السبت 4 شباط (فبراير) 2012
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية

الصفحة الرئيسية > بوابة الأوان > من بيروت إلى التراث.. تأشيرة عبور باسم جورج طرابيشي / سعيد (...)

من بيروت إلى التراث.. تأشيرة عبور باسم جورج طرابيشي / سعيد ناشيد

الاحد 5 أيلول (سبتمبر) 2010
، بقلم   
طباعة المقال إبعث المقال عبر البريد الإلكتروني title=

شارك هذه الصفحة:
شارك

حين ترى الياسمين نابتاً فوق الرّماد فاعلم أنك في بيروت. تنسّم ما يكفيك من الهواء واحذر أن تنفخ في الرّماد. بيروت تفتح حضنها للعابرين إليها من أقصى المجيء إلى آخر نقطة للتفتيش قبل العبور الأخير. ماذا بعد بيروت؟ بيروت هي آخر القصة. هنا ينتصب الجدار الأخير لسؤال المشروع النهضوي العربي، من شبلي شميل وفرح أنطون إلى من التحقوا بها من الرعيل الذي أخشى أن يكون الجيل النهضوي الأخير، أمثال قسطنطين زريق وجورج طرابيشي وآخرين هم أكبر من أن تذكرهم ذاكرتي الصغيرة. كم نحن مدينون لهؤلاء الذين امتزج فيهم شيء من بقايا دم المسيح «العربي»، قبل أن يُصلب ثانية ويتفرّق دمه، هذه المرة، بين كافة الطوائف. كم نحن مدينون لهؤلاء «الكتابيين» بقوة الكتابة حين يكتبون نيابة عن الجميع؟ أنت إذن في آخر الذات الهجرية. احترس؛ فمن هنا تكون الهجرة الأخيرة.

بيروت التي تفتح حضنها للجميع، لا مساحة يلتقي فيها الجميع بالجميع. هي حاضنة الافتراقات ومفترق الطرق الموصدة في وجه كل الفرقاء ومن يفتشون عن نقــط التوازن المروري. لكنك أينما توقفت في بـيروت فأنت تقف في المكان الخطأ؛ لا تتــوقف إذن. وإن أعياك السّير فاحذر أن تقول لبيـروت «أف»؛ لأنك ستنفخ مباشرة في الرّمـاد. إن ريحاً خفيفة تكفي لتشـتعل كل الأزهار. بيـروت التي صمدت مرّات ومرّات أمام نيـران الجحيم، لا تصمد أمام أعواد الثقاب. اقتـراح بســيط، أن نكتب على مداخل المدينـة: ممنوع التدخين!

رغم ذلك الحب العذري الذي منحه لها، خلال الأزمنة الصعبة، فإن حرّاس المدينة المتنابذين على إحصاء أعواد الثقاب بالعد العكسي لساعة الانفجار، لم يمنحوه تأشيرة الإقامة الدّائمة في حضن المدينة المحروقة مراراً. كان مطلوبا منه أن يكون شاهد زور لفائدة من سيمّنون عليه بالحماية، وفق أعراف الذين يمنون حين لا يمنعون الماعون. بيروت، لكي لا ننسى، كم مرّة فتحت حضنها لشهود الزور. لم يشأ أن يكون رقماً ضمن المعادلة الطائفية، لذلك كانت حقائبه على محمل الرّحيل إلى ما بعد بيروت.

امتعض البعض من أصوله السورية في أوراق مسقط الرأس، آخرون لم يغفروا نبعه المسيحي في بقايا ماء التعميد، وأطراف ثالثة أو رابعة أو خامسة لم تتساهل مع اختياراته اليسارية، في وقت كان فيه الوجود كله يسارياً. لا رقم له للإقامة إذن، دنا الرّحيل.

صبيحة يوم الثالث من تموز من عام 1984، توجه المفكر العربي جورج طرابيشي صوب مطار بيروت برفقة زوجته الروائية هنرييت عبودي وابنتيه الطفلتين وقتها يارا وريم. لم يحمل معه من بيروت سوى حقيبة الملابس وكتاباً واحداً فقط. لم يلتفت إلى بيروت ليقول لها «أف»، فقد كانت أحلامه أكبر من منتجعات ملوك الطوائف والسلالات السياسية، كانت أحلامه بحجم سؤال النهضة. لم يكن خروجه من نيران بيروت وقتها، رحلة الطلاق مع الذات، بل كانت رحلة العبور إلى أعماق الذات ليكتشفها مجدّداً عبر قراءات ثم قراءات مضادّة، بعيداً عن خطوط اشتباك الذات مع الذات. إنه المنفى الذي نصفه بالاختياري حين نلتمس ظروف التخفيف من ثقل الكلمات.

من مدينة الياسمين والرّماد، إلى مدينة الجن والملائكة، لم يحمل معه من الكتب سوى كتاب واحد، لم يصبر على قراءته وهو في الطائرة، وكان أنيسه خلال الأيام الأولى من المقام الباريسي. إنه كتاب «نقد العقل العربي» لمحمد عابد الجابري.

احتفى بالكتاب وكتــب عـنه في الأعداد الأولى لمجلة الوحدة، والتي كان يشرف عليها رفقة إلياس مرقص ومحي الدين صبحي وآخرون ممن أخشى دائما أن يكونوا الرّعيل الأخير لسؤال النهضة. وضمن الأعداد الأولى للمجلة ساهم أيضا محمد عابد الجابري بقلمه وساهم معه كثيرون ممن سيتوارون بعدها عن المشهد الثقافي العربي في زحمة المتغيرات المتواترة.

في لحظة من لحظات استكشافه لمشروع الجابري، استيقــظت عنده «غريزة» التمحيص، التي يشهد له بها كل من راجع مخطوطاتهم، وبدأ يسجل أخطاء علمية تعتور مشروع الجابري، بدءا من ثغرات في الإحالات، وانتهاء بأحكام قيمة لا تنمّ سـوى عن تمركز حول «عقلانية» مغربية مزعـومة؛ أحكام جزافية قادت الجابري إلى أن يصنف ظاهرية ابن حزم ضمن الاتجاه العقلاني في الفقه الإسلامي.

تلك الأعطاب وغيرها، سيكشف عنها طرابيشي في مشروع عملاق حول «نقد نقد العقل العربي». قاده في الأخير، إلى مشروع يكاد يكون مستقلا ضمن مجلد ضخم بعنوان: «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة». حتى خصومه، وفي أدنى مستويات الاعتراف، قد شهدوا له فيه بتماسك الأطروحة وسعة الاطلاع.

كان بصدد تدوين خاتمة لكتابه الأخير عندما راسلته:

ـ أستاذنا، الذي كشفتَ لنا عن حدوده، توفي اليوم.. لقد مات محمد عابد الجابري، وبحسب تقديري سيكون لأية شهادة تأبينية منك، وقع كبير، لا سيما عندنا في المغرب. يمكنك أن تنشرها في أي مكان تريد، ثم تخبرني لأحاول نشرها في الصحيفة المغربية التي أشرف الرّاحل على تأسيسها ونشر فيها آخر مقالاته.

ـ تلقيت النبأ قبل ساعة فقط، وأنا أتساءل حول ما إذا كان عليّ أن أكتب كلمة في الموضوع، لكني أظن بأن رسالتك قد حسمت الموقف، وسأمضي الآن لكتابة كلمة أبعثها إليك، ولك مطلق الحرية في أن تتصرف في نشرها كما يبدو لك.

شعرت حينها بثقل الثقة من مفكر عربي كبير، أغنى الخزانة العربية كمّاً وكيفاً بعشرات الكتب والترجمات والدراسات، وشعرت بحرج بالغ وهو يضيف قائلا لي : وإذا لم تعجبك الكلمة فيمكنك أن تصرف النظر عنها.

كم هم صغار مفكرون آخرون عرفت بعضهم في غفلة من الزمن الرديء، ولم أر فيهم غير تضخم في الأستاذية يبلغ حد التخمة.

لا بد من جيل ثقافي جديد. هكذا أحسب جورج طرابيشي يقول في خاطره، وهو الذي عرف كيف يجدد دماءه باستمرار.

هل هي مأساة جامعاتنا الخاوية على عروشها إلا من رحم ربك؟ ربما…

جنازة الجابري كادت تكون مسخرة، لولا أن تدارك الأمر رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق عبد الرحمن اليوسفي، وقد طلق السياسة لكي لا يطلق الأخلاق، بتنظيم حفل تأبيني يليق بالمقام خلال الذكرى الأربعينية، وبنحو يجبّ ما قبله ويدفع الهزال بالتي هي أحسن.

في تلك الجنازة، التقيت بطاقم الصحيفة. كان بادياً على الوجوه حزن الفقد والحيرة والخوف من شريعة التنكر والخذلان. أخبرتهم بأني سأحول إليهم في المساء شهادة جورج طرابيشي في حق الراحل.

ساعتها وكأن الدماء انبعثت في وجوه الحاضرين، وكأن بريق الأمل بأن الراحل، الذي لم يحظ بالرعاية اللائقة، لن تخذله أقلام مفكرين كبار في نبلهم وخلقهم، حتى ولو كانوا من أشد خصومه.

كانت الشهادة حدثاً ثقافياً في المغرب، لم أخبر جورج بكل تفاصيله، لأن الكثير من التفاصيل تحتاج إلى تفاصيل شارحة في بلد أحداثه الثقافية نادرة جدّاً.

رُبع قرن من حوار بلا حوار.

هكذا عَنون جورج طرابيشي شهادته التأبينية في حق محمد عابد الجابري.

حينها شعر الجميع بأن جورج انتصر في الأخير، على الأقل، بالأخلاق الترجيحية.

الكثيرون استدلوا بالشهادة واحتجوا بها على مفكرين مغاربة ـ مثل عبد الله العروي (منافس الجابري على مرجعية التيار التقدمي بالمغرب) وبنسالم حميش (وزير الثقافة) ـ قاطعوا كافة الأنشطة التأبينية ولم ينطقوا ولو بكلمة واحدة في حق الرّاحل.

الأسلوب الأخلاقي والحضاري الذي دخل به جورج طرابيشي على خط التأبين كان مناسبة قاس بها كثير من المثقفين المغاربة حجم العطب الأخلاقي الذي يعتور ساحتنا الثقافية.

هل هي أخلاق من يحملون في دمائهم بقايا من دم المسيح الذي افتدى البشرية جمعاء بلا تفرقة بين الأحبة والخصوم؟

سؤال أتركه عالقاً على جدران بيروت، في انتظار الجواب.

لم أكن أعلم بأن الروائية هنرييت عبودي هي زوجة جورج طرابيشي ورفيقة دربه الثقافي الطويل، إلا مؤخراً. حينها قلت له:

يا سيدي إن رفقة هنرييت عبودي لتغنيك عن هوى بيروت وعن الوجع العربي من البحر الميت إلى «بحر الظلمات»..

فطوبى لكما.

 

عن جريدة السفير البيروتية 5/9/2010

 

التعليق على هذا المقال

تعليقات حول الموضوع

- .عادل دمق
5 أيلول (سبتمبر) 2010 16:59

" لم يكن خروجه من نيران بيروت وقتها، رحلة الطلاق مع الذات، بل كانت رحلة العبور إلى أعماق الذات ليكتشفها مجدّداً عبر قراءات ثم قراءات مضادّة، " جورج طرابيشي من رواد الثقافة والفكر و النقد. من يجادل في ذلك ؟ و لكن !!! لم أر في خصال الأنام عيبا كنقص القادرين على الكمال.!!! نعم حاول اكتشاف أعماق الذات ,ولكن أيةذات ؟ فيما طالعت ,كان عمله منصبا على الذات الجمعية فقط .لم أطلع على تحليل ذاتي شخصي كما فرويد في "حياتي و التحليل النفسي" أو "المنقذ من الضلال" للغزالي. ربما لم يدون ذلك.ولكن يبدو , من كتاباته,أنه لم يخض التجربة خاصة أنه لم يطوّع مفهوم الاشعور ليرتاد مجالات رحبة مهمّة .من يتصدى لاستكشاف الذات الجمعية قبل استكشاف الذات الشخصية يكون عمله, لا محالة,شاشة ترتسم عليها العقد الكامنة و الرضات المستكنة و الأهواء الدفينة ,فيضل ويضل وهو لا يشعر.


الرد على التعليق

- أحمد Alqassimi
6 أيلول (سبتمبر) 2010 19:33

أريد أن أسجل شهادتي كقارئ للكثير من الكتب التي ألفها وترجمها جورج طرابيشي والتي أصبحت جزءا من حياتي. أنا مدين له بالكثير, وسعيد أنه بيننا الآن وهو مازال قادرا على العطاء. وأود هنا أن أشير إلى مسألة غاية في الصغر ولكنها تعكس أي عقلية لدى جورج طرابيشي وهي ذكره في مقدمة كتابه المثقفون العرب والتراث من أنه كان يخطط للكتاب أن يكون أطروحة دكتوراه في السوربون ولكنه عدل عن الفكرة لأنها كانت ستأخذ منه سنتين أو ثلاث في الترجمة وهي وقت هو بحاجة إليه. طريقة التفكير "غير الواقعية" تنبعث من تواضعه الكبير الذي يميز ناقد أدبي وفيلسوف عربي فذ وهي التي تفسر تجاهله من قبل الكثيرين الذين تتلمذوا على كتبه المؤلفة والمترجمة. تحياتي لك أستاذ جورج. أنا فخور بك من القلب والعقل.


الرد على التعليق

منوبة - عادل بن عبد الله
8 أيلول (سبتمبر) 2010 00:27

هل تستحقّ الشهادة للذين نحبهم "كثيرا"أن تكون أكثر من اسمها وأن تتغذّى من لحم الذين نحبهم "قليلا"ا؟ هل ينبغي أن يمعن الغائب في الغياب كي يملأ الحاضر حضوره؟هل يجب أن نضع أنفسنا حكّاما في حلبة ليس فيها إلا لاعب واحد وأن نخاصم الغائب ليرضى المنتصر"بالأخلاق الترجيحية"؟ أظن أنّ الدكتور طرابيشي أرقى و أعظم من أن ينتصر بعد ذهاب الخصم ..هذا أصلا إن كان ينظر إلى المناظرات و المساجلات بينه وبين المرحوم الجابري بهذا المنظور الرياضي .وإني أنزّه الدكتور طرابيشي عن ذلك و أربأ به عن سماع كلام هو في غنى عنه.هل هذه شهادة لرجل أم "تقويم "لآخر لا يمتلك إلا السمع حيث هو الآن…؟ هل الدكتور طرابيشي في حاجة إلى هذه الجولة" الإضافية" ليعرف له الثقفون الفضل؟ هي أسئلة لم أملك إلا طرحها بصوت عال .وهو صوت قد لا يصل إلى الجابري-رحمه الله- ولكنه لا بدّ أن يصل لكل من يركب بحر الحكم وهو محكوم و يوزّع الجوائز بين علماء أظن أنهم لا ينظرون إلى كل ذلك إلا كما ينظر الراشدون إلى ألعاب الصيية. وختاما تحية إلى كل قراء الأوان وخاصة الصامتين منهم


الرد على التعليق

  • - أويحي الشرقاوي
    8 أيلول (سبتمبر) 2010 06:31

    كنت أرسلت تعليقا ولم ينشر، ولكن كلام عادل بنعبد الله السليم الحكيم كفاني، بورك فيك، كفيت غيرك ووفيت عهدك يا أستاذ عادل.


    الرد على التعليق

- أمير الغندور
9 أيلول (سبتمبر) 2010 10:01

- تكمن قوة جورج طرابيشي في سهولة قراءته .. فأظن أن أول كتاب كامل قرأه كان لطرابيشي بعنوان الماركسية والمسألة القومية على ما أذكر .. حيث لم أستطع ترك الكتاب من يدي حتى أتيت عليه كاملا.
- لكن هناك سمة مميزة لجورج طرابيشي نجد اختلافها التام عند الجابري.
- ذلك أن طرابيشي يتميز بالتنقل والترحال وعدم الغزل والنسج حول مشروع مركزي
- وهذا يتفق مع عنوان مقال ناشيد أعلاه .. فبالفعل طرابيشي هو كاتب نقال أو رحال.
- فكتبه الأخيرة تغير موضوعاتها كل خمس صفحات .. وهو في ذلك على النقيض من الجابري.
- فالجابري مفكر صاحب مشروع هام ومركزي.
- ومن الصعب التفكير بعدالجابري دون ذكر مشروع الجابري، سواء نقدا أوقبولا.
- الجابري غير مسار الفكر العربي .. وركز في مشروع أساسي وأنجز فيه الكثير مما عجز عنه عشرات بل مئات المفكرين من قبله.
- ما سيبقى من الجابري معروف وموجود في مشروع منتظم ومتسلسل منطقيا وفكريا.
- ولا أظن أن مشروع الجابري يمكن نقده بتصيد بعض الأخطاء التوثيقية هنا أو هناك مثل أنه نسى نسب فكرة العقل كأداة أو كثقافة أو وضع اسم أندريه لالاند مكان لوسيان جولدمان .. وأمثال هذه المسائل التي تنشغل عن رؤية الغابة للإنشغال بفحص إحدى الأشجار.
- أظن أن أهم ما قدمه طرابيشي ليس هو نقند نقد العقل العربي .. بل ترجماته الأسبق .. والتي قدمت لنا المشاريع الفكرية في الغرب مثل سارتر وماركوز وسيمون دو بوفوار .. حيث كان وكأنه احتكر ترجمة حقبة فرنسية كاملة وقدمها لنا .. وهو ما يجعله رحالا نقالا مترجما بارعا.
- لذا فنقده لمشروع الجابري هو نقد مترجم مطلع .. وليس نقد مفكر مغاير ومختلف.
- لدي كل كتب طرابيشي في نقد مشروع الجابري .. وفي كل منها توقفت عندما جاوزت الصفحة المائة .. وهذا على خلاف ما كنت أفعل مع كتبه الآخرى التي اعتدت أن أقرأها جميعا للنهاية حين كان مترجما لا ناقدا .. فهذا هو مشروعه (الترجمة) والنقل الأمين .. وهذا ما أظنه سيبقى من طرابيشي.
- وكنت أتمنى لو استمر في هذا الخط لأنه خط مهم ومطلوب .. لكنه كعادته انتقل وارتحل وترك مشروع الترجمة .. إلى مشروع آخر أحسبه سيظل كما أسماه هو "هرطقات" .. أو هوامش وتعليقات.


الرد على التعليق

  • - أحمد Alqassimi
    11 أيلول (سبتمبر) 2010 03:21

    يوجد مثل عراقي يقول" هو في كل قدر شبشيره" والشبشير بالعراقية هو الملعقة الكبيرة التي تستخدم في الطبخ. أمير الغندور لديه في كل شيء رأي " واضح" وربما في كل المواضيع التي كتبت أو سوف تكتب في " الأوان". يحاول أن يقيم جورج طرابيشي بعدة كلمات قاطعة نهائية ولربما يتوقع منه أن يسلك مسلك الإبن في قصة الحكم ل كافكا. أما النقد فلا أظنه قرأ له كتبه في النقد الأدبي مثل شرق وغرب, رجولة وأنوثة"(الذي كان رائدا في تناول المرأة العربية في الأدب وظهر في فترة كانت فيها حتى الكتابات الغربية في هذا المجال نادرة) أو الله في رحلة نجيب محفوظ" أو الأدب من الداخل أو كتب نقدية أخرى مثلا وإلا كان أشار بالإضافة للترجمة إلى ممارسة طرابيشي للنقد الأدبي. طبعا كلامي ليس معناه التقليل من شأن مفكر كبير كالحابري ولكن معناه أيضا أن من حسن حظ العالم العربي ظهور مفكر من وزن طرابيشي ليجادله. الفائدة, كما هو لسان حال المقال المنشور أعلاه, هي للقراء العرب وللثقافة العربية. إن المناظرة بين الجابري وطرابيشي هي أفضل إختتام للقرن العشرين العربي, كما قال عبد الرزاق عيد.


    الرد على التعليق

    • - أمير الغندور
      11 أيلول (سبتمبر) 2010 05:27

      - أ أحمد .. بالطبع قرأت لطرابيشي نقده الأدبي النفساني .. لكل من نجيب محفوظ ونوال السعداوي وغيرهم .. لكن هذا في مجال النقد الأدبي لا الفلسفي..
      - ولا يمكنني ولم أقصد إلى اختزال مساهمات طرابيشي الهامة في مجال النقد ..
      - لكني قلت أن نقد طرابيشي للجابري هو نقد مترجم رحال بين الكتب .. وليس نقد صاحب مشروع مختلف ..
      - ولم أدخل في تقييم مساهمات طرابيشي في النقد الأدبي .. وهي مساهمات هامة .. لكنه كعادته تركتها وارتحل إلى غيرها ..
      - فليس لي ولا أقد رعلى تقييم كامل أعمال طرابيشي .. ولم يكن المحور الضيق الذي اخترته للحديث عن أعمال طرابيشي هو مجمل أعماله ومساهماته .. بل فقط ما يتعلق بها بالجابري .. وفقما أتى في المقال أعلاه.
      - وحول هذا النقد تحديدا (للجابري) تأتي كلماتي دون أن تنسحب على كامل أعمال طرابيشي .. وضمنها النقد الأدبي


      الرد على التعليق

    • - نادر.أ.حاتم
      11 أيلول (سبتمبر) 2010 12:58

      السيد أ.الغندور عجبت لتعليقك : فأنت تعترف بأنك لم تقرأ إلا صفحات اولى من كل كتاب من كتب الأستاذ طرابيشي وتصدر مع ذلك حكماً إجمالياً بأنه ليس بمفكر بل مجرد مترجم.ثم إنك تتهمه ب" النطنطة " في كتبه من موضوع إلى موضوع .فهل قرأت أطروحته عن "المرض بالغرب "أو عن " المعجزة في الإسلام " أو عن " مصائر الفلسفة بين المسيحية والاسلام " ، فضلاً عن دراساته الأدبيةالأحادية الموضوع مثل " الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية "أو "أنثى ضد الأنوثة : نوال السعداوي " ؟وهل قرأت أيضاً دراساته للرواية العربية في عدة أجزاء وبمنهج أحادي هو حصراً المنههج التحليلي النفسي الذي كان له سبق ريادي في تطبيقه في الثقافة العربية المعاصرة؟ ولئن تكن مجلداته الخمسة في " نقد نقد العقل العربي " "تنطنط " بالفعل من موضوع إلى موضوع أفليس ذلك لأنه كان مضطراً إلى " النطنطة " مع منقوده الدكتور عابد الجابري الراحل ؟ ولكن مع هذا الفارق : فعلى حين أن الجابري كان يكتفي بصفحتين أو ثلاث للانتقال من موضوع إلى موضوع ، كما فعل في إدانته للهرمسية المزعومة لإخوان الصفاء أو في إدانته للغة العربية بوصفها محض لغة بدوية ، فإن طرابيشي اضطر إلى أن يكتب في كل مرة نحواً من مئة صفحة لإثبات الانتماء العقلاني لإخوان الصفاء أو للدفاع عن اللغة العربية بوصفها لغة حضارية كبرى أو هكذا كانت على الأقل.


      الرد على التعليق

تونس - محمد الحاج سالم
9 أيلول (سبتمبر) 2010 18:45

قرأت باهتمام هذا المقال ووجدته يغمط حقّ مفكّر كبير في هذا الزمن الأغبر الذي يجعل أحدنا لا يترحّم على موتاه إلاّ برجمهم لغايات أقلّها إكرام غيره، ولو على حسابه. فمن لا يعرف المرحوم العظيم الجابري يخرج من هذا المقال بأحكام تجاه أعماله تتلخّص في " أخطاء علمية" و" ثغرات في الإحالات" و"أحكام قيمة لا تنمّ سـوى عن تمركز حول «عقلانية» مغربية مزعـومة" و" أحكام جزافية"، وهي جميعها "أعطاب" لم يقدر على كشفها إلاّ مفكّر - كبير بلا شكّ في رأيي- في "مشروع عملاق" شهد له فيه الجميع بـ"تماسك الأطروحة وسعة الاطلاع" سواء من مريديه أو "حتى خصومه".

ماذا يعني هذا؟ إنّها مقابلة واعية ومقصودة، بل وأكاد أقول: عن سبق رصد وإضمار- بين رجلين، أو مشروعين إن أردنا، يتمّ فيها رمي الورود على موكب رجل حيّ يسعى ويرى ويمكنه أن يردّ بما شاء على ما شاء، مقابل رجم قبر آخر ميّت لا يشفع له حتّى موته بذكر قليل من مآثر لم يتوان المراد تكريمه على حسابه من الاعتراف بها.

فيا أستاذ ناشيد: خفّف الوطء فما أظنّ أديم الأرض …


الرد على التعليق


Zeng Chuanxing (الصين)

في مفهوم "الدّولة (...)

مفهوم وتركيب لغويّ ظهر حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان (...)
alawan on facebook
alawan on twitter