لا كتاب لها إلى من لا يعرف القراءة والكتابة، فإن المعجم القرآني واضح كلّ الوضوح بصدد مدلول هذه الكلمة. فالآية العشرون من سورة آل عمران لا تقيم المعارضة بين الكتابيين والأمِّيين إلا من منطلق أن الأخيرين لم يؤتوا الكتاب الذي أوتيه الأوّلون : وقل للذين أوتوا الكتاب والأمِّيين أَأسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا. والآية الثامنة والسبعون من سورة البقرة تحدّد بأنّ : ومنهم أمِّيون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ . والآية الخامسة والسبعون من سورة آل عمران تتابع، في سياق آخر، المعارضة نفسها بين أهل الكتاب والأمِّيين الذين لا كتاب لهم فتقول : ومن أهل الكتاب مَنْ إن تأمنه بقنطار يؤدِّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك أنهم قالوا ليس علينا في الأمِّيين سبيل(1). أما الآية الثانية من سورة الجمعة فصريحة مطلق الصراحة في أن الله «هو الذي بعث في الأمِّيين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكِّيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة». ومن هنا أصلاً توصيف القرآن في آيتين متتاليتين من سورة الأعراف، 157 و158، للرسول محمد بأنه «النبي الأمِّي»، أي ذاك الذي بعثه الله «في الأمِّيين» وإلى الأمِّيين.

 ولم يخفَ مدلول لفظة «الأمِّيين» هذا على بعض من متقدمي فقهاء العربية. فقد قال الفراء: «الأمِّيون العرب الذين لم يكن لهم كتاب»(2). كما لم يخفَ أيضاً على بعض أهل التفسير، ومنهم القرطبي الذي روى على لسان ابن عباس: «الأمِّيون: العرب كلهم، مَن كتبَ منهم ومَن لم يكتبْ»(3). وقد تنبَّه دارس رائد لتاريخ العرب قبل الإسلام إلى هذا المعنى «العربي» للأمِّيين، ونوَّه بما ذهب إليه بعض المستشرقين – من دون أن يسمّيهم – من أن اللفظة العربية مشتقة من «أُمَّتْ» أو «أُمَّيم» العبرية، أو ربما من «غوييم»، وهو النعت الذي يطلقه المأثور اليهودي على سائر أبناء الأمم الذين لم يؤتوا - بعكس بني إسرائيل- الكتاب، أي الوثنيين(4).

 والواقع أن دعوى «الأممية»، بمعنى «العالمية» ، لن تغلب على اللاهوت الإسلامي، سواء أفي كتب التفسير أم في كتب الفقه أم على الأخص في كتب الحديث، إلا في سياق التحوّل التاريخي والجغرافي الكبير من إسلام الرسالة إلى إسلام الفتوحات. وهي دعوى ينقضها نقضاً صريحاً أيضاً المعجم القرآني. ففي أربع آيات من أربع سور يؤكد القرآن أن : ولو شاء ربكم لجعلكم أمة واحدة (المائدة: 48)، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة (هود: 118)، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة (النحل: 93)، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة (الشورى: 7). وبحكم هذا التشتت الأممي غدت القاعدة أن: ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قُضي بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون (يونس: 47).

 وإنما من هذا المنطلق، الذي قضت المشيئة الإلهية بموجبه ألا يكون البشر أمة واحدة، وأن يكون بالتالي لكل «أمة رسولها» (المؤمنون: 44)، جاء دور «الأمِّيين» ليبعث الله «فيهم» و«منهم» رسولاً يؤسّسهم بدورهم، ولو بعد طول تأخير، أمّة كتابية : كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك (الرعد: 30). ومن هذا المنطلق عينه، الذي يفترض بمقتضاه أن يكون لكلّ «أمة رسولها»، وبالتالي «كتابها» (الجاثية: 45)، تكتسب عروبة القرآن كامل دلالتها. فالله، مرسل الرسل، هو نفسه من يسنُّ اللغة قاعدة مطلقة لتوصيل الرسالة: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم (إبراهيم: 4). وبما أن تلك الأمَّة «الأمِّية»، التي شاءت لها المشيئة الإلهية أن يتأخر دورها إلى آخر الأمم في تلقي الرسالة، تنطق، دون سائر الأمم، بالعربية فقل كان محتماً أن يكون الرسول المرسَل إليها ليبشرها ولينذرها في آن معاً ناطقاً «بلسان عربي مبين» (الشعراء: 195)(5). ولئن يسَّر الله كتابه إلى الأمَّة الأمِّية باللسان الذي يسَّره بها(6)، فلأن هذه الأمة هي حصراً تلك التي تتموضع جغرافياً في «أم القرى ومَن حولها»، وذلك طبقاً لمنطوق الآيتين التاليتين : وهذا كتاب أنزلناه مباركٌ مصدّقٌ الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومَنْ حولها (الأنعام: 92)، وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها (الشورى: 7)(7).

 وإنما من منظور هذا المطابقة الحصرية بين «الأمِّية» و«العروبة» رفض عمر بن الخطاب، في رواية مروية عنه، أن يعترف بكتابية نصارى العرب، بقوله: «ما نصارى العرب بأهل كتاب»(8). فما داموا عرباً فمعنى ذلك أنهم بالضرورة أمِّيون، أي لا كتاب لهم. ومن هنا قراره، طبقاً للرواية نفسها، بعدم جواز أخذ الجزية منهم لأنها لا تؤخذ إلا من أهل كتاب، ومن ثم تخييرهم بين الإسلام، بوصفه دين الأمِّيين العرب، وبين السيف(9).

 ونحن نحوز من داخل النص القرآني على قرينة إضافية تعزز فرضيتنا عن الحصر اللغوي للرسالة باللسان العربي، وعن حصرها الجغرافي بـ «أم القرى ومن حولها» من الناطقين بذلك اللسان. فسورة الروم، التي تنفرد عن غيرها من سور القرآن بالإشارة إلى حدث «جيوبوليتيكي» معاصر زمنياً للرسالة ومفارق لها مكانياً، تُفتتح بالآيات الست التالية :

 ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبِهم سيغلِبون في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

 في بيان سبب نزول هذا الآيات الست يقول الطبري نقلاً عن عكرمة: «إن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض، وقالوا: وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعات(10)، بها التقوا، فهُزمت الروم، فبلغ ذلك النبي (ص) وأصحابه وهم بمكة، فشقَّ ذلك عليهم، وكان النبي (ص) يكره أن يَظهَر الأمِّيون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، ففرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي (ص) فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أمِّيون(11)، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرنَّ عليكم. فأنزل: غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون . فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: «أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا؟ فلا تفرحوا ولا يقرَّنَّ الله أعينكم، فوالله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبيُّنا (ص)»(12).

 إن هذا النص، الذي يتكرر شبيهه في بضع روايات أخرى، لا يدع مجالاً للشك في أن حدود الرسالة الكتابية الجديدة كانت تقف – إلى حينه على الأقل – حيث تبدأ حدود الرسالة الكتابية القديمة، وهي بالمناسبة ليست محض حدود دينية، بل هي أيضاً حدود لغوية باعتبار أن أهل الشام وما بعدها ما كانوا ينطقون بالعربية(13). ثم إن النص يعمِّد الروم إخواناً، وهم أنفسهم الذين سيتحولون إلى أعداء مع التحول من إسلام الرسالة إلى إسلام الفتوحات. والمفارقة لا تقف عند هذا الحد: فالروم، الذين تتنبأ لهم بداية السورة التي تحمل اسمهم بأن الغلبة ستكون لهم من جديد «في بضع سنين»، لن يتأخر الأمر بهم حتى يُغلبوا مرة أخرى، ولكن ليس على يد أعدائهم من بني فارس، بل على يد «إخوانهم» من بني عدنان بعد نجاز تحول هؤلاء الأخيرين من «أمِّيين» إلى «كتابيين»(14).

 والواقع أن هذا التحول من حرب الأمِّيين، أي مشركي العرب، إلى حرب الكتابيين الروم هو ما يمكن أن يفسر أو -على الأقل- يسهم في تفسير ثاني أكبر أزمة ثقة عصفت بالإسلام الفتيّ بعد صلح الحديبية، وهي تلك التي تمثلت بالإضراب عن المشاركة في غزوة تبوك التي كانت فاتحة الحملات على أرض الروم. فعدا الفشل الذي انتهت به هذه الغزوة فقد احتلت مكانها في الحوليات الإسلامية باسم غزوة العسرة وتميزت، أكثر ما تميزت، بتخلف المتخلفين، أو المثَّاقلين والقاعدين حسب التعبير القرآني. ويكاد يكون البيان التقريعي، الذي يشغل ثلاثة أرباع آيات سورة التوبة المئة والتسع والعشرين، ضد أولئك «الخوالف»، أي المستنكفين من الصحابيين عن المشاركة في غزوة تبوك، هو الأعنف في نوعه في كل سور القرآن؛ ومما يزيده عنفاً ارتباطه، في سورة التوبة دوماً، بالأمر بقتل المشركين حيثما وُجدوا(15). ولا شك أن كتب التفسير تقدم تأويلات شتى، وساذجة في الغالب، لذلك الاستنكاف، باستثناء روايات نادرة ومكتومة في الغالب أيضاً، تربطه – أي الاستنكاف – بالتحول من حرب المشركين الباقين على أمِّيتهم إلى حرب الإخوان في الكتابية الذين كانهم الروم حتى الأمس القريب. وبديهي أن هذا التحول، أو بالأحرى هذا المنقلب الذي سيميِّز تمييزاً حاداً إسلام الفتوحات عن إسلام الرسالة، كان لا بد أن يبحث لنفسه عن مرتكزات إيديولوجية تعهَّد بتقديمها المؤوِّلون اللاحقون لآي القرآن، وعلى الأخص مسنِّنو السنَّة.

 والواقع أننا لن نكون إلا مغالين إذا ما تحدثنا في هذا الصدد عن آي القرآن بصيغة الجمع. فجميع المؤوِّلين الذين أرادوا تحويل النبي «الأمِّي» إلى نبي «أممي»، أي نبي أمم الأرض كافة، وليس فقط نبي الأمِّيين العرب المرسل بلسانهم منهم وإليهم، ما استطاعوا أن يفوزوا في جميع آي القرآن الستة آلاف ونيف(16) إلا بآية واحدة هي الآية الثامنة والعشرون من سورة سبأ: وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ففي تأويلها يقول الطبري: يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصةً، ولكنَّا أرسلناك كافة للناس أجمعين، العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيراً مَنْ أطاعك ونذيراً من كذَّبك. «ولكن أكثر الناس لا يعلمون» أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذِكْر من قال ذلك: قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: «وما أرسلناك إلا كافة للناس» قال: أرسل الله محمداً إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله أطوعهم له»(17).

 أما قتادة [= ابن دعامة السدوسي] هذا فليس من أهل التأويل، بل هو حصراً من أهل الحديث، وهو متهم أصلاً من قبل أهل الحديث بالتدليس في الحديث. وأما الطبري الذي ماشاه في تأويله هذا فقد أخلَّ بقاعدة أساسية من قواعد التأويل، وهي ألا يأتي تأويل آية بعينها، ولا سيما إذا كانت مفردة، مخالفاً لمضمون آيات أخرى، وعديدة، تعارضه. وأول بنود هذه القاعدة كما رأينا أن لكل «أمة رسولها». وثانيها أنه لا يُرْسَل «من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم». وثالثها أن الرسول ما أوحي إليه القرآن إلا «عربياً» لينذر «أم القرى ومن حولها». ورابعها أن العلاقة حصرية بين عروبة القرآن وعروبة الأمة أو القوم الذين أنزل برسمهم: «كتاب فُصِّلت آياته قرآنا عربياً لقوم يعلمون» (فصلت: 3)، و«إنَّا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون» (يوسف: 2)، وكذلك: «إنَّا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون» (الزخرف: 3).

 وغنيّ عن البيان أن الرابطة بين الخطاب – والقرآن كان خطاباً قبل أن يصير نصاً مُمَصْحَفاً – وبين المخاطَب هي بالضرورة المطلقة رابطة لغوية. فليس لمرسل الخطاب أن يطالب متلقي الخطاب بـ «العقل» عنه ما لم يخاطبه باللغة التي يستطيع أن يعقل بها(18). وهذه الرابطة اللغوية الحصرية تجد صياغتها الإبستمولوجية في القرآن نفسه وإن في سياق مختلف: ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فُصِّلت آياته أأعجمي وعربي» (فصلت: 44).

 ثم إنّ الطبري، بتأويله كلمة الناس، بأنها تعني «الناس أجمعين، العرب منهم والعجم»، يخالف المعنى المعجمي لهذه الكلمة، كما يخالف معناها السياقي. فهذه الكلمة، التي ترد في القرآن 240 مرة، لا تعني البشرية قاطبة في زمن لم يكن فيه هذا المفهوم قد وجد بعد(19). والقرآن نفسه يستعمل كلمة «الناس» في العشرات من الآيات بمعنى «بعض الناس» كما في قوله: وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر (الحج: 27)، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً (النصر: 2)، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس (البقرة: 199)، ولا تصعّر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً (لقمان: 18). ثم إن القرآن، إذا أراد نقل المعنى من التبعيض إلى الكثرة، استعمل تعبير «الناس جميعاً» (الرعد: 31) أو «الناس أجمعين» (آل عمران: 87). وغالباً ما يتطابق معنى «الناس» مع معنى «القوم» و«الأمة»: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة (الزخرف: 33). وإنما من منطلق هذا الترادف بين «الناس» و«الأمة»، المتحدِّدة في الغالب بلسانها وبلسان النبي المبعوث إليها، تتحدث بعض آيات القرآن عن «الناس» بصفتهم «الأمة» التي بعث إليها نبيَّها أو رسولها(20). وهكذا فإن لإبراهيم «ناسه»: وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمَّهنَّ قال إني جاعلك للناس إماماً (البقرة: 124)، ولموسى «ناسه»: قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي (الأعراف: 144)، ولزكريا «ناسه»: قال: ربِّ اجعل لي آية، قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليالٍ سوياً (مريم: 10)، ولعيسى «ناسه»: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلِّم الناس في المهد وكهلاً (المائدة: 110)، ولمحمد بطبيعة الحال ناسه: أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشَّر الذين آمنوا أن لهم قدم صِدْق عند ربهم (يونس: 2)(21).

 
 
والأوضح دلالة بعد أن الطبري بالتأويل الذي ذهب إليه يخالف قواعد العربية بالذات. فالآية الثامنة والعشرون من سورة سبأ لا تقول: «وما أرسلناك إلا للناس كافة»، بل تقدِّم هذه الكلمة الأخيرة إلى ما قبل «الناس» لتقول: $وما أرسلناك إلا كافةً للناس%. والفارق بين القولين كبير في الإعراب كما في المعنى. فـ «كافة» ليست عائدة في الآية إلى «الناس»، بل إلى كاف الخطاب في «أرسلناك».
 
وقد اختلف النحاة في المصدر الذي اشتقت منه. فذهب الزجاج إلى أنها من كفّ بمعنى جمع. وفي هذه الحال يكون معنى الآية: « وما أرسلناك إلا جامعاً للناس بالإنذار والإبلاغ ،والكافة بمعنى الجامع». وذهب غيره إلى أنها مشتقة من «كفَّ» بمعنى نهى عن، فيكون «معناه كافَّاً للناس، تكفُّهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام، والتاء للمبالغة»(22).

 وبالمقابل، ذهب الزمخشري إلى أن «كافة» هي نعت للمصدر المحذوف من فعل «أرسلناك»، أي إرسالة، ويكون المعنى بالتالي: «إلا كافةً للناس»: إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم، لأنها إذا شملتهم فقد كفَّتهم أن يخرج منها أحد منهم»(23).

 وقد جمع الإمام الفخر الرازي بين كلا التأويلين فقال: «وما أرسلناك إلا كافة: فيه وجهان أحدهما: كافة أي إرسالة كافة، أي عامة لجميع الناس، تمنعهم من الخروج عن الانقياد لها، والثاني: كافة أي أرسلناك كافة تكفُّ أنت من الكفر، والتاء للمبالغة على هذا الوجه»(24).

 والواقع أنه في كتب الحديث وليس في القرآن، تمَّ تحويل النبي الأمِّي المرسل إلى قومه إلى نبي أممي مرسل إلى الأمم قاطبة. ففي رواية على لسان هُشيم بن بشير أن النبي محمد قال: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة»(25). ويستعيد صاحب ثاني الصحيحين الرواية نفسها عن الراوي نفسه ولكن مع تبديل في اللفظ الدال على البعد الأممي للرسالة: «كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود»(26).

 والحال أنه، بصرف النظر عن هذا التغيير اللافت للنظر في اللفظ عن الرسول، يؤكد المأثور " الرجالي " المجمع عليه أن هشيماً، الذي انفرد برواية تينك الروايتين، لا يتمتع بسمعة حسنة لدى أهل صنعة الحديث. فهذا المولى لبني سليم كانت (27)آفته الكبرى في الحديث التدليس، إذ كان في الروايات التي يرويها مرفوعة إلى الرسول يبدِّل في أسماء سلسلة الإسناد فيضع بدل المجهولين أسماء أعلام مشهورين، وبدل المجروحين أسماء أعلام معدّلين. وقد كان من السباقين إلى اتهامه بالتدليس ابنُ سعد في طبقاته: «كان ثقة كثير الحديث يدلس كثيراً». وقال عنه أحمد بن حنبل: «هشيم ثقة إذا لم يدلس». وهذا ما ردده العجلي أيضاً: «هشيم ثقة ولكن يدلس». وزاد ابن السمعاني: «هشيم كثير التدليس». وأضاف ابن حجر: «ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي». وقال المقدسي: «هشيم متفق على توثيقه إلا أنه كان مشهوراً بالتدليس». بل إن هشيماً أقرَّ بأن «التدليس أشهى شيء إليه». كما حاول تبرير تدليسه بكون غيره من مشاهير المحدثين يدلسون. فقد قال ابن المبارك: «قلت لهشيم: لمَ تدلس وأنت كثير الحديث؟ فقال: كبيران قد دلسا: الأعمش وسفيان». ولاشتهار أمره بالتدليس وضعه زين الدين العراقي في ألفيته في رأس قائمة المدلسين في رجال الصحيحين فقال: «وفي الصحيح عدة كالأعمش وهشيم بعده وفتِّش»(28).

 وهكذا، إن حديثاً لم يكن متداولاً ولا معروفاً، ولا حتى ذا وجود، وما رواه أحد قبل أن يرويه راويه المنفرد والمشهور بالتدليس في النصف الثاني من القرن الثاني (بالنظر إلى أن هشيم بن بشير توفي سنة 183هـ)، أمكن له أن «ينسخ»، أي أن يبطل حكم نحو من عشرين آية قرآنية تنص متضافرة على أن لكل أمة رسولها، وعلى أن كل رسول لا يُبعث إلا إلى قومه، وعلى أن الرسالة القرآنية التي بُعث بها الرسول محمد مشروطة لغوياً بعروبة حاملها وبعروبة الأمة المحمولة إليها، وجغرافياً بـ «أم القرى ومن حولها» من دون أن يكون أصلاً لهذه الرقعة من الأرض من حدّ آخر سوى عروبة لسان قاطنيها.

 ولكن لئن حاز مثل هذا الانعكاس في إبرة البوصلة الإيديولوجية – والدين هو إيديولوجيا تلك الأزمنة – قبولاً شبه إجماعي، فليس مردُّ ذلك كما قد يتوهم متوهِّم إلى سذاجة الناس وسرعة تصديقهم في تلك الأزمنة عينها. فالإيديولوجيا، بما فيها الإيديولوجيا الدينية، لها على الدوام وظيفتان: واحدة ريادية تستبق الأحداث لتغيِّر الواقع وفق هوى حاملي لوائها، وأخرى ارتجاعية ترتدُّ بها نحو الواقع لتبرر أو لتكرِّس ما قد يكون تغيَّر منه وفق هوى التاريخ، أو بالأحرى وفق هوى مكر التاريخ على حد التعبير الهيغلي.

 والحق أننا لا نكون قد أسقطنا على ما حدث في الإسلام تعبيراً من خارجه إذا تحدثنا بصدده، ومع تحوله من الرسالة إلى الفتوحات، عن مكر التاريخ. فالإسلام الذي خرج في طور أول إلى الفتوحات حاملاً الرسالة القرآنية ارتدَّ بعد الفتوحات، وفي طوره الثاني، نحو نفسه محمَّلاً بما سيتم تكريسه تحت اسم السنَّة النبوية. ففي الصدر الأول، وقبل أن تستقر الفتوحات بعض الاستقرار، لم يكن للإسلام من أهل آخرين سوى أهل القرآن. ولكن بعد أن آتت الفتوحات أكلها ظهر أهل السنَّة وانتزعوا الغلبة تدريجياً لأنفسهم ولمصطلحهم، حتى لم يعد تعبير أهل القرآن دارجاً في الاستعمال، ولا سيما بعد تكريس الهزيمة النهائية للمعتزلة، الممثلين الأخيرين لأهل القرآن، في القرن الخامس فصاعداً(29).

 وبديهي أننا لا ننكر ما كان لشعوب البلدان المفتوحة من دور متألق في تطوير علوم القرآن وشروحه بدءاً بكبير المفسرين الذي كانه الطبري. ولكن لا ينبغي بالمقابل أن يغيب عنا أنهم ما فعلوا ذلك في غالب من الأحيان إلا بمرجعية سنِّية، وتحت شعار لا يزال معمولاً به إلى اليوم: السنَّة هي القاضية على القرآن، وليس القرآن هو القاضي على السنَّة(30).

 من هذا المنظور حصراً ليس جزافاً أن نكون توقعنا عند توصيف ابن سعد في طبقاته لهشيم بن بشير بأنه كان «مولى لبني سليم». فالغالبية الساحقة من رواة السنَّة ومن مدوِّني السنَّة كانوا من الموالي، أي من أعاجم البلدان المفتوحة، بدءاً بمصنفي الصحيحين: البخاري ومسلم بن الحجاج. وليس هنا المتسع للدخول في تفصيل ذلك، إنما حسبنا أن نسوق الرواية الطويلة التالية:

 «حدثني الوليد بن محمد الموقري قال: سمعت محمد بن مسلم بن شهاب الزُهْري يقول: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلَّفت فيها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فَمِن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبمَ سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبمَ سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي، فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن يسود الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهوان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان، قلت: الضحاك بن مزاحم, قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ويلك، فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرَّجت عني، والله لتسودنَّ الموالي على العرب حتى يُخطب بها على المنابر والعرب تحتها، قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه ساد، ومن ضيَّعه سقط(31).

 وبديهي أننا لا نسوق هذه الحكاية حملاً منا إياها على محمل التصديق التام. فيد الصناعة فيها، وفي غيرها من شبيهاتها، ظاهرة. ولكنها إن لم تكن صادقة في الواقعة التي ترويها، فهي صادقة في الواقع الذي تحيل إليه. ذلك أنه ما كان لنار النزعة الإثنية(32) الفارسية أن تخمد تحت رماد الإسلام. فالإسلام الذي حُمل إلى أعاجم البلدان المفتوحة، وفي مقدمتهم الفرس، كان إسلامَ قرآنٍ لا يد لهم فيه، وما أُنْزل أصلاً برسمهم. وبالمقابل، إن الإسلام الذي أعادوا تصديره إلى فاتحهم كان إسلامَ سنَّةٍ كانت لهم اليد الطولى في إنتاجه، وهو الإنتاج الذي استطاعوا أن يؤسسوا أنفسهم من خلال إتقان صناعته- كما سيتضح لنا في الفصول التالية- في طبقة متفقّهة عاتية النفوذ حَبَتْ نفسها ، عن طريق التطوير المتضافر للمدونة الحديثية وللمدونة الفقهية ، وبالتالي للمؤسسة الإفتائية ، بسلطة تشريعية لم يقرّ بها القرآن للرسول نفسه. وعلى هذا النحو تكون تكون قد نصّبت نفسها وسيطة بين الله وبين المؤمنين في كل ما جلّ ودقّ من شؤون حياتهم الدينية والدنيوية معاً ، مع أن أهم ما ميّز الإسلام القرآني عن غيره من الديانات المؤسسة لنفسها في بنىً كهنوتية وتراتبيات كنسية هو إلغاؤه لهذه الوساطة وتأسيسه للعلاقة بين الله والمؤمن في تواصلية مباشرة ليس فيها بين الله كمخاطِب والمؤمن كمخاطَب سوى وسيط واحد هو الرسول بوصفه ، حصرا ، مبلِّغ الخطاب من مرسِله الإلهي إلى متلقِّيه البشري.

 وبديهي أيضاً أننا إذ نقول هذا القول لا ننكر كل مساهمة على اليد العربية. فالحجازيون، ولا سيما منهم أهل المدينة، ممثلين بمن عمَّر منهم أو بمن أورثوه ذاكرتهم التاريخية من أبنائهم وأحفادهم، وبمن فيهم أيضاً أولئك الذين تفرقوا في الآفاق، وفي مقدمتهم الأوس والخزرج الذين قدمت الفتوحاتُ للمسلمين بزمام السلطة من المهاجرين الفرصةَ لتشتيتهم في الأمصار تحت لواء الجهاد، هؤلاء الحجازيون العرب كانوا موضوع طلب شديد من قبل الرحَّالة في طلب «العلم» من أبناء البلدان المفتوحة. وقد أسهموا، بما رووه أو بما رُوي أنهم رووه، بدور لا مماراة فيه في بناء عمارة السنَّة، وهي، كما سيتقدم البيان، عمارة متعددة الطوابق، كل طابق منها يعلو الذي تحته ويفوقه من حيث المساحة – أي من حيث عدد الأحاديث – ضعفاً وضعفين وثلاثة أو حتى أربعة أضعاف، وفقاً لمبدأ التراكم، أي هنا البناء فوق البناء(33).

 وبديهي أيضاً، وأخيراً، أن سيرورة تأسيس السنَّة هذه، التي تطاولت في الزمن على مدى قرون ثلاثة على الأقل، لا تقبل انفصالاً عن سيرورة نشوء الفقه وتطوره فروعاً في بادئ الأمر، ثم أصولاً. فالفقه ناب في الحضارة الإسلامية كما هو معلوم مناب القانون في الحضارة الرومانية. وفي إمبراطورية مترامية الأطراف ومتعددة الأقوام والإثنيات، كإمبراطورية الفتوحات العربية الإسلامية، ما كان للذخيرة المحدودة العدد للغاية من الأحكام القرآنية أن تفي بكل متطلبات التشريع القانوني في مواجهة المستجدات من النوازل. ومن هنا كان من المحتم أن تتراكم، بل أن تتضخم المدونة الحديثة، وأن تُخلع على السنَّة أهليّة تشريعية تضاهي تلك التي للقرآن، هذا إن لم تقدم عليها تبعاً لصيغة الشاطبي الآنف بيانها والتي لم تكن من ابتكاره – وهو الشديد التأخر في الزمن – بقدر ما كانت تعبيراً عن تحصيل حاصل يمكن استقراؤه، كما سيأتي البيان، من اجتهادات أئمة المذاهب الفقهية الخمسة(34).

 والحال أيضاً أن الموالي ، أي الأرقاء المعتوقين من الأعاجم وأحفادهم ، كانوا هم أيضاً وراء تطوير صناعة الفقه مثلما كانوا وراء تطوير صناعة الحديث.فاثنان من مؤسسي المذاهب الأربعة كانا في الأصل من الموالي ، وهما أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس(35) .كما أن هناك روايات تشير إلى أن إمام المذهب الخامس، أي ابن حزم ، كان من أصل فارسي .
وعلى أي حال ،إ ن الشهادة التي تركها لنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 ه) ،حفيد مولى عمر بن الخطاب ، ناطقة بما فيه الكفاية : "لما مات العبادلة ، عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر ، صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي، فكان فقيه مكة عطاء بن أبي رباح ،وفقيه اليمن طاووس ، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن كثير ، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم (= النخعي) ، وفقيه أهل الشام مكحول ،وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني ، إلا المدينة ، فإن الله خصّها بقرشي ، فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع " (36).

 ومن الممكن القول على سبيل الختام إن تسييد السنَّة قد تلاقت فيه مصالح الأوتوقراطية العربية الفاتحة ومصالح النخب والشرائح المثقفة من شعوب البلدان المفتوحة. فالأوتوقراطية ترقى إلى أعلى نصاب لها من المشروعية متى كانت في الوقت نفسه، وبالقدر نفسه، ثيوقراطية. وهذه الحاكمية الإلهية تجد تتمتها الطبيعية في المحكومية الإلهية. فبالإحالة إلى مصدر إلهي للتشريع تنتفي الحدود، أو تكاد ، بين النخب الحاكمة والنخب المحكومة لتتحول العلاقة بين الطرفين إلى شراكة، إن لم يكن بالاسم فعلى صعيد الأمر الواقع(37). ومن هنا فرض نفسه تطويرُ سنَّة نبوية إلهية المصدر لا يكون فيها «فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». فليس أرضى لكبرياء المحكومين – إن كان لا يزال لاسم المفعول هذا من معنى – من أن يكونوا محكومين بتشريع إلهي المصدر، ولا سيما إذا كانوا هم الشركاء الرئيسيين في تشريع هذا التشريع. وعلى هذا النحو فحسب نستطيع أن نفهم تلاقي المصالح بين نخب الفاتحين ونخب البلدان المفتوحة في تأميم الرسول العربي. فباستثناء الأقليات الدينية التي لم تتخلَّ عن دينها نظير سريان سوريا والعراق وأقباط مصر، فإن العلاقات داخل الإمبراطورية العربية الإسلامية لم تعد علاقات بين محتلٍّ ومحتلٍّ، كما الشأن في الإمبراطورية الرومانية مثلاً(38). فالإمبراطورية العربية الإسلامية ما عادت تحتاج إلى القوة العسكرية لتستمر في الوجود، بل صارت تتولد ذاتياً إن جاز التعبير إلى حدّ أن الاجتياح المغولي نفسه، على قوته التدميرية الهائلة، انتهى إلى الاندماج بها بدلاً من استئصالها. وذلك هو الفارق الكبير في المصير التاريخي بينها وبين الإمبراطورية الرومانية ذات التشريع الوضعي التي تلاشت من الوجود مع تلاشي قوتها العسكرية واجتياحها من قبل فرع آخر من فروع المغول: قبائل الهون.

 ولكن ما ربحه الوجود العربي الإسلامي على صعيد الاستمرارية التاريخية – رغم الفاصل الطويل الذي مثلته الخلافة العثمانية – خسره على صعيد الانقطاعية الحضارية. فلئن يكون التشريع الإسلامي، الذي عزا إلى نفسه من خلال السنَّة المنسوبة إلى النبي مصدراً إلهياً قد صان ذلك الوجود وحفظه، فإنه بالمقابل قد شلّه عن التطور بقدر ما جمّده في وضعية ثابتة ومكرِّرة لنفسها وعابرة لشروط الزمان والمكان. فتشريع كهذا ما كان له إلا أن يكون حاكماً على التاريخ بدلاً من أن يكون – كما في مثال التشريع الوضعي – محكوماً به . والخروج من حكم التاريخ هو بمثابة خروج من التاريخ نفسه. وربما تكون تلك هي كبرى مفارقات إسلام التاريخ: نسبته نفسه على منوال إسلام الرسالة، إلى مصدر إلهي قد قضى عليه أن يكون إسلاماً لاتاريخياً. وهذه اللاتاريخية كانت ولا تزال هي النسغ المغذّي للممانعة العربية، على صعيد العقليات والبنى الاجتماعية على الأقل، لآمر الحداثة.

ملاحظة : النصّ هو الفصل الثاني من كتاب تحت الطبع بعنوان "الانقلاب السنّيّ : من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث"، وقد خصّنا به الأستاذ جورج طرابيشي.

الهوامش:

1- أي أن الأمِّيين الذين لم يؤتوا الكتاب لا سبيل لهم إلى إلزام من أوتوا الكتاب.
2- أورده الراغب الأصبهاني في مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق مصطفى عدنان داوودي، دار القلم، دمشق 1412هـ، ج1، ص37.
3- القرطبي، تفسير القرآن، تحقيق هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض 2003، ج18، ص91.
4- جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جامعة بغداد، الطبعة الثانية 1993، ج3، ص993–1003. والجدير بالذكر أن المأثور المسيحي المكتوب باللاتينية اقتبس المفهوم نفسه عن المأثور العبري وأطلق على الوثنيين، أي على من ليس لهم كتاب مقدس، اسم «الأمم» Les gentils.
5- بل إن عروبة القرآن وعروبة لسان المكلف بتبليغه هي الدليل على إلهية مصدره بمقتضى منطوق الآية 103 من سورة النحل: لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين . ومعلوم بمقتضى الآية نفسها، أن عروبة الرسالة والرسول هذه موظفة كحجة مضادة لقول من «يقولون إنما يعلِّمه بشر».
6- نقتبس التعبير هنا من القرآن نفسه: فإنما يسَّرناه بلسانك لعلَّهم يتذكرون (الدخان: 58)، وكذلك: فإنما يسَّرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لُدَّاً (مريم: 97).
7- علماً بأن الآية التالية مباشرة هي واحدة من جملة الآيات التي نصت على أن: ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة .
8- أوردها الشافعي في الأم، دار الفكر، الطبعة الثانية، بيروت 1983، ج4، ص193.
9- في تتمة الخبر الذي رواه الشافعي على لسان عمر أنه قال : «ما أنا بتاركهم حتى يسلموا أو أضرب أعناقهم» . والحال أن عمر لم يجبرهم على الإسلام ولا قاتلهم ، وإنما أمر بتهجيرهم. بل أكثر من ذلك: فقد قدّم لهم ، أو على الأقل لفرع كبير منهم متمثلاً ببني تغلب، تنازلاً كبيراً: إذ ارتضى، صوناً لعزّة أنفسهم كعرب، أن يأخذ منهم، لا الجزية «عن يد وهم صاغرون» ، بل الخراج مضاعفاً . وأياً ما يكن من أمر فإننا نشك شكاً كبيراً في صحّة ذلك القول الذي نسبه الشافعي إلى عمر: فلو لم يكن نصارى العرب بأهل كتاب ، فما معنى أن تنزل أكثر من عشرين آية قرآنية في مخاطبتهم -هم واليهود- على وجه التحديد من حيث أنهم حصراً «أهل الكتاب» ؟
10- أذرعات: من قرى حوران بالشام.
11- لنلاحظ هنا أيضاً أن «الأمِّيين» تقابل «أهل الكتاب» على سبيل العلاقة الطباقية، أي الضد في مقابل ضده.
12- الطبري، جامع البيان، مصدر آنف الذكر، ج20، ص69.
13- باستثناء ذلك الحاجز اللغوي الذي كان يمثله الغساسنة النصارى الذين كانوا يتولون مهمة حراسة الحدود عند تخوم بادية الشام.
14- الواقع أن هذا التحول لم يكن إلى حينه تاماً لأن المصادر التاريخية، ومنها تاريخ الطبري نفسه، تشير إلى أن عمر بن الخطاب أذِنَ حتى لبعض «أهل الردة» بأن يشاركوا في فتوحات بلاد الشام.
15- مما جاء في الخوالف في سورة التوبة التي تعرف أيضاً بسورة براءة – وهي السورة الوحيدة من سور القرآن التي لا تفتتح بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم»: يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون… يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف… كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحرّ، قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون . وقد كان في عداد «الخوالف» بعض كبار الصحابة، وفي مقدمتهم كعب بن مالك ومرارة بن ربيع وهلال بن أمية وعبد الله بن أبيّ بن سلول. وقد كاد يكون في عدادهم أيضاً أبو ذر الغفاري. وستكون لنا عودة إلى سورة التوبة في معرض حديثنا عن دعوى التعديل الإلهي للصحابة.
16- طبقاً لإحصاء السيوطي نقلاً عن الداني: «أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال: مائتا آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، وقيل: خمس وعشرون، وقيل، وست وثلاثون» (الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص67).
17- الطبري، جامع البيان، ج20، ص405.
18- معلوم أن المسيحية كانت واجهت الإشكال نفسه، ولكنها وجدت حلاً له عن طريق «المعجزة»: فقبل أن ينطلق الرسل لتبشير الأمم بالإنجيل حلَّ عليهم روح القدس فصار كل واحد ينطق بلغة الأمة المبعوث إليها.
19- وهو لن يوجد إلا مع إطلالة الحداثة واكتشاف تمامية الأرض مع اكتشاف القارتين الأميركية والأوقيانوسية.
20- جاء في لسان العرب: «كل قوم نسبوا إلى نبي فأضيفوا إليه فهم أمته».
21- سوَّدنا كلمة منهم للتوكيد على المعنى «القومي» لكلمة الناس التي لو كان المقصود بها البشرية جمعاء لما كان قال «منهم».
22- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق هاشم سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض 2003، ج14، ص300.
23- الزمخشري، الكشَّاف عن حقائق غوامض التأويل، دار الكتاب العربي، بيروت 1407هـ، ج3، ص583.
24- فخر الرازي، التفسير الكبير (المعروف بمفاتيح الغيب)، المطبعة البهية المصرية، ج25، ص258.
25- البخاري، الجامع المسند الصحيح، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الرياض 1422هـ، ج1، ص74.
26- مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، مصدر آنف الذكر، ج1، ص370. ولنلاحظ أن تعبير «إلى كل أحمر وأسود» لا يخلو من غموض، ولم تكن له على كل حال الدلالة الكوسموبوليتية التي قد يتوهمها القارئ المعاصر. والدليل أن ابن عباس فسَّرها بأن الرسول بُعث «إلى الإنس والجن». أضف إلى ذلك أن حديث البعثة إلى " كل أحمر وأسود" ، ذا المنطوق الأممي المضمر، يدخل في مصادمة عنيفة مع حديث آخر ذي منطوق أمّي صريح رواه ابن سعد وابن حنبل وعبد الرزاق وابن منده والطبراني والدارقطني والنيسابوري وأبو نعيم والبغدادي والبيهقي والهيثمي مرفوعاً إلى عمر بن الخطاب ، ومفاده أن الرسول قال : " أنتم حظي من الأمم ، وأنا حظكم من النبيين ".
27- إن هذه المشروطية اللغوية والأمّية – أي القومية طبقاً لمعجمنا الحديث – للرسالة هي التي يمكن أن تسلط ضوءاً جديداً على مفهوم قرآني أحاط به غموض كبير وكان - ولا يزال إلى اليوم - موضع خلاف وتضاد بين المفسرين: ألا هو مفهوم "أم الكتاب " . فالآيات الثلاث الأولى من سورة الزخرف : *حم ، والكتاب المبين ، إنّا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ، وإنه في أمّ الكتاب لدينا لعليّ حكيم * لا يمكن أن تضيء بحق دلالتها إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار الجدلية التي يعقدها النص القرآني في العديد من آياته بين وحدة الرسالة وتعدد المرسلين . فلئن يكن كل نبي لا يُبعث إلا إلى قومه وبلسان قومه ، فإن الأنبياء جميعاً ، على اختلاف ألسنتهم وتعدد أقوامهم ، إنما هم مكلفون بتبليغ رسالة واحدة هي تلك المحفوظة في " أم الكتاب " . وعليه ، إن كل الكتب المنزلة بلغات الأقوام المبعوث إليهم بالأنبياء المكلفين بتبليغهم إياها ، إنما هي " ترجمات " لفحوى "أم الكتاب " ، أي ذلك الكتاب الأصلي ، الأزلي السرمدي ، المتجوهر بالمعنى لا باللفظ ، والعابر لكل اللغات والقابل للترجمة إلى كل الألسنة قابلية الجوهر اللامتناهي للتجلي في أعراضه الكثيرة المتناهية ، وقابلة اللغة الكونية الأولى المجردة واللامنطوقة إلى الترجمة إلى الألسنة الحسّية المنطوقة والمتعددة بتعدد الأمم التي تنطق بها.
28- تجنباً للإثقال على القارئ لم نفصل في ذكر مصادر هذه الأقوال، وقد أحصاها كلها – وسواها – إسماعيل سعيد رضوان في أطروحته للدكتوراه: «هشيم بن بشير، تدليسه ومروياته في صحيح البخاري»، المنشورة في مجلة الجامعة الإسلامية، المجلد 14، العدد 2، حزيران 2006. وهذا مع العلم بأن صاحب هذه الأطروحة حاول التخفيف من درجة تدليس هشيم، فوضعه في الطبقة الثالثة، لا الأولى، من المدلسين.
29- قد نستطيع أن نستثني من هذا الحكم المتصوفة الذين بقوا إلى حد ما قرآنيين، ولكن معزولين في حلقاتهم وزواياهم، وعديمي التأثير على السلطة من فوق وعلى الجمهور من تحت، فضلاً عن استبطانهم السنَّة بمقادير لا يستهان بها كما سنبيِّن ذلك عند كلامنا عن إحياء الغزالي.
30- قد يكون الإمام الأوزاعي، المتوفى سنة 157هـ، هو السبَّاق إلى هذا القول، وليس الإمام الشاطبي المتأخر زمانه إلى القرن الثامن الهجري كما يوحي بذلك محمد أبو زهرة لقارئه. انظر كتابه: أحمد بن حنبل، حياته وعصره، ص195.
31- أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه، تحقيق فارس السلوم، دار ابن حزم، بيروت 2003، ص549–550. وفي رواية للقاضي ابن خلاد الرامهرمزي في المحصل الفاصل بين الراوي والواعي أن عبد الملك قال: «ما رأيت كهذا الحي من الفرس، ملكوا من أول الدهر فلم يحتاجوا إلينا، وملكناهم فما استغنينا عنهم ساعة».
32- ولن نقول «الشعوبية» بالنظر إلى ما بات لهذه الكلمة من حمولة هجائية.
 33- عندما نتحدث عن دور اليد العربية في تشييد عمارة السنّة "النبوية"، بالتضافر مع اليد الأعجمية المولوية ، ينبغي ألا يغيب عنا أن ذلك الدور ما كان محصوراً بالحجازيين السادة من سكان المدينة ومكة وغيرهما . فلا كل السادة العرب كانوا من الحجازيين ، ولا كل الموالي كانوا من الأعاجم . فإسلام الفتوحات – ومن قبله إسلام الغزوات – تأدى ، بما استتبعه من تضخّم في ظاهرة السبي ، إلى تكوين طبقة لا يستهان بشأنها من الموالي ذوي الأصول العربية ، فضلاً عن الموالي ذوي الأصول الأعجمية . ومثالنا على ذلك الموالي التغالبة والنمريون من نصارى عين التمر . فهذه البلدة ، الواقعة على الفرات الأوسط ، والتي فتحها خالد بن الوليد في السنة الثانية عشرة للهجرة ، كانت تؤوي ، على ما يبدو ، مدرسة لاهوتية للطلبة. فعندما اقتحم ابن الوليد حصنها وجد في كنيستها " أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل " ، فأخذهم أسرى وبعث بهم ، مع غيرهم من سبايا عين التمر ، إلى أبي بكر في المدينة . وكان من جملة أولئك المسبيِّين " أبو عمرة مولى شبّان " ، و" أبو عبيد مولى المعلى " ، و" عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب " ، و" حمران مولى عثمان بن عفان" ، و" أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري " ، و" سيرين مولى أنس بن مالك " ، و" يسار مولى قيس بن مخرمة " ، و"نصير مولى بني لخم " ، إلخ . والحال أنه ، باستثناء هذا الأخير ، صار جميع أبناء هؤلاء السبايا من رواة الحديث . فقد اعتدّوا من التابعين ، ووثّقهم مصنّفو كتب الرجال ، وفي مقدمتهم ابن سعد في طبقاته . وقد اشتهر منهم اثنان كان لهما دور كبير في تطوير الصناعة الحديثية : محمد بن إسحاق ، حفيد يسار - مولى ابن مخرمة القرشي - وكاتب أول سيرة نبوية ، ومحمد بن سيرين ابن مولى أنس بن مالك وأشهر فقهاء المدينة في النصف الثاني من القرن الأول( بالمناصفة مع الحسن البصري الذي كان هو الآخر ابناً لأب نصراني من سبي ميسان) . أما الابن الذي أنجبه نصير ، اللخمي بالولاء ، فقد انصرف بالمقابل عن فن الحديث إلى فن الحرب ، ليشتهر باسم موسى بن نصير فاتح قبرص والمغرب والأندلس (انظر تفاصيل وقعة عين التمر في أحداث السنتين 12 و13 لدى الطبري ، ومن بعده ابن الأثير في الكامل وابن كثير في البداية والنهاية) .
34- هم أربعة طبقاً لما هو شائع، ولكنهم خمسة بإضافة ابن حزم، إمام المذهب الظاهري، بل ستة بإضافة جعفر الصادق إمام المذهب الاثني عشري، وهذا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار المذاهب الأقلوية مثل الزيدية والإسماعيلية والإباضية.
35- من هنا نفهم ما اشتهر به مالك من شقرة في الشعر وزرقة في العينين.
36- ابن قيّم الجوزية ، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ، مكتبة الكليات الأزهرية ، القاهرة 1968 ،ج 1 ،ص 22-23 .ولنلاحظ أن هذا الاستثناء الأخير لم يكن في محله إلا حينياً فحسب . فيوم أدلى عبد الرحمن بن زيد بشهادته ما كان له أن يعلم أن إمامة أهل المدينة ستؤول بدورها إلى الموالي ممثلين بشخص مالك بن أنس . 
37- بل حتى على صعيد الاسم بالذات بعد أن آلت مقاليد الخلافة ومقاديرها في طور لاحق من بني قريش إلى بني عثمان، وتحوَّل العرب أنفسهم من حاكمين إلى محكومين.
38- بل إن المفتوحين تحولوا في حالات بعينها هم أنفسهم إلى فاتحين ، كما في مثال بربر الشمال الإفريقي ، وهذا رغم انتفاضاتهم التي تكررت مثنى وثلاث ورباع في أول عهدهم بالإسلام احتجاجاً على إخضاعهم لنظام الجزية دون الخراج أسوة بغيرهم من الشعوب التي اعتنقت الإسلام.

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

المغرب - سعيد ناشيد
22 أيار (مايو) 2010 01:46

في إحدى المناسبات قلت للأستاذ جورج : ربما لجأ الفقيد الجابري في الأخير إلى تفسير القرآن لظنه بأنك لن تكون قويا في ذلك "الملعب". الآن أقول له من دون تردد : في ما يتعلق بعلاقة القرآن بالأمة فإن هذا النص هو أقوى ما قرأت. أنتظر بشغف صدور الكتاب وأتوقع أن يكون له وقع وصدى.


الرد على التعليق

Ruston, Louisiana - أحمد نظير الأتاسي
22 أيار (مايو) 2010 11:16

تحية للجميع وللكاتب الأستاذ جورج. شخصياً أعتقد أن التفريق بين عدة مراحل في نشوء الإسلام (إسلام محمد وإسلام الفتوحات وإسلام الأمويين) أمر لا بد منه وقد طال انتظاره. وإعادة الإعتبار إلى الموالي وربطهم بصنع الإسلام إعتراف تأخر عدة قرون. وأنا سعيد جداً أن طارح الفكرة كاتب قدير ومعروف يستمع إليه الناس. وهذا الكتاب سيكون حتماً بداية لدراسات خصبة لاحقة. ولا أقول هذا تزلفاً ولكني أعرف الفكرة فقد عملت عليها لسنوات (ولا أزال) وأعتقد بإمكان توطيدها بشتى أنواع الحجج والبراهين وأدوات التحليل، والإنطلاق بها نحو آفاق أبعد. لكن مقاربتي للفكرة مختلفة عن مقاربة الكاتب. وأحببت قبل أن أعرض الفكرة أن أصل إلي أسد الطريق على الناقدين أن يعيبوا عليّ ما عبته أنا (وغيري من المشككين) على الآخرين (خاصة المصدقين بصحة التراث الإسلامي المتعلق ببدايات الإسلام) وهو أولاً انتقاء ما يؤكد نظريتهم من التراث وترك ما يعاكسها، وثانياً استخدامهم لأخبار التراث وكأنها حقيقة تاريخية دون تحليل للإسناد أو المتن أو السياق التاريخي، ثالثاً الإنتقال بين النواحي المختلفة للظاهرة المدروسة (الفكرية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية) دون تصريح منهم بهذا الإنتقال أو تعليل وكأن الحاجة ملغاة لشرح السببية المحتملة بين هذه النواحي، وأخيراً القفز الزمني لتعميم نظريات وضعوها أصلاً لشرح فترة تاريخية محددة (نهاية المقالة مثلاً). والأستاذ طرابيشي يفعل كل هذا فيوهن حجج العقلانيين رغم صحة استنتاجه. وفي أحد التعليقات على مقالة للأستاذ بنعبد العالي قصرت أهمية الفلسفة على الإبستمولوجية فاستغرب قولي ورد عليه بلباقته المعهودة ونفاذ بصيرته. لكني أعود فأقول: المقالة أعلاه مثال عظيم على ما أعنيه. يمضي المتخصصون سنوات حياتهم يبنون الحجة على الحجة ويدعمونها بمئات المراجع وتمر على عدة نقاد من زملائهم قبل أن تقبل أية مجلة اختصاصية نشرها. ثم يأتي فيلسوف بارع ذو قدرة تركيبية ومهارة في التنظير فيهمل كل ما كتب المختصون وينتقي باقة من الأفكار والحجج المعروفة ويحيكها في نظرية براقة ذات منطق سببي بسيط يسهل فهمه ثم يعممها دون كبير عناء على عدة عصور تاريخية. فتشتهر النظرية ويؤمن بها الناس لحاجتهم إليها وتصبح أيديولوجيا يتصارع حولها الناس. فيذهب بناء الإختصاصيين هباء ويقضون عشرات السنوات لإقناع الناس أن في النظرية ثغرات هائلة، وأن التعميمات خاطئة، فيتحولون من الفعل إلى رد الفعل ومن البناء إلى النقد. سيقول الزملا ء انتظر يا نظير حتى يصدر الكتاب وسأقول الحق معكم. لكن اسمحوا لي بكلمتين. أولاً رد الاعتبار إلى الموالي قام به كاتب ماركسي لم أسمع أحداً يستشهد به وهو حسين مرة (لا أذكر المرجع وأعتقد أنه "النزعات المادية") فقد قال في تحليله للثورة العباسية بظهور طبقة متوسطة من الموالي ساندت العباسيين وأسهمت في بناء الإسلام مابعد الأموي وجعله إسلاماً أممياً. وبعد تمحيص ولأي أقول بأن كلامه صحيح ويمثل البعد الإجتماعي الإقتصادي لحركة الحديث التي كانت فعلاً حركة اجتماعية بقدر ما كانت حركة تعليمية دينية. ثانياً، عودة سريعة إلى الموسوعة الإسلامية تظهر مدى غموض مفهوم الموالي وتحول دلالته السريع جداً خلال قرن من الزمن. ثالثاً، لم يكن كل سكان سوريا سرياناً ولم يكوّن الغساسنة فاصلاً لغوياً على الحدود الجنوبية فقد أظهرت كتابات عرفان شهيد اتساع مجال وجودهم في قلب سورية من الرصافة إلى حلب وحمص وبعلبك وحوران، عدا عن وجود عرب آخرين. وحتى مصطلح عربي كان استخدامه غامضاً في المصادر الرومانية فتارة يتكلمون عن فرقة عربية تدمرية محمولة على الجمال في جيش الشام وتارة يتكلمون عن السارازان البرابرة التي لا أعتقد إلا كونها "الشرقين" (كما يقولون في سوريا "عرب مشرّق" و"عرب مغرّب" عن قبائل البدو). رابعاً لا بد من تحليل دقيق لعدة مفردات قرآنية قبل أن نثبت اقتصار رسالة محمد على العرب، مثل "كتاب" "عالمين" "لسان عربي" "ناس" "الذين يلحدون إليه" "فصل آياته" فنادراً (حسب رأيي) ما يمكن تفسير كلمة كتاب بالمصحف الحاوي على القرآن وغالباً يجب تفسيرها بالشريعة الإلهية (في اللوح المحفوظ) أو بشريعة التوراة التي لم يلغها القرآن وإنما جاء مصدقاً لها (وعليه يا أصدقائي يجب على المؤمنين اتباع التوراة). ولا بد أن نشرح غياب فكرة "نبي لكل قوم" من السور المدنية مما يعني أن محمد نفسه شعر بضرورة توسيع نطاق رسالته، خاصة وأن أغلب غزواته المزعومة (والتي يجب إثباتها) طالت قرى يعتقد أنها مسيحية أو يهودية واقتصرت هجماته على الأعراب على بادية المدينة وسكانها من غطفان وسليم. فلا يمكن إذاً أن نشرح ظاهرة "المتخلفين عن القتال" في غزوة تبوك بناء على هذه الآية. وكيف يمكن أن نشرح الفتوحات ودخول كثير من فلاحي الخراج (في سواد العراق خاصة) في الإسلام حتى وسمهم الحجاج ليعرفوا وأعادهم إلى مناطقهم ورفض دخولهم في الإسلام. خامساًً، سورة الروم فيها قراءتان واحدة بالمبني للمجهول (غُلِبت الروم) وأخرى بالمبني للمعلوم (غَلَبَت)، فأين القراءة الثانية في برهانه. وقراءة متأنية لطبقات ابن سعد (مع بعض الجهود الإحصائية) يثبت أن سبي عين التمر كان من الحكايات التراثية الغامضة التي استعملت كثيراً في شرح ما عجز المتأخرين عن شرحه من أصول التابعين وكل هذه المزاعم مشكوك بها في قول ابن سعد نفسه فهو يردفها بعبارة الله أعلم أو يسقها ب"قيل"). أثبت الأستاذ سليمان مراد (في كتاب نشر بالإنكليزية) أن الأخبار والأقوال المنسوبة إلى تابعي مشهور مثل الحسن البصري هي من إنتاج القرن الثاني الهجري وما بعده ولا يمكن ربطها بالحسن البصري بشكل جازم. فما بالكم بمكحول وطاووس وغيرهم. ثم أهل السنة كانوا مختلفين عن أهل الحديث والإثنان عن أهل الفقه. أخيراً وليس آخراً، لماذا اعتمد المتأخرون على حد زعم الكاتب على الأنصار في نقل التراث (إذا حصل هذا فعلاً) في حين يمكن أن نلاحظ أن أغلب أبناء الصحابة قضوا في وقعة الحرة بسيوف يزيد بن معاوية (وكذلك قضى كثير من الصحابة في معركة اليمامة). ما معنى أن "يحكم التشريع على التاريخ بدل أن يحكم التاريخ على التشريع" كيف يمكن أن نشرح "ممانعة العرب للحداثة" من خلال هذا التصور الهيغلي (الديني حيث التاريخ هو الإله) لسيرورة الزمن تضع ما يبدو أنه "قانون طبيعي حتمي" هو التاريخ متحكماً بمصائر الناس وأفعالهم. سأكف عن الكلام. تحية مرة أخرى للكاتب فبفضله أعتقد أننا على الطريق الصحيح نحو بناء نقد للتاريخ الإسلامي الأولي. وأذكّر القراء بأن الكتاب الذي يعده الأستاذ محمد الحاج سالم عن "الميسر وديانة ما قبل الإسلام" لا يقل أهمية في كشفه عما كشفه الأستاذ طرابيشي.


الرد على التعليق

  • اكادير - لحسن الشباني
    22 أيار (مايو) 2010 15:36

    بحث متميز بكل معاني الكلمة، كل ما يمكنني قوله بصدده انني اتعلم منه اشياء وحقائق كثيرة تنقصني. لذا انتظر، كالبقية ، طرحه في المكتبة بشغف. كما لا يفوتني تسجيل انبهاري بالمستوى الدقيق و الراقي لتدخل ذ.الاتاسي. استاذي ،انك متالق دوما ، اما هنا فانت ساطع .


    الرد على التعليق

بيروت - حسين شمس الدين
22 أيار (مايو) 2010 15:13

بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ جورج بعد التحيه لقد قرأت دراستك الشيقه بهذا الموضوع ومن حيث المنهج ومن حيث الأستدلال بالمصادر ومن جهة نتيجة الموضوع ولكن هذه الدراسه تفتقر لقرءاة المذهب الإمامي ونظرته التي ترتبط بموضوعك ,إذا لا يخفى عليك مدى أهمية هكذا قرأه لما لها من أهميها داخل الحراك الفكري في الإسلام وأتمنى أن تأخذ هذه القرأه بجديه عند طرحك لكتابك ونحن ننتظر منك ذلك وشكرا


الرد على التعليق

عمان - خالد الجلال
22 أيار (مايو) 2010 19:38

عندما يصل أصحاب الايدولوجيا الى قناعه راسخه بأن الايدولوجيا حاكمه للتاريخ وخارج أطاره الزمني ومكره الهيجيلي وعند انكاش زيف هذا الوهم تدخل الايدولوجيا مرحلة الجمود والانعزال وعندما يصبح الانعزال والعزله غير ممكن استمرارها تدخل مرحلة المممانعه والرفض بكل الآشكال والوسائل قراءه موفقه للبنى التراكميه من الرساله الى السنه والفقه وطابقه العلوي الآفتاء المبتذل في هذه الايام الموجعه لعلها مراجعه تترك صداها في اذهان الناس وتدفع نحو المزيد من القراءه والتفكيك للبنى التركميه التاريخيه

تحياتي


الرد على التعليق

الشلف - حسين بنعكشة
23 أيار (مايو) 2010 15:10

من المهم أن لا نترك للأصوليين حق احتكار وجدان المسلمين و أن لا نجعلهم مستبدين بالمنبع الروحي و الوجداني لمليار و نصف من المسلمين، و في هذا الجانب تكمن أهمية بحث الأستاذ طرابيشي الفذ، ولكن أريد أن أقدم ملاحظتين على الأستاذ طرابيشي، الأولى أنه لم يستحضر مجهودات الباحثين الآخرين المعاصرين له ممن عمل في هذا المجال، من مثل الجابري و القمني و عبد الكريم،والجزاشري الكبير محمد أركون، و لا إشارة في الإحالات مثلا إلى أي واحد منهم، والإحالة الوحيدة على المعاصرين كانت لجواد علي باعتباره مؤرخا فقط. الملاحظة الثانية هي متعلقة بحاجتنا لإجراء أبحاث مثل هذه في المسيحية أيضا و التي يعرفها الأستاذ أكثر من الآخرين ، فالأبحاث قليلة جدا في هذا الجانب باستثناء أبحات الأستاذ السواح . مع تثميني و شكري لمجهودكم الأستاذ جورج.


الرد على التعليق

  • الدار البيضاء - عبد الحميد لبيلتة
    23 أيار (مايو) 2010 18:51

    شكرا للاستاذ جورج طرابيشي على هذه المبادرة العلمية القيمةالتي سيكون لها مابعدها في ساحة النقاش بعد صدور الكناب، والاشكالية التي طرحتم في مسألة العلاقة بين اسلام الرسالة واسلام الفتوحات هي فرضية ستؤكد لنا عمق الصراعات والتأويلات التي في أحيان كثيرة أسست لدغمائية مجدت السكون النصي وانتصرت له على حساب الدناميةالمجتمعية


    الرد على التعليق

    • الشارقة - محمد عبيد - أبو حسن
      24 أيار (مايو) 2010 07:49

      لا شك أن موضوع الكتاب والفصل المقتبس منه، يحفزان على اقتنائه والإطلاع عليه… لكن بما أن الفصل المنقول مجتزأ… فإن التعليق عليه هنا لن يكون بالتالي موضوعيا ومستوعبا لما ورد في بقية فصول الكتاب…

      على كل، أحببت أن أشير إلى ما يلي، وهو نعليق "تقني"، لأن الأستاذ طرابيشي توسل الإستدلال بأمور تقنية لإيصال فكرته، فكان من حقنا الرد "تقنيا" على ما ورد في كلامه:

      - إكتفى الأستاذ طرابيشي، في هذا الفصل، بالتعليق على قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ولم يشر إلى آيات أخرى تدل على عموم رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً

      - قام الأستاذ طرابيشي بنقد جيد للحديث الذي رواه البخاري ومسلم ومداره على هشيم لكن فاته أمران من الناحية الحديثية:

      * الأول: أن هشيم مدلس لكنه ليس كذابا، وهناك فرق بين التدليس والكذب… ولن أستطرد في تفصيل هذه النقطة من الناحية الحديثية، لكن بما أن هشيما صرّح هنا بالتحديث والسماع، فهذا يعني أنه لم يدلس في هذه الرواية، وقد أشار الحافظ ابن حجر لهذا الأمر في مقدمة فتح الباري

      * الثاني: أن للحديث شواهد أخرى في الصحيحين وخارج الصحيحين من غير رواية هشيم، فقد روي بألفاظ مختلفة وأسانيد مختلفة عن صحابة مختلفين… مما يدلل على أن معناه قد ورد في وقائع مختلفة… ولو رجعت إلى تفسير ابن كثير للآية لوجدته نقل بعض هذه الروايات…


      الرد على التعليق

      • فرنسا - نادر انور حاتم
        24 أيار (مايو) 2010 15:19

        السيد ابو الحسن من قال ان التدليس ليس كذباً؟ فأن يستبدل الراوي اسم مجروح باسم معدّل ليموّه على سامعيه اوالرواة عنه أفلا يكون كذاباً؟


        الرد على التعليق

        • الشارقة - محمد عبيد - أبو حسن
          24 أيار (مايو) 2010 19:38

          السيد نادر،

          الأستاذ طرابيشي تحاكم إلى قواعد المحدّثين، فأشرتُ إلى أنه، وفق قواعدهم، فإن التدليس غير الكذب… أما إن كان المطلوب محاكمة قواعد المحدثين… فللنقاش مسار مختلف…

          ثم هذه الرواية لها شواهد أخرى عن رواة آخرين غير هشيم تُثبت صحتها، وتبيّن بشكل جلي أن هشيم لم يدلس في روايته، فالإستطراد في تحليلها ونقدها بهدف ردها… هو نقطة تّحسب على الأستاذ طرابيشي والفكرة التي يريد إيصلها لا له… فتأمل…


          الرد على التعليق

منّوبة - عادل بن عبد الله
25 أيار (مايو) 2010 01:08

إن كنت قد فهمت جيّداالأطروحة المركزية لهذا البحث فإنّ مدارها هو أنّ الإسلام قد جاء للعرب خاصّة من دون سائر الأمم.فلا تكون عندها حركة الفتوح خارج بلاد"الأمّيين" إلا ضربا من الانحراف عن جوهر الرسالة أو ما أسماه بالمصطلح الهيغلي ضربا من مكر التاريخ الذي لا يأبه كثيرا بالنوايا و المقاصد حتى وإن تنزّلت في الزمن التأسيسي. و ليسمح لي أستاذنا طرابيشي بالتفكير معه في هذه الفرضية البحثية من موقع مخالف انطلاقا من الملاحظات التالية: 1-إنّ الإسلام في نسبه الكتابي لا يمكن أن يخرج عن نموذجي اليهودية و المسيحية. فإمّا أن يكون ديانة مغلقة أو غير متحمّسة للتبشير منذ قرون كما هو شأن اليهودية .أوأن يكون ديانة "تبشيرية" مثل المسيحية كما نظّر لها القدّيس بولص رسول الأمم.و النّاظر في التجربة النبوية يجد نفسه أميل إلى الفرضية الثانية خاصة و أننا نجد من بين المسلمين من هم من غير العرب مثل سلمان الفارسي ،بل من اليهود 2- كيف نفهم دعوة القرآن لأهل الكتاب أن يدخلوا في الديانة الجديدة و خاصّة اليهود الذين حذّرهم القرآن من أن يكونوا "أوّل كافر به" إن هو كان يعتبر نفسه كتاب قوم لا كتاب لهم قبله أو كان يفهم نفسه باعتباره شأنا عربيا أو "أمّيا" خالصا ؟ 3- إنّ كل ّ ديانة تبشيرية لا يمكن أن تنحصر مبدئيا ضمن اثنية واحدة فلا يمكن عندها النظر إلى الإسلام من خارج بعده "الأممي " إلاّ إذا ما افترضنا أنّه في جوهره ديانة قومية شوفينية مغلقة مثل اليهودية في مراحلها المتأخّرة و هو ما لا يشهد له التاريخ المعروف لحركة الدعوة زمن النبوّة و خاصّة غزوة تبوك و ما بعدها.إذ تجنّب الدكتور طرابيشي استخراج دلالاتها العميقة في منطق الرسالة الخاتمة و تحوّلاتها الحاسمة،حاصرا اهتمامه في ردود أفعال المسلمين الذين لا يستطيع أي دارس أن يزعم أنّهم كانوا أعلم بطبيعة الرسالة من صاحبها أي النبي محمّّد الذي نظّم تلك الغزوة وأصرّ على إمضائها 4-لا يبدو الاستشهاد بفعل الخليفة عمر بن الخطّاب خادما لأطروحة الدكتور طرابيشي .فهذا الخليفة لم ينف صفة الكتابية عن العرب لأنّهم عرب بل لأنهم كما تذكر الروايات ليس فيهم من النصرانية إلا استباحة الخمر. ونحن نعرف جيّدا البعد "التقوي"الغالب على إبن الخطّاب.فكأنّه رفض تمتيع العرب بامتيازات الذمّة لدوافع أخلاقية لا لعلّة اثنية صريحة أو ضمنية.و الذي يزيد في تهافت هذه الحجّة ما ذكره الدكتور طرابيشي نفسه في الهامش عندماأثبت كثرة المواضع القرآنية التي تثبت للعرب حكم أهل الكتاب.إذ لا يعقل أن يكون عمر غافلا عن تلك الآيات و لكنّه اجتهد فيما فيه نصّ ،الأمر الذي تواتر في سيرته التي عطّلت أو أسقطت العديد من الأحكام الخاصة بالأرض المفتوحة ومتعة الحجّ و نكاح المتعة و غير ذلك 5-اعتمد الأستاذ طرابيشي مفردة "الناس" ليجعل منها دالة بالضرورة و القصد الأوّل على قوم النبي دون غيرهم . فالناس هم قريش في الحد الأدنى و العرب "الأمّيين" في الحدّ الأقصى .أمّا الأمم الأخرى فلا تعنيهم الديانة الخاتمة و لا تتوجّه إليهم أصلا .و هذا الاستنباط لا يثبت إذا ما استقرأنا كل آيات القرآن. ويكفي أن نمثّل لذلك بآيتين .الأولى هي تلك التي يسأل فيها الله عيسى بن مريم "أأنت قلت للناس اتخذوني و أمّي إلهين من دون الله"فلا يمكن أن يكون المقصود بها هم اليهود فقط ،بل هي ألصق بالنصارى الذين اعتقوا في ألوهية المسيح .و هؤلاء لا يمكن بحال أن يكونوا إلا من أمم مختلفة كما هو معلوم. أما الآية الثانية فهي قول لقمان لإبنه" ولا تصعّر خدّك للناس ".فلا نتصوّر أنّ لقمان يحصر النصيحة في اثنية معينة يبطلب حكمها في غيرها. و لا نخال أنّ ابنه سيجعل كلام أبيه وراء ظهره إن هو تعامل مع من ينتمون إلى اثنيات أخرى…فهذه القاعدة الأخلاقية لا تملك حكم العموم و الإطلاق إلا إذا ما فهم المستمع أنّ الناس فيها هم كلّ الأمم لا أمّة مفردة 6-كيف نفهم الصفات الأنطولوجية التي وصف به "الإنسان" في القرآن( الإنسان الكفور ،الجهول ،المجادل،الذي هو في خسر،المسارع إلى الشر المثّقل عن الخير……..)؟ هل هذه الصفات الإنسانية هي صفات العرب "الأمّيين"الذين يتوجّه إلبهم القرآن دون غيرهم من الأمم السابقة و المعاصرة للحدث النبوي أم إنّها صفات الإنسان مطلقا بغضّ النظر عن انتماءاته الاثنية و إكراهاته اللسانية ؟و إذا ما ملنا إلى الفرضية الثانية فإنّ ذلك سيكون كفيلا بتعديل الفرضية التي احتكم إليها هذا البحث.و هو ما نرجو أن نكون قد بيّنا مشروعيته من خلال ما طرحنا من قضايا و إشكالات (تسرّب خطأ إلى اإية 75 من سورة البقرة حيث وردث كلمة "دين" و الصحيح"دينار" كما تسرّب خطأ ثان إلى الصياغة التي افترضها الدكتور طرابيشي للآية 28 من سورة سبأ .إذ ورد" و ما أرسلناك إلى الناس كافة" و الصحيح لاستقامة المعنى هو" و ما أرسلناك إلاّ إلى الناس كافة"). و لكم جزيل الشكر.


الرد على التعليق

  • باريس - جورج طرابيشي
    25 أيار (مايو) 2010 11:53

    لست أريد أن أدخل في نقاش مع الاستاذ عادل بن عبد الله.فمن حقه تماماً أن يذهب غير المذهب الذي يذهب اليه بحثي الذي يعتمد في الدرجة الأولى على النص القرآني في توكيد "أمية "الرسول و"أمية "الرسالة المبعوث بها الى "أم القرى ومن حولها" ، وليس -كما يفعل-على ملابسات تاريخية ولاهوتية من خارج النص القرآني.ولكن أود أن أشكره على كل حال على التنبيه الى الخطئين المطبعيين اللذين هما- بكل بداهة- محض خطئين مطبعيين ،وأرجو إدارة موقع الأوان المبادرة الى تصحيحهما.


    الرد على التعليق

    • Dubai - اسامة سالم
      28 أيار (مايو) 2010 23:21

      الاستاذ طرابيشي. اسمحلي ان اؤكد على ما سبقني به كل من الاخ محمد عبيد و الاخ عادل بن عبد الله و ان اضيف عليه اولا : اسمحلي ان اقتبس من كلامك ما يلي ثم اعلق عليه : " ثم إنّ الطبري، بتأويله كلمة الناس، بأنها تعني «الناس أجمعين، العرب منهم والعجم»، يخالف المعنى المعجمي لهذه الكلمة، كما يخالف معناها السياقي. فهذه الكلمة، التي ترد في القرآن 240 مرة، لا تعني البشرية قاطبة في زمن لم يكن فيه هذا المفهوم قد وجد بعد(19). والقرآن نفسه يستعمل كلمة «الناس» في العشرات من الآيات بمعنى «بعض الناس» " و انا الان اقول ، التالي : 1- ما هو المعجم الذي تتحدث عنه و الذي يقول ان مفردة الناس لا تشمل من ضمن معانيها و دلاتلاتها الناس اجمعين او الجنس البشري كافة. 2- انا بحثت عن مفردة الناس في القران و كان عدد مرات ورودها هو 179 مرة و ليس 240 مرة. 3- اتفق معك ان كلمة الناس جاءت في بعض مواقع القران بمعنى بعض الناس او بعض القوم ولكن هذا هو الاستثناء لان مفردة الناس جاءت في معظم المواضع بمعنى الجنس البشري بكافة اممهم سواء كتابيون ام اميين بصفة عامة مثل الايات التي ساقها الاخ محمد و الاخ عادل و ايات اخرى منها: • قل ان كانت لكم الدار الاخره عند الله خالصه من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين. البقرة 94 • ولتجدنهم احرص الناس على حياه ….. البقرة 96 • وكذلك جعلناكم امه وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . البقرة 134 • ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس البقرة 164 • كان الناس امه واحده فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه البقرة 213 • ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين . البقرة 251 • ربنا انك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ان الله لا يخلف الميعاد . ال عمران 9 • ولو شاء ربك لجعل الناس امه واحده ولا يزالون مختلفين هود 118 • ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون الروم 41 • " سورة الناس بأكملها " اكتفي بهذه الامثلة في هذه النقطة. 4- لو كان الرسول مبعوثا للاميين فقط فلماذا تجد الخطاب القراني يدعوا اهل الكتاب الى الايمان ؟ بل ان ما ذهبت اليه انت بان النصارى و اليهود العرب ليسوا من اهل الكتاب لان الكتاب ليس بلغتهم كما انك استدللت بقول ضعيف منسوب لعمر بن الخطاب على ذلك فان هذا يعتبر دليلا على خطأ فرضيتك . لانه بهذا يثبت ان القران يخاطب ايضا من لا يتكلمون العربية من اهل الكتاب و يدعوهم للايمان بالله و بمحمد الذي جاءهم ايضا و اليك بعض الامثلة: • قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمه سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون . ال عمران 64 • يا اهل الكتاب لم تكفرون بايات الله وانتم تشهدون . ال عمران 70 • قل يا اهل الكتاب لم تكفرون بايات الله والله شهيد على ما تعملون . ال عمران 98 • يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق انما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته القاها الى مريم وروح منه فامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثه انتهوا خيرا لكم انما الله اله واحد سبحانه ان يكون له ولد له ما في السماوات وما في الارض وكفى بالله وكيلا . النساء 171 • يا اهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . المائدة 15 • يا اهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فتره من الرسل ان تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير . المائدة 19

      5- الخطاب القراني نجد فيه ايات كثيرة موجهة الى الناس جميعا يدعوهم لليمان و التقوى و لا تحتمل ابدا ان يكون سياق هذه الايات الموجه في خطابها الا للجنس البشري اي للناس جميعا . فكيف تكون بعثة الرسول بهذا القران للعرب فقط ، ؟ و اليك امثلة قرانية على الخطاب القراني الموجة للناس عامة و الذي لا يمكن ان يقتصر على العرب او الاميين . • يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون البقرة 21 • يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحده وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام ان الله كان عليكم رقيبا . النساء 1 • قل يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السماوات والارض لا اله الا هو يحيي ويميت فامنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون الاعراف 158 • يا ايها الناس اتقوا ربكم ان زلزله الساعه شيء عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعه عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد . ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ( الحج 1-2-3 ) . • يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب . الحج 73 • يا ايها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ان وعد الله حق فلا تغرنكم الحياه الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور لقمان 33 • يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد فاطر 15 • يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير الحجرات 13 … يتبع …


      الرد على التعليق

      • - ن.أ.حاتم
        29 أيار (مايو) 2010 13:29

        السيد أسامة سالم لقد أخطأت يا سيدي ، فكلمة "الناس" وردت بالفعل في القرآن 240 مرة كما ذكر الآستاذ طرابيشي ، وليس 179 مرة كما تخطّئه أنت.


        الرد على التعليق

        • Dubai - اسامة سالم
          31 أيار (مايو) 2010 00:07

          6- استشهد الاستاذ طرابيشي بما ذهب اليه الزجاج في قوله تعالى في سبأ 28 : " وما ارسلناك الا كافه للناس بشيرا ونذيرا ولكن اكثر الناس لا يعلمون " بما يلي : " فذهب الزجاج إلى أنها من كفّ بمعنى جمع. وفي هذه الحال يكون معنى الآية: « وما أرسلناك إلا جامعاً للناس بالإنذار والإبلاغ ،والكافة بمعنى الجامع». وذهب غيره إلى أنها مشتقة من «كفَّ» بمعنى نهى عن، فيكون «معناه كافَّاً للناس، تكفُّهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام، والتاء للمبالغة»( " ، و اسمحلي استاذ طرابيشي ان اعلق على هذا ايضا ،فبالرغم من اني لست بعالم لغة الا ان هذا المذهب ضعيف جدا ، فالقران هو معجز في بلاغته ، و لا يمكن ان يستبدل الحال باسم الفاعل او ان يستبدله بصفة ، فان كان المقصود و ما ارسلناك الا جامعا للناس أو كافا للناس لكان الله تعالى وضح ذلك باستخدام اسم الفاعل " جامعا أو كافا " ، ولكان الله وضح جامعا للناس على ماذا وهو الايمان في نظر الزجاج ؟ و كافا لهم عن ماذا و هو الكفر ؟ . بالاضافة الى ان هذا يتعارض مع باقي مفهوم الاية " بشيرا و نذيرا " ومفهوم ايات قرانية اخرى توضح ان الرسول لن يستطيع ان يجمع الناس على الايمان أو ان يكفهم عن العصيان و انما هو عليه البلاغ و التذكيرو التبيان والتبشير بالجزاء و الانذار من العقاب، و ليس عليه الا ذلك ، ولا يطلب منه ان يكره الناس على الايمان او ترك المعاصي و بالتالي لا يمكن ان تكون هذه من افعال الرسول فلا يصح ان تنسب له ، يتضح ذلك بقوله تعالى في الغاشية : " فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22)". 7- استدلالك الجغرافي بان قوله تعالى " وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" الانعام 92 ، او قوله تعالى "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" . الشورى 7 يحصر رسالة الاسلام في الاميين العرب بمكة و من حولها مردود عليه من نواحي عدة منها. • اولا لا يوجد في الاية اي من اساليب القصر او الحصر اللغوي سواء كان حقيقيا او اضافيا ، و اساليب القصر في اللغة معلوم انها سبعة اساليب هي : i. النفي و الاستثناء مثل : قوله تعالى " فاعلم انه لا اله الا الله " و قوله تعالى " لا يجليها لوقتها الا هو" . ii. استخدام انما و هو اقوى انواع الاستثناء كقوله تعالى : " انما هو اله واحد " وقوله تعالى "فذكر انما انت مذكر " و قوله تعالى " قل انما علمها عند ربي " . iii. القصر بالعطف ب ( لا و لكن و بل ) مثل قوله تعالى " الم تر الى الذين يزكون انفسهم بل الله يزكي من يشاء " و قوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم" وقوله تعالى " قال انه يقول انها بقره لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون" . iv. تقديم ما حقه التأخير مثل قوله تعالى " ربي الله " وقوله تعالى " وعلى الله فليتوكل المؤمنون" وقوله " لله ملك السموات والأرض"و قوله " إياك نعبد وإياك نستعين" v. توسط ضمير الفصل : مثل قوله تعالى : " إن هذا لهو القصص الحق " vi. تعريف المسند أو المسند إليه " بأل " الجنسية: مثل قوله تعالى: " الله الواحد القهار" و قوله : " إنه هو الغفور الرحيم". vii. التفقيط ، يعني استخدام " فقط " كقولنا "جاء أحمد فقط" أو دفعت له ثلاث ريالات فقط .. الخ • ثانيا : ان من ما هو حول مكة المدينة المنورة و قد سكنها يهود ، و مناطق اخرى سكنها نصارى ، و بالتالي فحول مكة في ذلك الوقت م يكن مقتصرا على الاميين العرب. • ثالثا : ان انذار ام القرى يتضمن تباعا انذار باقي القرى التي هي اقل في الاهمية من مكة.، وبما ان مكة هي ام القرى فهي اكثر القرى اهمية ، و بالتالي فان انذار باقي القرى يحدث ضمنيا ، كان تقول مثلا انا انذرت الملك فهذا يتضمن ايضا حاشيته. • رابعا معلوم جغرافيا ان الارض كروية ممدودة و بالتالي فما حول مكة هو ميع الافاق كما قال القرطبي. 8- احب ان اوضح ان الامة الاسلامية امية لها وظائف اممية بنص القران الكريم ، فكيف لا يكون رسولها نفسه امميا ، و اليك بعض الامثلة على هذا المفهوم. • وكذلك جعلناكم امه وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . البقرة 134 " • وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج مله ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فاقيموا الصلاه واتوا الزكاه واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير الحج 78 • واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون . الزمر 69 • والذين امنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم اجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا باياتنا اولئك اصحاب الجحيم . الحديد 19 فكلمة شهداء في الايات السابقة تدل على الشهادة امام الله " وليس الاستشهاد " ، مثل قوله تعالى في سورة النساء 49 " فكيف اذا جئنا من كل امه بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " ، ففي تراثنا الاسلامي " الذي نعترف به " امة الاسلام ايضا كلها شهداء ( بهذا المفهوم ) فتشهد امة الاسلام على الامم الاخرى يوم القيامة الشهادات التالية ، الاولى ان رسلهم قد جاءتهم بالبينات و بالحق من ربهم فكذبوهم ، و الثانية ان رسولنا جاء بالحق ، و ان القران مصدق لما بين يديه من التوراة و الانجيل ، و الشهادات السابقة شهادات عامة يشهد بها كل المسلمين ، و لكن هناك ايضا شهادات خاصة هي للمجاهدين في سبيل الله ليبلغوا كلمته الى من ينكرها او من لا يعلمها ، فيشهدون يوم القيامة انهم جاهدوا و قاموا بتبليغ الرسالة ، و يخص من الذين جاهدوا " الذين قتلوا في سبيل الله " فيشهدون انهم زهقت ارواحهم من قبل الامم الاخرى في سبيل اعلاء كلمة الله . .. يتبع..


          الرد على التعليق

        • Dubai - اسامة سالم
          31 أيار (مايو) 2010 14:24

          9- خطاب القران ليس موجه للناس كافة كجنس بشري بل تعداه الى جنس اخر هو الجن ، و كي لا ندخل في جدل حول الجن أكتفي بتوضيح انهم جنس اخر غير الجنس البشري بقوله تعالى : "خلق الأنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجان من مارج من نار* " الرحمن 14-15 ، عموما هذا الاجنس الاخر ايضا يوجه القران له خطابا دعويا ، انظر الى الامثلة التالية: • واذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القران فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا الى قومهم منذرين . الاحقاف 29 • وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون . الذاريات 56 • قل اوحي الي انه استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرانا عجبا . الجن 1

          من جميع ما سبق استاذ طرابيشي اسمحلي ان اخالفك الرأي في هذه الجزئية ، فرسالة الاسلام رسالة عالمية : " تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا " اسمحلي ان اتفق معك ان التراث بحاجة الى تنقية ، و لكن اساس هذه التنقية هو القران الكريم و ليس الاراء الشخصية ، لان القران الكريم هو الميزان ، ولكن موضوع مثل الذي تفضلت و طرحته و للاسف قمت بتصوير انه من نتاج التراث و الروايات و الاحاديث ، و ايضا ادعيت انه مخالف للقران باستدلالات ضعيفة و انت في ذلك لم تتعامل مع القران كما يجب ، فالقران يا استاذ طرابيشي يب ان يدرس كجملة واحدة مترابطة فهو كتاب له بنية متكاملة متناغمة لا يجوز ان تأتي باية و تتجاهل ايات اخرى لانك بذلك حسب المفهوم القراني تدخل ضمن من جعلوا القران عضين ، اي اعضاء متفرقة لا يجمعها جامع ، و بالتالي تؤمن ببعض الكتاب و تكفر ببعض ، و تكون من الذين يجادلون في ايات الله بغير علم و لا سلطان مبين ، وفي هذا المسلك ستجد الامة الاسلامية كلها تقف منك موقف الممانع بل و المعادي. مع التحية أسامة سالم


          الرد على التعليق

          • مسقط - يحيى الراهب
            25 تموز (يوليو) 2010 21:24

            لن نستبق الكتاب…. فتجربتنا مع الأستاذ طرابيشي خلال الأجزاء الأربعة السابقة بينّت لنا قدرته النقدية الفذة ّ و خصوصاً في كتابه المستقلّ عن المعجزة و سبات العقل .

            سنقوم بمراجعة لجميع المراجع التي إستعان بها طرابيشي للبحث عن الحقيقة و ليس للعاطفة الدينية .

            كلنا شوق ُ ُ لقراءة هذا العمل الضخم.


            الرد على التعليق

            • - Mohammad bitar
              7 تشرين الأول (أكتوبر) 2010 00:53

              ـ عمل ضخم ومجهود ننزل له قبعاتنا الاستاذ جورج يستحق صفة اكبر من كونه ناقدا بل هو علامة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ,ومع هذا فاني اظنه قد جانب الصواب في بحثه عن اممية الرسول فان كان الاستاذ عالج امسالة من داخل النص القراني فانه اغفل عشرات الايات التي تشير الى عالمية السالة القرانية وانا ارى بان هذا البحث الصغير من سفره الضخم لا يؤثر في اصل الفكرة من تحول الاسلام من اسلام القران الى اسلام الحديث , كتاب اكثر من رائع ونحن ننتظر من العلامة جورج طرابيشي ان يستمر في هذ الطريق من تأليف كتب تؤسس لمشروع ثقافي وغير قائم على الردود على الغير


              الرد على التعليق

amman - ريم كنعان
22 تموز (يوليو) 2011 22:03

الدعوى أن الرسول نزل للعرب الوثنيين لا تتناسب مع قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء : 107] وكذلك وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة : 143] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [سبأ : 28] ولم يخصص إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر : 24] قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً وإرادة الله ان لا يكون الناس أمة واحدة وأنهم لن يؤمنوا جميعاً , فلا رابط بين الآيه وبين إرسال نبي واحد بخطاب دعوي للبشرية جمعاء. وآية وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [يونس : 47] تدل على عكس ما ذهبت إليه فهي تدل على أن البشر الموجودين حالياً لهم رسول وبالتالي يكون هذا الرسول هو سيدنا محمد كونه الخاتم . وبالتالي سيدنا محمد مبعوث لكل الأمم التي تليه لأن الله يقول وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء : 15] هل تعتقد أن الله ترك الأرض من يومها ليوم القيامه؟ مع وجود الإنترنيت وتطور الإعلام أصبحت الرساله واضحة لكل البشر أما القول كان دوره بالنسبة الى أهل الكتاب كان دعوتهم للعودة الى كتبهم وتصحيح اخطاءها فهو صحيح ولكنه جزئي , لأنه يقتضى أصلا ان يقروا بنبوة محمد وبأن القرآن كتاب رباني لأن أهل الكتب السابقه لن يتمكنوا من تنقيح كتبهم الا بعرضها على القرآن مما يحتم اعترافهم بالقرآن ككتاب من عند الله وبهذا الفهم يدخلون في الإسلام هذه كانت النقطة الأولى وأما النقطه الثانيه فهي أن القرآن لم يصحح فقط ما في الكتب السابقه بل هيمن عليها وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة : 48] ونسخ منها مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 106] وقراءة الآيات بسياقها تدل على ان النسخ كان نسخ للتوراة أو على الأقل لأحكام معينه في التوراة (القبله..الخ) هذا التصحيح اعتمادا على القرآن دليل آخر على أممية الرسالة الخاتمه. كما أنك تقول بل أن عروبة القرآن وعروبة لسان المكلف بتبليغه هي الدليل على إلهية مصدره. وهذا صحيح ولكنه ليس دليلا حصرياً. فأوجه إعجاز القرآن كثيره جدا وتسمو على اللغه وأعظمها حركة المحتوى وثبات النص كما جاء في كتاب محمد شحروري الكتاب والقرآن وهذه تحدى بكل لغات العالم وليس فقط بالعربي ثم أن تحديد كلمة الناس بمعنى القوم هو تحديد لا يتفق مع قوله تعالى وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الجن : 5] قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء : 88] فهي تأتي بمعنى قوم أو جزء من الناس كما في المائده 110 تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ولكنها تأتي أيضا بمعنى البشريه جمعاء. ثم انك تقول أن الرسالة كانت مشروطه جغرافيا بأم القرى. أقول ان الآية ايضا لا تدل على حصر فأنت ان قلت لي انذري سمير لا يعني هذا انك تمنعني من أن أنذر وليد.


الرد على التعليق


Zeng Chuanxing (الصين)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter