كان البحث في الفضيلة وتحديد معناها ووضع معاييرها أحد الموضوعات المحورية التي شغلت المرحلة المتأخرة من الفلسفة اليونانية، وهي المرحلة التي بلغ فيها الفكر اليوناني أوج تطوّره مع سقراط وأفلاطون وأرسطو. ويعود سبب اشتغال سقراط بمشكلة الفضيلة، وغيرها من المشكلات التي حدّدت جوهر فلسفته، إلى محاولة التصدّي للحركة السفسطائية وحلّ الإشكالات والتناقضات التي أوقعت العقل فيها، عندما انتهى المتأخّرون من السفسطائيين إلى أنه لا يمكن وضع معايير ثابتة للحقيقة، ومن ثمّ لا يمكن تحديد جوهر حقيقي لها، فالحقيقيّ متلوّن ومتعدّد بتلوّن وتعدّد الأفراد ومواقعهم ومصالحهم وجِهات نظرهم. وانتهى السفسطائيون إلى أنّ المنهج الوحيد الذي يعمل العقل بواسطته هو منهج الجدل (بمعنى السفسطة)، وهو المنهج الذي تتطلّب البراعة فيه أن يحسن الإنسان فنّ الخطابة وإتقان استخدام الكلمات، حتى يصبح قادراً على إثبات الشيء ونقيضه، فيثبت أنّ الوجود وهو وجود، لكنه غير موجود، وأنّ المعرفة وهي معرفة، إلا أنّه لا يمكن معرفتها أو التعبير عنها أو تعريف الآخر بها، وأمام تناقضات كهذه فلن يكون صعباً إثبات أنّ الصدق ليس فضيلة، وأنّ الكذب خير مع أنّه شرّ، وربّما لا تحتاج البرهنة على الشرّ الذي في الكذب إلى براعة، لكنّ البراعة التي فتنت السفسطائيين هي في البرهنة على أنّ الصدق شرّ، ومن ثمّ نفي الخيرية عنه.
ومع أنّ سقراط كان تلميذاً نجيباً في المدرسة السفسطائية، إلا أنّه كان وضعياً في اختبار النتائج التي توصل إليها السفسطائيون، فلم تفتنه كلّ الحقائق المتقنة التي يقول بها الأساتذة الكبار، مثل بروتاغوراس وجورجياس وتراسيماخوس، أمام معطيات الواقع التي تبرهن نقيض هذه الحقائق. وتنبه منذ البداية إلى أن السفسطة لا تخرج عما أتقنه معلمو الجدل من التلاعب بالكلمات والأصوات، أو أنّها في أحسن الأحوال إساءة استخدام المفاهيم والعبارات في غير مكانها، أو التلاعب على حبال الغموض والالتباس في معانيها، فترك السفسطة باحثاً عن منهج ينجده إلى الحقيقة ويكون في الوقت نفسه ردّاً على الحركة السفسطائية وطريقتها، إن كان لديها طريقة، في الفلسفة.
كانت الحركة السفسطائية حركة سياسية في وقائعها وأخلاقية في جوهرها، لا بمعنى أنها حركة دعوية لنشر الأخلاق الفاضلة وتعليمها للناس، إنما كانت الأخلاق بموضوعها وطبيعتها دون تقييمها، هي الشغل الشاغل عند السفسطائيين الكبار، ويبدو أقرب للحقيقة أنهم سبقوا سقراط في إنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض. غير أنّ ما تمتّع به سقراط من نزعة إنسانية عزّ نظيرها في تلك المرحلة هو ما دفعه إلى توجيه البحث نحو أخلاق عملية تنشر الفضيلة وتنفع الناس. بيد أن وقوع هذه الأخلاق العملية موقع التطبيق كان مرهوناً باستنادها إلى معرفة نظرية صحيحة وقادرة على تقديم الحقيقة واحدة وثابتة، وهذا نقيض ما وصل إليه السفسطائيون، فأدرك معلم أثينا أنّ مشكلته الأولى هي مشكلة أبستيمولوجية تتعلّق بطريق المعرفة بالدرجة الأولى، ومن هذه الإشكالية خرجت دعوته في المعرفة لتركّز على منحيين اثنين: معرفة الإنسان نفسه (كانت مقولته "اعرف نفسك" ردّاً على دعوة السفسطائيين "أكّد نفسك أو "أفرض نفسك")، ومعرفة الماهيات الثابتة خلف كلّ تغيّر. فلم تخرج الفضيلة عنده عن الحلّ الأبستيمولوجي نفسه، لينتهي إلى أنّ العلم فضيلة والجهل رذيلة، مقرّراً في النتيجة أن لا أحد يفعل الشرّ مختاراً، بل بسبب الجهل الذي يعمي الفؤاد عن الفضائل.
بقي أفلاطون لفترة طويلة واقعاً تحت أسر أستاذه سقراط، بيد أنه بقي طيلة فترة الأسر هذه متشككاً بنجاعة الطريق السقراطي في المعرفة، لكنه لم يكن معتقداً بوجوب تغيير هذا الطريق، بل وجده قاصراً لا بدّ من تطويره باتجاه وضع معيار ثابت تستند إليه جميع الماهيات التي شغلت سقراط. فانتهى بعد رحلة بحث شاقة إلى أنّ هذا المعيار الثابت الذي يجب أن تستند إليه ماهيات ثابتة هو معيار خارج عن هذا الوجود الذي ينهش التغيّر كلّ زاوية من زواياه وكلّ جهة فيه، والذي لا يصلح أن يكون موضوعاً للعلم والمعرفة إذ لا علم يكون حقيقياً إلا علم بالكلّيات. فوضع عالماً خاصاً بالماهيات الثابتة سمّاه عالم المثل، وجعله منزّهاً عن كلّ تغيّر وتبدّل، وأسكن فيه الأرواح التي تسبق حسب رأيه أجسادنا، لأنها أرواح خالدة لا يصيبها الفساد ولا الزوال. وحيث أنّ عالم المثل هو العالم الأصليّ للأرواح فإنّها بطول مكوثها فيه قد أدركت كلّ المثل وعرفتها حقّ المعرفة، ولكن عندما حلّت في الجسد واستوطنت عالم المادة والتغيّر والفساد، أصابها النسيان وفقدت كلّ معرفة، وصار مشروعها الجديد هو التدرب على التذكر والتأمل حتى تستطيع استرجاع ما فاتها في عالم النسيان. وبذلك انتهى أفلاطون في تطوير فكرة أستاذه إلى نفس النتيجة مع تغيير بسيط وجوهري في الوقت نفسه : ينبغي أن تقام المعرفة على أسس تقع في عالم آخر خارج عالم الموجودات الحسية الذي ضاقت به فلسفة أفلاطون ذرعاً.
هناك في عالم المثل مجموعة موجودات ثابتة حقيقية وكلية لا تتغير، وعلى نموذجها تكون الأشياء الموجودة في عالم الحس، ليست كموجودات حقيقية وإنما كنسخ وظلال وأشباه للمثل الخالدة التي تتدرج من الكثرة إلى الوحدة، لتنتهي إلى مثالَي الحق والجمال ثم يعلوهما الخير باعتباره مثال المثل على الإطلاق. أما الفضيلة فليست موجودة في عالم المثل، إنها ليست مثالاً علوياً، ولا يقابلها في الواقع موجود أرضيّ يكون على شاكلتها، بل هي في السعي الدؤوب الدائم نحو التطابق والتماهي مع عالم المثل، إنها في تحقق العدالة التي تقتضي أن يكون كلّ شيء في مكانه المناسب وجهته الصحيحة. لكن العدالة التي ينشدها أفلاطون ليست فضيلة بسيطة وفردية، بل هي فضيلة كلية للاجتماع البشري تتحقق من تحصّل الفضائل الفردية الثلاث : الحكمة والشجاعة والعفّة، والتي تقابل مثلّث قوى النفس : القوّة العاقلة والقوّة الغضبية والقوّة الشهوانية.
بقدر ما كان وفاء أفلاطون لأستاذه مبعثاً على كسله، كان اختيار أرسطو أن لا يكون كسولاً أبداً، وحيث أنّ كسل التلميذ يتناسب طردياً مع الوفاء للأستاذ، فلم يكن أرسطو وفياً لأستاذه كما كان يرغب الأستاذ نفسه. وربما أدرك أرسطو من سلوك أستاذه قيمة التقدير الذي يكنه أفلاطون لعلاقة الوفاء التي تربط التلميذ بالمعلم، والتي جعلت سقراط حاضراً في كل المحاورات الأفلاطونية، لذلك كان على أرسطو أن يجد المخرج الأخلاقي الذي يخفف من حدة نقده لأفلاطون، فأعلن وفاءه الأوّل للحقّ قبل أفلاطون في كلمة ذهبت مثلاً: (نحب أفلاطون لكنا نحب الحق أكثر).
يتمحور الاعتراض الرئيس الذي دفع أرسطو إلى هدم النظرية المركزية في الفلسفة الأفلاطونية (أي نظرية المثل)، في أنه ليس من الحكمة أن نغيّر الأسماء عندما نكون عاجزين عن تغيير الأشياء، وإذا كان صحيحاً أنه لا علم إلا بالكليات، فصحيح أيضاً أن لا وجود إلا بالجزئيات، وهذا يقتضي أن الأشياء الموجودة في عالم الحس والمادة هي، رغم تبدلها وفسادها، أشياء حقيقية وليست أشباهاً أو ظلالاً، وأن عالم المثل الذي اعتقد أفلاطون أنّه عالم حقيقيّ مستقلّ ليس إلا عالم الأفكار التي يلدها العقل وعليها تتأسّس المعرفة. وبذلك لن تكون النفس خالدة ولا المادة عدماً.
رغم أنّ أفلاطون قد أبدع في صناعة عالم كامل بصورة بالغة التعقيد والإتقان، ليحقق وجود ماهيات ثابتة تكون ضامنة لصحة المعرفة، إلا أنه لم يستطع بالنسبة لتعريف الفضيلة أن يأتي بما أتى به أستاذه سقراط من قبل. أما أرسطو الذي تنبه مبكراً إلى أن العالم الحقيقي هو ما نرى لا ما نتخيل، فقد كان مولعاً بالتعريفات لدرجة تجعله أكثر التزاماً بالمبدأ السقراطي في البحث عن الماهيات، فأدرك أن لكل موجود جوهر ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وأن تعريف أي شيء يجب أن يتناول جوهره وجوهره فقط.
ما الفضيلة إذن؟ أدرك أرسطو أن الفضيلة لا تخص الفلاسفة وحدهم، وأن إدراكها لا يحتاج الترقي في هذا المعراج الصعب، معراج الجدل، الذي جعله أفلاطون واسطة الفيلسوف نحو عالم مثالي مفارق. لذلك كان التعريف الأرسطي للفضيلة تعريفاً عملياً وقابلاً للتطبيق والتمثل لدى كل حر من أحرار أثينا، فالفضيلة هي وبكل بساطة: وسط بين طرفين كلاهما رذيلة، في أحدهما إفراط وفي الآخر تفريط، وبين الإفراط والتفريط يقع الوسط الذهبي الذي يساوي الاعتدال كجوهر يجب أن يبقى ثابتاً لتتحقق كل فضيلة، وعليه نقيس الفضائل التي لا تستقيم حياتنا الأخلاقية بدونها. إن فضيلة الشجاعة هي وسط بين رذيلتي التهور والجبن، وفضيلة الكرم وسط بين الإسراف والبخل، وفضيلة الاعتداد بالنفس وسط بين الغرور والمذلة، والدعابة وسط بين الفظاظة والمجون.
ليس الاعتدال وسطاً حسابياً يقع في منصف المسافة بين طرفي مغالاة، وليست نتيجته محددة دائماً كما في الأمثلة السابقة، بل إن أرسطو قد وضعه كمبدأ عملي نقيس عليه الفضائل التي لا يمكن تسميتها، وإلا فما هما الطرفان اللذان يحيطان بكثير من الفضائل الأخرى كالصدق والرفق والأمانة والإخلاص والوفاء.. إلخ؟ أيضاً لا يمكن تحديد الوسط بكم ثابت في كل الحالات ومن كل الجهات، فالشجاعة في الدفاع عن صديق لنا تبدو تهوراً إذا استخدمت في الدفاع عن شخص مجهول في الشارع، وهي في الوقت نفسه جبن بالنسبة لدفاع المرء عن ولده أو والده.
ستجد النظرية الأرسطية في الفضيلة (الوسط الذهبي أو الاعتدال) قبولاً واسعاً لدى الفلاسفة والمفكرين فيما بعد، خاصة في الفترة الأقرب إلى زمن أرسطو، أي الفلسفة الوسيطة بشقيها المسيحي والإسلامي، وستحظى باهتمام منفرد لدى الفلاسفة المسلمين الذين حظي أرسطو بلقب "الفيلسوف الإلهي" بينهم، إذ أُوّلَت وسطية أرسطو لتناسب مفهوم الوسطية الذي يشغل موقعاً خاصاً في الدين والقرآن (وجعلناكم أمة وسطاً)، كذلك الأمر في الأثر الذي يقول (خير الأمور أوسطها). ولكن، وبعد مرور قرون طويلة، هل ما زال الوسط الذهبي مبدأ ناجعاً في القيم المعاصرة؟
في عصرنا الحالي.. تحتل فضيلة اللاعنف مكاناً مرموقاً في الدعوات الأخلاقية المعاصرة، بدأت مع السياسة التي انتهجها غاندي في مقاومة المستعمر البريطاني في الهند، والتي آتت أفضل ثمارها وصارت مثلاً يحتذى ومطلباً أخلاقياً ينحو نحو تأسيس مبدأ إنساني عام يقوم عليه التعامل بين الأفراد والجماعات والمجتمعات والأديان والدول. ولا يمكن استخراج فضيلة اللاعنف من الوسط الذهبي الأرسطي، ذلك لأنها لا تقع بين رذيلتين، بل بين حدّين متضادين أحدهما فضيلة والآخر رذيلة، وهما الرفق والعنف، وفضيلة اللاعنف تتوسط الحدين دون أن يجعلها هذا التوسط مشاركة لهما في جزء منها كما كان عليه الأمر في فكرة الوسط الذهبي، فاللاعنف يناقض العنف من جهة فلا يجتمعان معاً أبداً، ويغاير الرفق من جهة ثانية فيمكن أن لا يجتمعان معاً أيضاً. لذلك تصلح فضيلة اللاعنف لأن تكون خياراً ثالثاً يخرجني من مأزق التناقض الإحراجي بين أن أُعنّف من بيني وبينه عداوة أو لي عليه سلطة وهذا لا يجوز، أو أن أغمر عدوي بالرفق واللين وهذا ما لا أطيق. والمبدأ البسيط التي تقوم عليه هذه الفضيلة هو : قد لا أكون قادراً على أن أحبّ عدوّي كما يطالبني المسيح، لكنني قادر على أن لا أكون عنيفاً معه.
يمكن أن نسمي هذا الوسط الذي يحتله اللاعنف وسطاً ماسياً تمييز له عن وسط أرسطو من جهة، ولكونه من جهة أخرى يجعل الإنسان مسؤولاً مسؤولية أخلاقية عن أفعاله في كل الحالات. إلى جانب سعة تطبيقه مقارنة بوسط أرسطو، فيمكن أن تصبح كل (لارذيلة) فضيلة، كاللاكذب دون أن أكون ملزماً بقول الصدق الذي يفشي الأسرار، أو اللانفاق دون أن أكون صريحاً لدرجة إيذاء المشاعر، أو اللاحرب دون أكون مسالماً متطبّعاً مع أعدائي، أو اللاأنانية دون أن أكون غيرياً مهدّداً بالسفه أو السذاجة، أو اللاطمع دون أن أكون كأبي ذر الغفاري الذي رفض أن يمتلك الناس الذهب أو الفضة. إن الوسط الماسي هنا هو مجموع الفضائل التي تحققها الاستجابة للنواهي الأخلاقية : لا تقتل.. لا تسرق.. لا تكذب.. إلخ.
يمكن أيضاً أن نقيم الوسط الماسي على أساس منطقي يمكن تسميته "الحدّ المعدول"، أي أن الحدّ يكون إيجابياً رغم استخدام أداة السلب فيه، وهو ما يماثل القضية المعدولة في مبحث القضايا المنطقية، فقضية (أرى أنه لا مانع في زيارة المريض) هي قضية موجبة معدولة عن أخرى سالبة هي (لا أرى مانعاً في زيارة المريض). ومع أن الشكل المنطقي للحدود التي تبدأ بأداة النفي هو شكل سلبي، إلا أننا بتنا نستخدم هذه الحدود، سواء في لغة العلم أو الثقافة، كما نستخدم الحدود الموجبة. ويبدو أن اليونان، ومثلهم العرب، كانوا لا يجيزون استخدام أداة النفي في أصل المفردات التي تدل على الأسماء أو المفاهيم (أي الحدود)، لكننا اعتدنا الآن على استخدامها طلباً للدقة في التعبير عن كثير من الأفكار، كاللايقين الذي لا يعني الشك، واللاوثوق الذي لا يعني الريبية، واللامركزية التي صارت مطلب أساسي للعمل السياسي والإداري والمدني دون أن تعني التذري والفردية والطرفية، كذلك الأمر في اللاديني الذي لا يعني الإلحاد واللاأدري الذي لا يعني الجهل واللاعقلي الذي لا يعني الجنون. إن الوسط الماسي هو اللاوسط الذهبي الذي لا يعني الإفراط ولا التفريط. والواجب الوحيد الذي يحمله هو أنه ينهانا عما يجب أن لا نفعله.
- أمير الغندور
27 حزيران (يونيو) 2010 12:21
في فهم مسألة اللاعنف:
ولأطرح مثال واقعي، أتناول نفس المثال المطروح في المقال، وهو مثال العنف واللاعنف وحب العدو.
أولا لابد أن نميز تحديدا بين الآخر وبين العدو.
إلا أن الكاتب يوفر علينا هذه المهمة ويحدد المسألة بأنه يتكلم عن العدو. ويستدعي موقف غاندي اللاعنفي. ولكنه ينسى ذكر أن اللاعنف كان في إطار المقاومة. وليس في إطار (حب العدو).
وهذا يصب في إطار سوء فهم موقف غاندي. فغاندي (وكذلك مارتن لوثر كنج الأمريكي) لم يكن يمارس اللاعنف من موقف مثقف البرج العالي الباحث في فلسفات اليونان والمطور للأرسطية. بل كان غاندي (ومارتن لوثر كنج) يمارسان المقاومة بأعنف أشكالها على مستوى الوعي. أما على المستوى المادي فكان اللاعنف استراتيجية ضرورية لغياب أي تناسب في القوة بين الهنود والآلة الحربية البريطانية. (وكذلك بين الآلة البوليسية الأمريكية وبين الزنوج الأمريكيين).
إذن فمجال العنف كان محددا لدى غاندي ومارتن لوثر كنج في ممارسة المقاومة الواعية. فالمقاومة الواعية ليست لاعنف. بل هي عنف رمزي شديد القوة، وفق تعبير بيير بورديو. ويكفي أن نقرأ نصوص غاندي ونصوص مارتن لوثر كنج لنر كيف كانا يمارسان تحطيم وتدمير (أيديويوجيا الهيمنة) السائدة وقتها دون هوادة.
أما مجال اللاعنف، فكان في مواجهات الشوارع، لا في مواجهات الفكر. اللاعنف مجاله أشبه بالعصيان المدني ولا يعني اللاعنف بتاتا بقاء المقاومين في البيوت. بل يعني مواجهة المحتل وجها لوجه، وإعلان رفض وجوده، مهما بلغت قوته، ومهما بلغت الخسائر العنيفة التي يتحملها المقاومون.
اللاعنف الغاندي واللاعنف لدى مارتن لوثر كنج، لم يكن يعني الامتناع عن المقاومة. ولم يعني أبدا مسالمة العدو أو قبول الاحتلال.
اللاعنف الغاندي كان يعني تحديدا ممارسة الاستشهاد تحت دبابات العدو. واللاعنف عند مارتن لوثر كنج كان يعني الاستعداد للموت في الشوارع تحت هراوات قوات الشرطة الأمريكية.
هذا هو فحوى اللاعنف الذي يساء فهمه في ثقافتنا العربية.
لذا عندما نقرأ في المقال أن الكاتب يبحث عن خيار أخلاقي يحدد وظيفته كما يلي:
"يخرجني من مأزق التناقض الإحراجي بين أن أُعنّف من بيني وبينه عداوة أو لي عليه سلطة وهذا لا يجوز، أو أن أغمر عدوي بالرفق واللين وهذا ما لا أطيق."
أظن هناك الكثير ليقال في هذه المسألة: الكاتب يتكلم عن آخر يحدده كما يلي: من بيني وبينه عداوة أو لي عليه سلطة. ثم يتكلم عن آخر يتعامل نحوه كما يلي: ، أو أن أغمر عدوي بالرفق واللين وهذا ما لا أطيق. إذن نحن أمام آخر مقدور عليه أو آخر خاضع للكاتب، وللكاتب "سلطة عليه" لكن بينهما عداوة. وهذا أظنه نوع من العدو المستضعف، لا العدو المستقوي، كما في حالة "غاندي"
هنا أظن الكاتب يعطينا توصيف عن العدو، يختلف تماما عن حالة العدو لدى غاندي أو مارتن لوثر كنج، أو حتى عن حالة ما نعتبره عدوا في حالتنا العربية المعاصرة. فعدو غاندي وعدو مارتن لوثر كنج (بل وعدونا المعاصر) لم يكن عدوا مستضعفا بالمرة. بل هو عدو مستقوي تماما، ولذلك كان خيار اللاعنف هو خيار ضروري جدا بل وشبه حتمي.
لكن لو تم إزالة شرط القوة من العدو، وأصبح العدو مستضعفا ومقدورا عليه، فهنا لا أرى أن المشكلة التي يطرحها الكاتب هي غير قائمة أساسا. فالفضيلة التقليدية تقول (العفو عند المقدرة)، وهذا أظنه مفهوما بشكل أكبر من اللاعنف.
أما استخدام اللاعنف خارج سياقه التاريخي والموضوعي وتطبيقه بطريقة شكلانية لمجرد استعراض قوة كلمة (لا) فأظنه ليس مسوغا.
إن عدم التحديد (اللاتحديد) والتشوش (أو اللاوضوح) الموجود في توصيف الحالة الأخلاقية في المقال – (حيث نصادف عدوا مقدور عليه، بشكل يتنافي مع حالة غاندي المستشهد بها لتأييد فكرة اللاعنف). أقول أن التشوش الموجود في توصيف الحالة الأخلاقية (في المقال) هو هنا أساس المشكلة الأخلاقية، وليس مسألة البحث عن حل حسابي.
فالمسألة هنا هي في تعريف وتوصيف العدو، وفي توصيف وضعيته وفي توصيف درجة كفاءة وسلامة الخيارات الأخلاقية الأنسب المتاحة للتعامل معه. وليست بالمرة في حساب الوسط الأنسب بين هذه الخيارات. فقبل حساب الوسط الأنسب لابد أولا من تحديد الطرفين الأقصيين. ولو تمكنا من تحديد هذين الطرفين، ومن وضع تراتب سليم لهما على المتصل الأخلاقي الافتراضي، فهنا تكون المشكلة الأخلاقية قد انتهت أساسا، بحيث تصبح مسألة حساب الوسط، هي محض خطوة حسابية شكلية لا ضرورة لها.
وبناء على ما سبق أظن أن فكرة (الوسط) هنا هي شكلانية. ولأجاري توصيفات الكاتب أقول أنها (لامجدية). بل أظنها نوع من ممارسة النفي المخفف عن الاختيارات الأخلاقية التي يصفها الكاتب (بالمتطرفة). وكأن الحل هو أن نضع أمام الكلمة المتطرفة شكل الحرف (لا) فنشعر عندها بأن الأمور على ما يرام، دون أن نعاني المعنى الأخلاقي.
- أمير الغندور
27 حزيران (يونيو) 2010 12:24
بين لا العربية ولا الغربية:
أخاطر بالقول أن السبب هو: وجود كلمة (لا) أمام كلمة عنف.
فكلمة (لا) العربية تعني النهي كما تعني النفي.
بينما ليس هذا حال كلمة (لا) الغربية التي هي non
فالكلمة العربية حاسمة في النفي والنهي.
أما الكلمة الغربية فغير حاسمة بالمرة. بل يمكنني القول أن (لا) الغربية لا تعني النهي ولا تعني النفي، لكنها تعني غياب أو عدم وجود صفة محددة.
وأخاطر بتفسير آخر يقول أن النفي الغربي له تاريخ طويل عمل على ترسيخ فكرة أن النفي إنما يعني السلب المؤقت أو هو وضعية غير حاسمة في الفكر الغربي، وربما أشبه بما يقصده هيجل من السلب أو النفي، الذي يكون مجرد مرحلة في تطوير الأمور، بتوصيلها إلى مركب جديد، وليس بإلغاءها أو نفيها من الوجود. فنحن هنا في (سياق الفكر الغربي) أمام تحليل ثلاثي، يكون فيه النفي والسلب مجرد مرحلة مؤقتة تعمل في السياق الاابستيمولوجي لا في السياق الأنطولوجي.
أما الأمر فعلى العكس من ذلك في السياق العربي.
فأظن أن سياق الفكر العربي سياق ثنائي وانطولوجي مع تراجع شديد في السياق الابستيمولوجي. حيث يتخبط السياق العربي بين أن يوجد الشيء أو لا يوجد. ولا مرحلة وسط بين هاتين المنزلتين.
لذا فإن كلمة (لا) تعد كلمة شديدة الفاعلية في العربية، وهي كلمة حاسمة تفيد النفي التام والنهي.
أما في السياق الغربي، فأظن أن كلمة (لا) أخف وطأة، وهي مرحلية وليست حاسمة.
تحليلاتي هذه حول كلمة (لا) في السياق العربي والغربي هي محاولات في التمييز الثقافي بين سياقين مختلفين وتهدف إلى فتح نقاش حول هذه النقطة، وربما يثبت خطأي فيها.
وهنا قد تكمن خطورة لا العربية التي لا يمكن مقارنتها بسلامة لا الغربية، التي ترسخ لها تاريخ في الغرب جعلها أكثر مرحلة وأخف حدة ونفيا ونهيا، عما لها في السياق العربي.
- أمير الغندور
27 حزيران (يونيو) 2010 18:22
مراجعة:
اكتشفت مشكلة فيما قدمت أعلاه،حين افترضت أن معرفة الفضيلة والرذيلة ستؤدي حتما إلى حل المشكلة الأخلاقية. فهذا ليس صحيح. وأعترف بخطأي في هذه المسألة.
وهذا الخطأ الذي وقعت فيه وقع فيه أيضا سقراط نفسه. فسقراط يرى أن المشكلة الأخلاقية تنحل بالمعرفة. فلو تمكنا من تبيان الرذيلة والفضيلة للشخص، فهو سيختار الفضيلة حتما ويرفض الرذيلة.
إذن القول بنظرية الوسط في الفلسفة اليونانية يجعل نظرية المعرفة السقراطية لا قيمة لها.
أخطأت وأخطأ سقراط حين افترضنا أن المعرفة تكفي وحدها لممارسة الاختيار الأخلاقي. بدليل أن كثيرين يرتكبون الرذائل، بينما هم يعلمون جيدا أنهم لا يقومون بفضيلة بل برذيلة. أي أن شرط الجهل هنا يختفي. ومع ذلك تتم الرذيلة. ما يعني أن المعرفة لا تكفي لاتيان الفضيلة – كما ظن سقراط.
وهذا يعني أن معرفة الرذيلة والفضيلة لا تؤثر كثيرا في اتخاذ القرار الأخلاقي.
فهل تؤثر رياضيات حساب الوسط الأخلاقي على الشخص؟؟
لو افترضنا أن شخص يعرف الفضيلة من الرذيلة ولكنه رغم ذلك يختار الرذيلة، فهل نظن أن حسابات الوسط الأخلاقي ستكون لها أي قيمة لديه؟ لا أظن.
إذن فمن المقصود بحسابات الوسط الأخلاقي، تحديدا؟
ليس هو من يميز بين الفضيلة والرذيلة ويختار الفضيلة. وليس هو من يميز بين الفضيلة والرذيلة ويختار الرذيلة. أي أنه ليس الشخص العارف بالأخلاق والذي يختار اعتمادا على إدراكه الشخصي للأخلاق. لأن كلا الشخصين غير معنيين وغير منشغلين أساساً سوى بالانحياز لجانب واحد من الطرفين المتطرفين للأخلاق (الفاضل يتحيز للفضيلة، والشرير يتحيز للرذيلة).
إذن فالمقصود بحسابات الوسط الأخلاقي هو شخص آخر. وهو أظنه الشخص العادي الباحث عن التوازن. بشرط ألا يكون هذا الشخص مشغولا بالأخلاق للدرجة التي تجعله يميز بين الفضيلة والرذيلة ويختار وحده خياره الخاص.
إذن فالأخلاق التي يقدمها أرسطو هي أخلاق العامة والجموع والجماهير غير النخبوية. فحساب الوسط الأخلاقي هو بمثابة أداة تمنح لأشخاص لا هم بالأخيار ولا هم بالأشرار.
فالأخيار و الأشرار قد سبق لهم اتخاذ القرار الأخلاقي، وكل منهم يعرف خيارهم ولا يريد تغييره، اعتمادا على أي حسابات.
إذن فالحسابات الأخلاقية الأرسطية التي تقوم على حسابات الوسط الأخلاقي هي مقصودة للجماهير العادية، حيث تنزاح المعاناة الأخلاقية لتصبح محض إجراء حسابي بارد يتخذه الشخص.
وهنا تعتمد أخلاق كل شخص (من القطيع) على مهارته في ممارسة القياس وإجراء الحسابات، ولا تعتمد على أصالته الأخلاقية ولا تدل على عمقه الذاتي. وربما عدم الأصالة هذه هي السمة التي قصدها نيتشه بالهجوم حين رفض الأخلاق اليونانية منذ سقراط.
-
دمشق - شادي
28 حزيران (يونيو) 2010 00:15أشكر لصاحب التعليق عنايته بالمادة، قرأت ما فيها باهتمام، قد تكون كثيرة هي النقاط التي أختلف معه فيها، لكن كثيرة أيضا هي النقاط التي أوافقه عليها وأؤكد أنني ضمنتها في المقال، وما طرحه من إشكاليات حول المادة المكتوبة أظنها إشكاليات حاولت أن أتعرض لها ضمن المادة، شعرت أحيانا أنني فَهمت بالطريقة التي كنت أسعى لنفيها، مثالي الوحيدالذي سأسوقه هو لا العربية، فإدخالها على الاسم وحشرها بينه وبين لام التعريف التي تسبقه يجعلها (لا) مخففة، تشبه non الانجليزية، هناك أمثلة أخرى لكن الحوار سيطول حولها. للأخ أمير تحياتي ولكلماته امتناني
- أمير الغندور
28 حزيران (يونيو) 2010 07:57
اكادير - لحسن الشباني
28 حزيران (يونيو) 2010 15:11
في الواقع لم ترق لي في البداية قراءة هدا المقال ظنا مني انه سيكون غارقا في التفاصيل الفلسفية .لكن عندما رايت تعليق أ.الغندور وقرات بعض سطوره تراجعت عن موقفي السابق، فقرات المقال،ثم تعليق أ.الغندور ، ثم اعدت قراءة المقال ثانية .فاستنتجت انه رغم تقديري البالغ للمعطيات والتحليلات التي ادلى بها الغندور ،لا يمكن الا ان اكون متفقا مع أ. شادي العمر ،وقد شجعتني المراجعة التي استدرك بها أ.الغندور تعليقه الاول ،فاقول:-ان الاعتراض الاول الدي ادلى به الغندور من كون ان صاحب المقال -الدي يتحدت عن ما اسماه الوسط الماسي بديلا عن الوسط الدهبي- يفترض ضمنا اننا نعرف مسبقا طرفي القيمة الخلقية (المتحدث عنها)،وبالتالي فالمسالة محلولة اصلا .بينما المشكل في الاخلاق هو اننا "لانعرف".!!؟ حقيقة بدا لي هدا الامر "سادجا"لانه وقوع سهل في ابسط احابيل المثالية الافلاطونية .والحال اننا ندرك اليوم ان السلوك الانساني مؤطر بعدة محددات ودوافع واليات ومقاصد…مما يجعل من الظاهرة الانسانية عموما ظاهرة معقدة لا يمكن اختزالها في بعد واحد او تفسير مثالي .
تدعيما لما قدمه أ.شادي وأ.الغندور لي اضافة دات مستويين :1عملي -ايديولوجي : ما دمت عاجزا عن محبة عدوي ،فعلى الاقل لا اسيئ اليه اساءة مدمرة تفقده حقه في الوجود ،وهو ما يمكن ان يندرج تحت مسميات كثيرة من مثل (اللاعنف) كما اشار الى دلك صاحب المقال .هده الفكرة تنسجم تماما مع ظروف هدا العصر وتستجيب لبعض مطالبه الملحة ،حيث انتفت امكانيات الحلول الجدرية والتسويات النهائية .واستبدلت بانصاف الحلول او الحلول المؤقتة ،مما يفرض التنازلات والتوافقات بين كل الاطراف ،وبالتبعية مع دلك مشاركة ومسؤولية لاوسع قاعدة من الفاعلين .
2صحيح ما قال به أ.غندور من كون ان المنهج الضمني فيما يقترحه أ.شادي هو منهج تركيبي ،لكنه ليس منهج الدياليكتيك الهيجيلي (الثيولوجي في ماهيته وغائيته)ولكنه منهج ادغار موران المحتفي بالتعقيد والتركيب مند اللحظة الاولية من لحظات المنهج. فقد وجه موران انتقادات قوية ومحرجة لما اسماه "منظومة التبسيط" -الديكارتية المرجعية- والتفكير المبسط الدي يفترض ان اللحظةالاولية هي لحظة البساطةوالبداهة البريئة… وهو اسلوب يتلاءم مع الظروف المعرفية للقرن السابع عشر والقرنين الثامن عشر والتاسع عشر ،بينما اليوم وبفضل الثورات العلمية الشاملة و المنجزات التكنولوجية خصوصا في مجال المعلوميات والبرمجة الحاسوبيةالبالغة التعقيد والاتقان في نفس الوقت، بعد كل هدا ادن، سيبدو اخدنا بمنهج التبسيط امرامتخلفا وبدائيا حسب موران. بالتالي (وهدا ما يهمنا هنا) يجب ان تكون نظرتنا للانساق الاخلاقية وللقيم الاخلاقية نظرة تركيبية من ابرز ما تراعيه هناك اولا سياق التنزيل وان نضع في اعتبارنا تعددية الامكانات والحلول من جهة و تعقد الواقع و تشعباته ومستجداته المطردة .وهو ما اظن ان كلا من هابرماس و راولز قد وعيا به مما دفع بهما الى ملاءمة التصورات والرؤى الالفلسفية الاخلاقية والسياسية مع مستجدات الحياة المعاصرة . مع صادق الود والامتنان.
-
دمشق - شادي
29 حزيران (يونيو) 2010 00:19أستاذ لحسن شكرا جزيلا كنت قد خشيت أنني لم أحسن إيصال فكرتي من المقال لكن تعليقك طمأنني بذلك، حاولت في المقال أن أغامر بطرح معيار للقيم المعاصرة بواسطة آلية قديم، الأمر كانت مرتبطا بإمكانية تطوير هذه الآلية الأرسطية عبر إزاحة مفهوم الاعتدال إلى دائرة اللاشطط، وبعد تعليقك اعتقد أن الأمر قد نجح مع صادق الود


- أمير الغندور
27 حزيران (يونيو) 2010 12:18
الرد على التعليق